النص المفهرس
صفحات 221-240
له . وروى عن عبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود فى إحدى الروايات ، والحسن وعكرمة وعطية وسعيد بن جبير ، ومجاهد فى إحدى الروايات ، والضحاك مثل ذلك. حدثنا أبى ثنا قبيصة تنا سفيان عن منصور عن مجاهد قال : الصمد المصمت الذي لا جوف له . حدثنا أبو عبد الله الطهرانى ، ثنا حفص بن عمر العدنى ، تنا الحكم بن إبان ، عن عكرمة في قوله (الصمد) قال : (الصمد ) الذي لا يطعم . حدثنا أبى ، ثنا على بن هاشم بن مرزوق ، تنا هشيم عن إسماعيل بن أبى خالد ، عن الشعبى أنه قال : (الصمد ) الذي لا بأ كل الطعام ولا يشرب الشراب . حدثنا أبى وأبو زرعة قالاتنا أحمد بن منيع ثنا محمد بن ميسر - يعنى أبا سعد الصغانى - تنا أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبى العالية عن أبي بن كعب فى قوله : (الصمد) قال : ( الصمد ) الذي لم يلد ولم يولد ؛ لأنه ليس شيء يلد إلا يموت، وليس شيء يموت إلا يورث، وإن اللّه لا يموت، ولا يورث، ( وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُوا أَحَدٌ) قال: لم يكن له شبه ولا عدل، وليس كمثله شيء . حدثنا علي بن الحسين ، تنا محمود بن خداش ، ثنا أبو سعد الصغانى . ثنا أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، عن أبى العالية عن أبي بن كعب: (( أن المشركين قالوا: انسب لنا ربك، فأزل الله ٢٢١ هذه السورة)) حدثنا أبو زرعة ثنا العباس بن الوليد ثنا يزيد بن زربع عن سعيد عن قتادة (وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُوا أَحَدٌّ) قال: إن الله لايكافئه من خلقه أحد. حدثنا علي بن الحسين تنا أبو عبد الله الجرشي ، تنا أبو خلف عبد الله بن عيسى ، تنا داود بن أبى هند ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال: (( إن اليهود جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم منهم كعب بن الأشرف ، وحيي بن أخطب ، وجدي بن أخطب ، فقالوا: يا محمد ! صف لنا ربك الذي بعثك فأنزل الله: (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدُّ * اُللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدُ) فيخرج منه الولد (وَلَمْ يُولَدْ) فيخرج من شيءٍ)) وقال ابن جرير الطبري فى تفسيره : حدثنا أحمد بن منيع المروزي. ومحمود بن خداش الطالقانى فذكر مثل إسناد ابن أبى حاتم عن أبي بن كعب سؤال المشركين للنبى صلى الله عليه وسلم انسب لنا ربك فأنزل الله: (قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُّ). حدثنا ابن حميد، ثنا يحيى ابن واضح ، تنا الحسين عن يزيد ، عن عكرمة أن المشركين قالوا : لرسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرنا عن صفة ربك ما هو ؟ ومن أي شيء هو ؟ فأنزل الله هذه السورة ، ورواه أيضاً عن أبى العالية وعن جابر بن عبد الله حدثنا شريح، ثنا إسماعيل بن مجاهد ، عن الشعبي . عن جابر فذكره قال : وقيل : هو من سؤال اليهود . حدثنا ابن حميد ، ثنا سلمة ، ثنا ابن إسحق ، عن محمد بن سعيد ٢٢٢ قال: (( أتى رهط من اليهود إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا محمد هذا الله خلق الخلق فمن خلقه؟ فغضب النبى صلى الله عليه وسلم حتى انتقع لونه ثم ساورم غضبا لربه فجاءه جبريل فسكنه ، وقال اخفض عليك جناحك يامحمد ، وجاءه من الله جواب ما سألوه عنه قال : يقول الله: (قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُّ) إلى آخرها فلما تلاها عليهم النبى صلى الله عليه وسلم قالوا له : صف لنا ربك كيف خلقه كيف عضده ؟ كيف ساعده؟ وكيف ذراعه ، فغضب النبى صلى الله عليه وسلم أشد من غضبه الأول ، وساورم فأتاه جبريل فقال له : مثل مقالته الأولى وأتاه بجواب ما سألوه فأنزل الله (وَمَاقَدَرُواْاللَّهَ حَّ قَدْرِهِ ). وروى الحكم بن معبد في (كتاب الرد على الجهمية ) قال تنا عبد الله بن محمد بن النعمان، تنا سلمة بن شبيب ، ثنى يحيى بن عبد الله، ثنى ضرار، عن أبان، عن أنس، قال: (( أنت يهود خيبر إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا أبا القاسم خلق الله الملائكة من نور الحجاب ، وآدم من حما مسنون ، وإبليس من لهب النار ، والسماء من دخان ، والأرض من زيد الماء ، فأخبرنا عن ربك ؟ قال : فلم يجيهم النبي صلى الله عليه وسلم فأتاه جبريل فقال يا محمد: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصََّمَدُ *لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُوا أَحَدٌ) ليس له عروق شعب إليها. ( الصمد ) ليس بأجوف ولا يأكل ٢٢٣ ولا بشرب (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ) ليس له ولد ولا والد ينسب إليه (وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُوا أَحَدٌ) ليس شىء من خلقه يعدل مكانه يمسك السموات والأرض أن تزولا)) الحديث . وقال ابن جرير : ثنا عبد الرحمن بن الأسود ، ثنا محمد بن ربيعة عن سلمة بن سابور ، عن عطية ، عن ابن عباس قال : ( الصمد ) الذي ليس بأجوف ، حدثنا ابن بشار ، ثنا عبد الرحمن ، ثنا سفيان عن منصور ، عن مجاهد ( الصمد ) المصمت الذي لا جوف له ، حدثنا أبو كريب ، ثنا وكيع ، عن سفيان ، عن منصور مثله سواء . حدثنا الحارث ، ثنا الحسن ، تنا ورقاء عن ابن أبى مجيح عن مجاهد مثله، حدثنا ابن بشار ، ثنا عبد الرحمن، ثنا الربيع بن مسلم عن الحسن ، قال : ( الصمد ) الذي لا جوف له، وبهذا الإسناد عن إبراهيم ابن ميسرة قال : أرسلنى مجاهد إلى سعيد بن جبير أسأله عن ( الصمد) فقال : الذي لا جوف له ، حدثنا ابن بشار ، ثنا يحيى ، ثنا إسماعيل ابن أبي خالد ، عن الشعبي قال : ( الصمد ) الذي لا يطعم الطعام ورواه يعقوب عن هشيم عن إسماعيل عنه قال : لا يأكل الطعام ولا يشرب الشراب . حدثنا ابن بشار وزيد بن أخزم قالا : ثنا ابن داود عن المستقيم ابن عبد الملك ، عن سعيد بن المسيب قال : ( الصمد ) الذي لا حشو ٢٢٤ له ، حدثنا الحسين ، ثنا أبو معاذ، ثنا عبيد قال: سمعت الضحاك يقول : (الصمد ) الذي لا جوف له ، وروى عن ابن بريدة فيه حديثاً مرفوعا لكنه ضعيف قال : وقال آخرون هو الذي لا يخرج منه شيء حدثنا يعقوب بن أبى علية ، عن أبى رجاء ، سمعت عكرمة قال فى قوله: ( الصمد) لم يخرج منه شيء: لم يلد، ولم يولد ، حدثنا ابن بشار ، ثنا محمد بن جعفر ، ثنا شعبة ، عن أبى رجاء محمد بن يوسف، عن عكرمة قال : ( الصمد ) الذى لا يخرج منه شيء . وقال آخرون لم يلد ولم يولد ، وذكر حديث أبى بن كعب الذى رواه ابن أبى حاتم ، والذى فيه : أنه سبحانه لا يموت ولا يورث، قال : وقال آخرون: هو السيد الذى انتهى فى سؤدده ، قال : وتنا أبو السائب ، ثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن شقيق ، قال : ( الصمد ) هو السيد الذى انتهى فى سؤدده ، حدثنا أبو كريب وابن بشار وابن عبد الأعلى قالوا : ثنا وكيع عن الأعمش عن أبى وائل قال (الصمد ) السيد الذى انتهى فى سؤدده ، حدثنا ابن حميد ، ثنامهران ، عن سفيان ، عن الأعمش ، عن أبى وائل مثله ، حدثنا أبو صالح ، تنا معاوبة ، عن علي ، عن ابن عباس فى قوله : ( الصمد ) قال السيد الذى قد كمل في سؤدده ، وذكر مثل الحديث الذى رواه ابن أبى حاتم كما تقدم . ٢٢٥ قلت : الاشتقاق يشهد للقولين جميعاً قول من قال : إن ( الصمد ) الذى لا جوف له ، وقول من قال إنه السيد ، وهو على الأول أدل ؛ فإن الأول أصل للثانى، ولفظ ( الصمد ) يقال على مالا جوف له فى اللغة . قال يحيى بن أبي كثير الملائكة صمد والآدميون جوف ، وفى حديث آدم أن إبليس قال عنه أنه أجوف ليس بصمد ، وقال الجوهرى : المصد لغة فى المصمت وهو الذى لا جوف له ، قال والصماد عفاص القارورة ، وقال: الصمد المكان المرتفع الغليظ قال أبو النجم : ((يغادر الصمد كظهر الأجزل )) وأصل هذه المادة الجمع والقوة ، ومنه يقال بصد المال : أي مجمعه، وكذلك ((السيد)) أصله سيود اجتمعت ياء وواو وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء وادغمت . كما قيل ميت وأصله ميوت. والمادة في السواد والسؤدد تدل على الجمع، واللون الأسود هو الجامع للبصر . وقد قال تعالى: (وَسَيِّدًا وَحَصُورًا) قال أكثر السلف (سَيِّدًا) حليما ، وكذلك يروى عن الحسن . وسعيد بن جبير. وعكرمة وعطاء . وأبى الشعثاء والربيع بن أنس . ومقاتل، وقال : أبو روق عن الضحاك أنه الحسن الخلق . وروى سالم عن سعيد بن جبير أنه التقى، ولا يسود الرجل الناس حتى يكون فى نفسه مجتمع الخلق ثابتاً . ٢٢٦ وقال عبد اللّه بن عمر: ما رأيت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أسود من معاوية! فقيل له: ولا أبو بكر، ولا عمر ، قال : كان أبو بكر وعمر خيراً منه ، وما رأيت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أسود من معاوية . قال أحمد بن حنبل : يعنى به الحليم، أو قال : الكريم ولهذا قيل : فبالحلم سد لا بالتسرع والشتم إذا شئت يوما أن تسود قبيلة ولهذا فسر طائفة من السلف السيد بأنه سيد قومه فى الدين ، وقال ابن زيد: هو الشريف ، وقال الزجاج: الذي يفوق قومه فى الخير. وقال ابن الأنباري: السيد هنا الرئيس ، والإمام في الخير ، وعن ابن عباس ومجاهد: هو الكريم على ربه ، وعن سعيد بن المسيب هو الفقيه العالم ، وقد تقدم أنهم يقولون لعفاص القارورة : صماد ، قال الجوهري العفاص جلد يلبسه رأس القارورة ، وأما الذي يدخل في فمه فهو الصمام وقد عفصت القارورة شددت عليها العفاص . ( قلت ): وفى الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم فى اللقطة: (( ثم اعرف عفاصها ووكاءها)) والمراد بالعفاص : ما يكون فيه الدرام كالخرقة التى تربط فيها الدرام ، والوكاء : مثل الخيط الذي يربط به ، وهذا من جنس عفاص القارورة . ولفظ العفص والسد والصمد ٢٢٧ والجمع والسؤدد معانيها متشابهة ، فيها الجمع والقوة ، ويقال طعام عفص ، وفيه عفوصة ؛ أي تقبض ، ومنه العفص الذي يتخذ منه الحبر . وقد قال الجوهرى : هو مولد ليس من كلام أهل البادية ، وهذا لا يضر ؛ لأنه لم يكن عندهم عفص بسمونه بهذا الاسم ، لكن التسمية به جارية على أصول كلام العرب ، وكذلك تسميتهم لما يدخل فى فمها صام. فإن هذه المادة فيها معنى الجمع والسد . قال الجوهرى : صمام القارورة سدادها ، والحجر الأصم الصلب المصمت، والرجل الأصم هو الذى لا يسمح ، لانسداد سمعه ، والرجل الصمة الشجاع ، والصمة الذكر من الحيات، وصميم الشيء خالصه . حيث لم يدخل إليه ما يفرقه ويضعفه ، بقال صميم الحر ، وصميم البرد، وفلان من صميم قومه، والصمصام : الصارم القاطع ، الذى لا ينثى ، وصمم فى السير وغيره أى مضى ، ورجل صم أى غليظ . ومنه فى الاشتقاق الأكبر الصوم، فإن الصوم هو الإمساك . قال أبو عبيدة : كل ممسك عن طعام أو كلام أو سير فهو صائم ، لأن الإمساك فيه اجتماع، والصائم لا يدخل جوفه شيء، ويقال مام الفرس إذا قام في غير اعتلاف . قال النابغة : خيل صيام وخيل غير صائمة تحت العجاج، وأخرى تعلك اللجما ٢٢٨ وكذلك السد والسداد والسؤدد والسواد ، وكذلك لفظ الصمد فيه الجمع، والجمع فيه القوة ، فإن الشيء كلما اجتمع بعضه إلى بعض ، ولم يكن فيه خلل كان أقوى مما إذا كان فيه خلو . ولهذا يقال للمكان الغليظ المرتفع : صمد ، لقوته وتماسكه ، واجتماع أجزائه ، والرجل الصمد هو السيد المصمود ؛ أي المقصود ، يقال قصدته ، وقصدت له ، وقصدت إليه ، وكذلك هو مصمود ، ومصمود له وإليه ، والناس إنما يقصدون فى حوائجهم من يقوم بها . وإنما يقوم بها من يكون فى نفسه مجتمعا قوياً ثابتا ، وهو السيد الكريم ، بخلاف من يكون هلوعا جزوعا يتفرق ويقلق ويتمزق من كثرة حوائجهم وثقلها ، فإن هذا ليس بسيد صمد بصمدون إليه فى حوائجهم . فهم إنما سموا السيد من الناس صمدا؛ لما فيه من المعنى الذي لأجله بقصده الناس في حواتجهم ، فليس معنى السيد في لغتهم معنى إضافي فقط - كلفظ القرب والبعد - بل هو معنى قائم بالسيد ؛ لأجله يقصده الناس ، والسيد من السؤدد والسواد ، وهذا من جنس السداد فى الاشتقاق الأكبر ، فإن العرب تعاقب بين حرف العلة ، والحرف المضاعف . كما يقولون: تقضى البازى ، وتقضض ، والساد هو الذي يسد غيره ، فلا يبقى فيه خلو ، ومنه سداد القارورة ، وسداد الثغر بالكسر فيها ، وهو ما يسد ذلك ، ومنه السداد بالفتح : وهو الصواب ، ومنه القول السديد . قال ٢٢٩ قالوا قعدا حقا . وعن الله تعالى: (أَتَّقُواْ اللَّهَ وَقُولُواقَوْلًا سَدِيدًا ) ابن عباس صوابا . وعن قتادة ومقاتل عدلا . وعن السدى مستقيما ، وكل هذه الأقوال صحيح ، فإن القول السديد هو المطابق الموافق ، فإن كان خبراً كان صدقاً مطابقا لمخبره ، لا يزيد ولا ينقص ، وإن كان أمراً كان أمرا بالعدل الذي لا يزيد ولا ينقص ؛ ولهذا يفسرون السداد بالقصد ، والقصد بالعدل . قال الجوهري : التسديد التوفيق للسداد ، وهو الصواب ، والقصد في القول والعمل ، ورجل مسدد إذا كان يعمل بالسداد ، والقصد . والمسدد المقوم ، وسدد رمحه ، وأمر سديد وأسد أي قاصد ، وقد استد الشيء استقام . قال الشاعر : فلما استد ساعده رمانى أعلمه الرماية كل يوم وقال الأصمعي : اشتد بالشين المعجمة ليس بشيء ، وتعبيرم عن السد بالقصد بذلك على أن لفظ القصد فيه معنى الجمع والقوة ، والقصد العدل كما أنه السداد ، والصواب ، وهو المطابق الموافق الذي لا يزيد ولا ينقص، وهذا هو الجامع المطابق، ومنه قوله تعالى: (وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ) أي السبيل القصد، وهو السبيل العدل : أي إليه تنتهي السبيل العادلة ، كما قال تعالى: (إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى) أي الهدى إلينا ٢٣٠ هذا أصح الأقوال فى الآبتين . وكذلك قوله تعالى: (قَالَ هَذَا صِرَّ أُ عَلَىَ مُسْتَقِيمُ ) . ومنه فى الاشتقاق الأوسط : الصدق، فإن حروفه حروف القصد، فمنه الصدق فى الحديث لمطابقته مخبره ، كماقيل فى السداد . والصدق بالفتح الصلب من الرماح ويقال المستوى فهو معتدل صلب ليس فيه خلل ولا عوج ، والصندوق واحد الصناديق ، فإنه يجمع ما يوضع فيه . ومما ينبغي أن يعرف في باب الاشتقاق أنه إذا قيل هذا مشتق من هذا فله معنيان : أحدهما : أن بين القولين تناسبا فى اللفظ والمعنى ، سواء كان أهل اللغة تكلموا بهذا بعد هذا أو بهذا بعد هذا ، وعلى هذا فكل من القولين مشتق من الآخر ، فإن المقصود أنه مناسب له لفظاً ومعنى كما يقال: هذا الماء من هذا الماء ، وهذا الكلام من هذا الكلام، وعلى هذا فإذا قيل : إن الفعل مشتق من المصدر ، أو المصدر مشتق من الفعل ، كان كلا القولين صحيحا ، وهذا هو الاشتقاق الذي يقوم عليه دليل التصريف . وأما المعنى الثانى فى الاشتقاق وهو أن يكون أحدهما أصلا للآخر، ٢٣١ فهذا إذا عنى به أن أحدهما تكلم به قبل الآخر لم يقم على هذا دليل في أكثر المواضع ، وان عنى به أن أحدهما متقدم على الآخر فى العقل لكون هذا مفردا وهذا مركبا فالفعل مشتق من المصدر ، والاشتقاق الأصغر اتفاق القولين فى الحروف وترتيبها ، والأوسط اتفاقهما فى الحروف لا في الترتيب ، والأكبر اتفاقها في أعيان بعض الحروف ، وفى الجنس لا في الباقى ، كاتفاقها فى كونها من حروف الحلق ، إذا قيل حزر وعزر وأزر ، فإن الجميع فيه معنى القوة والشدة وقد اشتركت مع الراء والزاى والحاء فى أن الثلاثة حروف حلقية ، وعلى هذا فإذا قيل : الصمد بمعنى المصمت ، وأنه مشتق منه بهذا الاعتبار فهو صحيح ، فإن الدال أخت التاء ؛ فإن الصمت السكوت ، وهو إمساك ، وإطباق للفم عن الكلام . قال أبو عبيد: المصمت الذي لا جوف له ، وقد أصمته أنا ، وباب مصمت قد أبهم إغلاقه ، والمصمت من الخيل، البهيم أي لا يخالط لونه لون آخر ، ومنه قول ابن عباس : إنما حرم من الحرير المصمت ، فالمصمد والمصمت متفقان فى الاشتقاق الأكبر ، وليست الدال منقلبة عن التاء ، بل الدال أقوى ، والمصمد أكمل في معناه من المصمت ، وكلما قوى الحرف كان معناه أقوى ، فإن لغة العرب فى غاية الإحكام والتناسب ، ولهذا كان الصمت إمساك عن الكلام مع ٢٣٢ إمكانه ، والإنسان أجوف يخرج الكلام من فيه لكنه قد بصمت بخلاف الصمد فإنه إنما استعمل فيما لا تفرق فيه ، كالصمد والسيد والصمد من الأرض وصاد القارورة ، ونحو ذلك . فليس فى هذه الألفاظ المتناسبة أكمل من ألفاظ الصمد، فإن فيه الصاد والميم والدال وكل من هذه الحروف الثلاثة لها مزية على ما يناسبها من الحروف، والمعانى المدلول عليها بمثل هذه الحروف أكمل . ومما يناسب هذه المعانى معنى ((الصبر)) فإن الصبر فيه جمع وإمساك، ولهذا قيل : الصبر حبس النفس عن الجزع ، يقال صبر وصبرته أنا ، ومنه قوله تعالى: (وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ) وكذلك معنى السيد الصمد خلاف معنى الجزوع المنوع ، ومنه الصبرة من الطعام فإنها مجتمعة مكومة ، والصبارة الحجارة ، وصبر الشيء غلظه ، وضده الجزع ، وفيه معنى التقطع والتفرق ، يقال جزع له جزعة من المال أي قطع له قطعة ، والجزوعة القطعة من الغنم ، واجتزعت من الشجر عودا أي اقتطعته، واكتسرته، وجزعت الوادى إذا قطعته عرضا ، والجزع منعطف الوادى ، ومنه الجزع وهو الخرز اليمانى الذي فيه بياض وسواد ، وكذلك جزع البسر تجزبعا إذا أرطب نصفه [أو ] ثلثاء، وهو خلاف قولهم مصمت للون الواحد لما في ذلك من الاجتماع ، وفي هذا من التفرق . وقد قال تعالى: (إِنَّالْإِنسَنَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُجُزُوعًا * وَإِذَا ٢٣٣ قال الجوهري : الملح أخمش الجزع، مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا ) وقال غيره : هو فى اللغة أشد الحرص ، وأسوأ الجزع ، ومنه قول النى صلى الله عليه وسلم: ((شر ما فى المرء شح هالع وجبن خالع)) وناقة هلوع إذا كانت سريعة السير خفيفة ، وذئب هلع بلع، والهلع من الحرص ، والبلع من الابتلاع ، ولهذا كان كلام السلف فى تفسيره يتضمن هذه المعاني ، فروى عن ابن عباس قال : هو الذي إذا مسه الشر جزوعا، وإذا مسه الخير منوعا . وروى عنه أنه قال : هو الحريص على ما لا يحل له . وعن سعيد بن جبير : شحيحاً . وعن عكرمة : ضجوراً. وعن جعفر : حريصاً ، وعن الحسن والضحاك : بخيلا، وعن مجاهد : شرهاً ، وعن الضحاك أيضاً : الهلوع الذي لا يشبع ، وعن مقاتل: ضيق القلب، وعن عطاء : عجولا، وهذه المعاني كلها تنافى الثبات والقوة والاجتماع ، والإمساك والصبر ، وقد قال تعالى: (لَا يَزَالُ بُثَنُهُمُ الَّذِى بَنَوْرِيَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ) وهذا وإن كان قد قيل إن المراد به أنها تنصدع فيموتون ، فإنه كما قيل : فى مثل ذلك قد انصدع قلبه ، وقد تفرق قلبى ، وقد تشتت قلبى ، وقد نقسم قلبى ، ومنه يقال للخوف : قد فرق قلبه ويقال : بإزاء ذلك هو ثابت القلب مجتمع القلب . مجموع القلب . ٢٣٤ فصل قال الله تعالى: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدَّ * اللَّهُ الضََّمَدُ ) فأدخل اللام فى الصمد ، ولم يدخلها في أحد ؛ لأنه ليس في الموجودات ما يسمى أحداً في الإثبات مفرداً غير مضاف إلا اللّه تعالى؛ بخلاف التفي وما فى معناه : كالشرط والاستفهام فإنه يقال : هل عندك أحد ؟ وإن جاءني أحد من جهتك أكرمته ، وإنما استعمل فى العدد المطلق ، يقال : أحد ، اثنان . ويقال : أحد عشر. وفى أول الأيام يقال: يوم الأحد، فإن فيه - على أصح القولين - ابتدأ الله خلق السموات والأرض. وما بينهما . كما دل عليه القرآن والأحاديث الصحيحة ، فإن القرآن أخبر فى غير موضع : أنه خلق السموات والأرض وما بينهما فى ستة أيام ، وقد ثبت فى الحديث الصحيح المتفق على صحته : أن آخر المخلوقات كان آدم، خلق يوم الجمعة. وإذا كان آخر الخلق كان يوم الجمعة دل على أن أوله كان يوم الأحد لأنها ستة . وأما الحديث الذي رواه مسلم فى قوله: (( خلق الله التربة يوم السبت )) فهو حديث معلول قدح فيه أئمة الحديث كالبخاري وغيره، ٢٣٥ قال البخاري : الصحيح أنه موقوف على كعب ، وقد ذكر تعليله البيهقى أيضاً ، وبينوا أنه غلط ليس مما رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو مما أنكر الحذاق على مسلم إخراجه إياه ، كما أنكروا عليه إخراج أشياء بسيرة ، وقد بسط هذا فى مواضع أخر، وقد ذكر أبو الفرج ابن الجوزي فى قوله تعالى: (خَلَقَ الْأَرْضَ فِى يَوْمَيْنِ ) قال ابن عباس: خلق الأرض في يوم الأحد والاثنين ، وبه قال عبد الله بن سلام والضحاك ومجاهد وابن جريج والسدي والأكثرون . وقال مقاتل في يوم الثلاثاء والأربعاء . قال: وقد أخرج مسلم حديث أبي هريرة (( خلق الله التربة يوم السبت )) قال : وهذا الحديث مخالف لما تقدم ، وهو أصح فصحح هذا لظنه صحة الحديث ، إذ رواه مسلم ، ولكن هذا له نظائر روى مسلم أحاديث قد عرف أنها غلط ، مثل قول أبي سفيان لما أسلم : أريد أن أزوجك أم حبيبة ، ولا خلاف بين الناس أنه تزوجها قبل إسلام أبي سفيان ، ولكن هذا قليل جداً ، ومثل ما روى فى بعض طرق حديث صلاة الكسوف أنه صلاها بثلاث ركوعات وأربع ، والصواب أنه لم يصلها إلا مرة واحدة بركوعين، ولهذا لم يخرج البخاري إلا هذا، وكذلك الشافعي ، وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه ، وغيرهما ، والبخاري سلم من مثل هذا ؛ فإنه إذا وقع في بعض ٢٣٦ الروايات غلط ذكر الروايات المحفوظة التى تبين غلط الغالط ، فإنه كان أعرف بالحديث وعلله ، وأفقه فى معانيه من مسلم ونحوه ، وذكر ابن الجوزي فى موضع آخر أن هذا قول ابن إسحاق قال : وقال ابن الأنباري : وهذا إجماع أهل العلم . وذكر قولا ثالثاً فى ابتداء الخلق : أنه يوم الاثنين . وقاله ابن إسحاق ، وهذا تناقض . وذكر أن هذا قول أهل الإنجيل ، والابتداء بيوم الأحد قول أهل التوراة ، وهذا النقل غلط على أهل الإنجيل . كما غلط من جعل الأول إجماع أهل العلم من المسلمين. وكأن هؤلاء ظنوا أن كل أمة يجعل اجتماعها فى اليوم السابع من الأيام السبعة التى خلق الله فيها العالم، وهذا غلط ؛ فإن المسلمين إنما اجتماعهم فى آخر يوم خلق الله فيه العالم ، وهو يوم الجمعة ، كما ثبت ذلك فى الأحاديث الصحيحة . والمقصودهنا: أن لفظ الأحد لم يوصف به شيء من الأعيان إلا الله وحده، وإنما يستعمل فى غير الله فى النفي، قال أهل اللغة يقول: لا أحد فى الدار ، ولا تقل فيها أحد. ولهذا لم يجيء في القرآن إلا في غير الموجب، كقوله تعالى: (فَمَامِنكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَجِزِينَ ) ( وَإِنْ أَحَدٌمِّنَ وكقوله: ( لَسْتُنَّ كَأَحَدٍمِّنَ النِّسَاءِ ) وقوله : ٢٣٧ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَاجِرُهُ) وفى الإضافة كقوله: (فَأَبْعَثُواْ أَحَدَكُم) (جَعَلْنَا لِأَحَدِ هِمَا جَنَّنَيْنِ ). وأما اسم ( الصَّمَدُ ) فقد استعمله أهل اللغة فى حق المخلوقين. كما تقدم. فلم يقل الله صمد ، بل قال: (اللَّهُ الضَّمَدُ) فبين أنه المستحق ؛ لأن يكون هو الصمد دون ما سواه ، فإنه المستوجب لغايته على الكمال ، والمخلوق وإن كان صمداً من بعض الوجوه، فإن حقيقة الصمدية منتفية عنه ؛ فإنه يقبل التفرق والتجزئة ، وهو أيضاً محتاج إلى غيره ، فإن كل ما سوى الله محتاج إليه من كل وجه، فليس أحد يصمد إليه كل شيء ولا يصمد هو إلى شيء إلا الله تبارك وتعالى ، وليس في المخلوقات إلا ما يقبل أن يتجزأ ، ويتفرق ، وينقسم ، وينفصل بعضه من بعض ، والله سبحانه هو الصمد الذي لا يجوز عليه شيء من ذلك ، بل حقيقة الصمدية وكمالها له وحده واجبة لازمة لا يمكن عدم صمديته بوجه من الوجوه ، كما لا يمكن تثنية أحديته بوجه من الوجوه ، فهو أحد لا يماثله شىء من الأشياء بوجه من الوجوه، كما قال في آخر السورة: (وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُوا أَحَدٌّ) استعملها هنا فى النفي أي ليس شيء من الأشياء كفوا له فى شيء من الأشياء لأنه أحد . وقال رجل للنبى صلى الله عليه وسلم: أنت سيدنا فقال: ((السيد ٢٣٨ الله)) ودل قوله. (الأحد، الصمد )، على أنه لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفوا أحد ؛ فإن الصمد هو الذي لا جوف له ولا أحشاء ، فلا يدخل فيه شيء ، فلا يأكل ولا يشرب سبحانه وتعالى كما قال : (قُلْ أَغَيْرِ اللَّهِ أَشَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِ السَّمَوَتِ وَاْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ) وفي قراءة الأعمش وغيره ولا يَطعم بالفتح . وقال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَاُلْإِنسَ إِلَّ لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ* ومن مخلوقاته الملائكة ، وم صمد لا يأكلون إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ) ولا يشربون ، فالخالق لهم جل جلاله أحق بكل غنى وكمال جعله لبعض مخلوقاته ، فلهذا فسر بعض السلف الصمد بأنه الذي لا يأكل ولا يشرب ، والصمد المصمد الذي لا جوف له ، فلا يخرج منه عين من الأعيان ، فلا يلد . ولذلك قال من قال من السلف : هو الذي لا يخرج منه شيء ، ليس مرادم أنه لا يتكلم ، وإن كان يقال فى الكلام إنه خرج منه، كما قال فى الحديث: (( ما تقرب العباد إلى الله بشيء أفضل مما خرج منه)) يعنى القرآن ، وقال أبو بكر الصديق لما سمع قرآن مسيلمة : إن هذا لم يخرج من إل. خروج الكلام من المتكلم هو بمعنى أنه يتكلم به فيسمع منه ، ويبلغ إلى غيره ليس بمخلوق فى غيره ، كما يقول الجهمية: ليس بمعنى أن شيئاً من الأشياء القائمة به يفارقه، وينتقل عنه إلى غيره، ٢٣٩ فإن هذا ممتنع فى صفات المخلوقين . أن تفارق الصفة محلها ، وتنتقل إلى غير محلها ، فكيف بصفات الخالق جل جلاله . وقد قال تعالى فى كلام المخلوقين: (كَبُرَتْ حِكَلِمَةٌ تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّ كَذِبًا ) وتلك الكلمة هي قائمة بالمتكلم ، وسمعت منه ليس خروجها من فيه ، أن ما قام بذاته من الكلام فارق ذاته ، وانتقل إلى غيره ، فروج كل شيء بحسبه ، ومن شأن العلم والكلام إذا استفيد من العالم والمتكلم أن لا ينقص من محله ، ولهذا شبه بالنور الذي يقتبس منه كل أحد الضوء ، وهو باق على حاله لم ينقص ، فقول من قال من السلف : الصمد هو الذي لم يخرج منه شيء كلام صحيح ، بمعنى أنه لا يفارقه شيء منه . ولهذا امتنع عليه أن يلد وأن يولد ، وذلك أن الولادة والتولد وكل ما يكون من هذه الألفاظ لا يكون إلا من أصلين ، وما كان من المتولد عينا قائمة بنفسها فلا بد لها من مادة تخرج منها ، وما كان عرضا قائماً بغيره فلا بد له من محل يقوم به ، فالأول نفاه بقوله : ( أحد )، فإن الأحد هو الذي لاكفؤ له ولا نظير ، فيمتنع أن تكون له صاحبة، والتولد إنما يكون بين شيئين ، قال تعالى: (أَنَّ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَوْ تَكُنْ لَّهُ صَِحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ) فنفى سبحانه الولد بامتناع لازمه عليه ، فإن انتفاء اللازم بدل ٢٤٠