النص المفهرس

صفحات 21-40

لا يقرأ خلف الإمام لا بالفاتحة ولا غيرها لا فى السر ولا في الجهر ؛
فهذا يقابله قول من أوجب قراءة الفاتحة ولو كان يسمع قراءة
الإمام ، كالقول الآخر للشافعي وهو الجديد ، وهو قول البخاري وابن
حزم وغيرهما . وفيها قول ثالث : أنه يستحب القراءة بالفاتحة إذا سمع
قراءة الإمام ، وهذا مروي عن الليث والأوزاعي ، وهو اختيار جدي
أبى البركات .
ولكن أظهر الأقوال قول الجمهور : لأن الكتاب والسنة بدلان على
وجوب الإنصات على المأموم إذا سمع قراءة الإمام ، وقد تنازعوا فيما إذا قرأ
المأموم وهو يسمع قراءة الإمام: هل تبطل صلاته؟ على قولين، وقد ذكرها
ء
أبو عبد الله بن حامد على وجهين فى مذهب أحمد. وقد أجمعوا على أنه فيما زاد
على الفاتحة كونه مستمعاً لقراءة إمامه خير من أن يقرأ معه، فعلم أن المستمع
يحصل له أفضل مما يحصل للقارئ مع الإمام ، وعلى هذا فاستماعه لقراءة إمامه
بالفاتحة بحصل له به مقصود القراءة وزيادة تغنى عن القراءة معه التى
نهي عنها ، وهذا خلاف إذا لم يسمع ، فإن كونه تاليا لكتاب الله
يثاب بكل حرف عشر حسنات خيراً من كونه ساكناً بلا فائدة ؛ بل
يكون عرضة للوسواس وحديث النفس الذي لا ثواب فيه ، فقراءة يثاب
عليها خير من حديث نفس لا ثواب عليه . وبسط هذا له
موضع آخر .
٢١

والمقصود هنا : التمثيل بالحديث الذي يروى في الصحيح وينازع
فيه بعض العلماء، وأنه قد يكون الراجح تارة، وتارة [المرجوح]، ومثل
هذا من موارد الاجتهاد فى تصحيح الحديث كموارد الاجتهاد
في الأحكام ، وأما ما اتفق العلماء على صحته فهو مثل ما اتفق عليه
العلماء فى الأحكام ، وهذا لا يكون إلا صدقا، وجمهور متون الصحيح
من هذا الضرب ، وعامة هذه المتون تكون مروية عن النبى صلى الله
عليه وسلم من عدة وجوه رواها هذا الصاحب وهذا الصاحب ، من غير
أن يتواطآ ، ومثل هذا يوجب العلم القطعي ؛ فإن المحدث إذا روى
حديثاً طويلا سمعه ورواه آخر ذكر أنه سمعه وقد علم أنهما لم يتواطآ
على وضعه علم أنه صدق ؛ لأنه لو لم يكن صدقا لكان كذبا إما عمدا
وإما خطأ ؛ فإن المحدث إذا حدث بخلاف الصدق : إما أن يكون
متعمدا للكذب : وإما أن يكون مخطئا غالطا . فإذا قدر أنه لم يتعمد
الكذب ولم يغلط لم يكن حديثه إلا صدقاً، والقصة الطويلة يمتنع في
العادة أن يتفق الاثنان على وضعها من غير مواطأة منها، وهذا يوجد
كثيرا في الحديث يرويه أبو هريرة وأبو سعيد، أو أبو هريرة وعائشة،
أو أبو هريرة وابن عمر ، أو ابن عباس ، وقد علم أن أحدهما لم يأخذه
من الآخر ، مثل حديث التجلي يوم القيامة الطويل : حدث به أبو
هريرة، وأبو سعيد ساكت لا ينكر منه حرفا بل وافق أبا هريرة عليه
جميعه إلا على لفظ واحد فى آخره .
٢٢

وقد يكون النبى صلى الله عليه وسلم حدث به فى مجلس وسمعه كل
واحد منهما فى مجلس ، فقال هذا ما سمعه منه فى مجلس، وهذا ما سمعه
منه فى الآخر ، وجميعه فى حديث الزيادة ، والله أعلم
فصل
وأما قسمة الحديث، إلى صحيح وحسن وضعيف ، فهذا أول من
عرف أنه قسمه هذه اقسمة أبو عيسى الترمذي ، ولم تعرف هذه
القسمة من أحد قبله ، وقد بين أبو عيسى مراده بذلك . فذكر :
أن الحسن ما تعددت طرقه ولم يكن فيهم متهم بالكذب، ولم يكن شاذا،
وهو دون الصحيح الذى عرفت عدالة ناقليه وضبطهم . وقال : الضعيف
الذي عرف أن ناقله متهم بالكذب رديء الحفظ ؛ فإنه إذا رواه المجهول
خيف أن يكون كاذبا أو سيء الحفظ، فإذا وافقه آخر لم يأخذ عنه عرف
أنه لم يتعمد كذبه ، وانماق الاثنين على لفظ واحد طويل قد يكون
ممتنعاً ، وقد يكون بعيد ، ولما كان تجويز اتفاقها في ذلك ممكناً نزل
عن درجة الصحيح .
وقد أنكر بعض الناس على الترمذي هذه القسمة وقالوا : إنه
يقول : حسن غريب. ولغريب الذي انفرد به الواحد ، والحديث قد
٢٣

يكون صحيحاً غريباً كحديث ((إنما الأعمال بالنيات)) وحديث ((نهى عن
بيع الولاء وهبته، وحديث ((دخل مكة وعلى رأسه المغفر)» فإن
هذه صحيحة متلقاة بالقبول ، والأول: لا يعرف ثابتاً عن غير عمر ،
والثاني: لا يعرف عن غير ابنه عبد الله، والثالث: لا يعرف إلا من
حديث الزهري عن أنس ، ولكن هؤلاء الذين طعنوا على الترمذي
لم يفهموا مراده فى كثير مما قاله ؛ فإن أهل الحديث قد يقولون :
هذا الحديث غريب أي : من هذا الوجه ، وقد يصرحون بذلك
فيقولون : غريب من هذا الوجه ، فيكون الحديث عندم صحيحاً
معروفاً من طريق واحد ، فإذا روي من طريق آخر كان غريباً من
ذلك الوجه ، وإن كان المتن صحيحاً معروفاً ، فالترمذي إذا قال :
حسن غريب ، قد يعنى به أنه غريب من ذلك الطريق ؛ ولكن المتن
له شواهد صار بها من جملة الحسن .
وبعض ما يصححه الترمذي ينازعه غيره فيه كما قد ينازعونه فى
بعض ما يضعفه ويحسنه ، فقد يضعف حديثاً وبصححه البخاري ؛
كحديث ابن مسعود لما قال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((ابغنى
أحجاراً استنفض بهن )) قال : فأتيته بحجرين وروثة ، قال :
فأخذ الحجرين وترك الروثة وقال: (( إنها رجس)) فإن هذا قد
اختلف فيه على أبي إسحاق السبيعي ، فجعل الترمذي هذا الاختلاف
٢٤

علة ، ورجح روايته له عن أبى عبيدة عن أبيه وهو لم يسمع من أبيه،
وأما البخاري فصححه من طريق أخرى ؛ لأن أبا إسحاق كان الحديث
يكون عنده عن جماعة يرويه عن هذا نارة وعن هذا نارة ، كما كان
الزهري يروي الحديث تارة عن سعيد بن المسيب ، وتارة عن أبى
سلمة ، وتارة يجمعها ، فمن لا يعرفه فيحدث به تارة عن هذا وتارة
عن هذا يظن بعض الناس أن ذلك غلط ، وكلاهما صحيح . وهذا باب
يطول وصفه .
وأما من قبل الترمذي من العلماء فما عرف عنهم هذا التقسيم
الثلاثي، لكن كانوا يقسمونه إلى صحيح وضعيف ، والضعيف
عندم نوعان :
ضعيف ضعفا لا يمتنع العمل به وهو بشبه الحسن في اصطلاح الترمذي .
وضعيف ضعفاً يوجب تركه وهو الواهي ، وهذا بمنزلة مرض
المريض قد يكون قاطعاً بصاحبه فيجعل التبرع من الثلث ، وقد
لا يكون قاطعاً بصاحبه وهذا موجود فى كلام الإمام أحمد وغيره ؛
ولهذا يقولون : هذا فيه لين ، فيه ضعف ، وهذا عندم موجود
فى الحديث .
٢٥

ومن العلماء المحدثين أهل الإتقان : مثل شعبة ومالك والثوري
ويحيى بن سعيد القطان ، وعبد الرحمن بن مهدي م فى غاية الإتقان
والحفظ ؛ بخلاف من هو دون هؤلاء ، وقد يكون الرجل عندهم
ضعيفاً لكثرة الغلط فى حديثه ويكون حديثه إذ الغالب عليه الصحة
لأجل الاعتبار به والاعتضاد به؛ فإن تعدد الطرق وكثرتها يقوي بعضها
بعضاً حتى قد يحصل العلم بها ، ولو كان الناقلون فجاراً فساقاً ،
فكيف إذا كانوا علماء عدولا ولكن كثر فى حديثهم الغلط ؟!
ومثل هذا عبد الله بن لهيعة ، فإنه من أكابر علماء المسلمين .
وكان قاضياً بمصر ، كثير الحديث ، لكن احترقت كتبه فصار يحدث من
حفظه ، فوقع في حديثه غلط كثير مع أن الغالب على حديثه
الصحة ، قال أحمد : قد أكتب حديث الرجل للاعتبار به : مثل
ابن لهيعة .
وأما من عرف منه أنه يتعمد الكذب فمنهم من لا يروي عن هذا
شيئاً، وهذه طريقة أحمد بن حنبل وغيره لم يرو فى مسنده عمن
يعرف أنه يتعمد الكذب ؛ لكن يروي عمن عرف منه الغلط
للاعتبار به والاعتضاد .
ومن العلماء من كان يسمع حديث من يكذب ، ويقول : إنه
(١) هكذا ورد في المطبوع ولعل الصواب (ويؤخذ ).
٢٦

يميز بين ما يكذبه وبين ما لا يكذبه ، ويذكر عن الثوري أنه كان
بأخذ عن الكلبى وينهى عن الأخذ عنه ويذكر أنه يعرف ، ومثل هذا
قد يقع لمن كان خبيراً بشخص إذا حدثه بأشياء يميز بين ما صدق فيه
وما كذب فيه بقرائن لا يمكن ضبطها . وخبر الواحد قد يقترن به
قرائن تدل على أنه صدق، أو تقترن به القرائن تدل على أنه كذب (١)،
(١) إلى هنا آخر ما وجد .
٢٧

وقال الشيخ رحم اللـ
٠٠
فصل
فى أنواع الرواية وأسماء الأنواع
مثل: حدثنا ، وأخبرنا، وأنبأنا، وسمعت ، وقرأت ، والمشافهة
والمناولة ، والمكاتبة، والإجازة، والوجادة ونحو ذلك ، فنقول : الكلام
فى شيئين :
أحدهما : مما تصح الرواية به ويثبت به الاتصال .
والثاني: فى التعبير عن ذلك ، وذلك أنواع :
( أحدها ) أن يسمع من لفظ المحدث سواء رآه أو لم يره ،
كما سمع الصحابة القرآن من رسول الله صلى الله عليه وسلم والحديث
أيضاً، وكما كان يقرؤه عليهم، وقرأ على أبي ( سورة لم يكن ) فإن
هذا لم يفرق الناس بينهما كما فرق بعض الفقهاء في الشهادة ، ثم ذلك
٢٨

القائل تارة يقصد التحديث لذلك الشخص وحده ، أو لأقوام معينين
هو أحدم ؛ ونارة يقصد التحديث المطلق لكل من سمعه منه فيكون
هو أحد السامعين ؛ وتارة يقصد بحديث غيره فيسمع هو ؛ ففي جميع
هذه المواضع إذا قال : سمعت فلاناً يقول فقد أصاب ، وإن قال :
حدثنا أو حدثني - وكان المحدث قد قصد التحديث له معيناً أو
مطلقاً - فقد أصاب ، كما يقول الشاهد فيما أشهد عليه من الحكم
والإقرار والشهادات : أشهدنى وأشهدنا ، وإن كان قد قصد تحديث
غيره فسمع هو فهو كما لو استرعى الشهادة غيره فسمعها فإنه نصح
الشهادة ، لكن لفظ أشهدنى وحدثنا فيه نظر ، بل لو قال : حدث
وأنا أسمع كان حسناً، وإن لم يكن يحدث أحداً وإنما سمعه يتكلم بالحديث
فهو بشبه الشهادة من غير استرعاء ، ويشبه الشهادة على الإقرار من غير
إشهاد والشهادة على الحكم ، بخلاف الشهادة على الإثبات كالسمع ونحوه
فإنها تصح بدون التحميل بالاتفاق .
وأما الشهادة على الإخبارات كالشهادات والإقرارات ففيها نزاع
ليس هذا موضعه ، وباب الرواية أوسع ، لكن ليس من قصد
تحديث غيره بمنزلة من تكلم لنفسه ؛ فإن الرجل يتكلم مع نفسه
بأشياء ويسترسل في الحديث فإذا عرف أن الغير يتحمل ذلك تحفظ ؛
ولهذا كانوا لا يروون أحاديث المذاكرة بذاك .
٢٩

وكان الإمام أحمد يذاكر بأشياء من حفظه فإذا طلب المستمع
الرواية أخرج كتابه فحدث من الكتاب . فهنا ثلاث مراتب :
أن يقصد استرعاءه الحديث وتحميله ليرويه عنه ، وأن يقصد
محادثته به لا ليرويه عنه ، وأن لا يقصد إلا التكلم به مع نفسه .
( والنوع الثانى) أن يقرأ على المحدث فيقربه كما يقرأ المتعلم القرآن
على المعلم، ويسميه الحجازيون العرض ؛ لأن المتحمل يعرض الحديث
على المحمل كعرض القراءة ، وعرض ما يشهد به من الإقرار ، والحكم،
والعقود ، والشهادة على المشهود عليه : من الحاكم، والشاهد ، والمقر
والعاقد ، وعرض ضمام بن ثعلبة على النبى صلى الله عليه وسلم ما جاء به
رسوله فيقول نعم! ، وهذا عند مالك وأحمد وجمهور السلف كاللفظ .
ولهذا قلنا : إذا قال الخاطب للولي : أزوجت ؟ فقال : نعم !
وللزوج أقبلت ؟ فقال : نعم! انعقد النكاح وكان ذلك صريحاً ؛ فإن
نعم تقوم مقام التكلم بالجملة المستفهم عنها ؛ فإنه إذا قيل لهم : هل
وجدتم ما وعد ربكم حقاً ؟ والله أمركم بذلك؟ وأحدثك فلان بكذا ؟
وأزوجت فلاناً بكذا ؟ فقال : نعم ! فهو بمنزلة قوله: وجدت ماوعدنى
ربى، والله أحرفى بكذا وكذا، وحدثني فلان بكذا وكذا، وزوجت
فلاناً كذا ، لكن هذا جواب الاستفهام وذاك خبر مبتدإ ، ونعم كلمة
مختصرة تغنى عن التفصيل .
٣٠

وقد يقول العارض : حدثك بلا استفهام بل إخبار ، فيقول :
نعم ! ثم من أهل المدينة وغيرهم من يرجح هذا العرض لما فيه من
كون المتحمل ضبط الحديث ، وأن المحمل يرد عليه ويصححه له ،
ويذكر هذا عن مالك وغيره . ومنهم من يرجح السماع ، وهو يشبه
قول أبى حنيفة والشافعي . ومنهم من يجيز فيه أخبرنا وحدثنا ، كقول
الحجازيين . ومنهم من لا يقول فيه إلا أخبرنا كقول جماعات ، وعن
أحمد روايتان . ثم منهم من قال : لا فرق فى اللغة وإنما فرق من فرق
اصطلاحاً : ولهذا يقال فى الشهادة المعروضة من الحكم والإقرار والعقود
أشهدنى بكذا ، وقد يقال : الخبر فى الأصل عن الأمور الباطنة ، ومنه
الخبرة بالأشياء ، وهو العلم بيواطنها، وفلان من أهل الخبرة بكذا ،
والخبير بالأمور المطلع على بواطنها ، ومنه الخبير . وهو الفلاح الذي
يجعل باطن الأرض ظاهراً ، والأرض الخبار اللينة التى تنقلب ، والمخابرة
من ذلك .
فقول المبلغ : نعم ! لم يدل بمجرد ظاهر لفظه على الكلام المعروف
وإنما دل بباطن معناه ، وهو أن لفظها يدل على موافقة السائل والمخبر،
فإذا قال : أحدثك ؟ وأنكحت ؟ فقال : نعم ! فهو موافق لقوله
حدثني وأنكحت ، وهذه الدلالة حصلت من مجموع لفظ نعم وسؤال
السائل ، كما أن أسماء الإشارة والمضمرات إنما تعين المشار إليه والظاهر
٣١

بلفظها ، ولما اقترن بذلك من الدلالة على المشار إليه والظاهر
المفسر للمضر .
وأحسن من ذلك أن قوله : حدثني أن فلاناً قال ، وأخبرنى أن
فلاناً قال فى العرض أحسن من أن يقول : أخبرنا فلان قال : أخبرنا
وحدثنا فلان قال : حدثنا ، كما أن هذا هو الذي يقال في الشهادة .
فيقول : أشهد أن فلان بن فلان أقر وأنه حكم وأنه وقف ، كما فرق
طائفة من الحفاظ بين الإجازة وغيرها فيقولون فيها : أنا فلان أن فلاناً
حدثهم؛ بخلاف السماع .
وقد اعتقد طائفة أنه لا فرق بينهما بل ربما رجحوا (( أن)) ؛ لأنهم
زعموا فيها توكيداً، وليس كما توهموا؛ فإن ((أن)) المفتوحة وما فى
خبرها بمنزلة المصدر ، فإذا قال : حدثني أنه قال فهو فى التقدير حدثني
بقوله؛ ولهذا اتفق النحاة على أن (( إن )) المكسورة تكون فى موضع
الجمل ، والمفتوحة فى موضع المفردات، فقوله: (فَنَادَتْهُ الْمَلَبِكَةُ وَهُوَ
قَائِمٌ يُصَلّى فِ اُلْمِحْرَابِ أَنَّاللَّهَ يُبَشِّرُكَ)
- على قراءة الفتح - في
تقدير قوله : فنادته بيشارته ، وهو ذكر لمعنى ما نادته به وليس فيه
ذكر اللفظ . ومن قرأ ( إن الله ) فقد حكى لفظه ، وكذلك
الفرق بين قوله أول ما أقول: أحمد اللّه، وأول ما أقول: إنى
أحمد الله .
٣٢

وإذا كان مع الفتح هو مصدر فقولك : حدثني بقوله ويخبره لم
تذكر فيه لفظ القول والخبر ، وإنما عبرت عن جملة لفظه ؛ فإنه قول
وخبر ، فهو مثل قولك : سمعت كلام فلان وخطبة فلان ، لم تحك لفظها.
وأما إذا قلت : قال : كذا فهو إخبار عن عين قوله ؛ ولهذا لا ينبغي
أن يوجب اللفظ في هذا أحد ، بخلاف الأول فإنه إنما يسوغ على
مذهب من يجوز الرواية بالمعنى ، فإذا سمعت لفظه وقلت : حدثني فلان
قال : حدثنى فلان بكذا وكذا فقد أتيت باللفظ ؛ فإنك سمعته يقول :
حدثنى فلان بكذا ، وإذا عرضت عليه فقلت : حدثك فلان بكذا؟
فقال : نعم ! وقلت : حدثنى أن فلاناً حدثه بكذا فأنت صادق على
المذهبين ؛ لأنك ذكرت أنه حدثك بتحديث فلان إياه بكذا والتحديث
لفظ مجمل ينتظم لذلك ، كما أن قوله : نعم لفظ مجمل ينتظم لذلك ،
فقوله : نعم ! تحديث لك بأنه حدثه .
وأما إذا قلت : حدثنى قال : حدثنى فأنت لم تسمعه بقول : حدثني
وإنما سمعته يقول : نعم ! وهي معناها ، لكن هذا من المعاني المتداولة
وهذا العرض إذا كان المحمل يدرى ما يقرؤه عليه العارض كما يدري
المقرئ ، فأما إذا كان لا يدري فالسماع أجود بلا ريب كما اتفق عليه
المتأخرون ؛ لغلبة الفعل على القارئ للحديث دون المقروء عليه، والتفصيل
فى العرض بين أن يقصد المحمل الإخبار أو لا يقصد ، كما تقدم فى
التحديث والسماع .
٣٣

(النوع الثالث ) ((المناولة، والمكاتبة)): وكلاهما إنما أعطاه
كتابا لاخطابا ، لكن المناولة مباشرة والمكاتبة بواسطة . فالمناولة أرجح
إذا انفقا من غير هذه الجهة ، مثل أن يناوله أحاديث معينة يعرفها
المناول أو يكتب إليه بها ، والمناولة عرض العرض فإن قوله
لما معه (١) .
فأما إذا كتب إليه بأحاديث معينة وناوله كتابا مجملا
ترجحت المكاتبة .
ثم المكاتبة يكفي فيها العلم بأنه خطه ، ولم ينازع فى هذا من نازع فى كتاب
القاضي إلى القاضي والشهادة بالكتابة ؛ فإنه هناك اختلف الفقهاء هل يفتقر إلى
الشهادة على الكتاب ؟ وإذا افتقر فهل يفتقر إلى الشهادة على نفس ما فى
الكتاب؟ أو تكفي الشهادة على الكتاب ؟ ومن اشترط الشهادة جعل
الاعتماد على الشهود الشاهدين على الحاكم الكاتب ، حتى يعمل بالكتاب غير
الحاكم المكتوب إليه .
ثم ((المكاتبة، هي مع قصد الإخبار بما فى الكتاب ، ثم إن
كان للمكتوب إليه فقد صح قوله كتب إلي أو أرانى كتابه ، وإن
كتب إلى غيره فقرأ هو الكتاب فهو بمنزلة أن يحدث غيره فيسمع
(١) خرم بالأصل .
٣٤

الخطاب ولو لم يكاتب أحداً بل كتب بخطه فقراءة الخط كسماع اللفظ
وهو الذي يسمونه ((وجادة )). وقد تقدم أن المحدث لم يحدث بهذا
ولم يرده، وإن كان قد قاله وكتبه ؛ فليس كل ما يقوله المرء
ويكتبه يرى أن يحدث به ويخبر به غيره أو أنه يؤخذ عنه .
( الرابع ) الإجازة : فإذا كانت لشيء معين قد عرفه المجيز فهي
كالمناولة وهي : عرض العرض ؛ فإن العارض تكلم بالمعروض مفصلا
فقال الشيخ : نعم ! والمستجيز قال : أجزت لي أن أحدث بما فى
هذا الكتاب فقال المجيز: نعم ! فالفرق بينهما من جهة كونه في العرض
سمع الحديث كله ، وهنا سمع لفظاً يدل عليه ، وقد على مضمون اللفظ
برؤية مافى الكتاب ونحو ذلك ، وهذه الإجازة محديث وإخبار ، وما
روى عن بعض السلف المدنيين وغيرهم من أنهم كانوا يقولون : الإجازة
كالسماع، وأنهم قالوا: حدثنا وأخبرنا وأنبأنا وسمعت واحد، فإنما
أرادوا - والله أعلم - هذه الإجازة، مثل من جاء إلى مالك فقال :
هذا الموطأ أجزء لي! فأجازه له .
فأما المطلقة فى المجاز فهي شبه المطلقة فى المجاز له ؛ فإنه إذا قال :
أجزت لك ماصح عندك من أحاديثى صارت الرواية بذلك موقوفة على
أن يعلم أن ذلك من حديثه، فإن علم ذلك من جهته استغنى عن الإجازة.
وإن عرف ذلك من جهة غيره فذلك الغير هو الذي حدثه به عنه
٣٥

والإجازة لم تعرفه الحديث وتفيده علمه كما عرفه ذلك السماع منه والعرض
عليه ؛ ولهذا لا يوجد مثل هذه فى الشهادات .
وأما نظير المكاتبة والمناولة فقد اختلف الفقهاء فى جوازها فى
الشهادات، لكن قد ذكرت فى غير هذا الموضع أن الرواية لها مقصودان:
العلم ، والسلسلة ، فأما العلم فلا يحصل بالإجازة ، وأما السلسلة فتحصل
بها ، كما أن الرجل إذا قرأ القرآن اليوم على شيخ فهو فى العلم بمنزلة
من قرأه من خمسمائة سنة ، وأما في السلسلة فقراءته على المقرئ
القريب إلى النبي صلى الله عليه وسلم أعلى في السلسلة ، وكذلك
الأحاديث التى قد تواترت عن مالك ، والثوري ، وابن علية، كتواتر
الموطأ عن مالك ، وسنن أبي داود عنه ، وصحيح البخاري عنه ، لا فرق
فى العلم والمعرفة بين أن يكون بين البخاري وبين الإنسان واحد
أو اثنان ؛ لأن الكتاب متواتر عنه ، فأما السلسلة فالعلو أشرف من
النزول ، ففائدة الإجازة المطلقة من جنس فائدة الإسناد العالي
بالنسبة إلى المنازل إذا لم يفد زيادة فى العلم .
وهل هذا المقصود دين مستحب ؟ هذا يتلقى من الأدلة الشرعية ، وقد قال
أحمد : طلب الإسناد العالي سنة عمن مضى ، كان أصحاب عبد الله يرحلون من
الكوفة إلى المدينة ليشافهوا الصحابة ، فنقول: كلما قرب الإسناد كان أبسر مؤونة
وأقل كلفة وأسهل فى الرواية ، وإذا كان الحديث قد علمت صحته وأن
٣٦

فلانا رواه وأن ما يروى عنه لاتصال الرواية فالقرب فيها خير من البعد
فهذا فائدة الإجازة .
ومناط الأمر أن يفرق بين الإسناد المفيد للصحة والرواية
المحصلة للعلم، وبين الإسناد المفيد للرواية والرواية المفيدة للإسناد .
والله أعلم .
٣٧

وسئل :
عن معنى قولهم: حديث حسن أو مرسل أو غريب ،
وجمع الترمذى بين الغريب والصحيح في حديث واحد ؟ وهل في
الحديث متواتر لفظا ومعنى ؟ وهل جمهور أحاديث الصحيح تفيد اليقين
أو الظن ؟ وما هو شرط البخاري ومسلم ؛ فإنهم فرقوا بين شرط
البخاري ومسلم فقالوا : على شرط البخاري ومسلم ؟
فأحاب :
أما المرسل من الحديث : أن يرويه من دون الصحابة ولا يذكر
عمن أخذه من الصحابة ويحتمل أنه أخذه من غيرم .
ثم من الناس من لا يسمى مرسلا إلا ما أرسله التابعي ، ومهم
من بعد ما أرسله غير التابعي مرسلاً .
وكذلك ما يسقط من إسناده رجل فمنهم من يخصه باسم المنقطع ،
ومنهم من يدرجه فى اسم المرسل ، كما أن فيهم من يسمى كل مرسل
منقطعاً ، وهذا كله سائغ فى اللغة .
٣٨

وأما الغريب : فهو الذي لا يعرف إلا من طريق واحد ، ثم قد
يكون صحيحاً كحديث: ((إنما الأعمال بالنيات))، و((نهيه عن بيع
الولاء وهبته))، وحديث ((أنه دخل مكة وعلى رأسه المغفر))، فهذه
صحاح فى البخاري ومسلم وهي غريبة عند أهل الحديث ، فالأول إنما
ثبت عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن محمد بن إبراهيم التيمي عن
علقمة بن وقاص الليثى عن عمر بن الخطاب ، والثاني إنما يعرف من
حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر ، والثالث إنما يعرف من رواية
مالك عن الزهري عن أنس، ولكن أكثر الغرائب ضعيفة .
وأما الحسن فى اصطلاح الترمذي فهو : ماروى من وجهين ،
وليس في رواته من هو متهم بالكذب ولا هو شاذ مخالف للأحاديث
الصحيحة . فهذه الشروط هي التى شرطها الترمذي فى الحسن ، لكن
من الناس من يقول : قد سمى حسنا ما ليس كذلك، مثل حديث يقول
فيه : حسن غريب ؛ فإنه لم يرو إلا من وجه واحد وقد سماه حسناً،
وقد أجيب عنه بأنه قد يكون غريباً . لم يرو إلا عن تابعي واحد ،
لكن روى عنه من وجهين فصار حسناً لتعدد طرقه عن ذلك الشخص
وهو في أصله غريب .
وكذلك الصحيح الحسن الغريب قد يكون لأنه روى بإسناد صحيح
غريب ، ثم روى عن الراوي الأصلي بطريق صحيح وطريق آخر ،
٣٩

فيصير بذلك حسناً مع أنه صحيح غريب ؛ لأن الحسن ما تعددت طرقه
وليس فيها متهم ، فإن كان صحيحاً من الطريقين فهذا صحيح محض، وإن
كان أحد الطريقين لم تعلم صحته فهذا حسن ، وقد يكون غريب الإسناد
فلا يعرف بذلك الإسناد إلا من ذلك الوجه ، وهو حسن المتن ؛ لأن
المتن روى من وجهين ؛ ولهذا يقول : وفي الباب عن فلان وفلان ،
فيكون لمعناه شواهد تبين أن متنه حسن وإن كان إسناده غريباً . وإذا
قال مع ذلك : إنه صحيح ؛ فيكون قد ثبت من طريق صحيح وروى من
طريق حسن ، فاجتمع فيه الصحة والحسن، وقد يكون غريباً من ذلك
الوجه لا يعرف بذلك الإسناد إلا من ذلك الوجه . وإن كان هو صحيحاً
من ذلك الوجه فقد يكون صحيحاً غريباً ، وهذا لا شبهة فيه ، وإنما
الشبهة فى اجتماع الحسن والغريب. وقد تقدم أنه قد يكون غريبا حسناً
ثم صار حسناً وقد يكون حسناً غريباً كما ذكر من المعنيين .
وأما المتواتر فالصواب الذي عليه الجمهور: أن المتواتر ليس له عدد
محصور ، بل إذا حصل العلم عن إخبار المخبرين كان الخبر متواتراً ،
وكذلك الذي عليه الجمهور أن العلم يختلف باختلاف حال المخبرين به .
فرب عدد قليل أفاد خبرهم العلم بما يوجب صدقهم، وأضعافهم لا يفيد خبرهم
العلم ؛ ولهذا كان الصحيح أن خبر الواحد قد يفيد العلم إذا احتفت به
قرائن تفيد العلم .
٤٠