النص المفهرس
صفحات 261-280
هو رطب وعنب أو نحو ذلك ، والشراب الذي هو ماء أو مافيه ماء مائة عام لم يتغير ، فقدرته سبحانه وتعالى على أن يجعل الطعام والشراب فى النشأة الأخرى لا يتغير بطريق الأولى والأحرى ، وهذه الأمور لبسطها موضع آخر . فصل والمقصود هنا : أن التولد لا بد له من أصلين ، وإن ظن ظان أن نفس الهواء الذي بين الزنادين يستحيل ناراً بسخونته من غير مادة تخرج منها تنقلب ناراً فقد غلط، وذلك لأنه لا تخرج نار إن لم يخرج منها مادة بالحك ، ولا يخرج النار بمجرد الحك . وأيضاً فإنهم يقدحون على شيء أسفل من الزنادين كالصوفان والحراق فتنزل النار عليه ، وإنما ينزل الثقيل ، فلولا أن هناك جزءاً ثقيلا من الزناد الحديد والحجر لما نزلت النار ، ولو كان الهواء وحده انقلب نارا لم ينزل ، لأن الهواء طبعه الصعود لا الهبوط ، لكن بعد أن تنقلب المادة الخارجة نارا قد ينقلب الهواء القريب منها نارا : إما دخانا وإما لهيباً. ٢٦١ والمقصود أن المتولدات خلقت من أصلين ، كما خلق آدم من التراب والماء ، وإلا فالتراب المحض الذي لم يختلط به ماء لا يخلق منه شيء ، لا حيوان ولا نبات . والنبات جميعه إنما يتولد من أصلين أيضا ، والمسيح ( وَمَرْيَ أَبْنَتَ عِمْرَنَ خلق من حريم ونفخة جبريل . كما قال تعالى : الَِّي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَافِيهِ مِنْ زُوحِنَا ) وقال: (وَلَّتِىَ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَافِيهَا مِن رُّوحِنَا) وقال، (فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَارُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرَّاسَوْنَا * قَالَتْ إِنِّ أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِن كُنْتَ تَقِيًّا * قَالَ إِنَّمَآ أَنَاْرَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَمَا زَكِيًّا). وقد ذكر المفسرون أن جبريل نفخ في جيب درعها . والجيب هو الطوق الذي فى العنق، ليس هو ما يسميه بعض العامة جيبا، وهو ما يكون فى مقدم الثوب لوضع الدرام ونحوها ، وموسى لما أمره الله أن يدخل يده فى جيبه: هو ذلك الجيب المعروف في اللغة، وذكر أبو الفرج وغيره قولين : هل كانت النفخة فى جيب الدرع؟ أو في الفرج. فإن من قال بالأول قال فى فرج درعها ، وإن من قال هو مخرج الولد قال الهاء كناية عن غير مذكور ، لأنه إنما نفخ فى درعها ، لا فى فرجها وهذا ليس بشيء ، بل هو عدول عن صريح القرآن . وهذا النقل إن كان ثابتا لم يناقض القرآن، وإن لم يكن ثابتا لم يلتفت إليه ، فإن من نقل أن جبريل نفخ في جيب الدرع ، فراده أنه صلى الله عليه وسلم ٢٦٢ لم يكشف بدنها ، وكذلك جبريل كان إذا أتى النبي صلى الله عليه وسلم وعائشة متجردة لم ينظر إليها متجردة ، فنفخ فى جيب الدرع فوصلت النفخة إلى فرجها . والمقصود إنما هو النفخ فى الفرج، كما أخبر الله به فى آيتين، وإلا فالنفخ فى الثوب فقط من غير وصول النفخ إلى الفرج مخالف للقرآن ، مع أنه لا تأثير له في حصول الولد ، ولم يقل ذلك أحد من أئمة المسلمين ، ولا نقله أحد عن عالم معروف من السلف . والمقصود هنا أن المسيح خلق من أصلين : من نفخ جبريل ومن أمه مريم ، وهذا النفخ ليس هو النفخ الذي يكون بعد مضي أربعة أشهر والجنين مضغة ؛ فإن ذلك نفخ في بدن قد خلق ، وجبريل حين نفخ لم يكن المسيح خلق بعد ، ولا كانت مريم حملت ، وإنما حملت به بعد النفخ بدليل قوله: (قَالَ إِنَّمَآ أَنَارَسُولُ رَبِّكِ لِأهَبَ لَكِ غُلَمَازَكِيًّا) فلما نفخ فيها جبريل حملت (فَحَمَلَتْهُ فَنْتَبَذَتْ بِهِ، مَكَانَا قَصِيًّا) به ، ولهذا قيل فى المسيح (روح منه) ، باعتبار هذا النفخ . وقد بين اللّه سبحانه أن الرسول الذي هو روحه ، وهو جبريل، هو الروح الذي خاطبها ، وقال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا فقوله (فَنَفَخْنَافِيهَا) أو (فِيهِ مِنْ رُوحِنَا) أي من هذا الروح الذي هو جبريل ، وعيسى روح من هذا الروح، فهو روح من الله، بهذا ٢٦٣ الاعتبار ، ومن لابتداء الغابة . والمقصودهنا: أنه قد يكون الشيء من أصلين بانقلاب المادة التى بينها إذا التقيا كان بينهما مادة فتنقلب ، وذلك لقوة حك أحدهما بالآخر فلا بد من نقص أجزائها ، وهذا مثل تولد النار بين الزنادين إذا قدح الحجر بالحديد ، أو الشجر بالشجر ، كالمرخ والعفار ، فإنه بقوة الحركة الحاصلة من قدح أحدهما بالآخر يستحيل بعض أجزائها، ويسخن الهواء الذي بينهما فيصير نارا ، والزندان كلما قدح أحدهما بالآخر نقصت أجزاؤها بقوة الحك ، فهذه النار استحالت عن الهواء وتلك الأجزاء بسبب قدح أحد الزندين بالآخر . وكذلك النور الذي يحصل بسبب انعكاس الشعاع على ما يقابل المضيء ، كالشمس والنار ، فإن لفظ النور والضوء يقال تارة على الجسم القائم بنفسه: كالنار التى في رأس المصباح، وهذه لا تحصل إلا بمادة تنقلب نارا كالخطب والدهن ، ويستحيل الهواء أيضاً نارا ، ولا ينقلب الهواء أيضاً نارا إلا بنقص المادة التى اشتعلت ، أو نقص الزندين . وتارة يراد بلفظ النور والضوء والشعاع: الشعاع الذي يكون على الأرض والحيطان من الشمس ، أو من النار ، فهذا عرض ليس بجسم قائم بنفسه ، لا بد له من محل يقوم به يكون قابلا له ، فلا بد فى الشعاع من جسم مضىء ، ولا بد من شيء يقابله حتى ينعكس عليه الشعاع . ٢٦٤ وكذلك النار الحاصلة في ذبالة المصباح إذا وضعت في النار ، أو وضع فيها حطب ، فإن النار نحيل أولا المادة التى هي الدهن أو الحطب فيسخن الهواء المحيط بها فينقلب ناراً، وإنما ينقلب بعد نقص المادة ، وكذلك الريح التى تحرك النار مثل ما تهب الريح فتشتعل النار فى الحطب ، ومثل ما ينفخ في الكير وغيره تبقى الربح المنفوخة تضرم النار لما فى محل النار كالخشب والفحم من الاستعداد لانقلابه ناراً، وما في حركة الريح القوية من تحريك النار إلى المحل القابل له ، وقد ينقلب أيضاً الهواء القريب من النار ؛ فإن اللهب هو الهواء انقلب نارا ، مثل ما فى ذبالة المصباح ، ولهذا إذا طفئت صار دخانا ، وهو هواء مختلط بنار كالبخار ، وهو هواء مختلط بماء ، والغبار هواء مختلط بتراب . ( ثُمَّاُسْتَوَىَّ إِلَى وقد يسمى البخار دخانا ، ومنه قوله تعالى : السَّمَاءِ وَهِىَ دُخَانٌ) قال المفسرون: بخار الماء، كما جاءت الآثار: ((إن الله خلق السموات من بخار الماء )) وهو الدخان. فإن الدخان الهواء المختلط بشيء حار ، ثم قد لا يكون فيه ماء ، وهو الدخان الصرف ، وقد يكون فيه ماء ، فهو دخان ، وهو بخار كبخار القدر . وقد يسمى الدخان بخاراً ، فيقال لمن استجمر بالطيب تبخر ، وإن كان لا رطوبة هنا ، بل دخان الطيب سمى بخاراً . قال الجوهري : بخار الماء ما يرتفع منه كالدخان ، والبخور بالفتح ما يتبخر به ؛ لكن إنما يصير الهواء ناراً ٢٦٥ بعد أن تذهب المادة التى انقلبت ناراً ، كالحطب والدهن ، فلم تتولد النار إلا من مادة ، كما لم يتولد الحيوان إلا من مادة. فصل والمقصود أن كل ما يستعمل فيه لفظ التولد من الأعيان القائمة فلابد أن يكون من أصلين ، ومن انفصال جزء من الأصل . وإذا قيل فى الشبع والري : إنه متولد ، أو في زهوق الروح ونحو ذلك من الأعراض أنه متولد ، فلابد فى جميع ما يستعمل فيه هذا اللفظ من أصلين ، لكن العرض يحتاج إلى محل ، لا يحتاج إلى مادة تنقلب عرضاً ؛ بخلاف الأجسام فإنها إنما تخلق من مواد تنقلب أجساماً ، كما تنقلب إلى نوع آخر ، كانقلاب المي علقة ، ثم مضغة ، وغير ذلك من خلق الحيوان والنبات . وأما ما كان من أصل واحد : كلق حواء من الضلع القصرى لآدم، وهو وإن كان مخلوقا من مادة أخذت من آدم ، فلا يسمى هذا تولداً ؛ ولهذا لا يقال: إن آدم ولد حواء ، ولا يقال إنه أبو حواء ، بل خلق الله حواء من آدم ، كما خلق آدم من الطين . ٢٦٦ وأما المسيح فيقال : إنه ولدته مريم ، ويقال : المسيح بن مريم فكان المسيح جزءاً من حريم ، وخلق بعد نفخ الروح فى فرج مريم، كما قال تعالى: (وَمَرْيَ أَبْنَتَ عِمْزَنَ الَّتِى أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَافِهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ، وَكَانَتْ مِنَ الْقَنِينَ) وفى الأخرى : (فَنَفَخْنَافِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَهَا وَأَبْنَهَاَ ءَايَةً لِلْعَلَمِينَ). وأما حواء خلقها الله من مادة أخذت من آدم ، كما خلق آدم من المادة الأرضية ، وهي الماء والتراب والريح الذي أيبسته حتى صار صلصالا ، فلهذا لا يقال إن آدم ولد حواء ، ولا آدم ولده التراب ، ويقال فى المسيح : ولدته حريم فإنه كان من أصلين من حريم ومن النفخ الذي نفخ فيها جبريل. قال الله تعالى: (فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَارُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِبًا * قَالَتْ إِنِّ أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا * قَالَ إِنَّمَا أَنَاْرَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَمَا زَكِيًّا * قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِ غُلَمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ وَلَمْ أَلُ بَغِيًّا * قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكٍ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌّ وَلِنَجْعَلَهُوَايَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّأَوَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا * * فَحَمَلَتْهُ فَأَنتَبَذَتْ بِهِ، مَكَنَاقَصِيًّا) إلى آخر القصة . فهي إنما حملت به بعد النفخ ، لم تحمل به مدة بلا نفخ ثم نفخت فيه روح الحياة كسائر الآدميين ، ففرق بين النفخ للحمل ، وبين النفخ لروح الحياة . ٢٦٧ فتبين أن ما يقال أنه متولد من غيره من الأعيان القائمة بنفسها فلا يكون إلا من مادة تخرج من ذلك الوالد ، ولا يكون إلا من أصلين ، والرب تعالى صمد ، فيمتنع أن يخرج منه شيء ، وهو سبحانه لم يكن له صاحبة ، فيمتنع أن يكون له ولد . وأما ما يستعمل من تولد الأعراض . كما يقال : تولد الشعاع، وتولد العلم عن الفكر . وتولد الشبع عن الأكل ، ونولدت الحرارة عن الحركة ، ونحو ذلك ، فهذا ليس من تولد الأعيان ؛ مع أن هذا لا بد له من محل ، ولا بد له من أصلين . ولهذا كان قول النصارى إن المسيح ابن الله - تعالى الله عن ذلك - مستلزما لأن يقولوا: إن حريم صاحبة اللّه، فيجعلون له زوجة وصاحبة، كما جعلوا له ولداً وبأي معنى فسروا كونه ابنه، فإنه يفسر الزوجة بذلك المعنى ، والأدلة الموجبة تنزيهه عن الصاحبة ، توجب تنزيهه عن الولد ، فإذا كانوا يصفونه بما هو أبعد عن اقصافه به كان اتصافه بما هو أقل بعداً لازماً لهم ، وقد بسط هذا فى الرد على النصارى . فصل وهذا مما يبين أن مانزه الله نفسه ونفاه عنه بقوله: (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ) وبقوله: (أَلَا إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ ٢٦٨ لَكَذِبُونَ ) وقوله: (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَّكَآءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَلَى عَمَّا يَصِفُونَ * بَدِيعُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ أَّى يَكُونُ لَهُ, وَلَدٌ وَلَوْ تَكُنْ لَّهُ صَحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ) يعم جميع الأنواع التى تذكر فى هذا الباب عن بعض الأمم ، كما أن ما نفاه من اتخاذ الولد يعم أيضاً جميع أنواع الاتخاذات الاصطفائية كما قال تعالى: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَرَى غَحْنُ أَبْنَوْاْللَّهِ وَأَحِبََّؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّ بُكُمْ بِدُنُوبِكُمْ بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَنْ خَلَقَّ يَغْفِرْلِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَلِلَّهِ مُلَكُ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَّأْ وَإِلَيْهِ اُلْمَصِيرُ ). قال السدي : قالوا : إن الله أوحى إلى إسرائيل أن ولدك بكرى من الولد فأدخلهم النار فيكونون فيها أربعين يوماً حتى تطهرم وتأكل خطايام، ثم ينادى مناد أخرجوا كل مختون من بني إسرائيل . وقد قال تعالى: (مَاتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَّهِ) وقال : (وَقُّلِ الْحَمْدُ لِلَّهِالَّذِى لَمْ يَّخِذْ وَلَاوَيَّكُن لَّهُ شَرِيِكٌ فِ الْعُلْكِ وَلَيَكُنْ لَّهُ (تَبَارَكَ الَّذِى نَزَّلَ اَلْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ، وقال : وَلِّمِّنَ الذُّلِّ ) لِيَكُونَ لِلْعَلَمِينَ نَذِيرًا * الَّذِى لَهُ, مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ. شَرِكٌ فِ الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ فَقَدَرَهُ نَقْدِيرًاً) وقال: (وَقَالُواْاتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدَ أُسُبْحَنَّهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ. ٢٦٩ باْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِ هِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنْ أَرْتَضَى وَهُمْ مِّنْ خَشَْتِهِ، مُشْفِقُونَ * * وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِّ إِلَهٌ مِّن دُونِهِ، فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّةٌ كَذَلِكَ نَجْزِى اُلِّمِينَ) وقال : (وَقَالَ اللهُلَا نَتَّخِذُوْاْ إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَحِدٌّ فَإِنَّنَ فَأَرْهَبُونِ * وَلَهُمَا فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا ) إلى قوله : (وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَتِ إلى قوله : (وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا ) وقال : (وَلَ تَجْعَلْ مَعَ الَّهِإِلَهَا ءَآخَرَ فَتُلْقَى سُبْحَتَهُ، وَلَهُمْ قَايَشْتَهُونَ ) فِي جَهَنَّمَ مَلُومَا مَّدْحُورًا * أَفَأَصْفَتَكُمْرَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَبِكَةِ إِنَّا إِنَّكُمْلَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيمًا * وَلَقَدْ صَرَّفْتَ فِ هَذَا الْقُرْءَانِ لِيَذَّكَّرُواْ وَمَا يَزِيدُ هُمْإِلَّ ◌ُهُورًا * قُل لَوْكَانَ مَعَهُ: ءَالِهَةٌ كَمَايَقُولُونَ إِذَا لَّا بْنَغَوْإِلَى ذِى الْعَرْشِ سَبِيلًا ) وقال: (فَأَسْتَفْتِهِمْ أَلِرَتِكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ * أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَبِكَةَ إِنَثَّاوَهُمْ شَهِدُونَ * أَلَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ * أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ * مَالَكُمْكَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَفَلَا نَذَّكَّرُونَ * أَمْ لَكُرْ سُلْطَانٌ مُّبِيرٌ فَأَنُواْبِكِنَبِكُمْ إِنَ كُمْ صَدِقِينَ * وَجَعَلُوا بَيْنَهُ, وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ * : سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * إِلَّعِبَادَ اللَّهِالْمُخْلَصِينَ * فَإِنَّكُ وَمَا تَعْبُدُونَ * مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَئِنِينَ * * إِلَّا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ) وقال: (أَفَرَّهَيُمُ الَّتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَوَةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَىّ * أَلَكُمُ الَّذَّكَرُوَلَهُ الْأُنثَى * تِلْكَ إِذَا قِسْمَةُ ضِيرَى * إِنْ هِىَ إِلَّ أَسْمَاءٌ سَيْتُهُوهَا أَنْتُمْ وَءَابَا ؤَكُمْ ٢٧٠ مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَيٍّإِن يَتَّبِعُونَ إِلََّ الَنَّ وَمَا تَهْوَى اَلْأَنْفُسُّ وَلَقَدْ جَآءَهُمْ مِّن رَّتِهِمُ الْهُدَىّ) إلى قوله : (إِنَّالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَئِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنثَى ) وقال تعالى: (وَجَعَلُواْلَهُ،مِنْ عِبَادِهِ، جُزْءًا). قال بعض المفسرين : (جزءاً ) أي نصيباً وبعضا ، وقال بعضهم : جعلوا للّه نصيبا من الولد، وعن قتادة ومقاتل عدلا . وكلا القولين صحيح ، فإنهم يجعلون له ولداً، والولد يشبه أباه، ولهذا قال: (وَإِذَا أي البنات . كما بُشْرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلَا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا) فقد جعلوها للرحمن قال في الآية الأخرى: (وَإِذَا بُشِّرَأَحَدُهُم بِالْأُنثَى) مثلا ، وجعلوا له من عباده جزءاً ، فإن الولد جزء من الوالد ، كما تقدم قال صلى الله عليه وسلم: ((إنما فاطمة بضعة منى)) وقوله: (وَجَعَلُواْ قال الكلى لِلَّهِشُرَّكَاةَ الْجِنَّوَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوْلَهُ بَنِينَ وَبَتٍِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ) نزلت في الزنادقة قالوا : إن الله وإبليس شريكان ، فالله خالق النور والناس والدواب والأنعام . وإبليس خالق الظلمة والسباع والحيات والعقارب . وأما قوله: (وَجَعَلُوا بَيْنَهُ، وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا) فقيل هو قولهم: الملائكة بنات الله ، وسمى الملائكة جنا لاجتنانهم عن الأبصار . وهو قول مجاهد وقتادة ، وقيل قالوا لحي من الملائكة يقال لهم الجن ، ٢٧١ ومنهم إبليس وم بنات الله ، وقال الكلبى قالوا - لعنهم الله ــ ، بل تزوج من الجن فرج بينهما الملائكة . وقوله: (وَخَرَقُوْلَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ) قال بعض المفسرين كالثعلبى وم كفار العرب قالوا الملائكة والأصنام بنات اللّه، واليهود قالوا عزير ابن الله، والنصارى قالوا المسيح ابن الله . فصل وأما الذين كانوا يقولون من العرب : إن الملائكة بنات اللّه ، وما نقل عنهم من أنه صاهر الجن ، فولدت له الملائكة فقد نفاه اللّه عنه بامتناع الصاحبة ، وبامتناع أن يكون منه جزء فإنه صمد ، وقوله: ( وَلَمْ تَكُن لَّمُ صَِحَةٌ ). وهذا كما تقدم من أن الولادة لا تكون إلا من أصلين سواء فى ذلك تولد الأعيان التى تسمى الجواهر ، وتولد الأعراض والصفات ، بل ولا يكون تولد الأعيان إلا بانفصال جزء من الوالد ، فإذا امتنع أن يكون له صاحبة امتنع أن يكون له ولد، وقد علموا كلهم أن لا صاحبة له لا من الملائكة ، ولا من الجن ، ولا من الإنس فلم يقل أحد منهم أن له صاحبة ، فلهذا احتج بذلك عليهم ، وما حكى عن بعض كفار العرب أنه صاهر الجن ، فهذا فيه نظر ، وذلك إن ٢٧٢ كان قد قيل : فهو مما يعلم انتفاؤه من وجوه كثيرة ، وكذلك ما قالته النصارى : من أن المسيح ابن الله ، وما قاله طائفة من اليهود أن العزير ابن الله ، فإنه قد نفاه سبحانه بهذا وبهذا . فإن قيل : أما عوام النصارى فلا تنضبط أقوالهم ، وأما الموجود في كلام علمائهم وكتبهم فإنهم يقولون : إن أقنوم الكلمة ، ويسمونها الابن تدرع المسيح ، أي اتخذه درعا، كما يتدرع الإنسان قميصه ، فاللاهوت تدرع الناسوت ، ويقولون : باسم الأب والابن وروح القدس إله واحد ، قيل قصدم أن الرب موجود حي عليم ، فالموجود هو الأب، والعلم هو الابن ، والحياة هو روح القدس ، هذا قول كثير منهم، ومنهم من يقول بل موجود عالم قادر ، ويقول العلم هو الكلمة، وهو المتدرع ، والقدرة هي روح القدس ، فهم مشتركون فى أن المتدرع هو أقنوم الكلمة وهي الابن . ثم اختلفوا فى التدرع واختلفوا هل هما جوهر أو جوهران ؟ وهل لهما مشيئة أو مشيئتان ، ولهم فى الحلول والاتحاد، كلام مضطرب ليس هذا موضع بسطه . فإن مقالة النصارى فيها من الاختلاف بينهم ما يتعذر ضبطه ، فإن قولهم ليس مأخوذاً عن كتاب منزل ، ولا نى مرسل ، ولا هو موافق لعقول العقلاء ، فقالت اليعقوبية صار جوهراً واحداً، وطبيعة واحدة، وأقنوماً واحداً كالماء في اللبن . وقالت ٢٧٣ النسطورية : بل هما جوهران ، وطبيعتان ، ومشيئان ؛ لكن حل اللاهوت فى الناسوت حلول الماء فى الظرف . وقالت الملكية : بل هما جوهر واحد ، له مشيئتان ، وطبيعتان ، أو فعلان ، كالنار فى الحديد. وقد ذهب بعض الناس إلى أن قوله تعالى : ( لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ) هم اليعقوبية، وفى قوله: (وَقَالَتِ النَّصَرَى الْمَسِيحُ أَبْدُ اللَّهِ) م الملكية، وقوله: (لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْإِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ) م النسطورية وليس بشىء، بل الفرق الثلاث تقول المقالات التى حكاها الله عز وجل عن النصارى ، فكلهم يقولون: إنه الله ويقولون : إنه ابن الله، وكذلك فى أمانتهم التى م متفقون عليها، يقولون إله حق من إله حق، وأما قوله: ((ثالث ثلاثة)) فإنه قال تعالى: (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ءَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِ وَأُفِىَ إَِهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَنَكَ مَا يَكُونُ لِىّ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِىِ بِحَقٍّ ) . قال أبو الفرج ابن الجوزي فى قوله: (لَّقَدْ كَفَرَالَّذِينَ قَالُواْإِنَّ اللهَثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ) قال المفسرون: معنى الآية أن النصارى قالوا بأن الإلهية مشتركة بين اللّه وعيسى ومريم، كل واحد منهم إله وذكر عن الزجاج : الغلو مجاوزة القدر في الظلم، وغلو النصارى في عيسى قول بعضهم هو الله، وقول بعضهم هو ابن الله، وقول بعضهم هو ثالث ٢٧٤ ثلاثة . فعلماء النصارى الذين فسروا قولهم هو ابن الله بما ذكروه من أن الكلمة هي الابن ، والفرق الثلاثة متفقة على ذلك، وفساد قولهم معلوم بصريح العقل من وجوه : أحدها : أنه ليس فى شىء من كلام الأنبياء تسمية صفة الله ابنا. لا كلامه ولا غيره فتسميتهم صفة الله ابنا تحريف لكلام الأنبياء عن مواضعه ، وما نقلوه عن المسيح من قوله عمدوا الناس باسم الأب والابن وروح القدس، لم يرد بالابن صفة الله التى هي كلمته، ولا بروح القدس حياته، فإنه لا يوجد فى كلام الأنبياء إرادة هذا المعنى ، كما قد بسط هذا فى الرد على النصارى . الوجه الثاني : أن هذه الكلمة التى هي الابن أهي صفة الله قائمة به، أم هي جوهر قائم بنفسه ؟ فإن كانت صفته بطل مذهبهم من وجوه . أحدها : أن الصفة لا تكون إلها يخلق ويرزق ويحيي ويميت ، والمسيح عندم إله يخلق ويرزق ، ويحيى ويميت ، فإذا كان الذي تدرعه ليس بإله فهو أولى أن لا يكون إلها . الثاني : أن الصفة لا تقوم بغير الموصوف فلا تفارقه ، وإن قالوا : نزل عليه كلام الله أو قالوا: إنه الكلمة أو غير ذلك، فهذا قدر مشترك بينه وبين سائر الأنبياء . ٢٧٥ الثالث : أن الصفة لا تتحد ، وتتدرع شيئاً إلا مع الموصوف. فيكون الأب نفسه هو المسيح ، والنصارى متفقون على أنه ليس هو الأب ، فإن قولهم متناقض : ينقض بعضه بعضاً ، يجعلونه إلها يخلق ويرزق ، ولا يجعلونه الأب الذي هو الإله ، ويقولون : إله واحد ، وقد شبهه بعض متكلميهم: كيحيى بن عدى بالرجل الموصوف بأنه طبيب وحاسب وكاتب ، وله بكل صفة حكم ، فيقال : هذا حق، لكن قولهم ليس نظير هذا ، فإذا قلتم إن الرب موجود حي عالم ، وله بكل صفة حكم، فمعلوم أن المتحد إن كان هو الذات المتصفة فالصفات كلها تابعة لها فإنه إذا تدرع زيد الطبيب الحاسب الكاتب درعا كانت الصفات كلها قائمة به ، وإن كان المتدرع صفة دون صفة عاد المحذور . وإن قالوا : المتدرع الذات بصفة دون صفة لزم افتراق الصفتين ، وهذا ممتع ؛ فإن الصفات القائمة بموصوف واحد وهي لازمة له لا تفترق ، وصفات المخلوقين قد يمكن عدم بعضها مع بقاء الباقي ، بخلاف صفات الرب تبارك وتعالى . الرابع : إن المسيح نفسه ليس هو كلمات اللّه، ولا شيئاً من صفاته ، بل هو مخلوق بكلمة الله، وسمى كلمة لأنه خلق بكن من (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَآدَمَّ غير الحبل المعتاد ، كما قال تعالى : (ذَلِكَ عِيسَى وقال تعالی : خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُكُنْ فَيَكُونُ ) ٢٧٦ ج أَبْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِىِفِيهِ يَمْتَرُونَ * مَا كَانَ لِلَّهِأَنْ يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَتَهُ، إِذَا قَضَىّ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُكُنْ فَيَكُونُ ) ولو قدر أنه نفسه كلام اللّه كالتوراة والإنجيل وسائر كلام الله لم يكن كلام الله، ولا شيء من صفاته خالقاً ولا ربا ولا إلها . فالنصارى إذا قالوا : إن المسيح هو الخالق ، كانوا ضالين من جهة جعل الصفة خالقة ، ومن جهة جعله هو نفس الصفة ، وإنما هو مخلوق بالكلمة ، ثم قولهم بالتثليث وإن الصفات ثلاث باطل ، وقولهم أيضاً: بالحلول والاتحاد باطل. فقولهم يظهر بطلانه من هذه الوجوه وغيرها . فلو قالوا : إن الرب له صفات قائمة به ، ولم يذكروا اتحاداً ولا حلولا ، كان هذا قول جماهير المسلمين المثبتين للصفات . وإن قالوا : إن الصفات أعيان قائمة بنفسها ، فهذا مكابرة ، فهم يجمعون بين المتناقضين . وأيضاً فجعلهم عدد الصفات ثلاثة باطل ، فإن صفات الرب أكثر من ذلك فهو سبحانه موجود حي عليم قدير . والأقانيم عندهم التى جعلوها الصفات ليست إلا ثلاثة ؛ ولهذا تارة يفسرونها بالوجود والحياة والعلم ، وتارة يفسرونها بالوجود والقدرة والعلم ، واضطرابهم كثير . فإن قولهم فى نفسه باطل ، ولا بضبطه عقل عاقل ، ولهذا يقال : لو اجتمع عشرة من النصارى لافترقوا على أحد عشر قولا . ٢٧٧ وأيضاً فكلمات الله كثيرة لا نهاية لها . كما قال سبحانه وتعالى : (قُل ◌َّوْكَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَتِ رَبِ لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَذَ كَلِمَتُّ رَبِ وَلَوْجِثْنَا بِمِثْلِهِ، مَدَدًا) وهذا قول جماهير الناس من المسلمين ، وغير المسلمين ، وهذا مذهب سلف الأمة الذين يقولون لم يزل سبحانه متكلما بمشيئته . وقول من قال: إنه لم يزل قادراً على الكلام لكن تكلم بمشيئته كلاما قائماً بذاته حادثًا ، وقول من قال كلامه مخلوق فى غيره . وأما من قال : كلامه شيء واحد قديم العين ، فهؤلاء منهم من يقول: إنه أمور لا نهاية لها مع ذلك . ومنهم من يقول: بل هو معنى واحد ، ولكن العبارات عنه متعددة ، وهؤلاء يمتنع عندهم أن يكون ذلك المعنى قائماً بغير الله، وإنما يقوم بغيره عندم العبارات المخلوقة، ويمتنع أن يكون المسيح شيئاً من تلك العبارات ، فإذا امتنع أن يكون المسيح غير كلام اللّه على قول هؤلاء فعلى قول الجمهور أشد امتناعا؛ لأن كلمات اللّه كثيرة، والمسيح ليس هو جميعها، بل ولا مخلوقا بجميعها، وإنما خلق بكلمة منها ، وليس هو عين تلك الكلمة ، فإن الكلمة صفة من الصفات ، والمسيح عين قائم بنفسه . ثم يقال لهم : تسميتكم العلم والكلمة ولداً وابناً تسمية باطلة باتفاق العلماء والعقلاء ، ولم ينقل ذلك عن أحد من الأنبياء ، قالوا : لأن الذات ٢٧٨ يتولد عنها العلم والكلام كما يتولد ذلك عن نفس الرجل العالم منها ، فيتولد من ذاته العلم والحكمة والكلام، فلهذا سميت الكلمة ابنا ، قيل هذا باطل من وجوه . أحدها : أن صفاتنا حادثة تحدث بسبب تعلمنا ونظرنا وفكرنا واستدلالنا ، وأما كلمة الرب وعلمه فهو قديم لازم لذاته ، فيمتنع أن يوصف بالتولد ، إلا أن يدعى المدعى أن كل صفة لازمة لموصوفها متولدة عنه ، وهي ابن له، ومعلوم أن هذا من أبطل الأمور فى العقول واللغات ، فإن حياة الإنسان ونطقه وغير ذلك من صفاته اللازمة له لا يقال إنها متولدة عنه ، وإنها ابن له ، وأيضاً فيلزم أن تكون حياة الرب أيضاً ابنه ومتولدة ، وكذلك قدرته ، وإلا فما الفرق بين تولد العلم وتولد الحياة والقدرة وغير ذلك من الصفات . وثانيها أن هذا إن كان من باب تولد الجواهر والأعيان القائمة بنفسها فلا بد له من أصلين ، ولا بد أن يخرج من الأصل جزء ، وأما علمنا وقولنا فليس عيناً قائماً بنفسه، وإن كان صفة قائمة بموصوف وعرضاً قائماً فى محل كعلمنا وكلامنا فذاك أيضاً لا يتولد إلا عن أصلين، ولا بد له من محل يتولد فيه ، والواحد منا لا يحدث له العلم والكلام إلا بمقدمات تتقدم على ذلك ، وتكون أصولا للفروع ويحصل العلم والكلام فى محل لم يكن حاصلا فيه قبل ذلك . ٢٧٩ فإن قلتم إن علم الرب كذلك لزم أن يصير علماً بالأشياء بعد أن لم يكن عالماً بها ، وأن تصير ذاته متكلمة بعد أن لم يكن متكلما ، وهذا مع أنه كفر عند جماهير الأمم من المسلمين والنصارى وغيرهم فهو باطل في صريح العقل ، فإن الذات التى لا تكون عالمة يمتنع أن تجعل نفسها عالمة بلا أحد يعلمها ، والله تعالى يمتنع عليه أن يكون متعلماً من خلقه ، وكذلك الذات التى تكون عاجزة عن الكلام، يمتنع أن تصير قادرة عليه بلا أحد يجعلها قادرة، والواحد منها لا يولد جميع علومه ، بل ثم علوم خلقت فيه لا يستطيع دفعها ، فإذا نظر فيها حصلت له علوم أخرى . فلا يقول أحد من بنى آدم: إن الإنسان يولد علومه كلها ، ولا يقول أحد: إنه يجعل نفسه متكلمة بعد أن لم تكن متكلمة ، بل الذي يقدره على النطق هو الذي أنطق كل شيء . فإن قالوا : إن الرب يولد بعض علمه ، وبعض كلامه دون بعض : بطل تسمية العلم - الذي هو الكلمة مطلقاً - الابن، وصار لفظ الابن إنما يسمى به بعض علمه، أو بعض كلامه، وم يدعون أن المسيح هو الكلمة، وهو أقنوم العلم مطلقاً ، وذلك ليس متولداً عنه كله ، ولا يسمى كله ابنا باتفاق العقلاء. وثالثها أن يقال : تسمية على العالم وكلامه ولداً له لا يعرف في شيء من اللغات المشهورة، وهو باطل بالعقل ، فإن علمه وكلامه كقدرته وعلمه ، فإن ٢٨٠