النص المفهرس

صفحات 341-360

لَا نَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّه ◌ِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ) فهذا فى حق التائب .
وأيضاً فالواقف بعرفات لا يسقط عنه ما وجب عليه من صلاة
وزكاة بإجماع المسلمين ، بل هم متفقون على أن الصلاة أوكد من الحج
بمالا نسبة بينهما . فإن الحج يجب مرة في العمر على المستطيع ، والنبى
صلى الله عليه وسلم لم يحج بعد الهجرة إلا حجة واحدة، وأما الصلاة
فإنها فرض على كل عاقل بالغ - إلا الحائض والنفساء - سواء كان
صحيحاً، أو مريضاً، آمناً، أو خائفاً، غنياً أو فقيراً، رجلا أو
امرأة ، فى اليوم والليلة نحو أربعين ركعة، سبعة عشر فريضة، والسنن
الرواتب عشر ركعات ، أو اثنتا عشرة ركعة، وقيام الليل أحد عشر
ركعة ، أو ثلاث عشرة ركعة ، وكذلك حقوق العباد من الذنوب والمظالم
وغيرها لا تسقط بالحج باتفاق الأئمة .
والحديث الذي يروى في سقوط المظالم وغيرها بذلك فى حديث
عباس بن مرداس حديث ضعيف . وقد ثبت فى الصحيح عن
النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((الصلوات الخمس، والجمعة إلى
الجمعة، ورمضان إلى رمضان، كفارة لما بينهن، إذا اجتنبت الكبائر))
فهذه الأمور التى هي أعظم من الحج ، ولكن الكبائر تكفرها التوبة
منها بالكتاب والسنة ، وإجماع الأمة .
٣٤١

وكذلك قوله: ((من حج ولم يزرنى فقد جفاني ، كذب ، فإن
جفاء النبى صلى الله عليه وسلم حرام ، وزيارة قبره ليست واجبة
باتفاق المسلمين ، ولم يثبت عنه حديث في زيارة قبره ، بل هذه الأحاديث
التى تروى - من زارنى وزار أبى في عام واحد ضمنت له على الله
الجنة - وأمثال ذلك كذب باتفاق العلماء .
وقد روى الدار قطني وغيره فى زيارة قبره أحاديث وهي ضعيفة .
وقد كره الإمام مالك - وهو من أعلم الناس بحقوق رسول الله
صلى الله عليه وسلم وبالسنة التى عليها أهل مدينته من الصحابة،
والتابعين ، وتابعيهم - كره أن يقال: زرت قبر رسول الله صلى
اللّه عليه وسلم ولو كان هذا اللفظ ثابتا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
معروفا عند علماء المدينة ، لم يكره مالك ذلك .
وأما إذا قال سلمت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
فهذا لا يكره بالاتفاق، كما فى السنن عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:
((مامن رجل يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام)
وكان ابن عمر يقول : السلام عليك يا رسول الله! السلام عليك يا أبا بكر !
السلام عليك يا أبت. وفي سنن أبى داود عنه أنه قال: ((أكثروا علي
من الصلاة يوم الجمعة ، وليلة الجمعة ، فإن صلاتكم معروضة علي ، قالوا
وكيف تعرض صلاتنا عليك، وقد أرمت ؟! قال: إن الله حرم على
٣٤٢

الأرض أن تأكل لحوم الأنبياء » .
وأما قوله تعالى: ( وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءَامِنًا ) فهذا من باب البيت.
كما قال تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْأَنَّا جَعَلْنَا حَرَمَاءَامِنَّا وَيُنَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ )
الَّذِى أَطْعَمَهُمِ
( فَلْيَعْبُدُ واْرَبَّ هَذَا الْبَيْتِ
وقال تعالى :
(أَوَلَمْ نُمَكِن لَّهُمْ حَرَمًا
مِّن جُوعِ وَءَامَنَهُم مِّنْخَوْفٍ ) وقال تعالى :
ءَامِنَا يُحْبِىَّ إِلَيْهِ ثَمَرَتُ كُلِّ شَىْءٍ ) فكانوا فى الجاهلية يقتل بعضهم بعضاً خارج
الحرم ، فإذا دخلوا الحرم ، أو لقي الرجل قاتل أبيه لم يهجه ، وكان
هذا من الآيات التى جعلها الله فيه، كما قال: (فِيهِءَايَتُ بِيِّنَكُ مَّقَامُ
إِنْزَهِيمٌ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءَامِنًا ) والإسلام زاد حرمته .
فذهب أكثر الفقهاء أن من أصاب حداً خارج الحرم ، ثم لجأ
إلى الحرم لم يقم عليه الحد حتى يخرج منه ، كما قال ابن عمر ، وابن
عباس . وهو مذهب أبى حنيفة، وأحمد ، وغيرهما ؛ لما ثبت في
الصحيح أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((إن مكة حرمها الله،
ولم يحرمها الناس ، فلا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك
بها دماً ، ولا يعضد بها شجراً، وأنها لم تحل لأحد قبلي، ولا تحل
لأحد بعدي ، وإنما أحلت لي ساعة من نهار ، ثم قد عادت حرمتها
اليوم كرمتها بالأمس)).
٣٤٣

ومن ظن أن من دخل الحرم كان آمناً من عذاب الآخرة، مع ترك
الفرائض من الصلاة وغيرها . ومع ارتكاب المحارم ، فقد خالف إجماع
المسلمين ، فقد دخل البيت من الكفار والمنافقين والفاسقين من هو
من أهل النار بإجماع المسلمين . والله أعلم .
٣٤٤

سئل رحم الله
عن هذا الحديث: (( من علمك آية من كتاب اللّه فكأنما ملك
رقك، إن شاء باعك وإن شاء أعتقك))، فهل هذا في الكتب الستة
أو هو كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟.
فأحاب :
ليس هذا في شيء من كتب المسلمين؛ لا فى الستة ولا فى غيرها ؛
بل مخالف لإجماع المسلمين ؛ فإن من علم غيره لا يصير به مالكا إن
شاء باعه وإن شاء أعتقه ، ومن اعتقد هذا فإنه يستتاب فإن تاب وإلا
قتل . والحر المسلم لا يسترق ، وسيد معلم الناس رسول الله صلى الله
عليه وسلم علمهم الكتاب والحكمة وهو أولى بهم من أنفسهم، ومع
هذا فهم أحرار لم يسترقهم ولم يستعبدهم، بل كان حكمه فى أمته الأحرار
خلاف حكمه فيما ملكته يمينه ، ولو كان المؤمنات ملكا له لجاز أن
يطأ كل مؤمنة بلا عقد نكاح ، ولكان لمن علم امرأة آية من القرآن أن
يطأها بلا نكاح ، وهذا لا يقوله مسلم .
٣٤٥

سئل :
عن معنى قوله صلى الله عليه وسلم: ((من انتهر صاحب بدعة
ملأ الله قلبه أمناً وإيماناً، وآمنه يوم الفزع الأكبر )) ؟
فأجاب :
أما قوله: ((من انتهر صاحب بدعة ملأ الله قلبه أمناً وإيماناً))،
وقوله: ((من وقر صاحب بدعة أعان على هدم الإسلام» ونحو ذلك ،
فهذا الكلام معروف عن الفضيل بن عياض .
والبدعة : ما خالفت الكتاب والسنة أو إجماع سلف الأمة من
الاعتقادات والعبادات . كأقوال الخوارج والروافض والقدرية والجهمية ،
وكالذين يتعبدون بالرقص والغناء فى المساجد، والذين يتعبدون بحلق
اللحى وأكل الحشيشة، وأنواع ذلك من البدع التى يتعبد بها طوائف
من المخالفين للكتاب والسنة ، والله أعلم .
٣٤٦

سئل:
عمن سمع رجلا يقول : لو كنت فعلت كذا لم يجر عليك شيء من
هذا . فقال له رجل آخر سمعه: هذه الكلمة قد نهى النبي صلى
اللّه عليه وسلم عنها، وهي كلمة تؤدى قائلها إلى الكفر، فقال رجل
آخر : قال النبي صلى الله عليه وسلم فى قصة موسى مع الخضر:
((يرحم الله موسى، وددنا لو كان صبر حتى يقص الله علينا من أمرهما))
واستدل الآخر بقوله صلى الله عليه وسلم: ((المؤمن القوي خيروأحب
إلى الله من المؤمن الضعيف - إلى أن قال : - فإن كلمة لو تفتح
عمل الشيطان )) فهل هذا ناسخ لهذا أم لا ؟
( فأحاب )
الحمد لله. جميع ما قاله الله ورسوله حق، و((لو)) تستعمل
على وجهين :
( أحدهما ) على وجه الحزن على الماضي والجزع من المقدور ،
فهذا هو الذي نهى عنه كما قال تعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْلَا تَكُونُواْ
٣٤٧

كَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لإِخْوَنِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِى الْأَرْضِ أَوْ كَانُواْ غُزَّى لَّوْكَانُواْ عِنْدَنَا مَامَاتُواْ وَمَا
قُتِلُواْ لِيَجْعَلَ اَللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِ قُلُوبِهِمْ )،
وهذا هو الذى نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم، حيث قال: ((وإن
أصابك شيء فلا تقل : لو أني فعلت لكان كذا وكذا ، ولكن قل :
قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان)) أي : تفتح
عليك الحزن والجزع ، وذلك يضر ولا ينفع ، بل اعلم أن ما أصابك لم
يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، كما قال تعالى: ( مَآ أَصَابَ
مِن مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِنَ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ) قالوا : هو الرجل تصيبه
المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم .
( والوجه الثانى ) أن يقال: ((لو)) لبيان علم نافع ، كقوله
تعالى: ( لَوْكَانَ فِيهِمَآءَاِهُ إِلََّ اللهُلَفَسَدَنَا )، ولبيان محبة الخير
وإرادته، كقوله: (( لو أن لي مثل ما لفلان لعملت مثل ما يعمل))
ونحوه جائز .
وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «وددت لو أن موسى صبر
ليقص الله علينا من خبرهما)) هو من هذا الباب، كقوله: (وَدُوالَوْ
تُدْهِنُ فَيَدْ هِنُونَ ) ، فإن نبينا صلى الله عليه وسلم أحب أن يقص الله
خبرهما ، فذكرهما لبيان محبته للصبر المترتب عليه فعرفه ما يكون لما
في ذلك من المنفعة، ولم يكن فى ذلك جزع ولا حزن ولا ترك لما
٣٤٨

يحب من الصبر على المقدور .
وقوله: ((وددت لو أن موسى صبر))، قال النحاة : تقديره
وددت أن موسى صبر. وكذلك قوله: (وَدُوْلَوْتُدْ هِنٌ فَيُدْ هِنُونَ)
تقديره ودوا أن تدهن، وقال بعضهم: بل هي (( لو)) شرطية
وجوابها محذوف ، والمعنى على التقديرين : معلوم ، وهو محبة ذلك
الفعل وإرادته ، ومحبة الخير وإرادته محمود ، والحزن والجزع وترك الصبر
مذموم ، والله أعلم .
٣٤٩

وسئل
:
عن قصة إبليس وإخباره النبى صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد
مع جماعة من أصحابه ، وسؤال النبي صلى الله عليه وسلم له عن أمور
كثيرة ، والناس ينظرون إلى صورته عياناً ، ويسمعون كلامه جهراً،
فهل ذلك حديث صحيح أم كذب مختلق ؟ وهل جاء ذلك في شيء
من الصحاح والمسانيد والسنن أم لا ؟ وهل يحل لأحد أن يروى
ذلك؟ وماذا يجب على من يروى ذلك ويحدثه للناس ويزعم أنه صحيح شرعى؟
( فأجاب ) :
الحمد لله. بل هذا حديث مكذوب مختلق ليس هو في شيء من
كتب المسلمين المعتمدة ، لا الصحاح ولا السنن ولا المسانيد . ومن
علم أنه كذب على النبى صلى الله عليه وسلم لم يحل له أن يرويه عنه ،
ومن قال : إنه صحيح فإنه يعلم بحاله ، فإن أصر عوقب على ذلك ،
ولكن فيه كلام كثير قد جمع من أحاديث نبوية ، فالذي كذبه واختلقه
جمعه من أحاديث بعضها كذب وبعضها صدق ، فلهذا يوجد فيه كلمات
متعددة صحيحة ؛ وإن كان أصل الحديث وهو مجيء إبليس عياناً إلى
النبى صلى الله عليه وسلم بحضرة أصحابه وسؤاله له كذباً مختلفاً لم ينقله
أحد من علماء المسلمين ، والله سبحانه وتعالى أعلم.
٣٥٠

وقال رحم الله تعالى
إن كتاب ((تنقلات الأنوار)) المنسوب إلى ((أحمد بن عبد الله
البكري)) من أعظم الكتب كذبا وافتراء على الله ورسوله وعلى
أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد افترى فيه من الأمور
من جنس ما افتراه المفترون فى سيرة دلهمة والبطال ، وسيرة عنترة ،
وحكايات الرشيد ووزيره جعفر البرمكي ؛ وحكايات العيارين : مثل
الزئبق المصرى ؛ وأحمد الدنق ؛ ونحو ذلك . لكن هؤلاء يفترون
الكذب على من ليس من الأنبياء ؛ وصاحب الكتاب الذى سماه
((تنقلات الأنوار)» يفتري الكذب على رسول الله صلى الله عليه
وسلم وعلى أصحابه ، ويكذب عليه كذبا لا يعرف أن أحداً كذب مثله
فى كتاب ، وإن كان فى بعض ما يذكره صدق قليل جداً ، فهو
من جنس ما في سيرة عنترة والبطال ، فإن عنترة كان شاعراً فارساً
من فرسان الجاهلية ، وله شعر معروف ، وقصيدته إحدى السبع
المعلقات ، لكن افتروا عليه من الكذب ما لا يحصيه إلا الله، وكل
من جاء زاد ما فيها من الأكاذيب .
٣٥١

وكذلك أبو محمد البطال كان من أمراء المسلمين المعروفين، وكان
المسلمون قد غزوا القسطنطينية غزوتين :
الأولى فى خلافة معاوية ، أمر فيها ابنه يزيد وغزا معه أبو أيوب
الأنصارى الذى نزل النبي صلى الله عليه وسلم فى داره لما قدم مهاجراً
إلى المدينة ، ومات أبو أيوب في تلك الغزوة ودفن إلى جانب القسطنطينية
وقد روى البخارى فى صحيحه عن ابن عمر عن النبى صلى الله عليه وسلم
أنه قال: ((أول جيش يغزو القسطنطينية مغفور له)).
والغزوة الثانية فى خلافة عبد الملك بن مروان ، أمر ابنه مسلمة أو
خلف الوليد ابنه ، وأرسل معه جيشاً عظيماً وحاصروها وأقاموا عليها
مدة سنين ، ثم صالحوم على أن يدخلوها ، وبنوا فيها مسجداً ، وذلك
المسجد باق إلى اليوم ، فجاء الكذابون فزادوا فى سيرة البطال وعبد
الوهاب من الأ كاذيب ما لا يحصيه إلا الله، وذكر دلهمة والقاضي عقبة
وأشياء لا حقيقة لها .
والبكرى صاحب ((تنقلات الأنوار)) سلك مسلك هؤلاء المفترين
الكذابين ، لكن كذبه على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى
أصحابه أفضل الخلق بعد النبيين أكثر، وفيه من أنواع الأ كاذيب المفتريات،
وغرائب الموضوعات ما يجل عن الوصف ، مثل حديث السبع حصون
٣٥٢

وهضام بن جحاف ، ومثل حديث الدهر ، ورأس الغول ، وكلندجة ،
وغير ذلك من كتبه ، وغير ذلك من ذكر أماكن لا وجود لها ،
وغزوات لا حقيقة لها ، وأسماء ومسميات لا يعرفها أحد من أهل العلم
ورواية أحاديث تخالف كتاب الله وسنة رسوله وإجماع المسلمين ، وتخالف
ما تواتر عن النبى صلى الله عليه وسلم.
وفيها من الأقوال والأفعال المضافة إلى النبى صلى الله عليه وسلم
وأصحابه ما برأه الله منه، وهي من جنس أحاديث الزنادقة النصيرية
وأشباههم ، الذين يختلقون ما فيه غلو فى علي وغيره ، وفيه من القدح
فى دين الإسلام والإفساد له ما يوجب إباحة دم من يقول ذلك ، وإن
كان جاهلا استتيب ، فإن تاب وإلا قتل .
وأقل ما يفعل بمن يروى مثل هذا أن يعاقب عقوبة تردعه عن
مثل ذلك ، وكذلك يستحق العقوبة من يكريها لمن يقرؤها ويصدق
ما فيها ، ومن ينسخها أيضاً كذلك .
ويجب على أهل العلم إظهار ما يعلمون من كذب هذه وأمثالها ،
فكما يجب بيان كذب ما نقل عنه فى الأحاديث كأحاديث البخارى :
يجب بيان كذب ماكذب عليه من الأحاديث الموضوعة التى يعلم أنها
كذب ، كما بين أهل العلم من حال من كان يكذب عليه من الرواة
٣٥٣

وبيان ما نقل عنه من الكذب الذي يعلمون أنه كذب ، وكثير من
الموضوعات إنما يعلم أنها موضوعة خواص أهل العلم بالأحاديث ، وأما
مثل ما فى (( تنقلات الأنوار)) من الأحاديث فهو مما يعلمه من له أدنى
علم بأحوال الرسول ومغازيه أنه كذب . وعلى ولاة الأمور عقوبة من
يروى هذه أو يعين على ذلك بنوع من أنواع الإعانة ، ولولي الأمر
أن يحرقها ، فقد حرق عثمان رضي الله عنه كتباً هذه أولى بالتحريق
منها ، والله أعلم .
٣٥٤

ما تقول السادة العلماء - رضى الله عنهم - أجمعين
فى أناس قصاصين ؟ ينقلون مغازى النبى صلى الله عليه وسلم،
وقصص الأنبياء - عليهم السلام - تحت القلعة ، وفى الجوامع
والأسواق ، ويقولون: إن النبى أتى إليه ملك يقال له : حبيب ، فقال
له : إن كنت رسول الله فإنا نريد أن القمر ليلة تسع وعشرين بعود
وينزل من طوقك ويطلع من أكمامك ، فأرام ذلك ، فآمنوا به جميعهم
وقال : كانوا الرب .
ويقولون : إنه أتى إليه ملك يقال له : بشير بن غنام عمل عليه
حيلة وأخذ منه تسع أنفس علقهم على النخل ، فبعث النى صلى الله عليه
وسلم علياً خلصهم ، وكان من جملتهم خالد .
وأتى إليه ملك وهو فى مكة يقال له : الملك الدحاق ، وكانت له
بنت اسمها حمانة فكسر النبى صلى الله عليه وسلم وزوج بنته لبلال ،
فقتله وهو فى الصلاة ، فخط النبى صلى الله عليه وسلم بردته فأحياه
الله له .
٣٥٥

وإنه بعث المقداد إلى ملك يقال له : الملك الخطار فالتقى في طريقه
ملكة يقال لها : روضة فتزوج بها ، وراح إلى الملك الذي أرسل إليه
فاقتتل هو وإياه فأسره ، وجاء إلى النبى صلى الله عليه وسلم ، وقاتل
فى غزاة تبوك بولص بن عبد الصليب ، وأنه قاتل فى الأحزاب وكانوا
ألوفاً ، وانكسرت الأحزاب قدام علي سبع عشرة فرقة ، وخلف كل
واحدة رجل يضرب بالسيف ويقول : أنا علي - وليه - ضرب عمرو بن
العامري فقطع هذه ، فأخذ عمرو هذه وضرب بها فى المسلمين فقلع
شجرة وقتل بها جماعة منهم ، والملائكة ضجت عند ذلك وقالوا : لاسيف
إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي .
وإن علياً قاتل الجن فى البئر ورماه بالمنجنيق إلى حصن الغراب ،
وجاءت رميته ناقصة فمشى في الهواء ، وأنه ضرب مرحب اليهودي وكان
على رأسه جرن رغام فقسم له وللفرس نصفين، وأنه عبر العسكر على
زنده إلى خيبر وهد الحصن ، وأن ذا الفقار أنزل إليه من السماء ،
فإن الله سماه من السماء، وقال: علي أسبق من العجل ، وأنه بعث مع
كل فى سراً وبعث مع النبى جهراً ، وأنه كان عصا موسى وسفينة
نوح وخاتم سليمان ، وأنه شرب من سرة النبى صلى الله عليه وسلم
لما مات ، فوزن علم الأولين والآخرين .
وأن ملك الموت جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فى زي أعرابى ،
(١) هكذا ورد في المطبوع ولعل الصواب ( فقسمه هو والفرس )
٣٥٦

فقال له النبي : قابض أم زائر؟ فقال له : ما زرت أحداً من قبلك حتى
أزورك ، فأعطاء تفاحة فشمها خرجت روحه فيها ، وأن فاطمة بكت
عليه حتى أقلقت أهل المدينة حتى أخرجوها إلى بيوت الأحزان ، وينقلون
قصص الأنبياء من جنس هذا السؤال ، ويفسرونها بآيات لم تسمع من
أهل العلم ، وكل واحدة من هذه بحزبوا فيها ليلة .
وكان بعض العلماء قد منعهم من هذا النقل ، وأنهم لا ينقلون إلا
ما كتب عليها سماعات المشايخ أهل العلم . فاعتمدوا على كتب فيها من
جنس ما ذكر من تصنيف رجل يقال له : البكرى ، فما يجب عليهم
في مثل هذه الأمور ؟ لأنهم ينقلون ما يخالف ما ثبت عن الرسل
عليهم السلام ، وينقلون في بعض الأشياء ما هو تنقيص بهم وهل بثاب
من أمر بمنعهم.
وينقلون أيضاً : أن الله قبض من نور وجهه قبضة ونظر إليها
فعرقت ودلقت ، فخلق الله من كل قطرة نبيا ، وكانت القبضة النبى
وبقى كوكب درى ، وكان نوراً منقولا من أصلاب الرجال إلى بطون
النساء .
فأجاب شيخ الإسلام قدوة الإيمان تقي الدين أبو العباس أحمد بن
عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحرانى ، فقال :
٣٥٧

الحمد لله رب العالمين. هذه الأحاديث من الأحاديث المفتراة باتفاق
أهل العلم، وإنما تؤخذ مثل هذه الأحاديث من مثل ((تنقلات الأنوار))
للبكرى وأمثاله ممن روى الأ كاذيب الكثيرة .
أما الأول فإن القمر لم يدخل فى طوق النبى صلى الله عليه وسلم
ولا ثيابه ولا باشر النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن انشق فرقتين:
فرقة دون الجبل ، وفرقة فوق الجبل .
وكذلك حبيب أبى مالك لا وجود له ، والحديث المذكور عن
بشير بن غنام أيضاً كذب ، وهذا الاسم غير معروف . وخالد بن
الوليد لم يؤسر أصلا ، بل أسلم بعد الحديبية ، وما زال منصوراً
فى حروبه .
وكذلك ما ذكر عن المسمى بالملك الدحاق كذب ، وهذا الاسم
لا وجود له فيمن حار به النبى صلى الله عليه وسلم عاش، ولكن الذين
عاشوا بعد الموت فى هذه الأمة كان بينهم طائفة في زمن الصحابة
والتابعين، وأما من أحيا الله له دابته بعد الموت من المؤمنين فهؤلاء
بعضهم كان من المسلمين على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، ومنهم من
كان بعد موته صلى الله عليه وسلم .
٣٥٨

وكذلك ما ذكر عن الملك المسمى بالخطار ، هو من الأ كاذيب
ولا وجود له . وأما غزاة تبوك فلم يكن بها قتال ؛ بل قدم النبي
صلى الله عليه وسلم بالشام رومهم وعربهم وغيرهم، ولم يجتمع المسلمون
في غزاة مع النبي صلى الله عليه وسلم أكثر مما اجتمع معه عام تبوك ،
وهي آخر المغازي ، وأقام بتبوك عشرين يوماً فلم تقدم عليه النصارى.
وكذلك الأحزاب لم يكن فيها اقتال بين الجيشين ، بل كان
الأحزاب محاصرين للمسلمين خارج الخندق الذي حفره المسلمون حول
المدينة ، وكان المسلمون داخل الخندق ، وكان فيها مناوشة قليلة بين
بعض المسلمين وبعض الكفار بمنزلة المبارزة أو ما يشبهها، وقتل علي
- رضي الله عنه - عمرو بن عبد ود العامري، ولم تتكسر الأحزاب
بقتال ، ولا قتل منهم ولا من المسلمين عدد له قدر ، بل أرسل الله
عليهم الريح - ربح الصبا - وأرسل الملائكة، كما قال تعالى فى
(يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذَّكُرُ وَأَنِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْإِذْ جَاءَ تَكُمْ
قصة الأحزاب :
.. الآيات وما ذكر
جُدٌ فَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَحُنُودًا لَّمْتَرَوَّهَا )
من كيفية قتل عمرو بن عبد ود العامري فهو كذب ، وكذلك ضرب عمرو
بن عبد ود الشجرة بفخذه وقلعها كذب ، ولم يكن هناك شجر وإنما
النخيل كان بعيداً من السكر .
وكذلك ما ذكر من مناداة المنادي بقوله: ((لا سيف إلا ذو
٣٥٩

الفقار ، ولا فتى إلا علي)) كذب مفترى . وكذلك من نقل أن ذلك
كان يوم بدر أو غيره ، وذو الفقار لم يكن سيفاً لعلي ، ولكن كان
سيفاً لأبى جهل غنمه المسلمون منه يوم بدر ، وكان سيفاً من السيوف
المعدنية، ولم ينزل من السماء سيف، ولم يكن سيف يطول لا هو
ولا غيره .
وكذلك ما ذكره من قتال الجن ، وأن علياً أو غيره من الانس
قاتلهم فى بئر ذات العلم أو غيره من الإنس ، فهذا كله كذب ، والجن
لم تكن لتقاتل الصحابة أصلا ، ولكن الجن الكفار كانوا يقاتلون الجن
المؤمنين ، وأما علي وأمثاله من الصحابة فهم أجل قدراً من أن يثبت
الجن لقتالهم . وقد ثبت فى الصحيح أن النبى صلى الله عليه وسلم
قال لعمر بن الخطاب: (( ما رآك الشيطان سالكا فجاً إلا سلك
فجاً غير فجك )).
وما ذكر من رمي علي فى المنجنيق ومحاصرة المسمى بحصن الغراب:
كله كذب مفترى ، ولم يرم المسلمون قط أحداً فى منجنيق إلى الكفار
لا عليا ولا غيره ، بل ولم ينصب المسلمون على عهد النى صلى الله
عليه وسلم منجنيقا إلا على الطائف لما حاصرها النبى صلى الله عليه وسلم
بعد وقعة حنين وهزيمة هوازن ، حاصر الطائف ونصب المنجنيق وأقام
عليها شهرا ، ولم تفتح حتى أسلم أهل الطائف بعد ذلك طوعا ، ولما كان
٣٦٠