النص المفهرس
صفحات 241-260
[بخلاف](١) حال من كذب على اللّه ونسب إليه بالسمع أو العقل مالا يصح نسبته إليه ، أو كذب بالحق لما جاء ، فكذب من جاء بحق معلوم من سمع أوعقل، وقال تعالى عن أهل النار: (لَكُنّ نَسْمَعُ أَوْنَعْقِلُ مَافِ أَصْحَبٍ فأخبر أنه لو حصل لهم سمع أو عقل ما دخلوا السَّعِيرِ ) ، النار ، وقال تعالى: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِى الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَمُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْءَاذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَرُ وَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ ◌َِّ فِ الصُّدُورِ ) . وقال تعالى: (سَتُرِيِهِمْ ءَايَئِنَا فِ اَلْأَفَاقِ وَفِىّ أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَبَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ) أي : أن القرآن حق ، فأخبر أنه سيري عباده الآيات المشهودة المخلوقة حتى يتبين أن الآيات المتلوة المسموعة حق . ومما يعرف به منشأ غلط هاتين الطائفتين غلطهم فى الحركة والحدوث ومسمی ذلك . فطائفة - كأرسطو وأتباعه - قالت : لا يعقل أن يكون جنس الحركة والزمان والحوادث حادثا ؛ وأن يكون مبدئ كل حركة وحادث صار فاعلا لذلك بعد أن لم يكن ، وأن يكون الزمان حادثا بعد أن لم يكن حادثا، مع أن قبل وبعد لا يكون إلا في زمان، وهذه القضايا كلها إنما تصدق كلية لا تصدق معينة، ثم ظنوا أن الحركة المعينة وهي حركة الفلك هي (١) عُدّلت حسب مفهوم السياق ٢٤١ القديمة الأزلية وزمانها قديم ، فضلوا ضلالا مبيناً مخالفاً لصحيح المنقول المتواتر عن الأنبياء صلى الله عليهم وسلم، مع مخالفته لصريح المعقول الذي عليه جمهور العقلاء من الأولين والآخرين. وطائفة ظنوا أنه لا يمكن أن يكون جنس الحركة والحوادث والفعل إلا بعد أن لم يكن شىء من ذلك، أو أنه يجب أن يكون فاعل الجميع لم يزل معطلا، ثم حدثت الحوادث بلا سبب أصلا ، وانتقل الفعل من الامتناع إلى الإمكان بلا سبب ، وصار قادراً بعد أن لم يكن بلا سبب ، وكان الشيء بعد مالم يكن فى غير زمان ، وأمثال ذلك مما يخالف صريح العقل . وثم يظنون مع ذلك أن هذا قول أهل الملل من المسلمين واليهود والنصارى، وليس هذا القول منقولا عن موسى ؛ ولا عيسى ؛ ولا محمد صلوات الله عليهم وسلامه ؛ ولا عن أحد من أصحابهم، إنما هو مما أحدثه بعض أهل البدع وانتشر عند الجهال بحقيقة أقوال الرسل وأصحابهم ، فظنوا أن هذا قول الرسل صلى الله عليهم وسلم ، وصار نسبة هذا القول إلى الرسل وأتباعهم يوجب القدح فيهم : إما بعدم المعرفة بالحق في هذه المطالب العالية ، وإما بعدم بيان الحق . وكل منهما يوجب عند هؤلاء أن يعزلوا الكتاب والسنة وآثار السلف عن الاهتداء . ٢٤٢ وإنما ضلوا لعدم علمهم بما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم والتابعون لهم بإحسان . فإن الله تعالى أرسل رسوله صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيداً . ٢٤٣ وقال شيخ الإسلام رحمه الله بِسْمِ لّهِالرَّمِ الرَّحَّةِ (١) الحمد لله المستوجب لصفات المدح والكمال ، المستحق للحمد على كل حال ، لا يحصى أحد ثناء عليه بل هو كما أثنى على نفسه بأكمل الثناء وأحسن المقال ، فهو المنعم على العباد بالخلق وبإرسال الرسل إليهم وبهداية المؤمنين منهم لصالح الأعمال . وهو المتفضل عليهم بالعفو عنهم وبالثواب الدائم بلا انقطاع ولا زوال . له الحمد فى الأولى والآخرة حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه متصلا بلا انفصال . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ؛ عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال . وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي هدى به من الضلال ، وأمر المؤمنين بالمعروف ونهام عن المنكر ؛ وأحل لهم الطيبات وحرم عليهم الخبائث ، ووضع عنهم الآصار والأغلال ، فصلى الله عليه وعلى آله خير (١) تسمى ((شرح حديث إنما الأعمال بالنيات)). ٢٤٤ آل ، وعلى أصحابه الذين كانوا نصرة للدين حتى ظهر الحق والطمست أعلام الضلال . ( أما بعد ) : فإن الله تعالى خلق الخلق لما شاء من حكمته ، وأسبخ عليهم مالا يحصونه من نعمته ، وكرم بني آدم بأصناف كرامته ، وخص عباده المؤمنين باصطفائه وهدايته ، وجعل أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم خير أمة أخرجت للناس من بريته . وبعث فيهم رسولا من أنفسهم يعلمون صدقه وأمانته وجميل سيرته ، بتلو عليهم آياته ليخرجهم من ظلمة الكفر وحيرته ، ويهديهم إلى صراط مستقيم ويدعوم إلى عبادته . وأنزل عليهم أفضل كتاب أنزله إلى خليقته، وجعله آية باقية إلى قيام ساعته ، معجزة باهرة مبدية عن حجته ، وبينته ظاهرة موضحة لدعوته ، يهدى به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه وبدلهم على طريق جنته ، فالسعيد من اعتصم بكتاب الله واتبع الرسول فى سنته وشريعته . والمهتدي بمناره المقتفى لآثاره هو أفضل الخلق في دنياه وآخرته ، والمحيي لشيء من سنته له أجرها وأجر من عمل بها من غير نقصان في أجر طاعته ، فإن الله لا يظلم مثقال ذرة ؛ بل يضاعف الحسنات بفضله ورحمته . ٢٤٥ وإحياء سنته يشمل أنواعا من البر لسعة فضل الله وكرامته ، فيكون بالتبليغ لها والبيان لأجل ظهور الحق ونصرته ، ويكون بالإعانة عليها بإنفاق المال والجهاد إعانة على دين اللّه وعلو كلمته ، فالجهاد بالمال مقرون بالجهاد بالنفس قد ذكره الله تعالى قبله وفى غير موضع لعظم منزلته وثمرته ، وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((من جهز غازياً فقد غزا، ومن خلفه فى أهله بخير فقد غزا)) وقال: (( من فطر صائما فله مثل أجره )) ومثوبته ؛ لا سيما ما يبقى نفعه بعد موت الإنسان ومصيره إلى تربته ، كما قال في الحديث: (( إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث))، فهذه الثلاث هي من أعماله الباقية بعد ميتته ، بخلاف ما ينفعه بعد موته من أعمال غيره من الدعاء والصدقة والعتق ؛ فإن ذلك ليس من سعيه بل من سعى غيره وشفاعته، وكما يلحق بالمؤمن من يدخله الله الجنة من ذريته . وأصل العمل الصالح هو إخلاص العبد لله فى نيته ، فإنه سبحانه إنما أنزل الكتب وأرسل الرسل وخلق الخلق لعبادته ، وهي دعوة الرسل لكافة بريته ، كما ذكر ذلك في كتابه على ألسنة رسله بأوضح دلالته ؛ ولهذا كان السلف يستحبون أن يفتتحوا مجالسهم وكتبهم وغير ذلك بحديث: ((إنما الأعمال بالنيات)) في أول الأمر وبدايته . فنجري فى ذلك على منهاجهم إذ كانوا أفضل جيش الإسلام ومقدمته ، فنقول ٢٤٦ مستعينين باللّه على سلوك سبيل أهل ولايته وأحبته : ((عن يحيى بن سعيد الأنصاري؛ عن محمد بن إبراهيم التيمي؛ عن علقمة بن وقاص الليثي ؛ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إنما الأعمال بالنيات ؛ وإنما لكل امرئ ما نوى ؛ فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه )). هذا حديث صحيح متفق على صحته؛ تلقته الأمة بالقبول والتصديق مع أنه من غرائب الصحيح؛ فإنه وإن كان قد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم من طرق متعددة كما جمعها ان منده وغيره من الحفاظ ، فأهل الحديث متفقون على أنه لا يصح منها إلا من طريق عمر بن الخطاب رضى الله عنه هذه المذكورة، ولم يروه عنه إلا علقمة بن وقاص الليثي ؛ ولا عن علقمة إلا محمد بن إبراهيم ؛ ولا عن محمد إلا يحيى ابن سعيد الأنصاري قاضي المدينة . ورواه عن يحيى بن سعيد أمة الإسلام ، يقال : إنه رواه عنه نحو من مائتى عالم ، مثل مالك ؛ والثوري ؛ وان عيينة، وحماد ، وحماد ؛ وعبد الوهاب الثقفى ؛ وأنى خالد الأحمر ؛ وزائدة ؛ ويحيى بن سعيد ٢٤٧ القطان ؛ ويزيد بن هارون ؛ وغير هؤلاء خلق من أهل مكة والمدينة والكوفة والبصرة والشام وغيرها ، من شيوخ الشافعي وأحمد وإسحاق وطبقتهم ، ويحيى بن معين وعلى بن المديني وأبي عبيد . ولهذا الحديث نظار من غرائب الصحاح، مثل حديث ابن عمر ؛ عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه نهى بيع الولاء وهبته، أخرجاه ؛ تفرد به عبد الله بن دينار عن ابن عمر . ومثل حديث أنس: (( أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة وعلى رأسه المغفر فقيل : إن ابن خطل متعلق بأستار الكعبة فقال : ((اقتلوه)) أخرجاه، تفرد به الزهري عن أنس ، وقيل : تفرد به مالك عن الزهري ، فالحديث الغريب : ما تفرد به واحد ، وقد يكون غريب المتن أو غريب الإسناد ، ومثل أن يكون متنه صحيحاً من طريق معروفة وروى من طريق أخرى غريبة . ومن الغرائب ما هو صحيح ، وغالبها غير صحيح ، كما قال أحمد : اتقوا هذه الغرائب ؛ فإن عامتها عن الكذابين؛ ولهذا يقول الترمذي فى بعض الأحاديث : إنه غريب من هذا الوجه . والترمذي أول من قسم الأحاديث إلى صحيح ، وحسن، وغريب، ٢٤٨ وضعيف ، ولم يعرف قبله هذا التقسيم عن أحد ، لكن كانوا يقسمون الأحاديث إلى صحيح وضعيف ، كما يقسمون الرجال إلى ضعيف وغير ضعيف، والضعيف عندهم نوعان : ضعيف لا يحتج به وهو الضعيف فى اصطلاح الترمذي ، والثاني ضعيف يحتج به وهو الحسن فى اصطلاح الترمذي ، كما أن ضعف المرض فى اصطلاح الفقهاء نوعان : نوع يجعل تبرعات صاحبه من الثلث كما إذا صار صاحب فراش . ونوع يكون تبرعات صاحبه من رأس المال كالمرض اليسير الذي لا يقطع صاحبه ، ولهذا يوجد فى كلام أحمد وغيره من الفقهاء أنهم يحتجون بالحديث الضعيف ؛ كحديث عمرو بن شعيب ، وإبراهيم الهجري وغيرها ؛ فإن ذلك الذي سماه أولئك ضعيفاً هو أرفع من كثير من الحسن ؛ بل هو مما يجعله كثير من الناس صحيحاً، والترمذي قد فسر مراده بالحسن أنه : ما تعددت طرقه، ولم يكن فيها متهم ؛ ولم يكن شاذاً . فصل والمعنى الذي دل عليه هذا الحديث أصل عظيم من أصول الدين ، بل هو أصل كل عمل ، ولهذا قالوا : مدار الإسلام على ثلاثة أحاديث فذكروه منها ، كقول أحمد حديث: ((إنما الأعمال بالنيات))، و((من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد)) ((والحلال بين والحرام ٢٤٩ بين))، ووجه هذا الحديث أن الدين فعل ما أمر الله به وترك ما نهى عنه . فحديث الحلال بين فيه بيان ما نهى عنه . والذى أمر الله به نوعان: أحدهما العمل الظاهر وهو ما كان واجباً أو مستحباً، والثاني العمل الباطن وهو إخلاص الدين لله. فقوله: ((من عمل عملا)» إلخ ينفي التقرب إلى الله بغير ما أمر الله به أمر إيجاب أو أمر استحباب. وقوله: ((إنما الأعمال بالنيات)) إلخ يبين العمل الباطن ، وأن التقرب إلى الله إنما يكون بالإخلاص في الدين لله ؛ كما قال الفضيل فى قوله تعالى: (لِبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْأَحْسَنُ عَمَلًا ) قال : أخلصه وأصوبه ، قال: فإن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صوابا لم يقبل ، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصاً لم يقبل حتى يكون خالصاً صوابا، والخالص أن يكون لله ، والصواب أن يكون على السنة ، وعلى هذا دل قوله تعالى: ( فَتَن كَانَ يَرْجُوْ لِقَاءَ رَبِّهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكِ بِعِبَادَةِ رَيِّدِ أَحَدَأْ ) ، فالعمل الصالح هو ما أمر الله به ورسوله أمر إيجاب أو أمر استحباب وأن لا يشرك العبد بعبادة ربه أحداً ؛ وهو إخلاص الدين لله . وكذلك قوله تعالى: (بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَخْرُهُ. عِندَرَبِّهِ، ) الآية. وقوله: (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ اللَّهِ وَهُوَ ٢٥٠ مُحْسِنٌ وَأَتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَهِيمَ حَنِيفًا)، وقوله: (وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَّ ) فإن إسلام الوجه لله يتضمن إخلاص العمل لله، والإحسان هو إحسان العمل لله ( إِنَّ لَا تُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ وهو فعل ما أمر به فيه كما قال تعالى: عَمَلًا ) ، فإن الإساءة فى العمل الصالح تتضمن الاستهانة بالأمر به ، والاستهانة بنفس العمل ، والاستهانة بما وعده الله من الثواب، فإذا أخلص العبد دينه لله وأحسن العمل له كان ممن أسلم وجهه لله وهو محسن ، فكان من الذين لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا ثم يحزنون . فصل لفظ (( النية )) فى كلام العرب من جنس لفظ القصد والإرادة ونحو ذلك ، تقول العرب : نواك الله بخير ، أي : أرادك بخير ، ويقولون : نوى منوية ، وهو المكان الذي ينويه ، يسمونه نوى ، كما يقولون : قبض بمعنى مقبوض ، والنية يعبر بها عن نوع من إرادة ، ويعبر بها عن نفس المراد ، كقول العرب : هذه نيتى ، يعنى : هذه البقعة هي التى نويت إنيانها ، ويقولون : نيته قريبة أو بعيدة ، أى : البقعة التى ٢٥١ نوى قصدها ، لكن من الناس من يقول: إنها أخص من الإرادة ؛ فإن إرادة الإنسان تتعلق بعمله وعمل غيره ، والنية لا تكون إلا لعمله ، فإنك تقول : أردت من فلان كذا ولا تقول نويت من فلان كذا . فصل وقد تنازع الناس فى قوله صلى الله عليه وسلم: « إنما الأعمال بالنيات )) : هل فيه إضمار أو تخصيص ؟ أو هو على ظاهره وعمومه؟ فذهب طائفة من المتأخرين إلى الأول ، قالوا : لأن المراد بالنيات الأعمال الشرعية التى تجب أو تستحب ، والأعمال كلها لا تشترط في صحتها هذه النيات ، فإن قضاء الحقوق الواجبة من الغصوب والعوارى والودائع والديون تبرأ ذمة الدافع وإن لم يكن له في ذلك نية شرعية بل تبرأ ذمته منها من غير فعل منه ، كما لو تسلم المستحق عين ماله أو أطارت الريح الثوب المودع أو المغصوب فأوقعته فى يد صاحبه ونحو ذلك . ثم قال بعض هؤلاء : تقديره إنما ثواب الأعمال المترتبة عليها بالنيات أو إنما تقبل بالنيات ، وقال بعضهم : تقديره إنما الأعمال الشرعية ٢٥٢ أو إنما صحتها ، أو إنما إجزاؤها ، ونحو ذلك . وقال الجمهور : بل الحديث على ظاهره وعمومه ، فإنه لم يرد بالنيات فيه الأعمال الصالحة وحدها ، بل أراد النية المحمودة والمذمومة ، والعمل المحمود والمذموم ولهذا قال فى تمامه: ((فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله)» إلخ، فذكر النية المحمودة بالهجرة إلى الله ورسوله فقط والنية المذمومة وهي الهجرة إلى امرأة أو مال ، وهذا ذكره تفصيلا بعد إجمال، فقال: ((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرىء مانوى)» ثم فصل ذلك بقوله: ((فمن كانت هجرته)) إلخ . وقد روى أن سبب هذا الحديث : أن رجلا كان قد هاجر من مكة إلى المدينة لأجل امرأة كان يحبها تدعى أم قيس ، فكانت مجرته لأجلها، فكان يسمى مهاجر أم قيس، فلهذا ذكر فيه ((أو امرأة يتزوجها - وفى رواية ــ ينكحها)) فحص المرأة بالذكر لاقتضاء سبب الحديث لذلك. والله أعلم . والسبب الذي خرج عليه اللفظ العام لا يجوز إخراجه منه باتفاق الناس ، والهجرة في الظاهر هي : سفر من مكان إلى مكان ، والسفر جنس تحته أنواع مختلفة تختلف باختلاف نية صاحبه ، فقد يكون سفراً واجباً كمتج أو جهاد متعين ، وقد يكون محرماً كسفر العادي لقطع ٢٥٣ الطريق ، والباغى على جماعة المسلمين ، والعبد الآبق . والمرأة الناشز . ولهذا تكلم الفقهاء فى الفرق بين العاصى بسفره والعاصي فى سفره ، فقالوا : إذا سافر سفراً مباحاً كالحج والعمرة والجهاد جاز له فيه القصر والفطر باتفاق الأئمة الأربعة ، وإن عصى فى ذلك السفر . وأما إذا كان عاصياً بسفره كقطع الطريق وغير ذلك فهل يجوز له الترخص برخص السفر كالفطر والقصر ؟ فيه نزاع : فمذهب مالك ، والشافعى ، وأحمد : أنه لا يجوز له القصر والفطر ومذهب أبى حنيفة يجوز له ذلك ، وإذا كان النبى صلى الله عليه وسلم قد ذكر هذا السفر وهذا السفر علم أن مقصوده ذكر جنس الأعمال مطلقاً ، لا نفس العمل الذي هو قربة بنفسه كالصلاة والصيام ، ومقصوده ذكر جنس النية، وحينئذ يتبين أن قوله: ((إنما الأعمال بالنيات)) مما خصه الله تعالى به من جوامع الكلم، كما قال: (( بعثت مجوامع الكلم))، وهذا الحديث من أجمع الكلم الجوامع التى بعث بها ، فإن كل عمل يعمله عامل من خير وشر هو بحسب ما نواه ، فإن قصد بعمله مقصوداً حسناً كان له ذلك المقصود الحسن ، وإن قصد به مقصوداً سيئاً كان له ما نواه . ٢٥٤ فصل ولفظ النية يراد بها النوع من المصدر ، ويراد بها المنوى . واستعمالها فى هذا لعله أغلب فى كلام العرب ، فيكون المراد إنما الأعمال بحسب ما نواه العامل ، أي : بحسب منويه ، ولهذا قال فى تمامه ((فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله)) فذكر ما ينويه العامل ويريده بعمله وهو الغاية المطلوبة له ، فإن كل متحرك بالإرادة لا بد له من مراد . ولهذا قال صلى الله عليه وسلم «أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن، وأقبحها حرب ومرة، وأصدقها حارث وهام)) فإن كل آدمي حارث وهمام ، والحارث هو العامل الكاسب، والهام الذي يهم ويريد. قال تعالى: (مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ نَزِدْلَهُ فِ حَرْئِهِ، وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الذُّنْيَا نُؤْتِهِ،مِنْهَا وَمَالَهُ،فِي اْآَخِرَةِمِن نَّصِيبٍ ) فقوله حرث الدنيا أي كسبها وعملها ، ولهذا وضع الحريري مقاماته على لسان الحارث بن همام لصدق هذا الوصف على كل أحد . ٢٥٥ فصل ولفظ النية يجري فى كلام العلماء على نوعين : فتارة يريدون بها تمييز عمل من عمل وعبادة من عبادة ، ونارة بريدون بها يميز معبود عن معبود ومعمول له عن معمول له . فالأول كلامهم فى النية : هل هي شرط فى طهارة الأحداث ؟ وهل تشترط نية التعيين والتبييت فى الصيام ؟ وإذا نوى بطهارته ما يستحب لها هل تجزيه عن الواجب ؟ أو أنه لا بد فى الصلاة من نية التعيين ؟ ونحو ذلك ، والثاني كالتمييز بين إخلاص العمل الله وبين أهل الرياء والسمعة كما سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة وحمية ورياء، فأي ذلك فى سبيل الله؟ فقال: (( من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو فى سبيل الله )) وهذا الحديث يدخل فيه سائر الأعمال ، وهذه النية يميز بين من يريد الله بعمله والدار الآخرة ، وبين من يريد الدنيا : مالا وجاها ومدها وثناء وتعظيما وغير ذلك ، والحديث دل على هذه النية بالقصد ، وإن كان قد يقال : إن عمومه بتناول ٢٥٦ النوعين ، فإنه فرق بين من بريد الله ورسوله وبين من بريد دنيا أو امرأة ، ففرق بين معمول له ومعمول له ، ولم يفرق بين عمل وعمل . وقد ذكر الله تعالى الإخلاص فى كتابه في غير موضع ، كقوله وقوله : ( فَأَعْبُدِ تعالى: (وَمَا أُمِرُ وَا إِلَّا لِيَعْبُدُ واْ اللَّهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الَّذِينَ) اَللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ * أَلَاَ لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ)، وقوله: (قُلِ الََّأَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِینی ) ، وغير ذلك من الآيات . وإخلاص الدين هو أصل دين الإسلام ، ولذلك ذم الرياء فى مثل قوله: (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَآءُونَ) وقوله : (وَإِذَا قَامُوْ إِلَى الصَّلَوةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآءُ ونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللّهَإِلَّ قَلِيلًا ) وقال تعالى: (كَلَّذِى يُنفِقُّ مَالَهُ رِينَآءَ النَّاسِ) الآية، وقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ رِئَآءَ النَّاسِ ) الآ ية . فصل وقد اتفق العلماء على أن العبادة المقصودة لنفسها كالصلاة والصيام والحج لا تصح إلابنية ، وتنازعوا فى الطهارة ، مثل من يكون عليه جنابة فينساها ويغتسل للنظافة ، فقال مالك والشافعى وأحمد : النية ٢٥٧ شرط لطهارة الأحداث كلها ، وقال أبو حنيفة : لا تشترط فى الطهارة بالماء بخلاف التيمم، وقال زفر لا تشترط لا فى هذا ولا في هذا ، وقال بعض المتأخرين من أصحاب الشافعي وأحمد : تشترط لإزالة النجاسة ، وهذا القول شاذ ، فإن إزالة النجاسة لا يشترط فيها عمل العبد ، بل تزول بالمطر النازل والنهر الجاري ، ونحو ذلك ، فكيف تشترط لها النية ؟! وأيضاً فإن إزالة النجاسة من باب التروك لا من باب الأعمال ، ولهذا لو لم يخطر بقلبه فى الصلاة أنه مجتنب النجاسة صحت صلاته إذا كان مجتنباً لها ، ولهذا قال مالك وأحمد فى المشهور عنه ، والشافعي فى أحد قوليه : لو صلى وعليه نجاسة لم يعلم بها إلا بعد الصلاة لم يعد ؛ لأنه من باب التروك ، وقد ذكر الله عن المؤمنين قولهم : (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَّسِيِنَآ أَوْ أَخْطَأْنَا) ، وثبت عن النبى صلى الله عليه وسلم (((أن الله تعالى قال قد فعلت)) فمن فعل ما نهى عنه ناسياً أو مخطئاً فلا إثم عليه ، بخلاف من ترك ما أمر به ، كمن ترك الصلاة فلا بد من قضائها . ولهذا فرق أكثر العلماء فى الصلاة والصيام والإحرام بين من فعل المحظور ناسياً وبين من ترك الواجب ناسياً ، كمن تكلم فى الصلاة ناسياً ومن أكل فى الصيام ناسياً ومن تطيب أو لبس ناسياً فى الإحرام والذين يوجبون النية فى طهارة الأحداث يحتجون بهذا الحديث على ٢٥٨ أبي حنيفة، وأبو حنيفة يسلم أن الطهارة غير المنوية ليست عبادة ولا ثواب فيها، وإنما النزاع فى صحة الصلاة بها، فقوله صلى الله عليه وسلم: ((إنما الأعمال بالنيات )) لا يدل على محل النزاع إلا إذا ضمت إليه مقدمة أخرى ، وهو أن الطهارة لا تكون إلا عبادة ، والعبادة لا تصح إلا بنية ، وهذه المقدمة إذا سلمت لم تحتج إلى الاستدلال بهذا فإن الناس متفقون على أن ما لا يكون إلا عبادة لا يصح إلا بنية بخلاف ما يقع عبادة وغير عبادة كأداء الأمانات وقضاء الديون . وحينئذ فالمسألة مدارها على أن الوضوء هل يقع غير عبادة ؟ والجمهور يحتجون بالنصوص الواردة في ثوابه، كقوله: ((إذا توضأ العبد المسلم خرجت خطاياه مع الماء أو مع آخر قطر الماء )) وأمثال ذلك ، فيقولون : ففيه الثواب لعموم النصوص ، والثواب لا يكون إلا مع النية فالوضوء لا يكون إلا بنية . وأبو حنيفة يقول : الطهارة شرط من شرائط الصلاة فلا تشترط لها النية كاللباس وإزالة النجاسة ، وأولئك يقولون: اللباس والإزالة يقعان عبادة وغير عبادة ، ولهذا لم يرد نص بثواب الإنسان على جنس اللباس والإزالة ، وقد وردت النصوص بالثواب على جنس الوضوء . وأبو حنيفة يقول : النصوص وردت بالثواب على الوضوء المعتاد، ٢٥٩ وعامة المسلمين إنما يتوضئون بالنية ، والوضوء الخالي عن النية نادر لا يقع إلا لمثل من أراد تعليم غيره ونحو ذلك ، والجمهور يقولون : هذا الوضوء الذي اعتاده المسلمون هو الوضوء الشرعى الذي نصح به الصلاة ، وما سوى هذا لا يدخل في نصوص الشارع ، كقوله صلى الله عليه وسلم (((لا نقبل صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ))، فإن المخاطبين لا يعرفون الوضوء المأمور به إلا الوضوء الذي أثنى عليه وحث عليه ، وغير هذا لا يعرفونه ، فلا يقصد إدخاله فى عموم كلامه ، ولا يتناوله النص . فصل وأما النية التى هي إخلاص الدين لله فقد تكلم الناس في حدها وحد الإخلاص ، كقول بعضهم : المخلص هو الذي لا يبالي لو خرج كل قدر له فى قلوب الناس من أجل صلاح قلبه مع الله عز وجل ، ولا يجب أن يطلع الناس على مثاقيل الذر من عمله ، وأمثال ذلك من كلامهم الحسن . لكن كلامهم يتضمن الإخلاص في سائر الأعمال ، وهذا لا يقع من سائر الناس، بل لا يقع من أكثرهم ، بل غالب المسلمين يخلصون لله فى كثير من أعمالهم كإخلاصهم في الأعمال المشتركة بينهم ، ٢٦٠