النص المفهرس

صفحات 1-20

جُونَ فَتَاوى
شيخ الإسلام أحمد بن تيميّة
((قَدَّسَ اللهَ رُوحَهُ))
جَمْعُوَتَرَتِبُ
عَبَدِ الرَّمِن ◌ْ مُحَمَّد بنقاسم ((رَحَمَةُ اله)
وَسَاعَدَهُ أَبْنُهُ مُحَمَّد ((وَفْقَهُ اللَّه))
المجلّد الثَامِنَ عشر
طُبعَ بِأمْر
خَادِمِ الَّهَيْ الشَّرِفَيْ الملِكِ فَهَّدِبْ عَبْدِ العزيز السُعُود
أجْزَل اللَّه مَتُوُبتَه

طبعَت هذه الفتَاوى في
◌ُجَمِعْ لِلَلِ فَهَدِ لُطْبَائَةِ المُصَحِفِ الشََّرِيف
في المدينَةِ المنوّرة
تحت إشراف
وَزَارَة الشُّؤُوْنِ الإِسْلَامِيَّةِ وَالأَوْقَافِ وَالَّعْوَةُ وَالإِنْشَادِ
بالمملَكَةِ العَرَبَيَّةِ السُّعُوديّةِ
عام ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤م
٤ مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف ، ١٤١٥ هـ.
فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية
ابن تيميه ، أحمد بن عبدالحليم
فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيميه .
٤٠٨ ص : ١٧ × ٢٤ سم
ردمك ٦-٢٠-٧٧٠ -٩٩٦٠ ( مجموعة)
٩-٣٨ -٧٧٠ -٩٩٦٠ (ج ١٨)
١ - الفتاوى الإسلامية ٢- الفقه الحنبلي أ - العنوان
١٥/٢٠٠٩
ديوي ٢٥٨,٤
رقم الإيداع : ١٥/٢٠٠٩
ردمك : ٦-٢٠-٧٧٠ -٩٩٦٠ (مجموعة)
٩-٢٨-٧٧٠ -٩٩٦٠ ( ج ١٨)

كتاب
الحديث

بِسمِ اللهِالرَّحِ الرَّحِيمِ
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
سؤال ورد على الشيخ رحمه اللّه
قال السائل :
الحمد لله رب العالمين
سنن النبي المصطفى المختار
يا متقنا على الحديث ومن روى
يهدى به وعددت فى الأحبار
أصبحت فى الإسلام طوداً راسخاً
بديانها يا ناقلى الأخبار!
هذى مسائل أشكلت فتصدقوا
إن أشكلت قد جاء فى الآثار
فالمستعان على الأمور بأهلها
بينتموها يا أولى الأبصار
ولكم كأجر العاملين بسنةٍ
٥

الأولى : ما حد الحديث النبوي ؟ أهو ما قاله فى عمره أو بعد
البعثة أو تشريعاً ؟.
الثانية : ماحد الحديث الواحد ؟ وهل هو كالسورة أو كالآبة
أو كالجملة ؟ .
الثالثة : إذا صح الحديث هل يلزم أن يكون صدقا أم لا ؟ .
الرابعة : تقسيم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف تسمية صحيحة
أو متداخلة؟ .
الخامسة : ما الحديث المكرر المعاد بغير لفظه ومعناه من غير
زيادة ولا نقص ؟ وهل هو كالقصص المكررة فى القرآن العظيم ؟ .
السادسة : كم فى صحيح البخاري حديث بالمكرر ؟ وكم دونه ؟
وكم في مسلم حديث به ، ودونه؟ وعلى كم حديث اتفقا؟ وبكم انفرد كل واحد
منهما عن الآخر ؟ .
فأجاب شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية رحمه الله :
الحمد لله رب العالمين. الحديث النبوي هو عند الإطلاق بنصرف
٦

4
إلى ما حدث به عنه بعد النبوة : من قوله وفعله وإقراره ؛ فإن سنته
ثبتت من هذه الوجوه الثلاثة . فما قاله إن كان خبراً وجب تصديقه به،
وإن كان تشريعاً إيجابا أو تحريماً أو إباحة وجب اتباعه فيه ؛ فإن
الآيات الدالة على نبوة الأنبياء دلت على أنهم معصومون فيما يخبرون
به عن الله عز وجل ، فلا يكون خبرهم إلا حقاً، وهذا معنى النبوة،
وهو يتضمن أن الله ينبئه بالغيب وأنه ينبئ الناس بالغيب ، والرسول
مأمور بدعوة الخلق وتبليغهم رسالات ربه .
ولهذا كان كل رسول نبياً ، وليس كل نبى رسولا ، وإن كان قد
يوصف بالإرسال المقيد فى مثل قوله: ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ
وَلَِإِلَّ إِذَاتَمَنَّ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِىَ أُمَِّيَّتِهِ. فَيَنْسَمُ اللَّهُ مَا يُلْفِى الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ
وقد اتفق المسلمون على أنه لا
اللَّهُ مَايَتِهِ، وَاللهُ عَلِيمٌحَكِيمٌ
يستقر فيما بلغه باطل ، سواء قيل : إنه لم يجر على لسانه من هذا
الإلقاء ما ينسخه اللّه، أو قيل: إنه جرى ما ينسخه الله فعلى التقديرين
قد نسخ الله ما ألقاء الشيطان، وأحكم الله آياته والله عليم حكيم، ولهذا
کان کل ما يقوله فهو حق .
وقد روي أن عبد الله بن عمرو كان يكتب ما سمع من النبى
صلى الله عليه وسلم، فقال له بعض الناس إن رسول الله صلى الله عليه
وسلم يتكلم في الغضب فلا تكتب كما تسمع ! فسأل النبي صلى الله
٧

عليه وسلم عن ذلك فقال: ((اكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج من
بينهما إلا حق __ يعنى شفتيه الكريمتين _)).
وقد ثبت عن أبى هريرة أنه قال: لم يكن أحد من أصحاب رسول
الله صلى الله عليه وسلم أحفظ منى إلا عبد الله بن عمرو ؛ فإنه كان
يكتب بيده ويعي بقلبه، وكنت أعمى بقلبى ولا أكتب بيدي ، وكان
عند آل عبد الله بن عمرو بن العاص نسخة كنبها عن النبي صلى الله
عليه وسلم ، وبهذا طعن بعض الناس فى حديث عمرو بن شعيب
عن أبيه شعيب عن جده ، وقالوا : هي نسخة . - وشعيب هو :
شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص - وقالوا عن جده
الأدنى محمد: فهو مرسل ؛ فإنه لم يدرك النبى صلى الله عليه وسلم،
وإن عنى جده الأعلى فهو منقطع ؛ فإن شعيباً لم يدركه .
وأما أئمة الإسلام وجمهور العلماء فيحتجون بحديث عمرو بن شعيب عن
أبيه عن جده إذا صح النقل إليه ، مثل: مالك بن أنس وسفيان بن عيينة
ونحوهما ، ومثل الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وغيرهم،
قالوا: الجد هو عبد الله؛ فإنه يجيء مسمى ومحمد أدركه ، قالوا :
وإذا كانت نسخة مكتوبة من عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان هذا
أوكد لها وأدل على صحتها ؛ ولهذا كان فى نسخة عمرو بن شعيب
٨

من الأحاديث الفقهية التى فيها مقدرات ما احتاج إليه عامة
علماء الإسلام.
والمقصود : أن حديث الرسول صلى الله عليه وسلم إذا أطلق دخل
فيه ذكر ما قاله بعد النبوة ، وذكر ما فعله؛ فإن أفعاله التى أقر
عليها حجة، لا سيما إذا أمرنا أن نتبعها كقوله: (( صلوا كما رأيتمونى
أصلي))، وقوله: ((لتأخذوا عني مناسككم))، وكذلك ما أحله الله له
فهو حلال للأمة مالم يقم دليل التخصيص ؛ ولهذا قال : ( فَلَمَّاقَضَى
زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرَّزَ وَّجْنَكَهَا لِكَنْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِى أَزْوَجِ أَدْعِيَا بِهِمْ إِذَا قَضَوْ
مِنْهُنَّ وَطَرًا) ولما أُحل له الموهوبة قال: (وَأَمْرَّةً مُؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ
نَفْسَهَا لِلنَّبِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِىُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةٌ لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ).
ولهذا كان النبى صلى الله عليه وسلم إذا سئل عن الفعل يذكر للسائل
أنه يفعله ليبين للسائل أنه مباح ، وكان إذا قيل له : قد غفر الله لك
ما تقدم من ذنبك وما تأخر قال: ((إني أخشاكم لله وأعلمكم بحدوده))
ومما يدخل في مسمى حديثه : ما كان يقرم عليه ، مثل: إقراره على
المضاربة التى كانوا يعتادونها ، وإقراره لعائشة على اللعب بالبنات ، وإقراره
فى الأعياد على مثل غناء الجاريتين ، ومثل لعب الحبشة بالحراب في
المسجد ونحو ذلك ، وإقراره لهم على أكل الضب على مائدته ، وإن
٩

كان قد صح عنه أنه ليس بحرام . إلى أمثال ذلك ، فهذا كله يدخل
فى مسمى الحديث ، وهو المقصود بعلى الحديث ؛ فإنه إنما يطلب ما
يستدل به على الدين ، وذلك إنما يكون بقوله أو فعله أو إقراره.
وقد يدخل فيها بعض أخباره قبل النبوة، وبعض سيرته قبل
النبوة ، مثل : محنثه بغار حراء ، ومثل : حسن سيرته ؛ لأن الحال
يستفاد منه ما كان عليه قبل النبوة : من كرائم الأخلاق ومحاسن
الأفعال ، كقول خديجة له : كلا والله لا يخزيك الله أبداً: إنك لتصل
الرحم ، وتحمل الكل ، وتقري الضيف ، وتكسب المعدوم ، وتعين
على نوائب الحق ، ومثل المعرفة فإنه كان أمياً لا يكتب ولا يقرأ ،
وإنه لم يجمع متعلم [ مثله ] وإن كان معروفا بالصدق والأمانة ، وأمثال
ذلك مما يستدل به على أحواله التى تنفع في المعرفة بنبوته وصدقه ،
فهذه الأمور ينتفع بها فى دلائل النبوة كثيراً ؛ ولهذا يذكر مثل ذلك
من كتب سيرته ، كما يذكر فيها نسبه وأقاربه وغير ذلك بما يعلم أحواله
وهذا أيضاً قد يدخل فى مسمى الحديث .
والكتب التى فيها أخباره منها كتب التفسير ، ومنها كتب السيرة
والمغازي ، ومنها كتب الحديث . وكتب الحديث هي ما كان بعد النبوة
أخص ، وإن كان فيها أمور جرت قبل النبوة ؛ فإن تلك لا تذكر
لتؤخذ وتشرع فعله قبل النبوة ، بل قد أجمع المسلمون على أن الذي
١٠

فرض على عباده الإيمان به والعمل هو ما جاء به بعد النبوة .
ولهذا كان عندهم من ترك الجمعة والجماعة ، وتخلى في الغيران والجبال
حيث لا جمعة ولا جماعة ، وزعم أنه يقتدى بالنبى صلى الله عليه وسلم
لكونه كان متحنثاً فى غار حراء قبل النبوة فى ترك ما شرع له من
العبادات الشرعية التى أمر الله بها رسوله، واقتدى بما كان يفعل قبل
النبوة كان مخطئاً ؛ فإن النبى صلى الله عليه وسلم بعد أن أكرمه
الله بالنبوة لم يكن يفعل ما فعله قبل ذلك من التحنث فى غار حراء أو
نحو ذلك ، وقد أقام بمكة بعد النبوة بضع عشرة سنة ، وأناها بعد
الهجرة فى عمرة القضية ، وفي غزوة الفتح ، وفى عمرة الجعرانة ، ولم
بقصد غار حراء ، وكذلك أصحابه من بعده لم يكن أحد منهم بأتى غار
حراء ، ولا يتخلون عن الجمعة والجماعة فى الأماكن المنقطعة ، ولا عمل
أحد منهم خلوة أربعينية كما يفعله بعض المتأخرين ، بل كانوا يعبدون
الله بالعبادات الشرعية التى شرعها لهم النبي صلى الله عليه وسلم، الذي
فرض الله عليهم الإيمان به واتباعه؛ مثل الصلوات الخمس وغيرها من
الصلوات ، ومثل الصيام والاعتكاف فى المساجد ، ومثل أنواع الأذكار
والأدعية والقراءة ومثل الجهاد.
وقول السائل : ما قاله فى عمره، أو بعد النبوة أو تشريعاً ، فكل
ما قاله بعد النبوة وأقر عليه ولم ينسخ فهو تشريع ، لكن التشريع
١١

يتضمن الإيجاب والتحريم والإباحة ، ويدخل في ذلك ما دل عليه من
المنافع فى الطب : فإنه يتضمن إباحة ذلك الدواء والانتفاع به ، فهو
شرع لإباحته ، وقد يكون شرعا لاستحبابه ؛ فإن الناس قد تنازعوا فى
التداوي هل هو مباح أو مستحب أو واجب ؟
والتحقيق: أن منه ما هو محرم ، ومنه ما هو مكروه ، ومنه ما هو
مباح ؛ ومنه ما هو مستحب ، وقد يكون منه ما هو واجب ، وهو :
ما يعلم أنه يحصل به بقاء النفس لا بغيره ، كما يجب أكل الميتة عند
الضرورة ، فإنه واجب عند الأئمة الأربعة وجمهور العلماء ، وقد قال
مسروق : من اضطر إلى أكل الميتة فلم بأ كل حتى مات دخل النار ،
فقد يحصل أحياناً للإنسان إذا استحر المرض ما إن لم يتعالج معه مات
والعلاج المعتاد تحصل معه الحياة كالتغذية للضعيف ، وكاستخراج
الدم أحياناً .
والمقصود: أن جميع أقواله يستفاد منها شرع، وهو صلى الله عليه
وسلم لما رآم يلقحون النخل قال لهم: (( ما أرى هذا - يعني شيئاً -))
ثم قال لهم: (( إنما ظننت ظناً فلا تؤاخذوني بالظن ، ولكن إذا
حدثتكم عن اللّه فلن أكذب على الله))، وقال: «أنتم أعلم بأمور
دنياكم فما كان من أمر دينكم فإلي » وهو لم ينهم عن التلقيح لكن م
غلطوا فى ظنهم أنه نهام ، كما غلط من غلط فى ظنه أن (الْخَيْطُ
اُلْأَبْيَضُ ) و(الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ ) هو الحبل الأبيض والأسود .
١٢

١
فصل
وأما الحديث الواحد فيراد به ما رواه الصاحب من الكلام
المتصل بعضه ببعض ولو كان جملا كثيرة ، مثل حديث توبة كعب بن
مالك ، وحديث بدء الوحي ، وحديث الإفك، ونحو ذلك من الأحاديث
الطوال ؛ فإن الواحد منها يسمى حديثاً ، وما رواه الصاحب أيضاً من
جملة واحدة أو جملتين أو أكثر من ذلك متصلا بعضه ببعض فإنه
بسمى حديثاً، كقوله: (( لا صلاة إلا بأم القرآن)) ((الجار أحق
بسقبه))، (( لا يقبل اللّه صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ))، وقوله:
((إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى)) إلى آخره ، فإنه
يسمى حديثاً .
وكذلك قوله: (( لا تقاطعوا ولا تدابروا ، ولا تباغضوا ولا
تحاسدوا، وكونوا عباد الله إخواناً)) وقوله فى البحر: ((هو الطهور
ماؤه، الحل مينته )) وقد أكمل من أجناس مختلفة، لكن فى الأمر العام
تكون مشتركة فى معنى عام كقوله: (( لا يخطب الرجل على خطبة
أخيه ، ولا يبيع على بيع أخيه ، ولا يستام على سوم أخيه ، ولا
١٣

تسأل المرأة طلاق أختها لتكفأ ما فى صحفتها ولتنكح ، فإن لها ما قدر
لها ، فإن هذا يتضمن النهي عن مزاحمة المسلم في البيع والنكاح ، وفى
البيع لا يستام على سومه ، ولا يبيع على بيعه ، وإذا نهاه عن السوم
فهيه المشتري على شرائه عليه حرام بطريق الأولى ، ونهاه أن
يخطب على خطبته . وهذا نهي عن إخراج امرأته من ملكه بطريق
الأولى ، ونهى المرأة أن تسأل طلاق أختها لتنفرد هي بالزوج، فهذه
وإن تعلقت بالبيع والنكاح فقد اشتركت فى معنى عام .
وكذلك قوله: (( ثلاثة لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم يوم القيامة
ولا يزكيهم ، ولهم عذاب أليم: شيخ زان ، وملك كذاب ، وعائل
مستكبر ))، فهؤلاء الثلاثة اشتركوا فى هذا الوعيد ، واشتركوا فى
فعل هذه الذنوب مع ضعف دواعيهم ؛ فإن داعية الزنا في الشيخ
ضعيفة ، وكذلك داعية الكذب فى الملك ضعيفة ؛ لاستغنائه عنه ،
وكذلك داعية الكبر في الفقير، فإذا أتوا بهذه الذنوب مع ضعف
الداعي دل على أن فى نفوسهم من الشر الذي يستحقون به من الوعيد
ما لا يستحقه غيرهم .
وقل أن يشتمل الحديث الواحد على جمل إلا لتناسب بينهما وإن
كان قد يخفى التناسب فى بعضها على بعض الناس ، فالكلام المتصل
بعضه ببعض يسمى حديثاً واحداً .
١٤

وأما إذا روى الصاحب كلاما فرغ منه، ثم روى كلاماً آخر وفصل
بينها : بأن قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو بأن طال
الفصل بينهما فهذان حديثان ، وهذا بمنزلة ما يتصل بالكلام في الإنسان
والإقرارات والشهادات كما يتصل بعقد النكاح والبيع والإقرار والوقف
فإذا اتصل به الاتصال المعتاد كان شيئاً واحداً يرتبط بعضه ببعض ،
وانقضى كلامه ، ثم بعد طول الفصل أنشأ كلاماً آخر بغير حكم الأول
كان كلاماً ثانياً، فالحديث الواحد ليس كالجملة الواحدة ؛ إذقد يكون
جملا ، ولا كالسورة الواحدة ، فإن السورة قد يكون بعضها نزل قبل
بعض، أو بعد بعض، ويكون أجنبياً منه، بل يشبه الآية الواحدة، أو
الآيات المتصل بعضها ببعض ، كما أنزل فى أول البقرة أربع آيات في صفة
المؤمنين ، وآيتين فى صفة الكافرين ، وبضع عشرة آية في صفة
المنافقين ؛ وكما فى قوله: ( إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِآلْحَقِّ لِتَحْكُمْ بَيْنَ
النَّاسِ بِمَا أَرَنِكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَيِنِينَ خَصِيمًا )، فإن هذا يتصل بعضه
ببعض وهو نزل بسبب قصة بني أبيرق إلى تمام الكلام
وقد يسمى الحديث واحداً وإن اشتمل على قصص متعددة إذا
حدث به الصحابى متصلاً بعضه ببعض فيكون واحداً باعتبار اتصاله فى
كلام الصحابى ، مثل حديث جابر الطويل الذي يقول فيه : ((كنا مع
رسول الله صلى الله عليه وسلم)) وذكر فيه ما يتعلق بمعجزاته ، وما
١٥

يتعلق بالصلاة ، وبغير ذلك ، فهذا يسمى حديثاً بهذا الاعتبار ، وقد
يكون الحديث طويلا وأخذ يفرقه بعض الرواة فجعله أحاديث كما فعل
البخاري فى كتاب أبى بكر فى الصدقة ، وهذا يجوز إذا لم يكن فى
ذلك تغيير المعنى .
فصل
وأما قول السائل : إذا صح الحديث هل يكون صدقا ؟ .
فجوابه: أن الصحيح أنواع ، وكونه صدقا يغنى به شيئان . فمن
الصحيح ما تواتر لفظه كقوله: (( من كذب على متعمداً فليتبوأ مقعده
من النار)). ومنه ما تواتر معناه : كأحاديث الشفاعة ، وأحاديث الرؤية .
وأحاديث الحوض ، وأحاديث نبع الماء من بين أصابعه وغير ذلك .
فهذا يفيد العلم ويجزم بأنه صدق ؛ لأنه متواتر إما لفظا وإما معنى ،
ومن الحديث الصحيح ما تلقاه المسلمون بالقبول فعملوا به ، كما عملوا
بحديث الغرة فى الجنين ، وكما عملوا بأحاديث الشفعة ، وأحاديث سجود
السهو ، ونحو ذلك . فهذا يفيد العلم ، ويجزم بأنه صدق ؛ لأن الأمة
تلقته بالقبول تصديقاً وعملا بموجبه والأمة لا تجتمع على ضلالة ؛ فلو كان
فى نفس الأمر كذباً لكانت الأمة قد اتفقت على تصديق الكذب والعمل
١٦

به ، وهذا لا يجوز عليها .
ومن الصحيح ما تلقاء بالقبول والتصديق أهل العلم بالحديث كجمهور
أحاديث البخاري ومسلم ؛ فإن جميع أهل العلم بالحديث يجزمون بصحة
جمهور أحاديث الكتابين، وسائر الناس تبع لهم في معرفة الحديث ، فإجماع
أهل العلم بالحديث على أن هذا الخبر صدق كإجماع الفقهاء على أن هذا
الفعل حلال أو حرام أو واجب ، وإذا أجمع أهل العلم على شيء فسار
الأمة تبع لهم ؛ فإجماعهم معصوم لا يجوز أن يجمعوا على خطأ .
ومما قد يسمى صحيحاً ما يصححه بعض علماء الحديث ، وآخرون
يخالفونهم فى تصحيحه ، فيقولون: هو ضعيف ليس بصحيح ، مثل
ألفاظ رواها مسلم فى صحيحه ونازعه فى صحتها غيره من أهل العلم، إما
مثله أو دونه، أو فوقه ، فهذا لا يجزم بصدقه إلا بدليل ، مثل :
حديث ابن وعلة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال: ((أيما إهاب دبخ فقد طهر)) فإن هذا انفرد به مسلم عن البخاري،
وقد ضعفه الإمام أحمد وغيره ، وقد رواه مسلم ، ومثل ما روى مسلم أن
النبي صلى الله عليه وسلم صلى الكسوف ثلاث ركوعات وأربع ركوعات،
انفرد بذلك عن البخاري ، فإن هذا ضعفه حذاق أهل العلم ، وقالوا:
إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل الكسوف إلا مرة واحدة يوم مات
ابنه إبراهيم ، وفى نفس هذه الأحاديث التى فيها الصلاة بثلاث ركوعات
١٧

وأربع ركوعات أنه إنما صلى ذلك يوم مات إبراهيم ، ومعلوم أن
إبراهيم لم يمت مرتين، ولا كان له إبراهيمان ، وقد تواتر عنه أنه صلى
الکسوف يومئذ ركوعین فی كل ركعة، كما روى ذلك عنه عائشة، وابن
عباس، وابن عمرو وغيرهم ؛ فلهذا لم يرو البخاري إلا هذه الأحاديث
وهذا حذف من مسلم ؛ ولهذا ضعف الشافعي وغيره أحاديث الثلاثة
والأربعة ولم يستحبوا ذلك ، وهذا أصح الروايتين عن أحمد، وروى
عنه أنه كان يجوز ذلك قبل أن يتبين له ضعف هذه الأحاديث .
ومثله حديث مسلم: ((إن الله خلق التربة يوم السبت ، وخلق الجبال
يوم الأحد ، وخلق الشجر يوم الاثنين ، وخلق المكروه يوم الثلاثاء،
وخلق النور يوم الأربعاء ، وبث فيها الدواب يوم الخميس ، وخلق آدم
يوم الجمعة ))، فإن هذا طعن فيه من هو أعلم من مسلم مثل يحيى بن
معين، ومثل البخاري وغيرهما ، وذكر البخاري أن هذا من كلام كعب
الأحبار ، وطائفة اعتبرت صحته مثل أبي بكر بن الأنباري وأبي الفرج
ابن الجوزي وغيرهما ، والبيهقي وغيره وافقوا الذين ضعفوه، وهذا هو
الصواب ؛ لأنه قد ثبت بالتواتر أن الله خلق السموات والأرض وما
بيها فى ستة أيام ، وثبت أن آخر الخلق كان يوم الجمعة ، فيلزم أن
يكون أول الخلق يوم الأحد ، وهكذا هو عند أهل الكتاب ، وعلى
ذلك تدل أسماء الأيام ، وهذا هو المنقول الثابت في أحاديث وآثار أخر ؛
١٨

ولو كان أول الخلق يوم السبت وآخره يوم الجمعة لكان قد خلق فى الأيام
السبعة ، وهو خلاف ما أخبر به القرآن ، مع أن حذاق أهل الحديث
يثبتون علة هذا الحديث من غير هذه الجهة ، وأن رواية فلان غلط
فيه لأمور يذكرونها ، وهذا الذي يسمى معرفة علل الحديث بكون
الحديث إسناده فى الظاهر جيدا ، ولكن عرف من طريق آخر : أن
راويه غلط فرفعه وهو موقوف، أو أسنده وهو مرسل ، أو دخل عليه
حديث في حديث ، وهذا فن شريف ، وكان يحيى بن سعيد الأنصاري
ثم صاحبه علي بن المديني، ثم البخاري من أعلم الناس به ، وكذلك
الإمام أحمد وأبو حاتم، وكذلك النسائى والدار قطنى وغيرهم. وفيه مصنفات
معروفة .
وفى البخاري نفسه ثلاثة أحاديث نازعه بعض الناس فى صحتها مثل :
حديث أبي بكرة عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال عن الحسن: ((إن
ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين))،
فقد نازعه طائفة منهم أبو الوليد الباجي ، وزعموا أن الحسن لم يسمعه
من أبي بكرة ، لكن الصواب مع البخاري، وأن الحسن سمعه من أبى
بكرة ، كما قد بين ذلك فى غير هذا الموضع ، وقد ثبت ذلك في غير
هذا الموضع .
والبخاري أحذق وأخبر بهذا الفن من مسلم؛ ولهذا لا يتفقان على
١٩

حديث إلا يكون صحيحا لا ريب فيه قد اتفق أهل العلم على صحته
ثم ينفرد مسلم فيه بألفاظ يعرض عنها البخاري ، ويقول بعض أهل
الحديث . إنها ضعيفة ، ثم قد يكون الصواب مع من ضعفها : كمثل
صلاة الكسوف بثلاث ركوعات وأربع ، وقد يكون الصواب مع مسلم،
وهذا أكثر ، مثل قوله فى حديث أبى موسى: ((إنما جعل الإمام
ليؤتم به فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا))، فإن هذه الزيادة
صحتها مسلم ، وقبله أحمد بن حنبل وغيره ، وضعفها البخاري وهذه
الزيادة مطابقة للقرآن، فلو لم يرد بها حديث صحيح لوجب العمل
بالقرآن، فإن فى قوله: (وَإِذَا قُرِنَّ الْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُوْلَهُ وَأَنْصِتُواْ
لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) أجمع الناس على أنها نزلت فى الصلاة ، وأن القراءة
فى الصلاة مرادة من هذا النص .
ولهذا كان أعدل الأقوال فى القراءة خلف الإمام أن المأموم إذا
سمع قراءة الإمام يستمع لها وينصت لا يقرأ بالفاتحة ولا غيرها ، وإذا
لم يسمع قراءته بها يقرأ الفاتحة وما زاد ، وهذا قول جمهور السلف
والخلف ، وهو مذهب مالك وأصحابه ، وأحمد بن حنبل ، وجمهور
أصحابه ، وهو أحد قولي الشافعي ، واختاره طائفة من محققي أصحابه
وهو قول محمد بن الحسن وغيره من أصحاب أبى حنيفة .
وأما قول طائفة من أهل العلم كأبى حنيفة وأبى يوسف: أنه
٢٠