النص المفهرس
صفحات 121-140
سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبح جنباً من غير احتلام ثم يتم صومه . ولدت سنة ٦٠١ . وتوفيت فى شوال سنة ٦٨٧ . ١٢١ مثل شيخ الإسلام عما يروى عن النبى صلى الله عليه وسلم عن الله عز وجل قال : (( ما وسعني لا سمائى ولا أرضي، ولكن وسعي قلب عبدى المؤمن)) فأحاب : الحمد لله . هذا ما ذكروه فى الإسرائيليات ليس له إسناد معروف عن النبى صلى الله عليه وسلم ، ومعناه : وسع قلبه محبتى ومعرفتى . وما يروى: ((القلب بيت الرب)) هذا من جنس الأول، فإن القلب بيت الإيمان بالله تعالى ومعرفته ومحبته . وما يروونه ((كنت كنزاً لا أعرف؛ فأحببت أن أعرف خلقت خلقا فعرفتهم بي ، فى عرفونى)) هذا ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم ولا أعرف له إسناداً صحيحاً ولا ضعيفاً . وما يروونه عن النبى صلى الله عليه وسلم: ((أن الله خلق العقل فقال : أقبل ! فأقبل ، ثم قال له : أدبر ؛ فأدبر ، فقال : وعزتى ١٢٢ وجلالي ما خلقت خلقاً أشرف منك، فبك آخذ وبك أعطي )) هذا الحديث باطل موضوع باتفاق أهل العلم بالحديث. وما يروونه (( حب الدنيا رأس كل خطيئة))، هذا معروف عن جندب بن عبد الله البجلي، وأما عن النبي صلى الله عليه وسلم فليس له إسناد معروف . وما يروونه: ((الدنيا خطوة رجل مؤمن)) هذا لا يعرف عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا غيره من سلف الأمة ولا أتمتها . وما يروونه ((من بورك له فى شيء فليلزمه ، ومن ألزم نفسه شيئاً لزمه))، الأول يؤثر عن بعض السلف، والثانى باطل فإن من ألزم نفسه شيئاً قد يلزمه وقد لا يلزمه ، بحسب ما يأمر به الله ورسوله . وما يروونه عن النبى صلى الله عليه وسلم: ((اتخذوا مع الفقراء أيادى فإن لهم فى غددولة وأى دولة؟!))، ((الفقر فخرى وبه أفتخر )) كلاهما كذب لا يعرف فى شيء من كتب المسلمين المعروفة . وما يروونه عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((أنا مدينة العلم وعلي بابها )) هذا الحديث ضعيف ، بل موضوع عند أهل العلم بالحديث ، ١٢٣ ولكن قد رواه الترمذى وغيره ، ورفع هذا وهو كذب . وما يروونه : أنه يقعد الفقراء يوم القيامة ويقول: وعزتي وجلالي علي ، ولكن أردت أن أرفع قدركم فى هذا ما زويت الدنيا عنكم لهوانكم اليوم ، انطلقوا إلى الموقف ! فمن أحسن إليكم بكسرة ، أو سقاكم شربة ماء، أو كساكم خرقة انطلقوا به إلى الجنة))، قال الشيخ: الثانى كذب لم يروه أحد من أهل العلم بالحديث ، وهو باطل خلاف الكتاب والسنة والإجماع . وما يروونه عن النبي صلى الله عليه وسلم: لما قدم إلى المدينة خرجت بنات النجار بالدفوف وهن يقلن : طلع البدر علينا من ثنيات الوداع إلى آخر الشعر، فقال لهن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( هزوا غرابيلكم بارك الله فيكم)). حديث النسوة وضرب الدف في الأفراح صحيح ؛ فقد كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم . وأما قوله: («هزوا غرابيلكم)) هذا لا يعرف عنه . وما يروونه عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((اللهم إنك أخرجتني من أحب البقاع إلي فأسكنى في أحب البقاع إليك )) ، هذا ١٢٤ حديث باطل كذب ، وقد رواه الترمذي وغيره ، بل إنه قال لمكة: ((إنك أحب بلاد الله إلي))، وقال «إنك لأحب البلاد إلى الله)). وما يروونه عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((من زارنى وزار أبي إبراهيم في عام دخل الجنة ))، هذا كذب موضوع ، ولم يروه أحد من أهل العلم بالحديث . وما يروونه عن علي رضي الله عنه: أن أعرابياً على ونقر صلاته فقال علي : لا تنقر صلاتك ! فقال الأعرابي يا على ! لو نقرها أبوك ما دخل النار . هذا كذب . وما يروونه عن عمر: أنه قتل أباه ، هذا كذب ؛ فإن أباه مات قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم . وما يروونه عن النبي صلى الله عليه وسلم: «كنت نبياً وآدم بين الماء والطين)). ((وكنت وآدم لا ماء ولا طين))، هذا اللفظ كذب باطل . وما يروونه: (( العازب فراشه من نار ، مسكين رجل بلا امرأة، ومسكينة امرأة بلا رجل))، هذا ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم. ١٢٥ ولم يثبت عن إبراهيم الخليل عليه السلام أنه لما بنى البيت صلى فى كل ركن ألف ركعة؛ فأوحى الله تعالى إليه: ((يا إبراهيم! ما هذا سد جوعة أو ستر عورة)) ، هذا كذب ظاهر ، ليس هو في شيء من كتب المسلمين . وما يروونه: ((لا تكرهوا الفتنة؛ فإن فيها حصاد المنافقين))، هذا ليس معروفاً عن النبى صلى الله عليه وسلم . وما يروونه: ((من على أخاه آية من كتاب الله ملك رقه))، هذا كذب ليس فى شيء من كتب أهل العلم . وما يروونه عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((اطلعت على ذنوب أمتى ، فلم أجد أعظم ذنباً ممن تعلم آية ثم نسيها )). إذا صح هذا الحديث فهذا عنى بالنسيان التلاوة . ولفظ الحديث أنه قال: ((يوجد من سيئات أمتى الرجل يؤتيه الله آية من القرآن فينام عنها حتى ينساها ، والنسيان الذي هو بمعنى الإعراض عن القرآن وترك الإيمان والعمل به ، وأما إهمال درسه حتى ينسى فهو من الذنوب . وما يروونه: ((أن آية من القرآن خير من محمد وآل محمد ، القرآن كلام الله منزل غير مخلوق فلا بشبه بغيره)) اللفظ المذكور غير مأثور . ١٢٦ وما يروونه عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((من على علماً نافعاً وأخفاء عن المسلمين الجمه الله يوم القيامة بلجام من نار ، هذا معناه معروف في السنن عن النبى صلى الله عليه وسلم: ((من سئل عن على يعلمه فكتمه الجمه الله يوم القيامة بلجام من نار)) وما يروونه عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((إذا وصلتم إلى ماشجر بين أصحابى فأمسكوا، وإذا وصلتم إلى القضاء والقدر فأمسكوا )) هذا مأثور بأسانيد منقطعة . وما يروونه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لسلمان الفارسي - وهو يأ كل العنب - دو ، دو ، يعني : عنبتين ، عنبتين هذا ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم وهو باطل . وما يروونه عن النبى صلى الله عليه وسلم: ((من زنى بامرأة فجاءت منه ببنت فللزانى أن يتزوج بابنته من الزنا)) هذا يقوله من ليس من أصحاب الشافعي ، وبعضهم ينقله عن الشافعي ، ومن أصحاب الشافعي من أنكر ذلك عنه ، وقال: إنه لم يصرح بتحليل ذلك ، ولكن صرح بحل ذلك من الرضاعة إذا رضع من لبن المرأة الحامل من الزنا . وعامة العلماء كأحمد وأبى حنيفة وغيرهما متفقون على محريم ذلك وهذا أظهر القولين فى مذهب مالك . وما يروونه: ((أحق ما أخذتم عليه أجرة كتاب الله)) نعم ! ثبت ١٢٧ ذلك أنه قال: (( أحق ما أخذتم عليه أجرة كتاب الله ، لكنه في حديث الرقية ، وكان الجعل على عافية مريض القوم لا على التلاوة . وهل يحرم اتخاذ أبراج الحمام إذا طارت من الأبراج تحط على زراعات الناس وتأكل الحب . فهل يحرم اتخاذ أبراج الحمام في القرى والبلدان لهذا السبب ؟ نعم ! إذا كان يضر بالناس منع منه . وما يروونه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (( من ظلم ذمياً كان الله خصمه يوم القيامة ، أو كنت خصمه يوم القيامة)) هذا ضعيف لكن المعروف عنه أنه قال: ((من قتل معاهداً بغير حق لم يرح رائحة الجنة)) . وما يروونه عنه: (( من أسرج سراجا فى مسجد لم نزل الملائكة وحملة العرش تستغفر له ما دام فى المسجد ضوء ذلك السراج)) ، هذا لا أعرف له إسناداً عن النبى صلى الله عليه وسلم . ١٢٨ الإسلام وسئل شع عن قوله صلى الله عليه وسلم فيما يروى عن ربه عز وجل: ((وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن ، بكره الموت وأكره مساءته)) ما معنى تردد الله؟ فأحاب : هذا حديث شريف ، قد رواه البخاري من حديث أبي هريرة ، وهو أشرف حديث روى في صفة الأولياء ، وقد رد هذا الكلام طائفة وقالوا : إن الله لايوصف بالتردد ، وإنما يتردد من لا يعلم عواقب الأمور ، والله أعلم بالعواقب. وربما قال بعضهم: إن الله يعامل معاملة المتردد . والتحقيق : أن كلام رسوله حق وليس أحد أعلم بالله من رسوله ولا أنصح للأمة منه ، ولا أفصح ولا أحسن بياناً منه ، فإذا كان كذلك كان المتحذلق والمنكر عليه من أضل الناس ؛ وأجهلهم وأسوتهم أدباء بل يجب تأديبه وتعزيره ، ويجب أن يصان كلام رسول صلى الله عليه ١٢٩ وسلم عن الظنون الباطلة ؛ والاعتقادات الفاسدة ، ولكن المتردد منا ، وإن كان تردده في الأمر لأجل كونه ما يعلم عاقبة الأمور لا يكون ما وصف الله به نفسه بمنزلة ما يوصف به الواحد منا، فإن الله ليس كمثله شيء ، لا في ذاته ولا فى صفاته ولا فى أفعاله، ثم هذا باطل ؛ فإن الواحد منا يتردد تارة لعدم العلم بالعواقب ، وتارة لما فى الفعلين من المصالح والمفاسد فيريد الفعل لما فيه من المصلحة ، ويكرهه لما فيه من المفسدة لا لجهله منه بالشيء الواحد الذي يحب من وجه ويكره من وجه ، كما قيل : الشيب كره وكره أن أفارقه فاعجب لشيء على البغضاء محبوب وهذا مثل إرادة المريض لدوائه الكريه ، بل جميع ما يريده العبد من الأعمال الصالحة التى نكرهها النفس هو من هذا الباب ، وفى الصحيح ((حفت النار بالشهوات ، وحفت الجنة بالمكاره )) وقال تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَّكُرْهُ لَّكُمْ ) الآية . ومن هذا الباب يظهر معنى التردد المذكور فى هذا الحديث ، فإنه قال : لايزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه . فإن العبد الذي هذا حاله صار محبوبا للحق محباً له ، يتقرب إليه أولا بالفرائض وهو ١٣٠ يحبها، ثم اجتهد فى النوافل التى يحبها ويحب فاعلها فأتى بكل ما يقدر عليه من محبوب الحق ؛ فأحبه الحق لفعل محبوبه من الجانبين بقصد اتفاق الإرادة بحيث يحب ما يحبه محبوبه ويكره ما يكرهه محبوبه ، والرب يكره أن لسوء عبده ومحبوبه ، فلزم من هذا أن يكره الموت ليزداد من محاب محبوبه . والله سبحانه وتعالى قد قضى بالموت ، فكل ما قضى به فهو يريده ولا بد منه ، فالرب مريد لموته لما سبق به قضاؤه ، وهو مع ذلك كاره لمساءة عبده ؛ وهي المساءة التى يحصل له بالموت ، فصار الموت مراداً للحق من وجه مكروهاً له من وجه ، وهذا حقيقة التردد وهو : أن يكون الشيء الواحد مراداً من وجه مكروهاً من وجه وإن كان لا بد من ترجح أحد الجانبين ، كما ترجح إرادة الموت ؛ لكن مع وجود كراهة مساءة عبده، وليس إرادته لموت المؤمن الذي يحبه ويكره مساءته ، كإرادته لموت الكافر الذي يبغضه ويريد مساءته . ثم قال بعد كلام سبق ذكره : ومن هذا الباب ما يقع فى الوجود من الكفر والفسوق والعصيان ؛ فإن الله تعالى يبغض ذلك ويسخطه ، وبكرهه وينهى عنه ، وهو سبحانه قد قدره وقضاه وشاءه بإرادته الكونية ، وإن لم يرده بإرادة دينية ، وهذا هو فصل الخطاب فيما تنازع فيه الناس : من أنه سبحانه هل بأمر بما لا يريده. ١٣١ ٠٠ فالمشهور عند متكلمة أهل الإثبات ومن وافقهم من الفقهاء أنه يأمر بما لا يريده، وقالت القدرية والمعتزلة وغيرم: إنه لا يأمر إلا بما يريده . والتحقيق : أن الإرادة في كتاب الله نوعان : إرادة دينية شرعية وإرادة كونية قدرية، فالأول كقوله تعالى: ( يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) وقوله تعالى: (وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ) وقوله تعالى: ( يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ ) إلى قوله : ( وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ) ، فإن الإرادة هنا بمعنى المحبة والرضى وهي الإرادة الدينية. وإليه الإشارة بقوله: ( وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَاُلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ). وأما الإرادة الكونية القدرية فمثل قوله تعالى: (فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَعْ صَدْرَهُ لْإِسْلَمِّ وَ مَن يُرِدُ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجَا كَأَنَّمَا ومثل قول المسلمين : ما شاء الله كان ، يَصَّغَّدُ فِي السَّمَآءِ )، وما لم يشأ لم يكن . فجميع الكائنات داخلة فى هذه الإرادة والمشيئة لا يخرج عنها خير ولا شر، ولا عرف ولا نكر، وهذه الإرادة والمشيئة تتناول ما لا يتناوله الأمر الشرعى ، وأما الإرادة الدينية فهي مطابقة للأمر الشرعى لا يختلفان ، وهذا التقسيم الوارد فى اسم الإرادة يرد مثله فى اسم الأمر والكلمات : والحكم والقضاء ، والكتاب والبعث ، ١٣٢ والإرسال ونحوه ؛ فإن هذا كله ينقسم إلى كوني قدري ، وإلى ديني شرعی . والكلمات الكونية هى : التى لا يخرج عنها بر ولا فاجر ، وهي التى استعان بها النبى صلى الله عليه وسلم في قوله: ((أعوذ بكلمات الله التامات ، التى لا يجاوزهن بر ولا فاجر)) قال الله تعالى: (إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَاآ أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَّهُكُنْ فَيَكُونُ ). وأما الدينية فهى : الكتب المنزلة التى قال فيها النبى صلى الله عليه وسلم: (( من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو فى سبيل الله)) وقال تعالى : (وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَتِ رَبِهَا وَّكُتُبِهِ ) . وكذلك الأمر الدينى كقوله تعالى: (إِنَّاللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّواْأَمَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا)، والكونية: ( إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا). والبعث الديني كقوله تعالى: (هُوَالَّذِى بَعَثَ فِى الْأُمِِّنَ رَسُولًا مِنْهُمْ ) والبعث الكونى: (بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَآَ) ( هُوَالَّذِىّ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ والإرسال الدينى كقوله : أَوْتَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَطِينَ عَلَى الْكَفِرِينَ ) والكونى : لْحَقِّ ). تَؤُزُّهُمْ أَزَّا ) . ١٣٣ وهذا مبسوط فى غير هذا الموضع . فما يقع في الوجود من المنكرات هي مرادة لله إرادة كونية، داخلة فى كلماته التى لا يجاوزهن بر ولا فاجر ، وهو سبحانه مع ذلك لم يردها إرادة دينية ، ولا هي موافقة لكلماته الدينية، ولا يرضى لعباده الكفر ، ولا يأمر بالفحشاء، فصارت له من وجه مكروهة . ولكن هذه ليست بمنزلة قبض المؤمن فإن ذلك يكرهه ؛ والكراهة مساءة المؤمن ، وهو يريده لما سبق فى قضائه له بالموت فلا بد منه ، وإرادته لعبده المؤمن خير له ورحمة به ؛ فإنه قد ثبت في الصحيح: ((أن الله تعالى لا يقضى للمؤمن قضاء إلا كان خيراً له ، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له ، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له )) . وأما المنكرات فإنه يبغضها ويكرهها ؛ فليس لها عاقبة محمودة من هذه الجهة إلا أن يتوبوا منها فيرحموا بالتوبة ، وإن كانت التوبة لا بد أن تكون مسبوقة بمعصية ؛ ولهذا يجاب عن قضاء المعاصى على المؤمن بجوابين : أحدهما : أن هذا الحديث لم يتناولها وإنما تناول المصائب . والثانى : أنه إذا تاب منها كان ما تعقبه التوبة [خيرا]، فإن التوبة حسنة وهي من أحب الحسنات إلى الله، والله يفرح بتوبة عبده إذا تاب إليه أشد ما يمكن أن يكون من الفرح ، وأما المعاصي التى لا يتاب منها فهي شر على صاحبها ، واللّه سبحانه قدر كل شىء وقضاء؛ لماله فى ذلك من ١٣٤ الحكمة، كما قال: ( صُنْعَاللَّهِالَّذِىَ أَنْقَنَ ◌ّكُلَّ شَىْءٍ )، وقال تعالى: ( الَّذِىِّ أَحْسَنَ كُلَّ شَىْءٍ خَلَقَهُ ) فما من مخلوق إلا ولله فيه حكمة . ولكن هذا بحر واسع قد بسطناه فى مواضع ، والمقصود هنا : التنبيه على أن الشيء المعين يكون محبوباً من وجه مكروهاً من وجه وأن هذا حقيقة التردد، وكما أن هذا فى الأفعال فهو في الأشخاص . والله أعلم. ١٣٥ مثل شيخ الإسلام عن معنى حديث أبى ذر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه فيما يروى عن الله تبارك وتعالى أنه قال: ((يا عبادي! إنى حرمت الظلم على نفسي ، وجعلته بينكم محرما ، فلا تظالموا ! يا عبادي ! كلكم ضال إلا من هديته ، فاستهدونى أهدكم ، يا عبادى ! كلكم جائع إلا من أطعمته ، فاستطعمونى أطعمكم ، يا عبادى ! كلكم عار إلا من كسوته ، فاستكسونى أكسكم . يا عبادى! إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً ، فاستغفرونى أغفر لكم ، يا عبادى ! إنكم لن تبلغوا ضري فتضرونى ، ولن تبلغوا نفعي فتنفعونى، يا عبادى: لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم مازاد ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادى: لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكى شيئاً ، يا عبادي ! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا فى صعيد واحد فسألونى فأعطيت كل إنسان منهم مسألته : ما نقص ذلك مما عندى إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر ، يا عبادي ! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم ١٣٦ إياها ، فمن وجد خيراً فليحمد الله عز وجل ، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه » . فأحاب : الحمد لله رب العالمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله. أما قوله تعالى: « يا عبادى! إنى حرمت الظلم على نفسي)) ففيه مسألتان كبيرتان، كل منهما ذات شعب وفروع : ( إحداها) : فى الظلم الذي حرمه الله على نفسه، ونفاه عن نفسه بقوله : ﴿وَمَاظَلَمْتَهُمْ)، وقوله: ( وَلَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا )، وقوله: (وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّمٍ لِلْعَبِيدِ ) ، وقوله: ( إِنَّ اللَّهَ لَيَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً وقوله: ( قُلْ مَنَعُ الذُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنْ أَنَّقَى يُضَعِفُهَا ) ، ونفى إرادته بقوله: ( وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا وَلَا نُظْلَمُونَ فَئِيلًا ) . لِلْعَلَمِينَ )، وقوله: ( وَمَاللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمَا لِّلْعِبَادِ ) . ونفى خوف العباد ( وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّلِحَتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظَلْمًا وَلَا له بقوله : هَضْمًا) ؛ فإن الناس تنازعوا فى معنى هذا الظلم تنازعا صاروا فيه بين طرفين متباعدين ووسط بينهما ، وخيار الأمور أوساطها ، وذلك بسبب البحث فى القدر ومجامعته للشرع ؛ إذ الخوض في ذلك بغير علم تام أوجب ضلال عامة الأمم ، ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه عن التنازع فيه . ١٣٧ فذهب المكذبون بالقدر القائلون : بأن الله لم يخلق أفعال العباد، ولم يرد أن يكون إلا ما أمر بأن يكون . وغلاتهم المكذبون بتقدم علم الله وكتابه بما سيكون من أفعال العباد من المعتزلة وغيرهم ، إلى أن الظلم منه هو نظير الظلم من الآدميين بعضهم لبعض ، وشبهوه ومثلوه في الأفعال بأفعال العباد ، حتى كانوا م ممثلة الأفعال ، وضربوا لله الأمثال ، ولم يجعلوا له المثل الأعلى، بل أوجبوا عليه وحرموا ما رأوا أنه يجب على العباد ويحرم ، بقياسه على العباد وإثبات الحكم فى الأصل بالرأى ، وقالوا عن هذا : إذا أمر العبد ولم يعنه بجميع ما يقدر عليه من وجوه الإعانة كان ظالما له ، والتزموا أنه لا يقدر أن يهدى ضالا ، كما قالوا : إنه لا يقدر أن يضل مهتديا ، وقالوا عن هذا : إذا أمر اثنين بأمر واحد وخص أحدهما بإعانته على فعل المأمور كان ظالماً ، إلى أمثال ذلك من الأمور التى هي من باب الفضل والإحسان جعلوا تركه لها ظلما . وكذلك ظنوا أن التعذيب لمن كان فعله مقدراً ظلم له ، ولم يفرقوا بين التعذيب لمن قام به سبب استحقاق ذلك ومن لم يقم ، وإن كان ذلك الاستحقاق خلقه لحكمة أخرى عامة أو خاصة . وهذا الموضع زلت فيه أقدام وضلت فيه أفهام ، فعارض هؤلاء آخرون من أهل الكلام المثبتين للقدر ، فقالوا : ليس للظلم منه حقيقة ١٣٨ يمكن وجودها ، بل هو من الأمور الممتنعة لذاتها ، فلا يجوز أن يكون مقدوراً ولا أن يقال : إنه هو تارك له باختياره ومشيئته ، وإنما هو من باب الجمع بين الضدين، وجعل الجسم الواحد في مكانين ، وقلب القديم محدثاً ، والمحدث قديماً ، وإلا فمهما قدر فى الذهن وكان وجوده ممكناً والله قادر عليه فليس بظلم منه ؛ سواء فعله أو لم يفعله . وتلقى هذا القول عن هؤلاء طوائف من أهل الإثبات من الفقهاء وأهل الحديث، من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرم، ومن شراح الحديث ومحوم، وفسروا هذا الحديث بما ينبنى على هذا القول، وربما تعلقوا بظاهر من أقوال مأثورة، كما روينا عن إياس بن معاوية أنه قال: ما ناظرت بعقلي كله أحداً إلا القدرية ، قلت لهم : ما الظلم ؟ قالوا: أن تأخذ ماليس لك، أو أن تتصرف فيما ليس لك . قلت : فلله كل شيء . وليس هذا من إياس إلا ليبين أن التصرفات الواقعة هي فى ملكه ، فلا يكون ظلما بموجب حدهم ، وهذا مما لا نزاع بين أهل الإثبات فيه ؛ فإنهم متفقون مع أهل الإيمان بالقدر على أن كل ما فعله الله فهو عدل . وفي حديث الكرب الذى رواه الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ما أصاب عبداً قط م ولا حزن فقال : اللهم إنى عبدك ابن عبدك ابن أمتك ، ناصيتي بيدك ، ١٣٩ ماض فى حكمك ، عدل فى قضاؤك ، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك ، أو أنزلته في كتابك ، أو علمته أحداً من خلقك ، أو استأثرت به فى علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي ، ونور صدرى ، وجلاء حزنى ، وذهاب همي وعمى ، إلا أذهب الله همه وغمه ، وأبدله مكانه فرحاً . قالوا : يا رسول اللّه ! أفلا نتعلمهن ؟ قال : بلى ! ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن))، فقد بين أن كل قضائه في عبده عدل ؛ ولهذا يقال: كل نعمة منه فضل، وكل نقمة منه عدل . ويقال : أطعتك بفضلك والمنة لك، وعصيتك بعلمك - أو بعد لك ـ والحجة لك، فأسألك بوجوب حجتك علي وانقطاع حجتى إلا ما غفرت لي . وهذه المناظرة من إياس كما قال ربيعة بن أبى عبد الرحمن لغيلان حين قال له غيلان : نشدتك اللّه! أترى الله يحب أن يعصى؟ فقال: نشدتك الله! أترى الله يعصى قسراً؟ يعنى: قهراً. فكأنما ألقمهُ حجراً ؛ فإن قوله : يجب أن يعصى لفظ فيه إجمال ، وقد لا يتأتى فى المناظرة تفسير المجملات خوفا من لدد الخصم فيؤتى بالواضحات ، فقال : أفتراه بعصى قسراً ؟ فإن هذا إلزام له بالعجز الذي هو لازم للقدربة ، ولمن هو شر منهم من الدهرية الفلاسفة وغيرهم . وكذلك إياس رأى أن هذا الجواب المطابق لحدم خاصم لهم ، ولم يدخل معهم فى التفصيل الذي يطول . ١٤٠