النص المفهرس
صفحات 321-340
المؤمنين فى توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر)) وقال عليه السلام: ((لا تقاطعوا ؛ ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً)). ومما يبين الحب لله والحب لغير الله أن أبا بكر - رضي الله عنه - كان يحب النبى صلى الله عليه وسلم مخلصاً لله، وأبو طالب عمه كان يحبه وينصره لهواه لا لله، فتقبل الله عمل أبى بكر وأنزل فيه: وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِن اُلَّذِى يُؤْتِ مَالَهُ يَتَزَّكُى ( وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَنْقَى وأما أبو طالب * وَلَسَوْفَ يَرْضَى ). نِعْمَةٍ تُجْزَ * إِلَّا أَبْشِغَاءَ وَجْهِرَبِّهِ الْأَعْلَىَ فلم يتقبل منه - [ فأبو بكر لم يطلب أجره ] وجزاءه من الخلق: لا من النبى صلى الله عليه وسلم ولا غيره ؛ بل آمن به وأحبه وكلاء وأعانه بنفسه وماله متقربا بذلك إلى الله، وطالباً الأجر من الله، ورسوله: يبلغ عن الله أمره ونهيه ووعده ووعيده، قال الله تعالى: ( فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ ) . والله هو الذي يخلق ويرزق ويعطي ويمنع، ويخفض، ويرفع، ويعز ويذل ، وهو - سبحانه - مسبب الأسباب، ورب كل شيء ومليكه، والأسباب التى تفعلها العباد منها ما أمر الله به وأباحه، فهذا يسلك، ومنها ما نهى عنه نهياً خالصاً ، أو كان من البدع التى لم يأذن قُلِ أَدْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم ) الله بها ، فهذا لا يسلك . قال الله تعالى : ٣٢١ مِّن دُونِ اللَّهِلَا يَمْلِيكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِى السَّمَوَتِ وَلَا فِىِ الْأَرْضِ وَمَالَهُمْ فِيِهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُمِنْهُمْ مِّنْظَاهِيرٍ وَلَا نَفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ). بين سبحانه خلال الذين يدعون المخلوق من الملائكة والأنبياء وغيرهم ، فبين أن المخلوقين لا يملكون مثقال ذرة فى السموات ولا فى الأرض ، ثم بين أنه لا شركة لهم ، ثم بين أنه لا عون له ولا ظهير ؛ لأن أهل الشرك يشبهون الخالق بالمخلوق كما يقول بعضهم إذا كانت لك حاجة : استوح الشيخ فلانا فإنك تجده، أو توجه إلى ضريحه خطوات، وناد : يا شيخ! تقضى حاجتك ، وهذا غلط لا يحل فعله ، وإن كان من هؤلاء الداعين لغير اللّه من يرى صورة المدعو أحياناً، فذلك شيطان يمثل له ، كما وقع مثل هذا لعدد كثير ، ونظير هذا قول بعض الجهال من أتباع الشيخ عدي وغيره : كل رزق لا يجيء على يد الشيخ لا أربده . والعجب من ذي عقل سليم يستوحي من هو ميت ، ويستغيث به، ـ ولا يستغيث بالحي الذي لا يموت ــ فيقول أحدهم: إذا كانت لك حاجة إلى ملك توسلت إليه بأعوانه فهكذا يتوسل إليه بالشيوخ ، وهذا كلام أهل الشرك والضلال ، فإن الملك لا يعلم حوائج رعيته ، ولا يقدر على قضائها وحده ، ولا يريد ذلك إلا لغرض يحصل ٣٢٢ له بسبب ذلك، والله أعلم بكل شيء ، يعلم السر وأخفى، وهو على كل شىء قدير ، فالأسباب منه وإليه . وما من سبب من الأسباب إلا دائر موقوف على أسباب أخرى، وله معارضات ، فالنار لا تحرق إلا إذا كان المحل قابلا ، فلا محرق السمندل ، وإذا شاء الله منع أثرها كما فعل بإبراهيم عليه السلام ، وأما مشيئة الرب فلا يحتاج إلى غيره ، ولا مانع لها بل ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ، وهو سبحانه أرحم من الوالدة بولدها ، يحسن إليهم ويرحمهم ويكشف ضرم مع غناء عنهم ، وافتقارم إليه (لَيْسَ كِمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) ، فنفى الرب هذا كله فلم يبق إلا الشفاعة وقال : ( مَن فقال: ( وَلَا تَنفَعُ الشَّفَعَةُ عِنْدَهُ: إِلَّ لِمَنْ أَذِينَ لَهُ.) ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّ بِإِذْنِهِ ) فهو الذي يأذن فى الشفاعة وهو الذي يقبلها ، فالجميع منه وحده. وكلما كان الرجل أعظم إخلاصا لله، كانت شفاعة الرسول أقرب إليه قال له أبو هريرة: ((من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله؟ قال: من قال لا إله إلا الله يبتغي بها وجه الله)). وأما الذين يتوكلون على فلان ليشفع لهم من دون الله تعالى، ويتعلقون بفلان ، فهؤلاء من جنس المشركين الذين اتخذوا شفعاء من ٣٢٣ دون الله تعالى، قال الله تعالى: (أَمِ أَّخَذُ واْ مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءُ، قُلْ أَوَلَوْ كَانُواْلَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ * قُل لِلَّهِ الشَّفَحَةُ جَمِيعًا) وقال الله تعالى: (ثُمَّاسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِّن دُونِهِ، مِن وَإٍِ وَلَا شَفِيع) وقال: (قُلِ أَدْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُممِّن دُونِهِ، فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَّحْوِيلًا * أُوْلَكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَيِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا ) قال طائفة من السلف كان أقوام يدعون المسيح والعزير والملائكة فبين الله تعالى أن هؤلاء الأنبياء والملائكة عباده، كما أن هؤلاء عباده هؤلاء يتقربون إلى الله، وهؤلاء يرجون رحمة الله، وهؤلاء يخافون عذاب الله، فالمشركون اتخذوا مع الله أنداداً يحبونهم كحب الله، واتخذوا شفعاء يشفعون لهم عند الله، ففيهم محبة لهم ، وإشراك بهم، وفيهم من جنس مافى النصارى من حب المسيح ، وإشراك به . والمؤمنون أشد حباً لله ، فلا يعبدون إلا الله وحده، ولا يجعلون معه شيئا، يحبونه كحبه لا أنبياءه ولا غيرهم ، بل أحبوا ما أحبه بمحبتهم الله، وأخلصوا دينهم اللّه، وعلموا أن أحداً لا يشفع لهم إلا بإذن الله، فأحبوا عبد الله ورسوله محمداً صلى الله عليه وسلم لحب الله وعلموا أنه عبد الله المبلغ عن الله، فأطاعوه فيما أمر، وصدقوه فيما أخبر، ولم يرجوا إلا الله، ولم يخافوا إلا اللّه، ولم يسألوا إلا الله، وشفاعته لمن ٣٢٤ يشفع له هو بإذن الله ، ولا ينفع رجاؤنا للشفيع، ولا مخافتنا له، وإنما ينفع توحيدنا وإخلاصنا لله ، وتوكلنا عليه ، فهو الذي يأذن للشفيع . فعلى المسلم أن يفرق بين محبة النصارى والمشركين ودينهم ويتبع أهل التوحيد والإيمان ، ويخرج عن مشابهة المشركين وعبدة الصلبان . وفى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان : من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا الله ، ومن كان يكره أن يرجع فى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار)) ( قُلْ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُ كُمْ وَإِخْوَتُكُمْ وَأَزْوَجُّكُوَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَلُ أَقْتَرَفْتُمُوهَا وَتَجَرَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَ مَسَكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ، فَتَرَبَّصُوْ حَتَّى يَأْتِى اللَّهُ بِأَمْيِ هِمْوَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ اُلْفَسِقِينَ). وقال الله تعالى: (مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن ◌ِدِينِهِ- فَوْفَ بَأَتِى اللَّهُ بِقَوْمِ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِرِينَ يُجَهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةً لَآيِعٍ ذَلِكَ فَضْلُ الَّهِيُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيهُ ) وهذا باب واسع ، ودين الإسلام مبنى على هذا الأصل ، والقرآن يدور عليه . ٣٢٥ وسئل رحمه الله: عن ((المسكنة)) وعن قوله صلى الله عليه وسلم: ((اللهم أحيني مسكيناً، وأمتنى مسكيناً ، واحشرني فى زمرة المساكين)) فأجاب : الحمد لله ، هذا الحديث قد رواه الترمذي ، وقد ذكره أبو الفرج في الموضوعات، وسواء صح لفظه ، أو لم يصح : فالمسكين المحمود هو المتواضع ، الخاشع لله ؛ ليس المراد بالمسكنة عدم المال ، بل قد يكون الرجل فقيراً من المال ، وهو جبار ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم فى الحديث الصحيح: ((ثلاثة لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم يوم القيامة ، ولا يزكيهم ، ولهم عذاب أليم: ملك كذاب، وفقير مختال، وشيخ زان)) وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((أنا عبد آ كل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد)) فالمسكنة خلق فى النفس ، وهو التواضع والخشوع ، واللين ضد الكبر . كما قال عيسى عليه السلام: ( وَبَرَّا بِوَ لِدَتِ وَلَمْ يَجْعَلْنِى جَبَّارَا شَقِيًّا ) ومنه قول الشاعر : ٣٢٦ مساكين أهل الحب حتى قبورم عليها تراب الذل بين المقابر أي أذلاء ، فالحب يعطي الذل ، وعبادة الله تجمع كمال الحب له وكمال الذل له ، فمن كان محباً شيئاً ولم يكن ذليلا له، لم يكن عابداً، ومن كان ذليلا له، وهو مبغض لم يكن عابداً، والحب درجات : أعلاه التيُم، وهو التعبد، وتيم الله عبد الله، وقد قال تعالى: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنَا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُواْسَلَمًا) الآيات . وشواهد هذا الأصل كثيرة . ٣٢٧ وقال شيخ الإسلام فصل جمع النبى صلى الله عليه وسلم بين العفة والغنى فى عدة أحاديث منها قوله فى حديث أبى سعيد المخرج فى الصحيحين: (( من يستغن يغنه الله، ومن يستعفف بعفه الله)) ومنها قوله فى حديث عياض بن حمار في صحيح مسلم: (( أهل الجنة ثلاثة : ذو سلطان مقسط ، ورجل غني عفيف متصدق )) ومنها قوله فى حديث الخيل الذي فى الصحيح : (( ورجل ارتبطها تغنياً وتعففاً. ولم ينس حق الله فى رقابها، وظهورها فهي له ستر))، ومنها ما روى عنه: (( من طلب المال استغناء عن الناس واستعفافا عن المسألة لقي الله ووجهه كالقمر ليلة البدر)). ومنها قوله فى حديث عمر وغيره: ((ما أتاك من هذا المال وأنت غير سائل ولا مشرف فخذه)) فالسائل بلسانه ، وهو ضد المتعفف ، والمشرف بقلبه ، وهو ضد الغنى . قال فى حق الفقراء: (يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ التَّعَفُّفِ) أي ٣٢٨ عن السؤال للناس. وقال: ((ليس الغنى عن كثرة العرض ، وإنما الغنى غنى النفس )) فغني النفس الذي لا يستشرف إلى المخلوق ، فإن الحر عبد ما طمع ، والعبد حر ماقنع . وقد قيل : أطعت مطامعي فاستعبدقي . فكره أن يتبع نفسه ما استشرفت له لئلا يبقى فى القلب فقر وطمع إلى المخلوق ؛ فإنه خلاف التوكل المأمور به ، وخلاف غنى النفس . ٣٢٩ وقال شيخ الإسلام فصل جاء فى حديث ((إن أكبر الكبار الكفر والكبر)) وهذا صحيح فإن هذين الذنبين أساس كل ذنب في الإنس والجن . فإن إبليس هو الذي فعل ذلك أولا ، وهو أصل ذلك . قال الله تعالى: (إِلَّ إِبْلِيسَ وقال: ( إِلَّ إِبْلِيسَ أُسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ اْلْكَفِرِينَ ) اُلْكَفِرِينَ ) وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يدخل النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان ، ولا يدخل الجنة من فى قلبه مثقال ذرة من كبر)) فجعل الكبر يضاد الإيمان . وكذلك الشرك فى مثل قوله: ( إِنَّاللَّهَ لَا يَغْفِرُأَنْ يُشْرَكَ يِهِ) وقال ابن مسعود: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من مات وهو لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة)) قال: وأنا أقول: من مات وهو يشرك بالله شيئاً دخل النار . ٣٣٠ ثم من الناس من يجمع بينهما ، ومنهم من ينفرد له أحدهما. والمؤمن الصالح عافاه الله منها ، فإن الإنسان إما أن يخضع لله وحده أو يخضع لغيره مع خضوعه له، أو لا يخضع لا لله ولا لغيره، فالأول هو المؤمن ، والثاني هو المشرك ، والثالث هو المتكبر الكافر ، وقد لا يكون كافراً فى بعض المواضع ، والنصارى آفتهم الشرك ، واليهود آفتهم الكبر، كما قال تعالى عن النصارى: (أُتَّخَذُواْأَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَنَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ أَبْنَ مَرْيَمَ وَمَآ أَمِرُوَأْ إِلَّ لِيَعْبُدُوَأْ إِلَهًا وَحِدَاً لَّا إِلَهَ إِلَّ هُوَ سُبْحَنَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) وقال عن اليهود : (سَأَصْرِفُ عَنْ ءَايَتَِّ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِ الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ) ولهذا عوقبت اليهود بضرب الذلة والمسكنة عليهم ، والنصارى بالضلال والبدع والجهالة . ٣٣١ وقال شيخ الإسلام فصل ومما يتعلق بالثلاث المهلكات والمنجيات التى ذكر أنه عند المهلكات عليك بخويصة نفسك. أنه قال: (( شح مطاع، وهوى متبع)) تجعل هذا مطاعاً ، وهذا متبعاً ، وهذا - والله أعلم - لأن الهوى هوى النفس ، وهو محبتها للشيء ، وشهوتها له ، سواء أريد به المصدر أو المفعول . فصاحب الهوى يأمره هواه ، ويدعوه فيتبعه ، كما تتبع حركات الجوارح إرادة القلب، ولهذا قال الله تعالى: (وَلَا تَتَّبِعُوَأْ أَهْوَآءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُواْ كَثِيرًا ) وقال: (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ أَتََّعَ هَوَكَهُ بِغَيْرِ هُدَّى مِّنَ اللَّهِ ) وهذا يعم الهوى فى الدين كالنصارى ، وأهل البدع فى المقال والقدر . كما كان السلف يسمونهم أهل الأهواء : من الرافضة والخوارج ، وهذا الهوى موجود فى كثير من الفقراء والفقهاء ، إلا من عصمه الله . ٣٣٢ وقد اختلف أصحابنا هل يدخل الفقهاء المختلفون في اسم أهل الأهواء . على وجهين ، أدخلهم فى التقسيم القاضي أبو يعلى ، وكذلك قبله الشيخ أبو حامد الإسفرائينى فيما أظن ، وأنكره ابن عقيل . وأما ((الشح المطاع)) فقد ذكرنا أن مفسدته عائدة إلى منع الخير ، وهذا فى الأصل ليس هو محبوبا ، وإنما يحمل عليه الحرص على المشحوح به ، فإنه من باب النفرة والبغض ، فهو يأمر صاحبه فيطيعه ، وليس كل مطاع متبعاً ، وإن كان كل متبح مطاعا ، فإن الإنسان يطيع الطبيب والأمير وغيرهما فى أمور خاصة ، وليس متبعاً لهم ، أما التابع لغيره فهو مطيع وزيادة ، فإنه يذهب معه حيثما ذهب . وفرق ثان أن المتبع الذي يطلب فى نفسه ، فغاية المتبع إدراكه ونيله ، وهذا شأن الهوى . وأما المطاع فغاية لغيره ، وهذا شأن الشح. وتحقيق معنى الشح أنه شدة المنع التى تقوم في النفس . كما يقال شحيح بدينه ، وضنين بدينه ، فهو خلق فى النفس ، والبخل من فروعه . كما في الصحيحين عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( إياكم والشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم، أمرهم بالبخل فيخلوا ، وأحرم بالظلم فظلموا وأمرهم بالقطيعة فقطعوا » وكذلك فى حديث عبد الرحمن بن عوف أنه كان يقول فى طوافه: رب فني ٣٣٣ شح نفسي . فقيل له : ما أكثر ما تستعيذ من ذلك ! فقال : إذا وقيت شح نفسي ، وقيت الظلم والبخل والقطيعة ، أو كما قال ؛ ولهذا بين الكتاب والسنة أن الشح والحسد من جنس واحد فى قوله : ) وَلَا يَجِدُونَ فِىِ صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُواْ وَيُؤْثِرُونَ عَلَىَّ أَنْفُسِهِمْ وَلَوْكَانَ بِهِمْ ج فأخبر خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَ نَفْسِهِ، فَأَوْلَبِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) منهم بأنهم يبذلون ما عندهم من الخير مع الحاجة ، وأنهم لا يكرهون ما أنعم به على إخوانهم ، وضد الأول البخل ، وضد الثاني الحسد . ولهذا كان البخل والحسد من نوع واحد ، فإن الحاسد بكره عطاء غيره ، والباخل لا يحب عطاء نفسه، ثم قال: ( وَمَن يُوقَ شُخَ نَفْسِهِ، فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) فإن الشح أصل البخل، وأصل للحسد، وهو ضيق النفس وعدم إرادتها وكراهتها للخير على الغير ، فيتولد عن ذلك امتناعه من النفع ، وهو البخل وإضرار المنعم عليه وهو الظلم ، وإذا كان فى الأقارب كان قطيعة . ولهذا فى حديث أبي هريرة الذي رواء (١) النسائى من حديث محمد بن عجلان عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبى هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يجتمع فى النار (١) خرم بالأصل . ٣٣٤ مسلم قتل كافراً ثم سدد وقارب ، ولا يجتمعان في جوف مؤمن غبار في سبيل الله وفيح جهنم، ولا يجتمعان فى قلب عبد: الإيمان والحسد)» ورواه النسائى أيضاً من حديث جماعة عن سهيل (١) بن أبي يزيد عن القعقاع والحلاح عن أبى هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((لا يجتمع غبار في سبيل اللّه ودخان جهم فى جوف عبد أبداً ولا يجتمع الشح والإيمان فى قلب عبد أبداً)) (١) فانظر كيف ذكر الشح فى الروايات المشهورة ، وفي الأخرى والحسد ، واللفظ الأول أجمع ، وكيف قرن فى الحديث السماحة والشجاعة ، كما قال في الحديث الآخر: ((شر ما فى المرء: شح هالع، وجبن خالع)) مدح الشجاعة في سبيل الله، وذم الشح. ونظير هذا قوله: ((إن من الخيلاء ما يحبها الله، وهو اختيال الرجل بنفسه عند الحرب، وعند الصدقة )) وقصد من الحديث قوله: (وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ. فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) فحصر المفلحين فيمن يوق شح نفسه ، والشحيح الذي لا يحب فعل الخير ، والذى يضر نفسه ، وبكره النعمة على غيره . (١) بياض بالأصل. ٣٣٥ ومثل : عن أحاديث : هل هي صحيحة ؟ وهل رواها أحد من المعتبرين بإسناد صحيح؟ وهي قوله: (( أول ما خلق اللّه العقل قال له : أقبل، فأقبل . ثم قال له : أدبر ، فأدبر . ثم قال : وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً أكرم علي منك : بك آخذ ، وبك أعطي ؛ وبك أثيب ، وبك أعاقب)). وقوله: ((أمرت أن أخاطب الناس على قدر عقولهم)) وهل هذا اللفظ هو لفظ حديث ؟ أوفيه تحريف ؟ أو زيادة أو نقص؟ وقوله : (( إن اللّه من علي فيما من علي: أن أعطيتك فاتحة الكتاب، وهي من كنوز عرشي، قسمتها بينى وبينك نصفين)) وقوله: «الناس شركاء فى ثلاث: الماء ، والكلأ، والنار)». فأجاب : أما الحديث الأول فهو كذب موضوع ، عند أهل العلم بالحديث ، ليس هو فى شيء من كتب الإسلام المعتمدة ، وإنما يرويه مثل داود ابن المحبر، وأمثاله من المصنفين في العقل، ويذكره أصحاب ((رسائل إخوان الصفا )) ونحوهم من المتفلسفة ، وقد ذكره أبو حامد فى بعض ٣٣٦ كتبه ، وابن عربى ، وابن سبعين ، وأمثال هؤلاء ، وهو عند أهل العلم بالحديث كذب على النبى صلى الله عليه وسلم، كما ذكر ذلك أبو حاتم الرازي ، وأبو الفرج ابن الجوزي ، وغيرهما من المصنفين فى علم الحديث. ومع هذا فلفظ الحديث: (( أول ما خلق الله العقل قال له : أقبل فأقبل ، وقال له أدبر فأدبر، قال ما خلقت خلقاً أكرم علي منك ، فبك آخذ . وبك أعطي ، وبك الثواب، وبك العقاب)) وفى لفظ (( لما خلق الله العقل قال له: كذلك)) ومعنى هذا اللفظ أنه قال للعقل في أول أوقات خلقه ؛ ليس فيه أن العقل أول المخلوقات ، لكن المتفلسفة القائلون بقدم العالم أتباع أرسطو ، م ومن سلك سبيلهم من باطنية الشيعة ، والمتصوفة ، والمتكلمة ، رووه أول ما خلق الله العقل بالضم، ليكون ذلك حجة لمذهبهم، في أن أول المبدعات هو العقل الأول ، وهذا اللفظ لم يروه به أحد من أهل الحديث ، بل اللفظ المروى مع ضعفه يدل على نقيض هذا المعنى، فإنه قال: (( ما خلقت خلقاً أكرم علي منك )) فدل على أنه قد خلق قبله غيره ، والذي يسميه الفلاسفة العقل الأول ، ليس قبله مخلوق فندم . وأيضاً فإنه قال: ((بك آخذ ، وبك أعطى، وبك الثواب، وبك العقاب )) فجعل به هذه الأعراض الأربعة ، وعند أولئك المتفلسفة الباطنية: ٣٣٧ أن جميع العالم صدر عن العقل الأول، وهو رب السموات والأرض وما بينهما عندهم ، وإن كان حربوبا للواجب بنفسه ، وهو عندهم متولد عن الله، لازم لذاته، وليس هذا قول أحد من أهل الملل، لا المسلمين ولا اليهود ، ولا النصارى ، إلا من ألحد منهم، ولا هو قول المجوس، ولا جمهور الصابئين، ولا أكثر المشركين ، ولا جمهور الفلاسفة ، بل هو قول طائفة منهم . وأيضاً فإن العقل فى لغة المسلمين عرض من الأعراض ، قائم بغيره وهو غريزة، أو على ، أو عمل بالعلم ؛ ليس العقل في لغتهم جوهراً قائماً بنفسه فيمتنع أن يكون أول المخلوقات عرضاً قائماً بغيره ، فإن العرض لا يقوم إلا بمحل ، فيمتنع وجوده قبل وجود شيء من الأعيان، وأما أولئك المتفلسفة : ففي اصطلاحهم أنه جوهر قائم بنفسه ، وليس هذا المعنى هو معنى العقل في لغة المسلمين ، والنبى صلى الله عليه وسلم خاطب المسلمين بلغة العرب ، لا بلغة اليونان ، فعلم أن المعنى الذي أراده المتفلسفة لم يقصده الرسول ، لو كان تكلم بهذا اللفظ ، فكيف إذا لم يتكلم به . وأما الحديث الثانى، وهو قوله: ((أمرت أن أخاطب الناس على قدر عقولهم )) فهذا لم يروه أحد من علماء المسلمين الذين يعتمد عليهم فى الرواية ، وليس هو في شيء من كتبهم ، وخطاب الله ورسوله للناس ٣٣٨ عام يتناول جميع المكلفين ، كقوله: (يَأَيُّهَا النَّاسُ) (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ ) (بَعِبَادِىَ) (يَبَنِىّ إِسْرَّهِيلَ) وكذلك النبى صلى الله عليه وسلم كان يخاطب الناس على منبره بكلام واحد يسمعه كل أحد ؛ لكن الناس يتفاضلون في فهم الكلام بحسب ما يخص الله به كل واحد منهم من قوة الفهم ، وحسن العقيدة . ولهذا كان أبو بكر الصديق أعلمهم بمراده، كما فى الصحيحين عن أبى سعيد: (( أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب الناس فقال: إن عبداً خيره اللّه بين الدنيا والآخرة ، فاختار ذلك العبد ما عند الله، قال: فبكى أبو بكر وقال : نفديك بأنفسنا وأموالنا ، فجعل الناس يعجبون منه، ويقولون : عجباً لهذا الشيخ! بكى أن ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم عبداً خيره اللّه بين الدنيا والآخرة ، قال : فكان رسول اللّه صلى الله عليه وسلم هو المخير، وكان أبو بكر أعلمنا به)) فالنى صلى الله عليه وسلم ذكر عبدا مطلقاً لم يعينه، ولكن أبو بكر عرف عينه . وما يرويه بعض الناس عن عمر أنه قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر يتحدثان، وكنت كالزنجي بينها)) فهذا كذب مختلق وكذلك ما يروى أنه أجاب أبا بكر بجواب ، وأجاب عائشة بجواب، فهذا كذب باتفاق أهل العلم . ٣٣٩ ـئل عن هذه الأحاديث: ((من طاف بهذا البيت أسبوعا إيمانا واحتسابا غفر له ما قد سلف)) وقوله صلى الله عليه وسلم: ((من وقف بعرفات، وظن أن الله لا يغفر له، لا غفر الله له)، وأيضاً: ((لو مر بعرفات راعى غم - ولم يعلم أنه يوم عرفة - غفر له)) وقوله عليه السلام: ((من حج ولم يزرني فقد جفانى ، ومن زارني فقد وجبت له شفاعتي )) هل هذه الأحاديث فى الصحيح أم لا؟ وما معنى قوله عز وجل: (مَّقَامُ إِزَهِيمٌ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءَامِنَّا)؟. فأجاب: الحمد لله رب العالمين . ليس في هذه الأحاديث حديث - لا فى الصحيح ، ولا فى السنن، وفيها ما معناه مخالف للكتاب والسنة ، فإنه لو وقف الرجل بعرفات خائفاً من الله أن لا يغفر له ذنوبه؛ لكونها كبائر، لم يُقل: إن الله لا يغفر له، فإن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ، فما دون الشرك إن شاء الله غفره لصاحبه، وإن شاء لم يغفره ، لكن إذا تاب العبد من الذنب غفره الله له ، شركا كان أو غير شرك. كما قال تعالى: (يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَ فُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ ٣٤٠