النص المفهرس

صفحات 181-200

فنهام عن
لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوَأَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ)
بحريم الطيبات . كما كان طائفة من الصحابة قد عزموا على الترهب ،
فأنزل الله هذه الآية. وفى الصحيحين أن رجالا من الصحابة قال أحدم:
أما أنا فأصوم لا أفطر، وقال آخر: أما أنا فأقوم لا أنام ، وقال آخر:
أما أنا فلا أقرب النساء ، وقال آخر: أما أنا فلا آكل اللحم . فقال
النبي صلى الله عليه وسلم: (( ما بال رجال يقول أحدم كذا وكذا .. لكني
أصوم وأفطر ، وأقوم وأنام ، وأنزوج النساء ، وآكل اللحم .
فمن رغب عن سنتى فليس مني)) ولبسط هذه الأمور
موضع آخر .
والمقصود هنا : أن اللّه بين في كتابه وعلى لسان رسوله حكمته فى
خلقه وأمره كقوله: (وَلَنَقْرَبُواْ الزِنَّ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلًا)
فعلل التحريم بأنها فاحشة بدون النهي ، وأن ذلك علة للنهي عنها ،
وقوله : (وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَاَ ءَابَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَأْقُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ
بِلْفَحْشَآءِ )
فذكر براءته من هذا على وجه المدح
له بذلك وتنزيهه عن ذلك ، فدل على أن من الأمور مالا يجوز أن
يضاف إلى اللّه الأمر به، ليست الأشياء كلها مستوية في أنفسها ولا
عنده ، وأنه لا يخصص المأمور على المحظور لمجرد التحكم ، بل يخصص
المأمور بالأمر والمحظور بالحظر لما اقتضته حكمته .
١٨١

وقد ندبرت عامة ما رأيته من كلام السلف - مع كثرة البحث
عنه ، وكثرة ما رأيته من ذلك - هل كان الصحابة والتابعون لهم
بإحسان أو أحد منهم على ما ذكرته من هذه الأقوال التى وجدتها
فى كتب أهل الكلام: من الجهمية والقدرية ومن تلقى ذلك عنهم : مثل
دعوى الجهمية أن الأمور المتماثلة بأمر الله بأحدها وينهى عن الآخر لا
لسبب ولا لحكمة ، أو أن الأقوال المتماثلة والأعمال المتماثلة من كل
وجه يجعل الله ثواب بعضها أكثر من الآخر بلا سبب ولا حكمة،
ونحو ذلك مما يقولونه: كقولهم إن كلام اللّه كله متماثل ، وإن كان
الأجر في بعضه أعظم ، فما وجدت فى كلام السلف ما يوافق ذلك . بل
يصرحون بالحكم والأسباب ، وبيان مافى المأمور به من الصفات الحسنة
المناسبة للأمر به ، وما فى المنهي عنه من الصفات السيئة المناسبة للنهي
عنه، ومن تفضيل بعض الأقوال والأعمال في نفسها على بعض . ولم
أر عن أحد منهم قط أنه خالف النصوص الدالة على ذلك ، ولا استشكل
ذلك ، ولا تأوله على مفهومه ، مع أنه يوجد عنهم فى كثير من الآيات
والأحاديث استشكال واشتباه ، وتفسيرها على أقوال مختلفة قد يكون
بعضها خطأ . والصواب هو القول الآخر . وما وجدتهم فى مثل قوله
تعالى: ( اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَبًا مُّتَشَبِهَا مَّثَانِىَ) وقول النبى
صلى الله عليه وسلم لأبى (( أي آية فى كتاب الله أعظم)) وقوله فى
الفاتحة (( لم ينزل فى التوراة ولا فى الإنجيل ولا في القرآن مثلها)»
١٨٢

ونحو ذلك إلا مقرين لذلك قائلين بموجبه .
والنبي صلى الله عليه وسلم سأل أبيا (( أي آية في كتاب الله أعظم؟))
فأجابه أبي بأنها آية الكرسي فضرب بيده فى صدره وقال ((ليهنك العلم
أبا المنذر)). ولم يستشكل أبى ولا غيره السؤال عن كون بعض
القرآن أعظم من بعض ، بل شهد النبى صلى الله عليه وسلم بالعلم لمن
عرف فضل بعضه على بعض وعرف أفضل الآيات ، وكذلك قوله تعالى:
﴿ مَانَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْنُنِسِهَا ) .
وما رأيتهم تنازعوا فى تفسير (بِخَيْرِمِنْهَا ) . فإن هذه الآية فيها
قراءتان مشهورتان: قراءة الأكثرين (أَوْنُنِهَا) من أنساه ينسيه،
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ( أو نفسأها ) بالهمز من نساء ينسأه .
فالأول من النسيان ، والثاني من نسأ إذا أخر . قال أهل اللغة :
نسأته نسأ إذا أخرنه . وكذلك أنسأنه ، يقال نسأته البيع وأنسأته .
قال الأصمعي : أنسأ الله في أجله ونسأ في أجله بمعنى. ومن هذه
المادة بيع النسيئة . ومن كلام العرب : من أراد النساء ولا نساء ،
فليبكر الغداء ، وليخفف الرداء ، وليقلل من غشيان النساء .
فأما القراءة الأولى فمعناها ظاهر عند أكثر المفسرين ، قالوا :
المراد به ما أنساه الله من القرآن كما جاءت الآثار بذلك ، فإن ما يرفع
١٨٣

من القرآن إما أن يكون رفعاً شرعياً بإزالته من القلوب وهو الإنساء
فأخبر تعالى أن ما ينسخه أو ينسيه فإنه يأتي بخير منه أو مثله ، بين
ذلك فضله ورحمته لعباده المؤمنين، فإنه قال قبل ذلك : ( يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ لَا تَقُولُواْ رَعِنَا وَقُولُواْ أَنْظُرْنَا وَأَسْمَعُواْ وَلِلْكَفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ*
مَّايَوَدُالَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِّنْ خَيْرِمِن
رَّبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُ بِرَحْمَتِهِ، مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ )
فنهام عن التشبه بأهل الكتاب فى سوء أدبهم على الرسول
وعلى ما جاء به ، وأخبر أنهم لحسدم ما يودون أن الله ينزل عليه
شيئاً من الكتاب والحكمة ، ثم أخبر بنعمته على المؤمنين ، فإنه قد
كان بعض القرآن ينسخ وبعضه ينسى - كما جاءت الآثار بذلك ..
وما أنساه سبحانه هو مما نسخ حكمه وتلاوته ، بخلاف المنسوخ الذي
يتلى وقد نسخ ما نسخ من حكمه أو نسخ تلاوته ولم ينس ، وفى النسخ
والإنساء نقص ما أنزله على عباده .
فبين سبحانه أنه لا نقص في ذلك بل كل ما نسخ أو ينسى فإن
الله يأتي بخير منه أو مثله ، فلا يزال المؤمنون فى نعمة من الله لا تنقص
بل تزيد ، فإنه إذا أتى بخير منها زادت النعمة ، وإن أتى بمثلها كانت
النعمة باقية، وقال تعالى: ( أَوْنُنسِهَا ) فأضاف الإنساء إليه ، فإن
هذا الإنساء ليس مذموماً ، بخلاف نسيان ما يجب حفظه فإنه مذموم
١٨٤

فإن هذا إنساء لما رفعه الله، وأما نسيان ما أمر بحفظه فيمذموم، قال
وهذا
(كَذَلِكَ أَنْتَكَ ءَايَتُنَا فَنَسِينَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَنُنَسَى)
تعالى :
النسيان وإن كان متضمناً لترك العمل بها مع حفظها ، فإذا نسيت
الآيات بالكلية حتى لا يعرف ما فيها كان ذلك أبلغ فى ترك العمل بها
فكان هذا مذموما . قال النبي صلى الله عليه وسلم فى الحديث الذي
في السنن ((من قرأ القرآن ثم نسيه لقي الله وهو أجزم))، ولهذا كره
النبي صلى الله عليه وسلم أن يضيف الإنسان النسيان إلى نفسه،
فقال فى الحديث المتفق عليه (( بئس ما لأحدم أن يقول : نسيت آية
كيت وكيت ، بل هو أنسى . استذكروا القرآن فلهو أشد تفلتاً من
صدور الرجال من النعم من عقلها ))
ثم منهم من جعل (مَانَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ ) هو ما ترك تلاوته ورسمه
ونسخ حكمه، وما أنسى هو ما رفع فلا يتلى. ومنهم من أدخل في
الأول ما نسخت تلاوته وإن كان محفوظاً . فالأول قول مجاهد وأصحاب
عبد الله بن مسعود ، وروى الناس بالأسانيد الثابتة عن ابن أبى نجيح
عن مجاهد قوله : (مَانَسَخْ مِنْ ءَايَةٍ ) قال : نثبت خطها ونبدل
حكمها ، قال: وهو قول عبد الله بن مسعود (أَوْنُنِهَا ) أي نمحوها
فإن ما نسى لم يترك . وروى ابن أبي حاتم بإسناده عن عكرمة عن ابن
عباس قال : كان مما ينزل على النبى صلى الله عليه وسلم الوحي بالليل
١٨٥

(مَانَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْنُنسِهَا تَأْتِ مِخَيْرِ مِنْهَا
وبنساه بالنهار ، فأنزل الله :
وكذلك روى عن سعد بن أبى وقاص ومحمد بن كعب
أَوْمِثْلِهَآ ) .
وقتادة وعكرمة . وكان سعد بن أبى وقاص يقرأها ( أو تنسها) بالخطاب
أي تنسها أنت يا محمد ، وتلا قوله: (سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَسَ) وقوله :
(وَأَذْكُرُرَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ)
وقد جاءت الآثار بأن أحدم كان يحفظ قرآناً ثم ينساه ،
ويذكرون ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فيقول: ((إنه رفع))، مثل
ما صح من حديث الزهرى : حدثنى أبو أمامة بن سهل بن حنيف فى
مجلس سعيد بن المسيب أن رجلا كان معه سورة فقام يقرأها من الليل
فلم يقدر عليها ، وقام آخر يقرأها فلم يقدر عليها ، وقام آخر يقرأها
فلم يقدر عليها ، فأصبحوا فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم،
فقال بعضهم : ذهبت البارحة لأقرأ سورة كذا وكذا فلم أقدر عليها،
وقال الآخر: ما جئت إلا لذلك ، وقال الآخر : ما جئت إلا لذلك ،
وقال الآخر : وأنا يا رسول الله . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
(( إنها نسخت البارحة))
وقوله : ( أو نفسأها ) النسأ بمعنى التأخير ، وفيه قولان للسلف:
القول الأول يروى عن طائفة ، قال السدي : (مَانَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ )
قال : نسخها قبضها (أو نفسأها ) فنتركها لا ننسخها (نَأْتِ بِخَيْرٍ ) من
١٨٦

الذي نسخناه أو مثل الذي تركناه . وكذلك في تفسير الوالى عن ابن
عباس : ( ما ننسخ من آية أو نفسأها ) يقول ما نبدل من آية أو
نتركها فلا نرفعها من عندكم (نَأْتِ بِخَيْرِمِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ) ، روى ذلك
عن الربيع بن أنس . ومن الناس من فسر بهذا المعنى القراءة الأولى
فقالوا : معنى نفسها نتركها عندكم فإن النسيان هو الترك . وقال الأزهري
نفسها نأمر بتركها . يقال أنسيت الشيء ، وأنشد :
لست بناسیها ولا منسيها
إنى على عقبة أقضيها
أي ولا آمر بتركها . والقول الثالث تؤخرها عن العمل بها
بنسخنا إياها.
والصواب القول الأوسط. روى ابن أبي حاتم بإسناده عن ابن
عباس قال : خطبنا عمر رضى الله عنه فقال: يقول اللّه (ما ننسخ من
آية أو نفسأها ) أي نؤخرها. وبإسناده المعروف عن أبى العالية
فلا يعمل بها ( أو نفسأها ) أي نرجئها عندنا
(مَانَسَخْ مِنْ ءَايَةٍ )
وفي لفظ عن أبى العالية : نؤخرها عندنا . وعن عطاء : نؤخرها. وقد
ذكر قول ثالث عن السلف وهو قول رابع أن المعنى : (مَانَنَخْ
مِنْ ءَايَةٍ) وهو ما أنزلناه إليكم ولا ترفعه ( أو نفسأها) أي نؤخر
تنزيله فلا ننزله . ونقل هذا بعضهم عن سعيد بن المسيب وعطاء ، أما
١٨٧

(مَانَفْسَخْ مِنْ ءَايَةٍ ) فهو ما قد نزل من القرآن ، جعلاه من النسخة
( أَوْنُنسِهَا ) أي نؤخرها فلا يكون ، وهو ما لم ينزل .
وهذا فيه نظر . فإن ابن أبى حاتم روى بالإسناد الثابت عن عطاء
(مَانَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ ): أما ما نسخ فهو ماترك من القرآن (بالكاف )
وكأنه تصحف على من ظنه نزل من النزول ، فإن لفظ ترك فيه إبهام .
ولذلك قال ابن أبى حاتم : يعني ترك لم ينزل على محمد، وليس مراد
عطاء هذا ، وإنما مراده أنه ترك مكتوباً متلوا ونسخ حكمه كما تقدم
عن غيره ، وما أنسأه هو ما أخره لم ينزله . وسعيد وعطاء من أعلم
التابعين لا يخفى عليها هذا. وقد قرأ ابن عامر ( ما ننسخ من آية )
وزعم أبو حاتم أنه غلط ، وليس كما قال ، بل فسرها بعضهم بهذا
المعنى فقال ما ننسخ بجعلكم تنسخونها كما يقال أكتبته هذا . وقيل :
أنسخ جعله منسوخا ، كما يقال : قبره إذا أراد دفنه ، وأقبره أي جعل
له قبراً . وطرده إذا نفاه ، وأطرده إذا جعله طريداً. وهذا أشبه
بقراءة الجمهور.
والصواب قول من فسر ( أو نفسأها ) أي نؤخرها عندنا فلا
ننزلها . والمعنى : أن ما نفسخه من الآيات التى أنزلناها ، أو نؤخر نزوله
من الآيات التى لم ننزلها بعد (نَأْتِ بِخَيْرِمِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا )، فكما أنه
يعوضهم من المرفوع يعوضهم من المنتظر الذي لم ينزله بعد إلى أن ينزله ،
١٨٨

فإن الحكمة اقتضت تأخير نزوله فيعوضهم بمثله أو خير منه فى ذلك
الوقت ، إلى أن يجيء وقت نزوله فينزله أيضاً مع ما تقدم ، ويكون
ما عوضه مثله أو خيراً منه قبل نزوله. وأما ما أزله إليهم ولم ينسخه
فهذا لا يحتاج إلى بدل، ولو كان كل ما لم ينسخه اللّه بأت بخير منه أو
مثله لزم إنزال مالا نهاية له .
وكذلك إن قدر أن المراد يؤخر نسخه إلى وقت ثم ينسخه ، فإنه
ما دام عندهم لم يحتج إلى بدل يكون مثله أو خيراً منه، وإنما البدل
لما ليس عندهم مما أنسوه أو أخر نزوله فلم ينزله بعد، ولهذا لم يجعل
البدل لكل ما لم ينزله ، بل لما نسأه فأخر نزوله ، إذ لو كان كل ما
لم ينزل يكون له بدل لزم إنزال مالا نهاية له ، بل ما كان يعلم أنه
سينزله وقد أخر نزوله يكونون فاقديه إلى حين ينزل، كما يفقدون ما نزل
ثم نسخ، فيجعل سبحانه لهذا بدلا ولهذا بدلاً. وأما ما أزله وأقره عندهم
وأخر نسخه إلى وقت فهذا لا يحتاج إلى بدل ، فإنه نفسه باق . ولو
كان هذا مراداً لكان كل قرآن قد نسخه يجب أن ينزل قبل نسخه
ما هو مثله أو خير منه، ثم إذا نسخه يأتى بخير منه أو مثله، فيكون
لكل منسوخ بدلان : بدل قبل نسخه ، وبدل بعد نسخه . والبدل
الذي قبل نسخه لا ابتداء لنزوله ، فيجب أن ينزل من أول الأمر ،
فيلزم نزول ذلك كله فى أول الوحي ، وهذا باطل قطعاً .
١٨٩

فإن قيل : فهذا يلزم فيما أخره فلم ينزله فإن له بدلا ولا وقت
لنزول ذلك البدل ، قيل: ما أخر نزوله وهو يريد إنزاله معلوم ،
والبدل الذي هو مثله أو خير منه يؤتى به في كل وقت ، فإن القرآن
ما زال ينزل ، وقد تضمن هذا أن كل ما أخر نزوله فلا بد أن ينزل
قبله ما هو مثله أو خير منه ، وهذا هو الواقع ، فإن الذي تقدم من
القرآن نزوله لم ينسخ كثير منه خير مما تأخر نزوله، كالآيات المكية،
فإن فيها من بيان التوحيد والنبوة والمعاد وأصول الشرائح ما هو أفضل
من تفاصيل الشرائح ، كمسائل الربا، والنكاح ، والطلاق ، وغير
ذلك . فهذا الذي أخره الله مثل آية الربا فإنها من أواخر مانزل من
القرآن، وقد روى أنها آخر ما نزل ، وكذلك آية الدين والعدة
والحيض ونحو ذلك ، قد أنزل الله قبله ما هو خير منه من الآيات
التى فيها من الشرائح ما هو أم من هذا، وفيها من الأصول ما هو
أم من هذا .
ولهذا كانت سورة ((الأنعام)) أفضل من غيرها، وكذلك سورة ((بس))
ونحوها من السور التى فيها أصول الدين التى اتفق عليها الرسل كلهم
صلوات الله عليهم. ولهذا كانت (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ) مع قلة حروفها
تعدل ثلث القرآن؛ لأن فيها التوحيد ، فعلم أن آيات التوحيد أفضل
من غيرها ، وفاتحة الكتاب نزلت بمكة بلا ريب ، كما دل عليه قوله
١٩٠

وقد ثبت فى
تعالى: (وَلَقَدْءَانَيْتَكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِ وَالْقُرْءَانَ الْعَظِيمَ )
الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( هي السبع المثانى
والقرآن العظيم الذي أوتيته )) وسورة الحجر مكية بلا ريب ، وفيها
كلام مشركي مكة وحاله معهم ، فدل ذلك على أن ما كان الله ينسأه
فيؤخر نزوله من القرآن كان ينزل قبله ما هو أفضل منه، و ( قُلّ
يَأَتُهَا الْكَفِرُونَ ) مكية بلا ريب ، وهو قول الجمهور . وقد قيل
إنها مدنية ، وهو غلط ظاهر .
وكذلك قول من قال : الفاتحة لم تنزل إلا بالمدينة غلط بلا
ريب . ولو لم تكن معنا أدلة صحيحة تدلنا على ذلك لكان من قال
إنها مكية معه زيادة علم. وسورة (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ) أكثرهم على
أنها مكية . وقد ذكر فى أسباب نزولها سؤال المشركين بمكة وسؤال
الكفار من أهل الكتاب اليهود بالمدينة ، ولا منافاة ، فإن الله أنزلها
بمكة أولا ، ثم لما سئل نحو ذلك أنزلها مرة أخرى . وهذا مما ذكره
طائفة من العلماء وقالوا : إن الآبة أو السورة قد تنزل مرتين
وأكثر من ذلك .
فما يذكر من أسباب النزول المتعددة قد يكون جميعه حقاً. والمراد
بذلك أنه إذا حدث سبب يناسبها نزل جبريل فقرأها عليه ليعلمه أنها
تتضمن جواب ذلك السبب ، وإن كان الرسول يحفظها قبل ذلك .
١٩١

والواحد منا قد يسأل عن مسألة فيذكر له الآية أو الحديث ليبين له
دلالة النص على تلك المسألة وهو حافظ لذلك ، لكن يتلى عليه ذلك
النص ليتبين وجه دلالته على المطلوب .
فقد تبين أن البدل لما أخر نزوله بخلاف ما كان عندم لم ينسخ
فإن هذا لا بدل له ، ولو قدر أنه سينسخ فإنه ما دام محكما لم يكن
بدله خيراً منه . وكذلك البدل عن المنسوخ يكون خيراً منه. وأكثر
السلف أطلقوا لفظ ((خير منها)) كما فى القرآن، ولم يستشكل ذلك
أحد منهم . وفى تفسير الوالى : خير لكم فى المنفعة وأرفق بكم . وعن
قتادة (نَأْتِ بِخَيْرِمِنْهَا أَوْمِثْلِهَا ) آية فيها تخفيف ، فيها رخصة، فيها
أمر ، فيها نهي . وهذان لم يستشكلا كونها خيراً من الأولى ، بل بينا
وجه الفضيلة ، كما تقدم من أن الكلام الأمري يتفاضل بحسب
المطلوب ، فإذا كان المطلوب أنفع للمأمور كان طلبه أفضل ، كما أن
رحمة اللّه التى سبقت غضبه هي أفضل من غضبه. فما قالاه تقرير
للخيرية لا نفي لها .
فإن قيل : فآية الكرسي قد ثبت أنها أعظم آية فى كتاب الله ،
وإنما نزلت فى سورة البقرة - وهي مدنية بالاتفاق - فقد أخر
نزولها ولم ينزل قبلها ما هو خير منها ولا مثلها. قيل: عن
هذا أجوبة :
١٩٢

أحدها: أن اللّه قال: (نَأْتِ ◌ِخَيْرِ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَآَ) ولم يقل بآية
خير منها بل يأتي بقرآن خير منها أو مثلها . وآية الكرسى وإن كانت
أفضل الآيات فقد يكون مجموع آيات أفضل منها . والبقرة وإن كانت
مدنية بالاتفاق وقد قيل إنها أول ما نزل بالمدينة فلا ريب أن هذا فى
بعض ما نزل ، وإلا فتحريم الربا إنما نزل متأخراً. وقوله: (وَأَتَّقُواْ
يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ) من آخر ما نزل. وقوله: (وَأَتِقُوْ اَلْحَجَّ
وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ) نزلت عام الحديبية سنة ست باتفاق العلماء ، وقد كانت
سورة الحشر قبل ذلك ، فإنها نزلت فى بني النضير باتفاق الناس ،
وقصة بني النضير كانت متقدمة على الحديدية، بل على الختدق باتفاق
الناس ، وإنما تأخر عن الخندق أمر بني قريظة ، فهم الذين حاصرم
النبى صلى الله عليه وسلم عقب الخندق ، وأما بنو النضير فكان أجلاهم
قبل ذلك باتفاق العلماء . وكذلك سورة الحديد مدنية عند الجمهور ،
وقد قيل إنها مكية وهو ضعيف ، لأن فيها ذكر المنافقين وذكر أهل
الكتاب ، وهذا إنما نزل بالمدينة ، لكن يمكن أنها نزلت قبل كثير
من البقرة .
ففي الجملة نزول أول الحديد وآخر الحشر قبل آية الكرسي ممكن ،
والأنعام ويس وغيرها نزل قبل آية الكرسي بالاتفاق .
الجواب الثاني : أنه تعالى إنما وعد أنه إذا نسخ آية أو نسأها أنى
١٩٣

بخير منها أو مثلها لما أنزل هذه الآية قوله (مَانَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْنُنِهَا
تَأْتِ بِخَيْرِ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ) فإن هذه الآية جملة شرطية تضمنت وعده أنه
لا بد أن يأتى بذلك وهو الصادق الميعاد . فما نسخه بعد هذه الآية ،
أو أنسأ نزوله مما يريد إنزاله ، بأت بخير منه أو مثله. وأما ما نسخه
قبل هذه أو أنسأه فلم يكن قد وعد حينئذ أنه يأتى بخير منه أو مثله.
وبهذا أيضاً يندفع الجواب عن الفاتحة ، فإنه لا ريب أنه تأخر نزولها
عن سورة (آقْرَأْبِأَسِرَتِكَ ) وهي أفضل منها . فعلم أنه قد يتأخر
إنزال الفاضل ، وأنه ليس كل ما تأخر نزوله نزل قبله مثله أو خير
منه . لكن إذا كان الموعود به بعد الوعد لم يرد هذا السؤال .
يدل على ذلك قوله (مَانَنسَخْ ) فإن هذا الفعل المضارع المجزوم
إنما يتناول المستقبل، وجوازم الفعل ((إنْ)) وأخواتها ونواصبه
تخلصه للاستقبال.
وقد يجاب بجواب ثالث ، وهو أن يقال : ما نزل فى وقته كان
خيراً لهم وإن كان غيره خيراً لهم فى وقت آخر، وحينئذ فيكون فضل
بعضه على بعض على وجهين : لازم كفضل آية الكرسى وفاتحة الكتاب
وقل هو الله أحد . وفضل عارض بحيث تكون هذه أفضل فى وقت
وهذه أفضل فى وقت آخر ، كما قد يقال فى آية التخيير للمقيم بين
الصوم والفطر مع الفدية ومع آية إيجاب الصوم عزما، وهذا كما أن
١٩٤

الأفعال المأمور بها كل منها في وقته أفضل ، فالصلاة إلى القدس قبل
النسخ كانت أفضل وبعد النسخ الصلاة إلى الكعبة أفضل .
وعلى ما ذكر فيتوجه الاحتجاج بهذه الآية على أنه لا ينسخ القرآن
إلا قرآن كما هو مذهب الشافعي، وهو أشهر الروايتين عن الإمام أحمد
بل هي المنصوصة عنه صريحاً أن لا ينسخ القرآن إلا قرآن يجيء بعده ،
وعليها عامة أصحابه ، وذلك لأن الله قد وعد أنه لا بد للمنسوخ من
بدل مماثل أو خير ، ووعد بأن ما أنساء المؤمنين فهو كذلك ، وأن
ما أخره فلم يأت وقت نزوله فهو كذلك ، وهذا كله يدل على أنه
لا يزال عند المؤمن القرآن الذي رفع، أو آخر مثله، أو خير منه، ولو
نسخ بالسنة فإن لم يأت قرآن مثله أو خير منه فهو خلاف ما وعد الله.
وإن قيل بل يأتى بعد نسخه بالسنة كان بين نسخه وبين الإتيان بالبدل
مدة خالية عن ذلك وهو خلاف مقصود الآية ، فإن مقصودها أنه لا بد
من المرفوع أو مثله أو خير منه .
وأيضاً فقوله ( نَأَتِ ) لم يرد به بعد مدة فإن الذي نسأه وهو
يريد إنزاله قد على أنه ينزله بعد مدة ، فلما أخبر أن ما أخره يأتى بمثله أو خير
منه قبل نزوله علم أنه لا يؤخر الأمر بلا بدل، فلو جاز أن يبقى مدة بلا بدل
لكان ما لم ينزل أحق بأن لا يكون له بدل من المنسوخ، فلما كان ذاك قد
حصل له بدل قبل وقت نزوله لتكميل الإنعام فلأن يكون البدل لما نسخ من
١٩٥

حين نسخ بعد أولى وأحرى ، ولأنه قد على أن القرآن نزل شيئاً بعد
شيء، فلو كان ما ينزله بدلا عن المنسوخ يؤخره لم يعرف أنه بدل، ولم
يتميز البدل من غيره، ولم يكن لقوله (نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ) فائدة
إلا كالفائدة المعلومة لو لم ينسخ شيء .
غاية ما يقال: أنه لو لم ينسخ شيء لجاز أن لا ينزل بعد ذلك
شيء ، وإذا نسخ شيء فلا بد من بدله ولو بعد حين. وهذا مما يعتقدونه
فإنهم قد اعتادوا نزول القرآن عند الحوادث والمسائل والحاجة، فما كانوا
يظنونه - إذا نسخت آية - أن لا ينزل بعدها شيء ، فإنها لو لم تنسخ
لم يظنوا ذلك ، فكيف يظنون إذا نسخت ؟ الثانى : أنه إذا كان قد
ضمن لهم الإتيان بالبدل عن المنسوخ علم أن مقصوده أنه لا ينقصهم
شيء مما أنزله ، بل لابد من مثل المرفوع أو خير منه ، ولو بقوامدة
بلا بدل لنقصوا .
وأيضاً فإن هذا وعد معلق بشرط ، والوعد المعلق بشرط يلزم
عقبه ، فإنه من جنس المعاوضة وذلك مما يلزم فيه أداء العوض على
الفور إذا قبض المعوض ، كما إذا قال : ما ألقيت من متاعك في البحر
فعلي بدله، وليس هذا وعداً مطلقاً كقوله ( لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ ).
ولهذا يفرق بين قوله : والله لأعطينك مائة ، وبين قوله : والله لا آخذ
منك شيئاً إلا أعطيتك بدله ، فإن هذا واجب على الفور .
١٩٦

ومما يدل على المسألة أن الصحابة والتابعين الذين أخذ عنهم علم
الناسخ والمنسوخ إنما يذكرون نسخ القرآن بقرآن ، لا يذكرون نسخه
بلا قرآن بل بسنة ، وهذه كتب الناسخ والمنسوخ المأخوذة عنهم إنما
تتضمن هذا. وكذلك قول علي رضي الله عنه للقاص: هل تعرف
الناسخ من المنسوخ في القرآن ؟ فلو كان ناسخ القرآن غير القرآن
لوجب أن يذكر ذلك أيضاً .
وأيضاًالذين جوزوا نسخ القرآن بلا قرآن من أهل الكلام
والرأي إنما عمدتهم أنه ليس فى العقل ما يحيل ذلك ، وعدم المانع
الذي يعلم بالعقل لا يقتضي الجواز الشرعى ، فإن الشرع قد يعلم بخبره
ما لا علم للعقل به ، وقد يعلم من حكمة الشارع التى علمت بالشرع
ما لا يعلم بمجرد العقل . ولهذا كان الذين جوزوا ذلك عقلا مختلفين فى
وقوعه شرعا ، وإذا كان كذلك فهذا الخبر الذي فى الآية دليل على
امتناعها شرعا .
وأيضاً فإن الناسخ مهيمن على المنسوخ ، قاض عليه ، مقدم عليه ،
فينبغي أن يكون مثله أو خيراً منه كما أخبر بذلك القرآن ، ولهذا لما
كان القرآن مهيمناً على ما بين يديه من الكتاب بتصديق ما فيه من
حق ، وإقرار ما أقره ، ونسخ ما نسخه كان أفضل منه . فلو كانت
السنة ناسخة للكتاب لزم أن تكون مثله أو أفضل منه .
١٩٧

وأيضاً فلا يعرف فى شيء من آيات القرآن أنه نسخه إلا قرآن.
والوصية للوالدين والأقربين منسوخة بآية المواريث ، كما اتفق على ذلك
السلف، قال تعالى: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ
جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَلِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ*
وَمَنْ يَعْصِ اُللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَلِدًافِيهَا وَلَهُعَذَابٌ
◌ُهِيرٌ) . والفرائض المقدرة من حدوده، ولهذا ذكر ذلك عقب ذكر
الفرائض ، فمن أعطى صاحب الفرائض أكثر من فرضه فقد تعدى
حدود الله، بأن نقص هذا حقه، وزاد هذا على حقه، فدل القرآن
على تحريم ذلك وهو الناسخ .
فصل
والناس في هذا المقام - وهو مقام حكمة الأمر والنهى ـ على ثلاثة
أصناف : فالمعتزلة القدرية يقولون : إن ما أمر به ونهى عنه كان حسناً
وقبيحاً قبل الأمر والنهي ، والأمر والنهي كاشف عن صفته التى كان
عليها لا يكسبه حسناً ولا قبحاً ، ولا يجوز عندهم أن يأمر وينهى لحكمة
تنشأ من الأمر نفسه . ولهذا أنكروا جواز النسخ قبل التمكن من
فعل العبادة ، كما فى قصة الذبيح ، ونسخ الخمسين صلاة التى أمر بها
ليلة المعراج إلى خمس ، ووافقهم على منع النسخ قبل وقت العبادة
١٩٨

طائفة من أهل السنة المثبتين للقدر لظنهم أنه لا بد من حكمة تكون فى
المأمور به والمنهى عنه: فلا يجوز أن ينهى عن نفس ما أمر به. وهذا
قياس من يقول إن النسخ تخصيص فى الأزمان ، فإن التخصيص
لا يكون برفع جميع مدلول اللفظ ، لكنهم تناقضوا ،
والجهمية الجبرية يقولون: ليس للأمر حكمة تنشأ، لا من نفس
الأمر ، ولا من نفس المأمور به ، ولا يخلق الله شيئاً لحكمة، ولكن
نفس المشيئة أوجبت وقوع ما وقع وتخصيص أحد المتماثلين بلا مخصص،
وليست الحسنات سبباً للثواب ولا السيئات سبباً للعقاب ، ولا لواحد
منها صفة صار بها حسنة وسيئة ، بل لا معنى للحسنة إلا مجرد تعلق
الأمر بها ، ولا معنى للسيئة إلا مجرد تعلق النهي بها ، فيجوز أن
يأمر بكل أمر حتى الكفر والفسوق والعصيان ، ويجوز أن ينهي عن
كل أمر حتى عن التوحيد والصدق والعدل ، وهو لو فعل لكان كما
لو أمر بالتوحيد والصدق والعدل ، ونهى عن الشرك والكذب
والظلم . هكذا يقول بعضهم ، وبعضهم يقول : يجوز الأمر بكل
ما لا ينافى معرفة الأمر . بخلاف ما ينافي معرفته . وليس في الوجود
عندهم سبب ، ولكن إذا اقترن أحد الشيئين بالآخر خلقاً أو شرعاً
صار علامة عليه ، فالأعمال مجرد علامات محضة لا أسباب مقتضية.
وقالوا : أمر من لم يؤمن بالإيمان معناه إني أريد أن أعذبكم
،
١٩٩

وعدم إيمانكم علامة على العذاب . وكذلك أمره بالإيمان من على أنه
يؤمن معناه إني أريد أن أثيبك ، والإيمان علامة . وهؤلاء منهم من
ينفى القياس فى الشرع والتعليل للأحكام ، ومن أثبت القياس منهم
لم يجعل العلل إلا مجرد علامات . ثم إنه مع هذا قد علم أن الحكم
فى الأصل ثابت بالنص والإجماع، وذلك دليل عليه ، فأي حاجة إلى
العامة ؟ وكيف يتصور أن تكون العلة علامة على الحكم فى الأصل ،
وإنما تطلب علته بعد أن يعلم ثبوت الحكم ، وحينئذ فلا فائدة فى
العلامة . وأما الفرع فلا يكون علة له حتى يكون علة للأصل، وهؤلاء
منهم من ينكر العلل المناسبة ويقول : المناسبة ليست طريقاً لمعرفة العلل
وثم أكثر أصحاب هذا القول . ومن قال بالمناسبة من متأخريهم يقول
إنه قد اعتبر فى الشرع اعتبار المناسب ، فيستدل بمجرد الاقتران ،
لا لأن الشارع حكم بما حكم به لتحصيل المصلحة المطلوبة بالحكم ، ولا
لدفع مفسدة أصلا ، فإن عندم أنه ليس في خلقه ولا أمره لام كى .
فيهم - رأس الجبرية - وأتباعه في طرف، والقدرية فى الطرف الآخر.
وأما الصحابة والتابعون لهم بإحسان وأئمة الإسلام كالفقهاء المشهورين
وغيرهم ومن سلك سبيلهم من أهل الفقه والحديث والمتكلمين فى أصول
الدين وأصول الفقه فيقرون بالقدر ، ويقرون بالشرع، ويقرون بالحكمة
الله فى خلقه وأمره - لكن قد يعرف أحدم الحكمة وقد لا يعرفها --
٢٠٠