النص المفهرس

صفحات 361-380

المسلمون يقاتلون مسيلمة الكذاب وأصحابه ألجأوم إلى حديقتهم ، فحمل
الناس البراء بن مالك حتى ألقوه إليهم داخل السور، ففتح لهم الباب .
وأما قصة مرحب فقد روي فى الصحيح : أن عليا رضي الله عنه
قتل مرحبا ، وروي فى الصحيح أن محمد بن مسلمة قتل مرحبا ، وقال
بعضهم : بل إحدى الروايتين غلط .
وأماكون البيضة التى على رأسه كانت جرن رخام فكذب ، وكذلك
كون الضربة قسمت الفارس وفرسه ونزلت إلى الأرض ؛ فهذا كله
كذب ؛ ولم ينقل مثل هذا أهل العلم بالمغازي والسير ، وإنما ينقله
الجمال والكذابون .
وأظهر من ذلك عبور العسكر على ساعد علي ومرور البغلة ودعاء علي
عليها بقطع النسل ؛ فإن هذا وأمثاله إنما يرويه من هو من أجهل الناس بأحوال
الصحابة ، ومن هو من أجهل الناس بأحوال الوجود ؛ فإن البغلة ما زالت عقيم)؛
وعسكر خيبر لم يكن فيه بغلة أصلا ، ولم يكن مع المسلمين بغلة ولا فى
المدينة بغلة ولا حولها من أرض العرب بغلة ، إلا البغلة التى أهداها
المقوقس صاحب مصر للنبي صلى الله عليه وسلم، وكان أهداها له بعد
خيبر ؛ فإنه صلى الله عليه وسلم لما صالح أهل الحديبية رجع منصرفا
٣٦١

ففتح الله عليهم خيبر، ثم رجع وأرسل إلى الملوك رسله ، فأرسل
إلى كسرى ، وقيصر ، والمقوقس ، وملوك العرب بالشام واليمن واليمامة
والمشرق ، ولكن المعروف عند أهل العلم أن عليا قلع باب خيبر .
وما ذكر من نزول ذو الفقار من السماء كذب ، وقد تقدم أنه
كان سيفاً من سيوف أبى جهل غنمه المسلمون يوم بدر منه ، فأما
علي فقد سماء أبوه بهذا الاسم قبل أن يبعث الله محمداً بالنبوة ،
وقبل أن يثبت لأحد حكم الإسلام : لا من الرجال ، ولا من الصبيان.
وأما قول القائل : إنه كان عصا موسى و سفينة نوح وخاتم
سليمان ، فهذا لا يقوله عاقل يتصور ما يقول ، وهو بكلام المجانين أشبه
منه بكلام العقلاء ، وهذا لا يقصد [ أحد ] مدح علي به إلا لفرط فى
الجهل ، فإن عليا هو ومن دونه من الصحابة أشرف قدراً عند الله من
هذه الجمادات وإن كانت العصا آية لموسى فليس كل ما كان معجزة لنبى
أفضل من المؤمنين ، بل المؤمنون أفضل من الطير الذي كان المسيح
بصوره من الطين فينفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله ، وأفضل من
الجراد والقمل والضفادع والدم الذي كان آية لموسى ، وأفضل من
العصا والحية ، وأفضل من ناقة صالح . فمن ظن أنه بهذا الكذب
والجهل يمدح علياً كان جهله من المدح والثناء من جنس جهله بأن
هذه الجمادات لم تكن آدميين قط .
٣٦٢

وأما قول القائل : أنه شرب من سرة النى صلى الله عليه وسلم
فدرى على الأولين والآخرين ، فهو أيضاً من الأكاذيب ، فإن العلم
الذي تعلم علي من النبي صلى الله عليه وسلم كان حاصلا قبل موته ، وما
رزقه الله من الفهم والسماع وزيادة العلم بعد موته فلم يكن سببه شرب
ماء السرة ، ولا شرب أحد على نبى ولا غير ني فحصل له بذلك على
أصلا ، ولا كان أحد من الصحابة لا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا
علي ولا غيرهم يعلم علم الأولين والآخرين .
وقد ثبت للصحابة رضي الله عنهم من الفضائل الثابتة في الصحاح
ما أغنى الله بها عن أكاذيب المفترين، مثل قوله الذي صح عنه من
غير وجه: (( لو كنت متخذاً من أهل الأرض خليلا لا تخذت أبا بكر
خليلا )) وقوله: ((لا يبقين فى المسجد خوخة إلا سدت إلا خوخة أبي
بكر)) وقوله: ((إن أمن الناس علينا فى صحبته وذات يده أبو بكر))
وقوله: (( أيها الناس! إنى أتيت إليكم فقلت: إني رسول الله
إليكم ، فقلتم : كذبت ، وقال أبو بكر : صدقت ، فهل أنتم تاركوا
لي صاحبي ؟ فهل أنتم تاركوا لي صاحبي ؟ فهل أنتم تاركوا لي صاحبى)»
وقوله فى مرضه الذي توفى فيه: ((مروا أبا بكر فليصل بالناس » مرة
بعد مرة، ومثل قوله لعائشة: ((ادعي لي أباك وأخاك حتى أكتب
كتابا لأبى بكر لا يختلف الناس من بعدي)) ثم قال: ((بأبى الله
٣٦٣

والمؤمنون إلا أبا بكر)) ؛ وأمثال ذلك.
ومثل قوله: «إنه كان فى الأمم قبلكم محدثون ؛ فإن يكن فى
أمتى أحد فعمر))، وقوله لعمر: ((ما رآك الشيطان سالكا فيا
إلا سلك فيا غير فجك))؛ وقوله: «رأيت كأني أتيت بلناء من لبن
فشربت ثم ناولت فضلي عمر ، قالوا : فما أولته ؟ قال: العلم )) ، وقوله:
((رأيت كأن الناس يعرضون علي وعليهم قمص، منها ما بلغ الثدي ،
ومنها ما يبلغ دون ذلك ، وعرض علي عمر وعليه قميص يجره ! قالوا :
فما أولته؟ قال: الدين))، وقوله: ((رأيت كأنى على قليب أنتزع
منها ، فأخذها ابن أبي قحافة فنزع ذنوباً أو ذنوبين وفى نزعه ضعف
والله يغفر له ، ثم أخذها ابن الخطاب فاستحالت غربا ، فلم أر عبقريا
يغرى فريه، حتى صدر الناس بعطن)).
وأمثال ذلك ، مثل قوله عن عثمان: « ألا أستحي ممن تستحيي
منه ملائكة السماء))، وقوله: (( من يشتري بئر رومة وله الجنة))
فاشتراها عثمان، وقوله فى عثمان لما جهز جيش العسرة: ((ما ضر عثمان
ما فعل بعد اليوم ))، وقوله يوم بيعة الرضوان لما بايع المسلمين تحت
الشجرة: ((هذه يدى عن يمين عثمان))، وكان قد بعثه رسولا إلى
أهل مكة ، وقال ابن عمر : كنا نقول على عهد رسول الله صلى الله
عليه وسلم : أبو بكر ، ثم عمر ؛ ثم عثمان. وأمثال ذلك .
٣٦٤

ومثل قوله عام خيبر: ((لأعطين الراية غداً رجلا يحب الله ورسوله ،
ويحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه))، وكان على غائباً بالمدينة
لأنه كان أرمد ، فلحق بالنبي صلى الله عليه وسلم ، فلما أصبح قدم
على فأعطاه الراية حتى فتح اللّه على بديه ، ولما خرج فى غزوة تبوك
بجميع الناس ولم يأذن فى التخلف إلا لأهل العذر واستخلف علياً على
المدينة ، فطعن فيه بعض المنافقين فلحقه علي وهو يبكى ، وقال :
أتخلفى مع النساء والصبيان؟ فقال: (( أما ترضى أن نكون منى
بمنزلة هارون من موسى؟ غير أنه لا نبي بعدي))، وأدار كساءه
على علي وفاطمة وحسن وحسين فقال: ((اللهم ! هؤلاء أهل بيتى
فأذهب عنهم الرجس وطهرم تطهيراً))، ولما أراد أن يباهل أهل
نجران أخذ عليا وفاطمة وحسناً وحسيناً وخرج ليباهل بهم ، ولما
تنازع علي وجعفر وزيد فى حضانة ابنة حمزة قضى بها لحالتها وكانت
تحت جعفر، وقال لجعفر: ((أشبهت خلقي وخلقي))، وقال لعلي :
(( أنت منى وأنا منك))، وقال لزيد: ((أنت أخونا ومولانا)).
وكذلك قال: ((إن الأشعريين إذا أرملوا فى السفر أو قلت نفقة
عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان معهم في ثوب واحد ثم قسموه بالسوية
ثم نى وأنا منهم)).
وقال: ((إن لكل أمة أميناً وأمين هذه الأمة أبو عبيدة
ابن الجراح))
٣٦٥

وقال: (( إن لكل فى حواربين وحواريي الزبير)).
فهذه الأحاديث وأمثالها فى الصحاح فيها غنية عن الكذب .
وكذلك ما ذكر من إنيان ملك الموت فى صورة أعرابى وإعطاؤه
إياه تفاحة فشمها هو أيضاً من الكذب ، بل الحديث الطويل الذي
روى فى قصة موت النبى صلى الله عليه وسلم؛ وأنه طرق الباب مخرج
إليه واحد بعد واحد ، وأنهم لما عرفوا أنه ملك الموت خضعوا له ؛ هو
أيضا من الكذب باتفاق أهل المعرفة بالحديث . مع أنه قد رواه
الطبراني من حديث عبد المنعم بن إدريس عن أبيه من حديث وهب
ابن منبه عن ابن عباس ، وعبد المنعم هذا معروف بالأ كاذيب .
وكذلك ما ذكر من بكاء فاطمة على النبى صلى الله عليه وسلم
حتى أقلقت أهل المدينة وأخرجوها إلى بيوت الأحزان ، هذا أيضاً
من الأ كاذيب المفتراة ، وما يروي مثل هذا إلا جاهل أو من قصده
أن يسب فاطمة والصحابة رضي الله عنهم ، ينقل مثل هذا الفعل الذي
نزه الله فاطمة والصحابة عنه .
وكذلك ما ذكر من «أن الله قبض من نور وجهه قبضة ونظر
إليها فعرقت ودلقت ، محلق من كل قطرة نبيا ، وأن القبضة كانت
٣٦٦

هى النبى صلى الله عليه وسلم، وأنه بقي كوكب دري)) فهذا أيضاً
كذب باتفاق أهل المعرفة بحديثه .
وكذلك ما يشبه هذا ، مثل أحاديث يذكرها شيرويه الديلمي فى
كتابه (( الفردوس)) ويذكرها ابن حموبه فى حقائقه مثل كتاب
((المحبوب)) ونحو ذلك، مثل ما يذكرون أن النبي صلى الله عليه وسلم
كان كوكباً ، أو أن العالم كله خلق منه، أو أنه كان موجوداً قبل
أن يخلق أبواه ، أو أنه كان يحفظ القرآن قبل أن يأتيه به جبريل !
وأمثال هذه الأمور ، فكل ذلك كذب مفترى باتفاق أهل
العلم بسيرته .
والأنبياء كلهم لم يخلقوا من النبى صلى الله عليه وسلم؛ بل خلق
كل واحد من أبويه ونفخ اللّه فيه الروح، ولا كان كلما يعلم الله لرسله
وأنبيائه بوحيه يأخذونه بواسطة سوى جبريل [ بل ] تارة يكلمهم الله
وحيا يوحيه إليهم ، وتارة يكلمهم من وراء حجاب كما كلم موسى بن
عمران ، وتارة يبعث ملكا فيوحي بإذنه ما يشاء .
ومن الأنبياء من يكون على شريعة غيره، كما كان أنبياء بني
إسرائيل على شريعة التوراة .
وأماكونهم كلهم يأخذون من واحد فهذا بقوله ونحوه أهل
٣٦٧

الإلحاد من أهل الوحدة والاتحاد: كابن عربي صاحب ((الفتوحات
المكية)) و((الفصوص)) وأمثالهما؛ فإنه لما ذكر مذهبه الذى مضمونه
أن الوجود واحد ، وأن الوجود الخالق هو الوجود المخلوق وإن
تعددت الأعيان الثابتة فى العدم . قال: وليس هذا العلم إلا الخاتم
الرسل وخاتم الأولياء ، وما يراه أحد من الأنبياء والرسل إلا من
مشكاة الرسول الخاتم ، وما يراه أحد من الأولياء إلا من مشكاة الولي
الخاتم ، حتى إن الرسل لا يرونه إذا رأوه إلا من مشكاة خاتم
الأولياء ، فإن الرسالة والنبوة أغنى نبوة التشريع ورسالته ينقطعان ،
وأما الولاية فلا تنقطع أبداً ، فالمرسلون من كونهم أولياء لا يرونه إلا
من مشكاة خاتم الأولياء .
وساق الكلام إلى أن ذكر أن خاتم الأنبياء موضع لبنة فضة، وأن
خاتم الأولياء موضع لبنتين : لبنة ذهب ولبنة فضة، فهو موضع اللبنة
الفضية وهو ظاهره وما يتبعه من الأحكام ، لأنه يرى الأمر على ماهو
عليه فلا بد أن يراه هكذا ، وهو موضع اللبنة الذهبية فى الباطن ؛ فإنه
يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحي به إلى الرسل .
فهذا الكلام ونحوه فيه كثير من الضلال ، مثل دعواه أن
جميع الأنبياء والرسل يستفيدون معرفة الله من خاتم الأنبياء ؛ فإن
هذا كذب .
٣٦٨

ومن قال : إن إبراهيم الخليل وموسى وعيسى وغيرهم إنما استفادوا
معرفة الله من النبى صلى الله عليه وسلم فقد كذب . بل الله أوحى إليهم
وعلمهم ، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن موجوداً حين خلقوا، والمتقدم
لا يستفيد من المتأخر .
وقوله صلى الله عليه وسلم: ((كنت نبياً وآدم بين الروح والجسد))
وفى لفظ ((كتبت نبياً)): كقوله صلى الله عليه وسلم: ((إنى عند الله
المكتوب خاتم النبيين وإن آدم لمنجدل فى طينته)) فإن الله بعد خلق
جسد آدم وقبل نفخ الروح فيه كتب وأظهر ما سيكون من ذريته،
فكتب نبوة محمد وأظهرها ، كما ثبت فى الصحيحين عن النبى صلى الله
عليه وسلم قال : ((يجمع خلق أحدكم فى بطن أمه أربعين يوما
[ نطفة ] ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم
يبعث إليه ملكا فيؤمر بأربع كلمات ، فيقال : اكتب رزقه وأجله ؛
وعمله ؛ وشقي أو سعيد، ثم ينفخ فيه الروح))، فقد أخبر صلى الله
عليه وسلم أنه بعد أن يخلق بدن الجنين فى بطن أمه وقبل نفخ الروح فيه
بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد ؟ فهكذا کتب خبر سيد ولد
آدم وآدم منجدل فى طينته قبل أن ينفخ الروح فيه .
وأما قول بعضهم: ((كنت نبياً وآدم بين الماء والطين)) فهذا نقل
باطل نقلا وعقلا ؛ فإن آدم [ ليس ] بين الماء والطين ؛ بل الطين
ماء وتراب ؛ ولكن كان بين الروح والجسد . فهذا ونحوه فيه
٣٦٩

علم الله بالأشياء قبل كونها ، وكتابته إياها ، وإخباره بها، وذلك غير
وجود أعيانها ؛ لأنها لا توجد أعيانها حتى تخلق، ومن لم يفرق بين
ثبوت الشيء فى العلم والكلام والكتاب وبين حقيقته [ فى ] الخارج،
وكذلك بين الوجود العلمي والعيني : عظم جهله وضلاله .
وأهل العلم قد أعظموا النكبة على من يقول : المعدوم شيء ثابت في
الخارج ، وإن كان لهؤلاء شبهة عقلية لكونهم ظنوا أن تميزه فى العلم
والإرادة يقتضي تمييزه في الخارج فإنهم أخطأوا فى ذلك، والتحقيق الفرق
بين الثبوت العلمي والعني ، وأما وجود الأشياء قبل خلقها فهذا أعظم
فى الجهل والضلال.
[وأما] دعواه أن الأولياء كلهم حتى الأنبياء يستفيدون من خاتم الأولياء
فهذا مخالف للعقل والشرع ؛ فإن الأنبياء أفضل من الأولياء ، وخيار
الأولياء أتبعهم للأنبياء ، كما كان أبو بكر أفضل من طلعت عليه الشمس
بعد النبيين والمرسلين .
وكذلك دعواه أن خاتم الأولياء يأخذ العلم الظاهر من حيث يأخذه
النبي ؛ ويأخذ العلم الباطن من المعدن الذي يأخذ منه الملك ما يوحيه
إلى النبى ؛ فهذا من أعظم الكفر والضلال ، وهو مبنى على قول المتفلسفة
الذين يجعلون النبوة فيضاً يفيض على عقل النبى ، ويقولون : إن الملك
٣٧٠

هو [ ما ] يتمثل في نفس النى من الأشكال النورانية ، فيقولون : إن
التى يأخذ عن تلك الصور الخيالية وهي الملك عندم ، فمن أخذ المعانى
العقلية عن العقل المجرد كان أعظم وأكمل ممن يأخذ عن الأمثلة الخيالية ،
فهؤلاء اعتقدوا أقوال هؤلاء الفلاسفة الملحدين وسلكوا مسلك الرياضة ،
فأخذوا يتكلمون بتلك الأمور الإلحادية الفلسفية ، ويخرجونها في قالب
المكاشفات والمخاطبات .
وما ذكروه من خاتم الأولياء لا حقيقة له ، وإن كان قد ذكره
الحكيم الترمذي فى كتاب ((خاتم الأولياء )) فقد غلط فى ذلك الكتاب
غلطاً معروفا عند أهل المعرفة والعلم والإيمان . وهذه الأمور مبسوطة في
غير هذا الموضع .
فهذه الأحاديث وأمثالها مما هو كذب وفرية عند أهل العلم، لا
سيما إذا كانت معلومة البطلان بالعقل ؛ بل متخيلة فى العقل ، ليس
لأحد أن يرويها ويحدث بها إلا على وجه البيان لكونها كذبا ، كما ثبت
فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من روى عنى
حديثاً وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين )).
وعلى ولاة الأمور أن يمنعوا من التحدث بها فى كل مكان ، ومن
أصر على ذلك فإنه يعاقب العقوبة البليغة التى تزجره وأمثاله عن الكذب
على النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأهل بيته : وغيرهم من أهل العلم
والدين ، والله أعلم .
٣٧١

وقال رحمه الله
في الصحيحين عن أبى موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
((على كل مسلم صدقة)) قيل: أرأيت إن لم يجد ؟ قال : يعتمل
بيديه فينفع نفسه ويتصدق ، قال : أرأيت إن لم يستطع ؟ قال : بعين
ذا الحاجة الملهوف ، قال : قيل له : أرأيت إن لم يستطع؟ قال : بأمر
بالمعروف أو الخير ، قال : أرأيت ؟ إن لم يفعل، قال : يمسك عن الشر
فإنها صدقة )).
وفى الصحيحين عن أبى ذر قال : قلت : يا رسول الله ! أي
الأعمال أفضل؟ قال: ((الإيمان بالله والجهاد في سبيله)) قال : قلت:
أي الرقاب أفضل ؟ قال: ((أنفسها عند أهلها وأكثرها ثمناً)) قال:
قلت: فإن لم أفعل، قال: ((تعين صانعاً أو نصنع لأخرق)) قال:
قلت : يا رسول الله ! أرأيت إن ضعفت عن بعض العمل ؟ قال :
((تكف شرك عن الناس فإنها صدقة منك على نفسك)).
ففي هذا الحديث أنه أوجب الصدقة على كل مسلم ، وجعلها خمس
مراتب على البدل : الأولى الصدقة بماله، فإن لم يجد اكتسب المال
٣٧٢

فنفع وتصدق . وفيه دليل وجوب الكسب ؛ فإن لم يستطع فيعين
المحتاج بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يفعل فيكف عن الشر.
فالأوليان تقع بمال إما بموجود أو مكسوب ، والأخريان تقع بيدن إما
بيد وإما بلسان .
وفى صحيح مسلم عن أبى ذر عن النبى صلى الله عليه وسلم قال :
« يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة ، فكل تسبيحة صدقة ،
وكل تحميدة صدقة ، وكل تهليلة صدقة وكل تكبيرة صدقة ، وأمر
بالمعروف صدقة ، ونهى عن المنكر صدقة ، ويجزئ من ذلك ركعتان
يركعها من الضحى)»، ففي هذا الحديث أنه جعل الصدقة الكلمات الأربع.
والأمر والنهي ، وركعتا الضحى كافيتان .
وفيه عنه أن ناساً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا
للنبي صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله ! ذهب أهل الدثور بالأجور،
يصلون كما نصلي ، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم.
قال: (( أو ليس قد جعل الله لكم ما تصدقون؟ إن بكل تسبيحة
صدقة ، وكل تكبيرة صدقة ، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة،
وأمر بالمعروف صدقة، ونهى عن منكر صدقة، وفى بضع أحدكم صدقة
قالوا : يا رسول الله! أيأتى أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر ؟ قال :
٣٧٣

أرأيتم لو وضعها في حرام أ كان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها فى الحلال
كان له أجر )).
قلت : بشبه - والله أعلم - أن يكون قوله: صدقة أي: تقوم
مقام الصدقة التى للأغنياء ، فيكون الحديث الثانى مفسرا للأول ،
بخلاف حديث أبى موسى فإنه موجب للصدقة ، أو تكون صدقة نفسه
على نفسه ، كما فى حديث أبى ذر المتقدم تكف شرّك عن الناس.
٣٧٤

وسئل شيخ الإسلام رحمه الله
عن أحاديث يرويها القصاص وغيرهم بالطرق وغيرها عن النبي صلى
الله عليه وسلم ؟
فأجاب عنها :
منها ما يروون أنه قال : ( أدبي ربى فأحسن تأديبى ) .
فأجاب : الحمد لله. المعنى صحيح، لكن لا يعرف له إسناد ثابت.
ومما يروونه عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( لو كان المؤمن
فى ذروة جبل قيض الله له من يؤذيه أو شيطاناً يؤذيه)).
فأجاب: الحمد لله. ليس هذا معروفا من كلام النبي صلى اللّه
عليه وسلم .
ومما يروونه عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لو كانت الدنيا
دما عبيطا كان قوت المؤمن منها حلالا )).
فأجاب: الحمد لله. ليس هذا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم،
ولا يعرف عنه بإسناد، ولكن المؤمن لا بد أن يتيح الله له من الرزق
ما يغنيه ، ويمتنع في الشرع أن يحرم على المؤمن مالا بد منه ؛ فإن الله
٣٧٥

لم يوجب على المؤمنين مالا يستطيعونه ولا حرم عليهم ما يضطرون إليه
من غير معصية منهم. قاله وكتبه أحمد بن تيمية .
ومما يروونه عنه صلى الله عليه وسلم عن الله: ((ما وسعني سمائى ولا
أرضي ولكن وسعنى قلب عبدى المؤمن ».
فأجاب : الحمد لله . هذا مذكور فى الإسرائيليات، ليس له إسناد
معروف عن النبى صلى الله عليه وسلم، ومعنى ((وسعني قلبه)) الإيمان
بى ومحبى ومعرفتى ، ولا من قال : إن ذات اللّه محل فى قلوب الناس
فهذا من النصارى خصوا ذلك بالمسيح وحده .
ومما يروونه عنه أيضاً: ((القلب بيت الرب)).
فأحاب: الحمد لله. هذا كلام من جنس الأول ، فإن القلب بيت
الإيمان بالله ومعرفته ومحبته ، وليس هذا من كلام النبي صلى الله
عليه وسلم .
ومما يروونه عنه أيضاً: «كنت كنزاً لا أعرف فأحببت أن أعرف
فخلقت خلقاً فعرفتهم بى فعرفونى )).
فأجاب: ليس هذا من كلام الله النبي صلى اللّه عليه وسلم، ولا يعرف له
إسناد صحيح ولا ضعيف .
ومما يروونه عنه صلى الله عليه وسلم: (( أن عمر بن الخطاب رضى
اللّه عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تكلم مع أبي
بكر كنت كالزنجي بينها » الذي لا يفهم .
٣٧٦

فأجاب : الحمد لله . هذا كذب ظاهر لم ينقله أحد من أهل العلم
بالحديث ، ولم يروه إلا جاهل أو ملحد .
ومما بروونه عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((أنا مدينة
العلم وعلي بابها )).
فأجاب : هذا حديث ضعيف ، بل موضوع عند أهل المعرفة
بالحديث ، لكن قد رواه الترمذى وغيره ، ومع هذا فهو كذب .
ومما يروون عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن اللّه يعتذر للفقراء
يوم القيامة ويقول ، وعزتى وجلالي ما زويت الدنيا عنكم لهوانكم علي ،
لكن أردت أن أرفع قدركم فى هذا اليوم ، انطلقوا إلى الموقف فمن
أحسن إليكم بكسرة أو سقاكم شربة من الماء أوكساكم خرقة انطلقوا
به إلى الجنة )).
فأجاب : الحمد لله. هذا الشأن كذب لم يروه أحد من أهل العلم
بالحديث وهو باطل مخالف للكتاب والسنة بالإجماع .
ومما يروون عنه صلى الله عليه وسلم: (( أنه لما قدم المدينة فى
الهجرة خرجت بنات النجار بالدفوف وهن يقلن :
من ثنيات الوداع
طلع البدر علينا
إلى آخر الشعر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هزوا كرابيلكم
بارك الله فيكم )) .
فأجاب : أما ضرب النسوة الدف في الزواج فقد كان معروفا على عهد
٣٧٧

رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما قوله: ((هزوا كرابيلكم بارك الله
فيكم )) فهذا لا يعرف عنه صلى الله عليه وسلم .
ومما يروون عنه أنه قال: «لو وزن إيمان أبى بكر بإيمان الناس
لرجح إيمان أبي بكر على ذلك )).
فأجاب: الحمد لله. هذا جاء معناه في حديث معروف فى السنن
أن أبا بكر رضي الله عنه وزن هذه الأمة فرجح.
ومما يروون عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((اللهم إنك أخرجتني
من أحب البقاع إلي فأسكني فى أحب البقاع إليك ».
فأجاب: الحمد للّه. هذا باطل ، بل ثبت في الترمذي وغيره أنه
قال لمكة: ((والله إنك لأحب بلاد الله إلى الله، وقال: إنك لأحب
البلاد إلي))، فأخبر أنها أحب البلاد إلى الله وإليه .
ومما يروون عنه صلى الله عليه وسلم: ((من زارني وزار أبي
إبراهيم في عام واحد دخل الجنة )).
فأجاب: الحمد لله. هذا حديث كذب موضوع، ولم يروه أحد من
أهل العلم بالحديث .
ومما يروون عنه صلى الله عليه وسلم: ((فقراؤكم)).
فأجاب : الحمد لله . هذا اللفظ ليس مأثوراً، لكن معناه صحيح
وأن الفقراء موضع الإحسان إليهم فيهم تحصل الحسنات .
ومما يروون عنه صلى الله عليه وسلم: ((البركة مع أكبركم)).
٣٧٨

فأجاب: الحمد لله، قد ثبت فى الصحيح من حديث جبير أنه
قال: ((كبر ، كبر)) أي: يتكلم الأكبر، وثبت من حديث الإمامة
أنه قال: ((فإن استووا - أي فى القراءة والسنة والهجرة . فليؤمهم
أكبرهم سناً ».
ومما يروون أيضاً: ((الشيخ فى قومه كالنبى فى أمته)).
فأجاب : الحمد لله ، ليس هذا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم
وإنما يقوله بعض الناس .
ومما يروون أيضاً: ((لو وزن خوف المؤمن ورجاؤه لاعتدلا)).
فأحاب: الحمد لله. هذا مأثور عن بعض السلف وهو
كلام صحيح .
ومما رووا عن علي رضي الله عنه: أن أعرابياً صلى ونقر صلاته
فقال له علي : لا تنقر صلاتك ، فقال له الأعرابي : لو نقرها أبوك
ما دخل النار .
فأجاب: الحمد لله. هذا كذب ، ورووه عن عمر وهو كذب.
ومما يروون عن عمر رضى الله عنه أنه قتل أباه.
فأجاب : هذا كذب ؛ فإن أبا عمر رضي الله عنهمات فى الجاهلية
قبل أن يبعث الرسول صلى الله عليه وسلم.
ومما يروون عنه صلى الله عليه وسلم: «كنت نبياً وآدم بين الماء
والطين، وكنت نبياً وآدم لا ماء ولا طين».
٣٧٩

فأحاب: الحمد لله. هذا اللفظ كذب باطل ، ولكن اللفظ المأثور
الذي رواه الترمذي وغيره أنه قيل : يا رسول الله ! متى كنت نبياً ؟
قال: ((وآدم بين الروح والجسد))، وفى السنن عن العرباض بن
سارية أنه قال: ((إني عند الله لمكتوب خاتم النبيين وإن آدم لمنجدل
في طينته )) .
ومما يروون أيضاً: ((العازب فراشه من النار، ومسكين رجل بلا
امرأة، ومسكينة امرأة بلا رجل».
فأجاب : الحمد لله . هذا ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم
ولم أجده مرويا ولم يثبت.
ومما يروون أن إبراهيم عليه السلام لما بنى البيت صلى فى كل
ركن ألف ركعة فأوحى الله تعالى إليه: يا إبراهيم! أفضل من هذا
سد جوعة أو ستر عورة .
فأجاب: الحمد لله. هذا كذب ظاهر ليس هو فى شيء من كتب المسلمين.
ومما يروون عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إذا ذكر إبراهيم
وذكرت أنا فصلوا عليه ثم صلوا علي ، وإذا ذكرت أنا والأنبياء غيره
فصلوا علي ثم صلوا عليهم )).
فأجاب : الحمد لله. هذا لا يعرف من كتب أهل العلم ولا عن
أحد من العلماء المعروفين بالحديث .
٣٨٠