النص المفهرس

صفحات 361-380

يعلى فى آخر قوليه ، وأبى محمد : أثبتوا العلو ، وجعلوا الاستواء من
الصفات الخبرية التى يقولون لا يعلم معناها إلا الله ، وإن كانوا ممن
يرى أن الفوقية والعلو أيضاً من الصفات الخبرية ، كقول القاضي أبى بكر،
وأكثر الأشعرية ، وقول القاضي أبي يعلى فى أول قوليه ، وابن عقيل
في كثير من كلامه ، وأبى بكر البيهقي ، وأبى المعالي وغيرهم ومن سلك
مسلك أولئك . وهذه الأمور مبسوطة فى موضعها .
( والمقصود هنا ) أن كل طائفة تعتقد من الآراء ما يناقض ما دل
عليه القرآن . يجعلون تلك النصوص من المتشابه، ثم إن كانوا ممن
يرى الوقف عند قوله: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ: إِلَّا اللَّهُ ) قالوا لا يعلم معناها
إلا الله ، فيلزم أن لا يكون محمد وجبريل ولا أحد علم معانى تلك
الآيات والأخبار، وإن رأوا أن الوقف على قوله: (وَالرَّسِخُونَ فِي
اُلْعِلْمِ ) جعلوا الراسخين يعلمون ما يسمونه م تأويلا ، ويقولون إن
الرسول صلى الله عليه وسلم إنما لم يبين الحق بخطابه ليجتهد الناس فى
معرفة الحق من غير جهته بعقولهم وأذهانهم ، ويجتهدون في تخريج
ألفاظه على اللغات العربية ، فيجتهدون فى معرفة غرائب اللغات التى
يتمكنون بها من التأويل ، وهذا إن قالوا أنه قصد بالقرآن والحديث
معنى حقاً فى نفس الأمر ، وإن قالوا بقول الفلاسفة والباطنية الذين
لا يرون التأويل . قالوا : لم يقصد بهذه الألفاظ إلا ما يفهمه العامة
٣٦١

والجمهور ، وهو باطل فى نفس الأمر ، لكن أراد أن يخيل لهم ما ينتفعون
به، ولم يمكنه أن يعرفهم الحق، فإنهم كانوا ينفرون عنه ولا يقبلونه،
وأما من قال من الباطنية الملاحدة وفلاسفتهم بالتأويل ، فإنه يتأول
كل شيء مما أخبرت به الرسل ، من أمر الإيمان بالله واليوم الآخر،
ثم يؤولون العبارات كما هو معروف من تأويلات القرامطة الباطنية .
وأبو حامد في ((الإحياء)) ذكر قول هؤلاء المتأولين من الفلاسفة
وقال إنهم أسرفوا فى التأويل ، وأسرفت الحنابلة فى الجمود ، وذكر
عن أحمد بن حنبل كلاما لم يقله أحمد ، فإنه لم يكن يعرف ما قاله
أحمد ، ولا ما قاله غيره من السلف في هذا الباب ، ولا ما جاء به
القرآن والحديث ، وقد سمع مضافا إلى الحنابلة ما يقوله طائفة منهم ،
ومن غيرم من المالكية والشافعية ، وغيرم فى الحرف والصوت. وبعض
الصفات : مثل قولهم : إن الأصوات المسموعة من القراء قديمة أزلية ،
وإن الحروف المتعاقبة قديمة الأعيان ، وأنه ينزل إلى سماء الدنيا ويخلو
منه العرش ، حتى يبقى بعض المخلوقات فوقه ، وبعضها تحته ، إلى غير
ذلك من المنكرات . فإنه ما من طائفة إلا وفى بعضهم من يقول أقوالا
ظاهرها الفساد ، وهي التى يحفظها من ينفر عنهم ، ويشنع بها عليهم،
وإن كان أكثرهم ينكرها ويدفعها ، كما فى هذه المسائل المنكرة التى
بقولها بعض أصحاب أحمد ومالك والشافعى ، فإن جماهير هذه الطوائف
٣٦٢

ينكرها ، وأحمد وجمهور أصحابه منكرون لها .
وكلامهم في إنكارها وردها كثير جداً، لكن يوجد فى أهل
الحديث مطلقاً من الحنبلية وغيرهم من الغلط فى الإثبات أكثر مما
يوجد فى أهل الكلام ، ويوجد فى أهل الكلام من الغلط في النفي
أكثر مما يوجد فى أهل الحديث ؛ لأن الحديث إنما جاء بإثبات الصفات
ليس فيه شيء من النفي الذي انفرد به أهل الكلام، والكلام المأخوذ
عن الجهمية والمعتزلة مبني على النفي المناقض لصرائح القرآن والحديث ؛
بل والعقل الصريح أيضاً : لكنهم يدعون أن العقل دل على النفي ،
وقد ناقضهم طوائف من أهل الكلام ، وزادوا فى الإثبات كالهشامية
والكرامية وغيرهم ، لكن النفي فى جنس الكلام المبتدع الذي ذمه
السلف أكثر .
والمنتسبون إلى السنة من الحنابلة وغيرهم ، الذين جعلوا لفظ
التأويل يعم القسمين ، يتمسكون بما يجدونه فى كلام الأئمة في المتشابه
مثل قول أحمد فى رواية حنبل ولا كيف ولا معنى ، ظنوا أن مراده
أنا لا نعرف معناها . وكلام أحمد صريح بخلاف هذا في غير موضع ،
وقد بين أنه إنما ينكر تأويلات الجهمية ونحوهم الذين يتأولون القرآن
على غير تأويله، وصنف كتابه فى ((الرد على الزنادقة والجهمية)) فيما أنكرته
من متشابه القرآن وتأولته على غير تأويله ، فأنكر عليهم تأويل القرآن
٣٦٣

على غير مراد الله ورسوله ، وهم إذا تأولوه يقولون: معنى هذه الآية
كذا، والمكيفون يثبتون كيفية. يقولون: إنهم علموا كيفية ما أخبر
به من صفات الرب . فنفى أحمد قول هؤلاء ، وقول هؤلاء : قول
المكيفة الذين يدعون أنهم علموا الكيفية ، وقول المحرفة الذين يحرفون
الكلم عن مواضعه ، ويقولون معناه كذا وكذا .
وقد كتبت كلام أحمد بألفاظه - كما ذكره الخلال فى كتاب
السنة، وكما ذكره من نقل كلام أحمد بإسناده فى الكتب المصنفة في
ذلك - فى غير هذا الموضع . وبين أن لفظ التأويل في الآية إنما
أريد به التأويل فى لغة القرآن، كقوله تعالى: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ.
يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْجَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقٍّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ
فَيَشْفَعُوْلَنَا أَوْنُرَدُّ فَتَعَمَلَ غَيْرَالَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ).
وعن ابن عباس في قوله: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ) لصديق
ما وعد فى القرآن ، وعن قتادة تأويله ثوابه ، وعن مجاهد جزاءه ،
وعن السدي عاقبته ، وعن ابن زيد حقيقته. قال بعضهم تأويله ما يؤول
إليه أمرهم من العذاب وورود النار .
وقوله تعالى: (بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُوْبِعِلْمِهِ، وَلَمَّايَأْتِهِمْتَأْوِيلُهُ)
٣٦٤

قال بعضهم تصديق ما وعدوا به من الوعيد ، والتأويل ما يؤول إليه
الأمر ، وعن الضحاك يعنى عاقبة ما وعد الله فى القرآن أنه كائن من
الوعيد ، والتأويل ما يؤول إليه الأمر . وقال الثعلبى: تفسيره . وليس
بشيء. وقال الزجاج : لم يكن معهم علم تأويله . وقال يوسف الصديق
عليه السلام : (يَأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُمْيَلَىَ مِن قَبْلُ ) فجعل نفس سجود
أبويه له تأويل رؤياه .
(لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَ قَائِلَّ ◌َبَأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ، قَبْلَ أَنْ
وقال قبل هذا :
يَأْيَكُمَا) أي قبل أن يأتيكما التأويل . والمعنى لا يأتيكما طعام ترزقانه
في المنام لما قال أحدهما: (إِنَّ أَرَنِيَ أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآَخَرُ إِنَّىَ أَرَنِيّ أَحْمِلُ
فَوْقَ رَأْسِى خُبْزَاً ) .
(إِلَّا بَأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِ )
في اليقظة ( قَبْلَ
أَنْ يَأْتِيَكُمَا ) الطعام ، هذا قول أكثر المفسرين ، وهو الصواب . وقال
بعضهم لا يأتيكما طعام ترزقانه قطعمانه. وتأكلانه ، إلا نبأتكما بتأويله
بتفسيره ، وألوانه ، أي طعام أكلتم، وكم أكلتم ، ومتى أكلتم ؟
فقالوا : هذا فعل العرافين والكهنة ، فقال ما أنا بكاهن ، وإنما ذلك
العلم مما يعلمي ربى. وهذا القول ليس بشيء فإنه قال: (إِلَّا تَتَأْتُكُمَا
(إِنَّ أَرَنِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآَخَرُ إِنَّ أَرَنِّ
صلى
بِتَأْوِيلِهِ ) وقد قال أحدهما :
فطلبا
أَحِْلُ فَوْقَ رَأْسِىِ خُبْزً تَأْكُلُ الَّيرُ مِنَّةٌ نَبِئْنَا بِتَأْوِيلِ )
منه تأويل ما رأياه ، وأخبرهما بتأويل ذاك ، ولم يكن تأويل الطعام فى
٣٦٥

اليقظة ، ولا في القرآن أنه أخبرهما بما يرزقانه فى اليقظة ، فكيف يقول
قولا عاما : (لَا يَأْتِكُمَا طَعَامٌ تُرْزَفَانِهِ ) وهذا الإخبار العام لا يقدر عليه
إلا الله، والأنبياء يخبرون ببعض ذلك، لا يخبرون بكل هذا.
وأيضاً فصفة الطعام وقدره ليس تأويلا له .
وأيضاً فالله إنما أخبر أنه علمه تأويل الرؤيا ، قال يعقوب عليه
وقال
(وَكَذَلِكَ يَحْنَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ )
السلام :
(رَبِّ قَدْءَاتَيْتَنِ مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِ مِن تَأْوِيلِ
يوسف عليه السلام :
اُلْأَحَادِيثِ ) وقال: (هَذَا تَأْوِيلُ رُْيَكَىَ مِن قَبْلُ) ولما رأى الملك
الرؤيا قال له الذي أدكر بعد أمة: (أَنَأْ أَنَِّثُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ، فَأَرْسِلُونِ)
والملك قال: (يَأَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِ فِرُهْيَنَىَ إِن كُمْ لِلْزُّغْ يَا تَعْبُرُونَ * قَالُواْ أَضْغَثُ
أَحْلَمِّ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَمِ بِعَلِينَ ) . فهذا لفظ التأويل فى مواضع
متعددة كلها بمعنى واحد .
وقال تعالى: ( فَإِن تَنَزَعْثُمْ فِي شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنَ كُنْتُمُ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
قال مجاهد
وَاُلْيَوْمِ الْآَخِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا )
وقتادة : جزاء وثوابا ، وقال السدي وابن زيد وابن قتيبة والزجاج :
(هَذَا تَأْوِيلُ رُوْيَلَىَ
عاقبة . وعن ابن زيد أيضاً : تصديقاً . كقوله :
مِن قَبْلُ ) وكل هذه الأقوال صحيحة ، والمعنى واحد ، وهذا تفسير
٣٦٦

السلف أجمعين، ومنه قوله: (سَأُنَبِتُكَ بِنَأْوِلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَلَيْهِ صَبْرًا)
فلما ذكر له ما ذكر قال: (ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعِ عَلَيْهِ صَبْرًا).
وهذا تأويل فعله ليس هو تأويل قوله والمراد به عاقبة هذه الأفعال
بما يؤول إليه ما فعلته : من مصلحة أهل السفينة ، ومصلحة أبوي الغلام
ومصلحة أهل الجدار .
وأما قول بعضهم: ردكم إلى الله والرسول أحسن من تأويلكم، فهذا
قد ذكره الزجاج عن بعضهم ، وهذا من جنس ما ذكر فى تلك الآية
فى لفظ التأويل، وهو تفسير له بالاصطلاح الحادث ، لا بلغة القرآن ،
فأما قدماء المفسرين فلفظ التأويل والتفسير عندهم سواء ، كما يقول
ابن جرير : القول في تأويل هذه الآية. أي فى تفسيرها .
ولما كان هذا معنى التأويل عند مجاهد ، وهو إمام التفسير جعل
الوقف على قوله: (وَالرَّسِخُونَ فِ الْعِلْمِ ) . فإن الراسخين فى العلم
يعلمون تفسيره ، وهذا القول اختيار ابن قتيبة وغيره من أهل السنة .
وكان ابن قتيبة يميل إلى مذهب أحمد وإسحاق ، وقد بسط الكلام على
ذلك في كتابه فى ((المشكل)) وغيره .
وأما متأخرو المفسرين كالتعلى فيفرقون بين التفسير والتأويل .
قال : فمعنى التفسير هو التنوير ، وكشف المغلق من المراد بلفظه ،
٣٦٧

والتأويل: صرف الآية إلى معنى تحتمله يوافق ما قبلها وما بعدها ، وتكلم
فى الفرق بينها بكلام ليس هذا موضعه ، إلا أن التأويل الذي ذكره
هو المعنى الثالث المتأخر ، وأبو الفرج ابن الجوزي يقول : اختلف
العلماء هل التفسير والتأويل بمعنى واحد ؟ أم يختلفان ؟ فذهب قوم يميلون
إلى العربية : إلى أنهما بمعنى ، وهذا قول جمهور المفسرين المتقدمين .
وذهب قوم يميلون إلى الفقه : إلى اختلافها ، فقالوا : التفسير
إخراج الشيء عن مقام الخفاء إلى مقام التجلي ، والتأويل : نقل الكلام
عن وضعه إلى ما يحتاج فى إثباته إلى دليل لولاه ما ترك ظاهر اللفظ ،
فهو مأخوذ من قولك آل الشيء إلى كذا . أي صار إليه، فهؤلاء
لا يذكرون للتأويل إلا المعنى الأول، والثانى، وأما التأويل فى لغة
القرآن فلا يذكرونه ، وقد عرف أن التأويل فى القرآن هو الموجود
الذي يؤول إليه الكلام ، وإن كان ذلك موافقاً للمعنى الذي يظهر من
اللفظ ، بل لا يعرف في القرآن لفظ التأويل مخالفاً لما يدل عليه اللفظ،
خلاف اصطلاح المتأخرين .
والكلام نوعان: إنشاء، وإخبار. فالإنشاء الأمر والنهي
والإباحة ، وتأويل الأمر والنهي نفس فعل المأمور، ونفس ترك المحظور.
كما فى الصحيح عن عائشة رضى الله عنها أنها قالت: ((كان رسول الله
صلى الله عليه وسلم يقول في ركوعه وسجوده سبحانك اللهم ربنا وبحمدك
٣٦٨

اللهم اغفر لي بتأول القرآن » فكان هذا الكلام تأويل قوله :
( فَسَبِّحْ بِحَمْدِرَبِّكَ وَاُسْتَغْفِرْهُ ) . قال ابن عيينة: السنة تأويل الأمر
والنهي . وقال أبو عبيد لما ذكر اختلاف الفقهاء وأهل اللغة فى نهي
النبى صلى الله عليه وسلم عن اشتمال الصماء قال : والفقهاء أعلم بالتأويل .
يقول: هم أعلم بتأويل ما أمر الله به؛ وما نهى عنه، فيعرفون أعيان
الأفعال الموجودة التي أمر بها ، وأعيان الأفعال المحظورة التى نهى عنها .
وتفسير كلامه ليس هو نفس ما يوجد فى الخارج ؛ بل هو بيانه
وشرحه وكشف معناه . فالتفسير من جنس الكلام: يفسر الكلام بكلام
يوضحه . وأما التأويل فهو فعل المأمور به ، وترك المنهى عنه ، ليس هو
من جنس الكلام .
والنوع الثانى : الخبر كإخبار الرب عن نفسه تعالى بأسمائه وصفاته،
وإخباره عما ذكره لعباده من الوعد والوعيد ، وهذا هو التأويل
(وَلَقَدْ جِئْنَهُمْ بِكِتَبٍ فَصَّلْنَهُ عَلَى عِلْمِ هُدَى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ
المذكور فى قوله :
يُؤْمِنُونَ * هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيَلَهُ يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْجَآءَتْ
(يَوَيْلَنَا
وهذا كقولهم :
رُسُلُ رَيِّنَا بِالْحَقِّ )
مَنْ بَعَثَنَا مِن مَرْقَدِنَّا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ)
ومثله
( أَنْطَلِّقُواْ إِلَى مَاكُنْتُمِ ◌ِهِ، تُكَذِّبُونَ) وقوله: (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا
قوله :
اَلْوَعْدُ إِنَّكُنتُمْ صَدِقِينَ * قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِندَالَّهِ وَ إِنَّمَا أَنْنَذِيْرٌ مُبِينٌ * فَلَمَّا رَأَوَهُ زُلْفَةً
٣٦٩

سِيََّتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَقِيلَ هَذَا الَّذِى كُتُ بِهِ تَدَّعُونَ)
ونظائره متعددة في القرآن. وكذلك قوله: (أَ يَقُولُونَ أَفْتَرَنَّةٌ قُلْ فَأْتُواْ
بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ، وَأَدْعُوْ مَنِ اسْتَطَعْتُ م مِّنِ دُونِ اللَّهِإِن كُ صَدِقِينَ * بَلْ كَذَّبُواْبِمَا لَمْ يُحِيطُواْ
بِعِلْمِهِ، وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُ )
فإن ما وعدوا به فى القرآن لما يأتهم بعد ، وسوف يأتيهم .
فالتفسير هو الإحاطة بعلمه ، والتأويل هو نفس ما وعدوا به إذا
أنام ، فهم كذبوا بالقرآن الذي لم يحيطوا بعلمه ، ولما يأتهم تأويله ؛
وقد يحيط الناس بعلمه ، ولما يأتهم تأويله ، فالرسول صلى الله عليه
وسلم يحيط بعلم ما أنزل الله عليه، وإن كان تأويله لم يأت بعد ، وفى
الحديث عن النبى صلى الله عليه وسلم لما نزل قوله: (قُلْ هُوَاَلْقَادِرُ عَلَى أَن
يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ )
الآية : قال : إنها كائنة ، ولم
يأت تأويلها بعد ، قال تعالى: (وَكَذَّبَ بِهِ، قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقّ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ
لِكُلِّ نَبَلِ مُسْتَقَرٌ) قال بعضهم: موضع قرار وحقيقة ومنتهى
ينتهي إليه ، فيبين حقه من باطله وصدقه من كذبه .
وقال مقاتل : لكل خبر يخبر به الله وقت ومكان بقع
فيه ، من غير خلف ولا تأخير . وقال ابن السائب : لكل قول وفعل
حقيقة ما كان منه في الدنيا فستعرفونه ، وما كان منه فى الآخرة فسوف
٣٧٠

يبدو لكم، وسوف تعلمون . وقال الحسن : لكل عمل جزاء ؛ فمن
عمل عملا من الخير جوزي به في الجنة ، ومن عمل عمل سوء جوزي
به فى النار ، وسوف تعلمون . ومعنى قول الحسن : أن الأعمال قد
وقع عليها الوعد والوعيد ، فالوعد والوعيد عليها هو النبأ الذي له
المستقر ، فبين المعنى ، ولم يرد أن نفس الجزاء هو نفس النبأ .
وعن السدي قال: (لِكُلِّ نَبَإِ مُسْتَقُرٌ) أي ميعاد، وعدتكموه،
فسيأنيكم حتى تعرفونه، وعن عطاء: (لِكُلِّ نَبَا مُّسْتَقَرٌ) تؤخر عقوبته
ليعمل ذنبه ، فإذا عمل ذنبه عاقبه ، أي لا يعاقب بالوعيد ، حتى يفعل
الذنب الذي توعده عليه . ومنه قول كثير من السلف في آيات : هذه ذهب
تأويلها ، وهذه لم يأت تأويلها ، مثل ماروى أبو الأشهب عن الحسن
والربيع عن أبى العالية أن هذه الآية قرئت على ابن مسعود: (يَأَيُها
الَّذِينَءَامَنُوْ عَلَيْكُمْأَنْفُسَكُمْ ) الآية . فقال ابن مسعود: ليس هذا بزمانها،
قولوها ما قبلت منكم ، فإذا ردت عليكم فعليكم أنفسكم ، ثم قال : إن
القرآن نزل حيث نزل ، فمنه آي قد مضى تأويلهن قبل أن ينزلن ،
ومنه آي وقع تأويلهن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ومنه آي
وقع تأويلهن بعد النبي صلى الله عليه وسلم بيسير ، ومنه آي بقع
تأويلهن بعد اليوم ، ومنه آى يقع تأويلهن فى آخر الزمان ، ومنه آي
يقع تأويلهن يوم القيامة، ما ذكر من الحساب والجنة والنار . فما دامت
٣٧١

قلوبكم وأهواؤكم واحدة، ولم تلبسوا شيعاً، ولم يذق بعضكم بأس بعض ،
فأمروا وانهوا ، فإذا اختلفت القلوب والأهواء ، وألبستم شيئاً ،
وذاق بعضكم بأس بعض ، فاحرؤ ونفسه ، فعند ذلك جاء تأويل
هذه الآية .
فابن مسعود رضي الله عنه - قد ذكر فى هذا الكلام تأويل
الأمر ، وتأويل الخبر ، فهذه الآية عليكم أنفسكم من باب الأمر ، وما
ذكر من الحساب والقيامة من باب الخبر ، وقد تبين أن تأويل الخبر
هو وجود المخبر به ، وتأويل الأمر هو فعل المأمور به ، فالآية التى
مضى تأويلها قبل نزولها هي من باب الخبر: يقع الشيء فيذكره الله، كما
ذكر ما ذكره من قول المشركين للرسول وتكذيهم له ، وهي وإن
مضى تأويلها فهي عبرة ومعناها ثابت في نظيرها ، ومن هذا قول ابن
مسعود: خمس قد مضين، ومنه قوله تعالى: (أُقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ
وَأَنشَقَّ الْقَمَرُ ) .
وإذا تبين ذلك ؛ فالمتشابه من الأمر لابد من معرفة تأويله ؛ لأنه
لا بد من فعل المأمور ، وترك المحظور، وذلك لا يمكن إلا بعد العلم؛
لكن ليس فى القرآن ما يقتضي أن فى الأمر متشابهاً، فإن قوله: (وَأْخُرُ
مُتَشَبِهٌَ ) قد يراد به من الخبر ، فالمتشابه من الخبر مثل ما أخبر به
فى الجنة من اللحم واللبن والعسل والماء والحرير والذهب ، فإن بين
٣٧٢

هذا وبين ما في الدنيا تشابه فى اللفظ والمعنى ، ومع هذا حقيقة ذلك
مخالفة لحقيقة هذا ، وتلك الحقيقة لا نعلمها نحن فى الدنيا ، وقد قال الله
تعالى: (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّ أُخْفِىَلَهُ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَآءٌ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)
وفى الحديث الصحيح يقول الله تعالى: ((أعددت لعبادي الصالحين مالا
عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر)) فهذا الذى
وعد الله به عباده المؤمنين لا تعلمه نفس هو من التأويل الذي لا يعلمه
إلا الله ، وكذلك وقت الساعة لا يعلمه إلا الله ، وأشراطها ، وكذلك
كيفيات ما يكون فيها من الحساب والصراط والميزان والحوض والثواب
والعقاب لا يعلم كيفيته إلا اللّه، فإنه لم يخلق بعد حتى تعلمه الملائكة ،
ولا له نظير مطابق من كل وجه حتى يعلم به ، فهو من تأويل المتشابه
الذي لا يعلمه إلا الله .
وكذلك ما أخبر به الرب عن نفسه مثل استوائه على عرشه وسمعه
وبصره وكلامه وغير ذلك، فإن كيفيات ذلك لا يعلمها إلا الله، كما قال
ربيعة بن أبى عبد الرحمن ، ومالك بن أنس . وسائر أهل العلم : تلقوا
هذا الكلام عنها بالقبول لما قيل: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) كيف
استوى ؟ فقال : الاستواء معلوم ، والكيف مجهول ، والإيمان به
واجب ، والسؤال عنه بدعة . هذا لفظ مالك. فأخبر أن الاستواء معلوم
وهذا تفسير اللفظ ، وأخبر أن الكيف مجهول ، وهذا هو الكيفية التى
استأثر الله بعلمها .
٣٧٣

وكذلك سائر السلف كابن الماجشون، وأحمد بن حنبل ، وغيرهما
يدينون أن العباد لا يعلمون كيفية ما أخبر الله به عن نفسه ، فالكيف
هو التأويل الذي لا يعلمه إلا الله. وأما نفس المعنى الذي بينه الله
فيعلمه الناس كل على قدر فهمه ، فإنهم يفهمون معنى السمع ، ومعنى
البصر ، وأن مفهوم هذا ليس هو مفهوم هذا، ويعرفون الفرق بينها،
وبين العليم والقدير ، وإن كانوا لا يعرفون كيفية سمعه وبصره ، بل
الروح التى فيهم يعرفونها من حيث الجملة ، ولا يعرفون كيفيتها، كذلك
يعلمون معنى الاستواء على العرش ، وأنه يتضمن علو الرب على عرشه ،
وارتفاعه عليه ، كما فسره بذلك السلف قبلهم ، وهذا معنى معروف من
اللفظ لا يحتمل فى اللغة غيره ، كما قد بسط فى موضعه ؛ ولهذا قال
مالك: الاستواء معلوم.
ومن قال : الاستواء له معان متعددة فقد أجمل كلامه ، فإنهم
يقولون : استوى فقط. ولا يصلونه بحرف، وهذا له معنى . ويقولون:
استوى على كذا وله معنى ، واستوى إلى كذا ، وله معنى ، واستوى
مع كذا وله معنى ، فتتنوع معانيه بحسب صلاته. وأما استوى على كذا فليس
في القرآن ولغة العرب المعروفة إلا بمعنى واحد. قال تعالى: (فَازَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ
فَأَسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ ) وقال (وَأَسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيّ) وقال: (لِتَسْتَوُ اْعَلَى
ظُهُورِهِ، ثُمَّ تَذْكُ و ◌ْنِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا أَسْتَوَيَّتُمْ عَلَيْهِ ) وقال: (فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ
٣٧٤

وقد أتي النبى صلى الله عليه وسلم بدابة ليركبها
وَمَن مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ )
فلما وضع رجله فى الغرز قال: (( بسم الله)) فلما استوى على ظهرها
قال: ((الحمد لله)) وقال ابن عمر: أهل رسول الله صلى الله عليه
وسلم بالحج لما استوى على بعيره ، وهذا المعنى يتضمن شيئين : علوه
على ما استوى عليه ، واعتداله أيضاً . فلا يسمون المائل على الشيء
مستويا عليه ، ومنه حديث الخليل بن أحمد لما قال: استووا . وقوله :
من غير سيف ودم مهراق
ثم استوى بشر على العراق
هو من هذا الباب ؛ فإن المراد به بشر بن مروان، واستواؤه عليها
أي على كرسي ملكها، لم يرد بذلك مجرد الاستيلاء ؛ بل استواء منه
عليها ؛ إذ لو كان كذلك لكان عبد الملك الذي هو الخليفة قد استوى
أيضاً على العراق ، وعلى سائر مملكة الإسلام ، ولكان عمر بن الخطاب
قد استوى على العراق وخراسان والشام ومصر ، وسائر ما فتحه ،
ولكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استوى على اليمن وغيرها
مما فتحه . ومعلوم أنه لم يوجد فى كلامهم استعمال الاستواء في شيء من هذا،
وإنما قيل فيمن استوى بنفسه على بلد ؛ فإنه مستو على سرير ملكه ،
كما يقال جلس فلان على السرير ، وقعد على التخت . ومنه قوله :
(وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُواْ لَهُ سُجَّدًا) وقوله: (إِنِى وَجَدَثُ امْرَأَةً
تَمْلِكُهُمْ وَأُوِيَتْ مِن كُلِّ شَىْءٍ وَلَهَا عَرْشُّ عَظِيمٌ ).
٣٧٥

وقول الزمخشري وغيره: ((استوى على كذا بمعنى ملك)) دعوى
مجردة . فليس لها شاهد فى كلام العرب، ولو قدر ذلك لكان هذا
المعنى باطلا فى استواء اللّه على العرش؛ لأنه أخبر أنه خلق السموات
والأرض فى ستة أيام ، ثم استوى على العرش، وقد أخبر أن العرش
كان موجوداً قبل خلق السموات والأرض، كما دل على ذلك الكتاب
والسنة ، وحينئذ فهو من حين خلق العرش مالك له مستول عليه ،
فكيف يكون الاستواء عليه مؤخراً عن خلق السموات والأرض ؟ ! .
وأيضاً فهو مالك لكل شيء مستول عليه، فلا يخص العرش بالاستواء
وليس هذا كتخصيصه بالربوبية في قوله ( رَبُّالْعَرْشِ الْعَظِيمِ) فإنه قد يخص
لعظمته ، ولكن يجوز ذلك فى سائر المخلوقات فيقال : رب العرش ،
ورب كل شيء ، وأما الاستواء فمختص بالعرش ، فلا يقال استوى على
العرش وعلى كل شيء ، ولا استعمل ذلك أحد من المسلمين فى كل
شيء ، ولا يوجد فى كتاب ولا سنة، كما استعمل لفظ الربوبية في العرش
خاصة ، وفى كل شيء عامة ، وكذلك لفظ الخلق ونحوه من الألفاظ التى
يخص، وتعم. كقوله تعالى ( اقْرَأْ بِاسْوِرَبِّكَ الَّذِىِ خَقَ * خَلَقَ الْإِنسَنَ مِنْ عَلَقٍ )
فالاستواء من الألفاظ المختصة بالعرش، لا تضاف إلى غيره ، لا خصوصاً
ولا عموماً ، وهذا مبسوط في موضع آخر .
وإنما الغرض بيان صواب كلام السلف فى قولهم : الاستواء معلوم،
٣٧٦

بخلاف من جعل هذا اللفظ له بضعة عشر معنى . كما ذكر ذلك ابن
عربى المعافري .
يبين هذا أن سبب نزول هذه الآية كان قدوم نصارى نجران
ومناظرتهم للنبي صلى الله عليه وسلم في أمر المسيح، كما ذكر ذلك
أهل التفسير ، وأهل السيرة ، وهو من المشهور ، بل من
المتواتر أن نصارى نجران قدموا على النى صلى الله عليه وسلم
ودعاهم إلى المباهلة المذكورة فى سورة آل عمران ، فأقروا بالجزية ولم
يباهلوه ، وصدر آل عمران نزل بسبب ما جرى؛ ولهذا عامتها في
أمر المسيح، وذكروا أنهم احتجوا بما فى القرآن من لفظ ( أنا )
و (نحن ) ونحو ذلك على أن الآلهة ثلاثة فاتبعوا المتشابه وتركوا
(أَبْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَأَبْتِغَاءَ
المحكم الذي فى القرآن من أن إلاله واحد
تَأْوِيلِهِ ) فإنهم قصدوا بذلك الفتنة ، وهي فتنة القلوب بالكفر وابتغاء
وما يعلم تأويل هذه الأسماء إلا الله
تأويل لفظ ( أنا ) و( نحن )
لأن هذه الأسماء إنما نقال للواحد الذي له أعوان إما أن يكونوا شركاء
له، وإما أن يكونوا مماليك له .
ولهذا صارت متشابهة ، فإن الذى معه شركاء يقول : فعلنا نحن
كذا، وإنا نفعل نحن كذا ، وهذا ممتنع فى حق اللّه تعالى، والذي له
مماليك ومطيعون يطيعونه - كالملك - يقول: فعلنا كذا . أى أنا
٣٧٧

فعلت بأهل ملكى وملكى ، وكل ما سوى الله مخلوق له مملوك له ،
وهو سبحانه يدبر أمر العالم بنفسه ، وملائكته التى هى رسله فى خلقه
وأمره، وهو سبحانه أحق من قال: أنا ونحن بهذا الاعتبار ، فإن
ما سواه ليس له ملك تام ، ولا أمر مطاع طاعة تامة ، فهو المستحق
أن يقول: (إنا)، و(نحن)، والملوك لهم شبه بهذا، فصار فيه أيضاً من
المتشابه معنى آخر ، ولكن الذي ينسب لله من هذا الاختصاص لا يماثله
فيه شيء ، وتأويل ذلك معرفة ملائكته وصفاتهم وأقدارهم ، وكيف
(وَمَا يَعْلَمُ هُودَرَيِّكَ
يدبر بهم أمر السماء والأرض ، وقد قال تعالى :
إِلَّاهُوَ ) فهذا التأويل لهذا المتشابه لا يعلمه إلا هو، وإن علمنا تفسيره
ومعناه ؛ لكن لم نعلم تأويله الواقع فى الخارج، بخلاف قوله: ( اللَّهُ
الَّذِى خَلَقَ ) فإنها آية محكمة ليس فيها تشابه، فإن هذا الاسم مختص
بالله، ليس مثل ( إنا ) و ( نحن ) التى تقال لمن له شركاء ، ولمن له
أعوان يحتاج إليهم، والله تعالى منزه عن هذا وهذا. كما قال :
( قُلِ أَدْ عُواْالَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِلَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَتِ وَلَا فِى
اُلْأَرْضِ وَمَالَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْءٍ وَمَا لَهُمِنْهُمْ مِّنْ ظَهِيرٍ )
وقال: (وَقُلِ اُلْحَمْدُ لِلّهِالَّذِى لَمْ يَتَّخِذْ وَلَّا وَلَوْيَكُنْ لَّهُ شَرِيِكٌ فِ الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ وَلِّ مِّنَ الذُّلِّ
وَكَبِرُهُتَكْبِيرًا ) فالمعنى الذي يراد به هذا فى حق المخلوقين لا يجوز أن
يكون نظيره ثابتاً لله؛ فلهذا صار متشابهاً.
٣٧٨

وكذلك قوله: (ثُمَّاسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) فإنه قد قال: (وَأُسْتَوَتْ
عَلَى الْجُودِيِّ) وقال: (فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ ) وقال: (فَإِذَا آَسْتَوَيْتَ
(لِتَسْتَوُ أُعَلَى ظُهُورِهِ ) فهذا
وقال :
أَنْتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ )
الاستواء كله يتضمن حاجة المستوى إلى المستوى عليه ، وأنه لو عدم
من تحته لخر ، والله تعالى غني عن العرش ، وعن كل شيء ، بل هو
سبحانه بقدرته يحمل العرش ، وحملة العرش ، وقد روى : أنهم إنما
أطاقوا حمل العرش لما أمرم أن يقولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله.
فصار لفظ الاستواء متشابهاً يلزمه فى حق المخلوقين معاني بنزه
الله عنها . فنحن نعلم معناه ، وأنه العلو والاعتدال ؛ لكن لا نعلم الكيفية
التى اختص بها الرب التى يكون بها مستويا من غير افتقار منه إلى
العرش، بل مع حاجة العرش، وكل شىء محتاج إليه من كل وجه ، وأنا لم
نعهد فى الموجودات ما يستوى على غيره مع غناه عنه وحاجة ذلك
المستوى عليه إلى المستوى ، فصار متشابهاً من هذا الوجه، فإن بين
اللفظين والمعنيين قدراً مشتركا ، وبينهما قدراً فارقا هو مراد في كل
منهما ، ونحن لا نعرف الفارق الذي امتاز الرب به ، فصرنا نعرفه من
وجه ، ومجهله من وجه ، وذلك هو تأويله ، والأول هو تفسيره .
وكذلك ما أخبر الله به في الجنة من المطاعم والمشارب والملابس:
كاللبن والعسل والخمر والماء ، فإنا لا نعرف لبناً إلا مخلوقا من ماشية
٣٧٩

يخرج من بين فرث ودم ، وإذا بقى أياماً يتغير طعمه ، ولا نعرف
عسلا إلا من محل تصنعه في بيوت الشمع المسدسة ، فليس هو
عسلا مصفى ، ولا نعرف حريراً إلا من دود القز ، وهو يبلى ، وقد
علمنا أن ما وعد الله به عباده ليس مماثلا لهذه، لا فى المادة ، ولا
فى الصورة والحقيقة، بل له حقيقة تخالف حقيقة هذه ، وذلك هو
من التأويل الذي لا نعلمه نحن ، قال ابن عباس : ليس في الدنيا مما
في الجنة إلا الأسماء .
لكن يقال : فالملائكة قد تعلم هذا . فيقال : هي لا تعلم ما لم
يخلق بعد ولا تعلم كل ما فى الجنة ، وأيضاً فمن النعم مالا تعرفه
الملائكة ، والتأويل يتناول هذا كله . وإذا قدرنا أنها تعرف مالا
نعرفه فذاك لا يكون من المتشابه عندها ، ويكون من المتشابه عندنا ،
فإن المتشابه قد يراد به ما هو صفة لازمة للآية، وقد يراد به
ما هو من الأمور النسبية ، فقد يكون متشابهاً عند هذا ما لا يكون
متشابهاً عند هذا .
وكلام الإمام أحمد وغيره من السلف يحتمل أن يراد به هذا فإن
أحمد ذكر فى رده على الجهمية : أنها احتجت بثلاث آيات من المتشابه :
قوله تعالى: (وَهُوَ اللَّهُ فِ السَّمَوَتِ وَفِ الْأَرْضِ) وقوله: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ،
شَىٌْ) وقوله: (لَاتُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ ) وقد فسر أحمد قوله :
٣٨٠