النص المفهرس
صفحات 101-120
ما خلق : فيمتنع فى حقه لام العاقبة التى تتضمن نفى العلم أو نفى القدرة . وأنكر هؤلاء محبة الله ورضاء لبعض الموجودات دون بعض. وقالوا المحبة والرضا هو من معنى الإرادة ، والله حريد لكل ما خلقه فهو راض بذلك محب له . وزعموا أن ما فى القرآن من نفي حبه ورضاء بالكفر والمعاصى كقوله: (وَاَللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ)، (وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ ) محمول على عباده الذين لم يقع ذلك منهم، أو أنه لم يرده ديناً يثيبهم عليه . وزعموا أن الله لا يحب ولا يرضى ما أمر به من العبادات إلا إذا وقع ، فيريده كما يريد حينئذ ما وقع من الكفر والمعاصي ، إلى غير ذلك من أقوالهم المبسوطة في غير هذا الموضع . وكثير من المتأخرين يظن أن هذا قول أهل السنة ، وهذا مما لم يقله أحد من سلف الأمة وأئمتها ، بل جميع مثبتة القدر المتقدمين كانوا يفرقون بين المحبة والرضا وبين الإرادة ، ولكن أبو الحسن الأشعري اتبع جها فى ذلك . قال أبو المعالى الجوينى : ومما اختلف أهل الحق فى إطلاقه وعدم إطلاقه المحبة والرضا ، فصار المتقدمون إلى أنه سبحانه لا يحب الكفر ولا يرضاه ، وكذلك كل معصية . وقال شيخنا أبو الحسن : المحبة هي الإرادة نفسها ، وكذلك الرضا والاصطفاء ، وهو سبحانه بريد الكفر ١٠١ ويرضاه كفراً قبيحاً معاقباً عليه. وهو كما قال أبو المعالى، فإن المتقدمين من جميع أهل السنة على ما دل عليه الكتاب والسنة من أنه سبحانه لا يرضى ما نهى عنه ولا يحبه، وعلى ذلك قدماء أصحاب الأئمة الأربعة أصحاب أبى حنيفة ومالك والشافعي وأحمد ، كأبي بكر عبد العزيز وغيره من قدمائهم ، ولكن من المتأخرين من سوى بين الجميع كما قاله أبو الحسن، وهو فى الأصل قول لجهم ، فهو الذي قال فى القدر بالجبر ، وبما يخالف أهل السنة ، وأنكر رحمة الله تعالى، وكان يخرج إلى الجدمى فيقول : أرحم الراحمين يفعل هذا؟ فنفى أن يكون الله أرحم الراحمين! وقد قال الصادق المصدوق («للهُ أرحم بعباده من الوالدة بولدها )) . وهذه مسائل عظيمة ليس هذا موضع بسطها . وإنما المقصود هنا التنبيه على الجمل ، فإن كثيرا من الناس يقرأ كتباً مصنفة فى أصول الدين وأصول الفقه بل في تفسير القرآن والحديث ولا يجد فيها القول الموافق للكتاب والسنة الذي عليه سلف الأمة وأئمتها ، وهو الموافق لصحيح المنقول وصريح المعقول ، بل يجد أقوالا كل منها فيه نوع من الفساد والتناقض ، فيحار ما الذي يؤمن به فى هذا الباب، وما الذي جاء به الرسول، وما هو الحق والصدق، إذ لم يجد في تلك الأقوال ما يحصل به ذلك ، وإنما الهدى فيما جاء به الرسولُ الذي قال اللّه فيه: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِىّ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَّطِ اللَّهِالَّذِى لَهُ, مَافِى السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ ). ١٠٢ فصل وإذا علم ما دل عليه الشرع مع العقل واتفاق السلف من أن بعض القرآن أفضل من بعض ، وكذلك بعض صفاته أفضل من بعض بقى الكلام في كون (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ ) تعدل ثلث القرآن، ما وجه ذلك؟ وهل ثوابها بقدر ثواب ثلث القرآن، وإذا قدر أن الأمر كذلك فما وجه قراءة سائر القرآن ؟ فيقال : أما الأول فقد قيل فيه وجوه أحسنها - والله أعلم - الجواب المنقول عن الإمام أبى العباس بن سريج ، فعن أبي الوليد القرشي أنه سأل أبا العباس بن سريج عن معنى قول النبى صلى الله عليه وسلم: ((قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن)) فقال: معناه أنزل القرآن على ثلاثة أقسام : ثلث منها الأحكام ، وثلث منها وعد ووعيد ، وثلث منها الأسماء والصفات . وهذه السورة جمعت الأسماء والصفات . وقد ذكر أبو الفرج ابن الجوزي فى هذا الحديث ثلاثة أوجه : بدأ بهذا الوجه ، فروى قول ابن سريج هذا بإسناده عن زاهد، عن الصابونى والبيهقي، عن الحاكم أبى عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا الوليد ١٠٣ حسان بن محمد الفقيه يقول : سألت أبا العباس بن سريج قلت : ما معنى قول النبى صلى الله عليه وسلم (( قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن))؟ قال : إن القرآن أنزل على ثلاثة أقسام : فثلث أحكام ، وثلث وعد ووعيد ، وثلث أسماء وصفات . وقد جمع في ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ) أحد الأثلاث وهو الصفات، فقيل إنها تعدل ثلث القرآن. الوجه الثانى - من الوجوه الثلاثة التى ذكرها أبو الفرج بن الجوزي - أن معرفة الله هي معرفة ذاته ومعرفة أسمائه وصفاته ومعرفة أفعاله ، فهذه السورة تشتمل على معرفة ذاته ، إذ لا يوجد شيء إلا وجد من شيء [ ما خلا اللّه. فإنه ليس له كفء ] ولا له مثل . قال أبو الفرج : ذكره بعض فقهاء السلف . قال : والوجه الثالث أن المعنى : من عمل ما تضمنته من الإقرار بالتوحيد والإذعان للخالق كان كمن قرأ ثلث القرآن ولم يعمل بما تضمنته، ذكره ابن عقيل . قال ابن عقيل : ولا يجوز أن يكون المعنى : من قرأها فله أجر ثلث القرآن لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من قرأ القرآن فله بكل حرف عشر حسنات)). قلت : كلا الوجهين ضعيف . أما الأول فيدل على ضعفه وجوه : الأول أن نقول القرآن ليس ١٠٤ كله هو المعرفة المذكورة ، بل فيه أمر بالأعمال الواجبة ونهى عن المحرمات . والمطلوب من العباد المعرفة الواجبة والعمل الواجب. والأمة كلها متفقة على وجوب الأعمال التى فرضها الله، لم يقل أحد بأنها ليست من الواجبات ، وإن كان طائفة من الناس نازعوا فى كون الأعمال من الإيمان فلم ينازعوا فى أن الله فرض الصلوات الخمس (مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وغيرها من شرائع الإسلام ، وحرم الفواحش : وَآلْإِثَمَ وَالْبَغْىَ بِغَيْرِالْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْبِلَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ، سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِمَا لَا نَعْلَمُونَ) وإذا كان كذلك وقدر أن سورة من السور تضمنت ثلث المعرفة لم يكن هذا ثلث القرآن . الثاني أن يقال : قول القائل معرفة ذاته ومعرفة أسمائه وصفاته ومعرفة أفعاله إن أراد بذلك أن ذاته تعرف بدون معرفة شيء من أسمائه وصفاته الثبوتية والسلبية فهذا ممتنع ، ولو قدر إمكان ذلك أو فرض العبد في نفسه ذانا مجردة عن جميع القيود السلبية والثبوتية فليس ذاك معرفته باللّه ألبتة ، ولا هو رب العالمين ذات مجردة عن كل أمر سلبى أو ثبوتي ؛ ولهذا لم يقل أحد من العقلاء هذا إلا القرامطة الباطنية يقولون : يسلب عنه كل أمر ثبوتي وعدمي، فلا يقال موجود ولا معدوم ، ولا عالم ولا ليس بعالم ولا قادر ولا ليس بقادر ولا نحو ذلك . وهؤلاء مع أن قولهم معلوم الفساد بضرورة العقل فإنهم ١٠٥ متناقضون . أما الأول فلأن سلب النقيضين ممتنع كما أن جمعها ممتنع ، فيمتنع أن يكون شيء من الأشياء لا موجوداً ولا معدوماً . وأما تناقضهم لابد أن يذكروا ما ذكروا أنه يسلب عنه النقيضان ببعض الأمور التى يتميز بها ليخبر عنه بهذا السلب ، وأي شيء قالوه فلابد أن يتضمن نفياً أو إثباتاً ، بل لا بد أن يتضمن إثباتاً ، وقد بسطنا الرد عليهم فى غير هذا الموضع . ولهذا كان كثير من الملاحدة لا يصلون إلى هذا الحد ؛ بل يقولون كما قال أبو يعقوب السجستانى وغيره من الملاحدة: نحن لا تنفي النقيضين ، بل نسكت عن إضافة واحد منهما إليه ، فلا نقول هو موجود ولا معدوم ولا حي ولا ميت ولا عالم ولا جاهل . فيقال لهم: إعراض قلوبكم عن العلم به وكف ألسنتكم عن ذكره لا يوجب أن يكون هو في نفسه مجرداً عن النقيضين؛ بل يفيد هذا كفركم بالله وكراهتكم لمعرفته وذكره وعبادته ، وهذا حقيقة مذهبكم . ومن قال من الملاحدة المنتسبين إلى التصوف والتحقيق كابن سبعين والصدر القونوي وغيرهما : إنه وجود مطلق بشرط الإطلاق عن كل وصف ثبوتى وسلبى فهو من جنس هؤلاء . لكن هؤلاء يقولون هو وجود مطلق فيخصونه بالوجود دون العدم . ثم يقولون هو مطلق، والمطلق بشرط الإطلاق عن كل قيد سلبى وثبوتى إنما يكون في ١٠٦ الأذهان لا فى الأعيان . وهؤلاء يقولون : الوجود الكلي المقسوم إلى واجب وممكن الذي يجعله الفلاسفة موضوع العلم الإلهي ويسمونه ((الحكمة العليا)) و((الفلسفة الأولى)) إنما يكون كلياً فى الأذهان لا في الأعيان ، فليس فى الخارج قط وجود هو بعينه واجب وهو بعينه ممكن ، ولا وجود هو نفسه يتصف به الواجب وهو نفسه يتصف به الممكن ؛ بل صفة الواجب تختص به وصفة الممكن تختص به . ووجود الواجب يخصه لا يشركه فيه غيره ، ووجود الممكن يخصه لا يشركه فيه غيره . ولهذا كان كل ما وصف به الرب نفسه من صفاته فهي صفات مختصة به يمتنع أن يكون له فيها مشارك أو مائل ، فإن ذاته المقدسة لا تماثل شيئاً من الذوات ، وصفاته مختصة به فلا تماثل شيئاً من الصفات؛ بل هو سبحانه أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، فاسمه ( الأحد ) دل على نفى المشاركة والماثلة، واسمه ( الصمد) دل على أنه مستحق لجميع صفات الكمال ، كما بسط الكلام على ذلك فى الشرح الكبير المصنف في تفسير هذه السورة . وصفات التنزيه كلها ؛ بل وصفات الإثبات: يجمعها هذان المعنيان . وقد بسط الكلام فى التوحيد وأنه نوعان: علمي قولي، وعملي قصدي. و (قُلْ يَكَأَيُّهَا اَلْكَفِرُونَ) اشتملت على التوحيد العملي نصاً ، وهي دالة على العلمي ١٠٧ لزوماً. و (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ) اشتملت على التوحيد العلمي القولي نصاً، وهي دالة على التوحيد العملي لزوماً. ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ بها في ركعتى الفجر وركعتى الطواف وغير ذلك ، وقد ثبت أنه كان يقرأ أيضاً فى ركعتى الفجر بآية الإيمان التى في البقرة (قُولُوْءَامَنَّا بِاللَّهِ ) في الركعة الأولى وآية الإسلام التى فى آل عمران: (قُلْ يَأَهْلَ الْكِتَبِ تَعَالَوْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَلْعَ بَيْنَنَا وَبَيْنَّكُمْ أَلََّنَعْبُدَ إِلَّ اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ، شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضَا أَرْبَابًا مِن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْ فَقُولُواْ أَشْهَدُواْ ◌ِأَنَّا مُسْلِمُونَ ) . والمقصود هنا أن صفات التنزيه يجمعها هذان المعنيان المذكوران فى هذه السورة : أحدهما نفي النقائص عنه وذلك من لوازم إثبات صفات الكمال، فمن ثبت له الكمال التام انتفى النقصان المضاد له ، والكال من مدلول اسمه الصمد . والثانى أنه ليس كمثله شىء فى صفات الكمال الثابتة ، وهذا من مدلول اسمه الأحد . فهذان الاسمان العظيمان - الأحد الصمد - يتضمنان تنزيهه عن كل نقص وعيب ، وتنزيهه فى صفات الكمال أن لا يكون له مماثل في شيء منها . واسمه الصمد يتضمن إثبات جميع ١٠٨ صفات الكمال ، فتضمن ذلك إثبات جميع صفات الكمال ونفي جميع صفات النقص ، فالسورة تضمنت كل ما يجب نفيه عن الله ، وتضمنت أيضاً كل ما يجب إثباته من وجهين : من اسمه الصمد ، ومن جهة أن ما نفى عنه من الأصول والفروع والنظراء مستلزم ثبوت صفات الكمال أيضاً . فإن كل ما يمدح به الرب من النفي فلا بد أن يتضمن ثبوتاً ، بل وكذلك كل ما يمدح به شيء من الموجودات من النفي فلابد أن يتضمن ثبوتاً ، وإلا فالنفي المحض معناه عدم محض ، والعدم المحض ليس بشيء؛ فضلا عن أن يكون صفة كمال. وهذا كما يذكره سبحانه فى آية الكرسي مثل قوله: (اللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىّالْقَيُوْ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ) فنفي أخذ السنة والنوم له مستلزم لكال حياته وقيوميته ، فإن النوم بنافي القيومية، والنوم أخو الموت ، ولهذا كان أهل الجنة لا ينامون. ثم قال: (لَّهُمَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِي الْأَرْضِّ مَنْ ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّ بِإِذْنِ) فنفي الشفاعة بدون إذنه مستلزم لكمال ملكه؛ إذكل من شفع إليه شافع بلا إذنه فقبل شفاعته كان منفعلا عن ذلك الشافع ، فقد أثرت شفاعته فيه فصيرته فاعلا بعد أن لم يكن ، وكان ذلك الشافع شريكا للمشفوع إليه فى ذلك الأمر المطلوب بالشفاعة ؛ إذ كانت بدون إذنه ، لا سيما والمخلوق إذا شفع إليه بغير إذنه فقبل الشفاعة فإنما يقبلها لرغبة أو لرهبة : إما من ١٠٩ الشافع أو من غيره ، وإلا فلو كانت داعيته من تلقاء نفسه تامة مع القدرة لم يحتج إلى شفاعة، والله تعالى منزه عن ذلك كله ، كما قال فى الحديث الإلهي: ((يا عبادي إنكم لن تبلغوا نفعي فتنفعونى، ولن تبلغوا ضري فتضرونى )). ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر أصحابه بالشفاعة إليه، فكان إذا أناه طالب حاجة يقول: ((اشفعوا تؤجروا ، ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء)) أخرجاه فى الصحيحين، وكان مقصوده أنهم يؤجرون على الشفاعة ، وهو إنما يفعل ما أمره الله به . ( يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍ مِّنْ وكذلك قوله : بين أنهم لا يعلمون من علمه إلا ما علمهم إياه كما عِلْمِهِ إِلَّ بِمَا شَآءَ) قالت الملائكة : (لَاَ عِلْمَ لَنَآ إِلَّ مَا عَلَّمْتَنَا ) فكان فى هذا النفي إثبات أن عباده لا يعلمون إلا ما علمهم إياه ، فأثبت أنه الذي علمهم . لا ينالون العلم إلا منه. فإنه: ( الَّذِى خَلَقَ * خَلَقَ اُلْإِنسَنَ مِنْ عَلَقٍ) و (عَلَّمَبِالْقَلَمِ * عَلََّ الْإِنْسَنَ مَا لَمْيَعْلَمَ ). ثم قال : (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَّ وَلَا يَقُودُهُ حِفْظُهُمَا) أي لا يكرثه ولا يثقله . وهذا النفي تضمن كمال قدرته ، فإنه مع حفظه السموات والأرض لا يثقل ذلك عليه كما يثقل على من فى قوته ضعف. وهذا كقوله تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِنَّةِ أَيَّامِ فنزه نفسه عن مس اللغوب . قال أهل اللغة وَمَا مَسَّنَا مِنْ أُّغُوبٍ ) ١١٠ اللغوب الإعياء والتعب. وكذلك قوله: (لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ) الإدراك عند السلف والأكثرين هو الإحاطة . وقال طائفة هو الرؤية ، وهو ضعيف ؛ لأن نفي الرؤية عنه لا مدح فيه ، فإن العدم لايرى . وكل وصف يشترك فيه الوجود والعدم لا يستلزم أمراً ثبوتياً فلا يكون فيه مدح، إذ هو عدم محض ، بخلاف ما إذا قيل لا يحاط به فإنه يدل على عظمة الرب جل جلاله . وإن العباد مع رؤيتهم له لا يحيطون به رؤية، كما أنهم مع معرفته لا يحيطون به علما ، وكما أنهم مع مدحه والثناء عليه لا يحيطون ثناء عليه؛ بل هو كما أثنى على نفسه المقدسة . ولهذا قال أفضل الخلق وأعلمهم: ((لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك)) وهذه الأمور مبسوطة فى موضع آخر . والمقصود هنا الكلام على معنى كون (قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُّ ) تعدل ثلث القرآن ، وبيان أن الصواب القول الأول . الوجه الثالث الذي يدل على فساد القول الثانى أن يقال : قول القائل ((معرفة أفعاله)) إن أراد بذلك معرفة آياته الدالة عليه فهذه من تمام معرفته ، ويبقى معرفة وعده ووعيده وقصص الأمم المؤمنة والكافرة لم يذكره، وهو القسم الثانى من أقسام معانى القرآن ، كما لم يذكر أمره ونهيه . وإن جعل هذه من مفعولاته فمعلوم أن معرفة الوعد والوعيد والقصص المطلوب فيها الإيمان باليوم الآخر وجزاء الأعمال ، ١١١ كما أن المطلوب بالأمر والنهى طاعته ، فإنه لا بد من الإيمان بالله واليوم الآخر ، ومن العمل الصالح لكل أمة كما قال تعالى: (إِنَّالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَرَى وَالصَّبِينَ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَلِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَ هُمْ يَحْزَنُونَ ) . الوجه الرابع أن يقال : ما ذكره من نفي المثل عنه ومن نفى الولادة مذكور فى غير هذه السورة فلم يختص بهذا المعنى. الوجه الخامس أن يقال: هب أنها تضمنت التنزيه كما ذكره الله فمعرفة الله ليست بمعرفة صفات السلب ، بل الأصل فيها صفات الإثبات ، والسلب تابع ومقصوده تكميل الإثبات ، كما أشرنا إليه من أن كل تنزيه مدح به الرب ففيه إثبات ، ولهذا كان قول (( سبحان الله)) متضمنا تنزيه الرب وتعظيمه ، ففيها تنزيهه من العيوب والنقائص وفيها تعظيمه سبحانه وتعالى، كما قد بسط الكلام على ذلك في مواضع . وأما القول الثالث وهو المراد به أن من عمل بما تضمنته كان كمن قرأ ثلث القرآن ولم يعمل بما تضمنته ، فهذا أيضاً ضعيف ، وما نفاه من المعادلة فهو مبنى على قول من اعتبر فى مقدار الأجر كثرة الحروف وهو قول باطل، كما قد بين في موضعه ، وذلك أن العمل بها إن أراد ١١٢ به العمل الواجب من التصديق بمضمونها وتوحيد الله فهذا أجره أعظم من أجر من قرأ القرآن جملة ولم يعمل بذلك ، فإنه إن خلا عن الإيمان بمضمون القرآن فهو منافق ، وإن خلا عما يجب عليه من العمل فهو فاسق . ومعلوم أن هذا لو قرأ القرآن عشر مرات لم يكن أجره مثل أجر المؤمن المتقى . وأيضاً فإن هذا الأجر على الإيمان بمضمونها سواء قرأها أو لم يقرأها ، والأجر المذكور فى الحديث هو لمن قرأها فلابد أن يكون قد قرأها مع الإيمان بما تضمنته . وأيضا فالنبي صلى الله عليه وسلم جعل قراءتها تعدل ثلث القرآن، وقرأها على أصحابه ، وأخبرم أنه قرأ عليهم ثلث القرآن: فكانت قراءته لها تعدل قراءته هو الثلث . وكذلك الرجل الذي جعل يرددها . وكذلك إخباره لهم بأنها تعدل ثلث القرآن وإنما يراد به ثلثه إذا قرأوه هم ، لم يرد به الثلث إذا قرأها منافق لا يؤمن بمعنى ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ ) . ثم إن كون المراد بذلك من قرأ الثلث بلا إيمان بها معنى ليس في اللفظ ما يدل عليه ، وإنما بدل اللفظ على نقيضه . وهذا التأويل وأمثاله هو من تحريف الكلم عن مواضعه الذي ذم اللّه عليه من فعل ذلك من أهل الكتاب ، وهو نوع من الإلحاد في كلام الله ورسوله . وقد ذكر أبو حامد الغزالي وجها آخر غير هذه الثلاثة ، فقال فى كتابه: ((جواهر القرآن ودرره)): أما قوله: ((قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ ١١٣ تعدل ثلث القرآن)) ما أراك تفهم وجه ذلك ، فتارة تقول : ذكر هذا للترغيب فى التلاوة وليس المعنى به التقدير ، وحاشا منصب النبوة عن ذلك . وتارة تقول : هذا بعيد عن الفهم والتأويل ، فإن آيات القرآن تزيد على ستة آلاف آية ، فهذا القدر كيف يكون ثلثها ؟ وهذا لقلة معرفتك بحقائق القرآن ونظرك إلى ظاهر ألفاظه ، فتظن أنها تعظم وتكثر بطول الألفاظ وتقصر بقصرها . وذلك كظن من يؤثر الدرام الكثيرة على الجوهرة الواحدة نظراً إلى كثرتها . فاعلى أن سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن قطعاً، وترجع إلى الأقسام الثلاثة التى ذكرناها فى مهات القرآن ، وهي : معرفة الله ، ومعرفة الآخرة ، ومعرفة الصراط المستقيم . فهذه المعارف الثلاثة هي المهمة ، والباقى توابع . وسورة الإخلاص تشتمل على واحدة من الثلاث، وهي معرفة اللّه وتقديسه وتوحيده عن مشارك فى الجنس والنوع، وهو المراد بنفي الأصل والفرع والكفء. والوصف بالصمد يشعر بأنه السيد الذي لا يقصد في الوجود للحوائج سواه . نعم ليس فيها حديث الآخرة والصراط المستقيم ، فلذلك تعدل ثلث القرآن . أي ثلث الأصول من القرآن كما قال: ((الحج عرفة)) أي هو الأصل والباقى تبع . قلت آيات القرآن نوعان: علمية وعملية، وفي الآيات ما يجمع الأمرين. وأبو حامد جمع العلميات المتعلقة بذات الله وصفاته وأفعاله دون ما يتعلق ١١٤ باليوم الآخر والقصص، وسماها ((جواهر القرآن))، وجمع العمليات وسماها ((درر القرآن)). وجعل الشطر الأول من ((الفاتحة)) من الجواهر، والثانى من الدرر ، والآيات التى تجمع المعنيين يذكرها في أغلب النوعين عليها. ومجموع ما ذكره من القسمين ربع آيات القرآن نحو ألف وخمسمائة آية . وجعل معانى القرآن ستة أصناف: ثلاثة أصول، وثلاثة توابع . فذكر أن القرآن هو البحر المحيط ، ومنه يتشعب علم الأولين والآخرين . وقال: سر القرآن ولبابه الأصفى ومقصده الأقصى دعوة العباد إلى الجيار الأعلى رب الآخرة والأولى، وخالق السموات العلى والأرضين السفلى . فالثلاثة المهمة : تعريف المدعو إليه، وتعريف الصراط المستقيم الذي يجب ملازمته فى السلوك إليه ، وتعريف الحال عند الوصول إليه . وأما الثلاثة المعنية فأحدها : أحوال المجيبين للدعوة ، ولطائف صنع الله فيهم ، وسره ومقصوده التشويق والترغيب . وتعريف أحوال الناكيين والنا كلين عن الإجابة، وكيفية قمع الله لهم وتشكيله بهم، وسره ومقصوده الاعتبار والترهيب . وثانيها: حكاية أقوال الجاحدين . وكشف فضائحهم وجهلهم بالمجادلة والمحاجة على الحق. ومقصوده وسره فى جنبة الباطل الإفصاح والتحذير والتنفير ، وفى جنبة الحق الإيضاح والتثبيت والتقرير. وثالثها : تعريف عمارة منازل الطريق وكيفية أخذ الزاد والراحلة والأهبة للاستعداد . قلت : ما ذكره من أن أصول الإيمان ثلاثة فهو حق كما ذكره ، ١١٥ ولا بد من الثلاثة فى كل ملة ودين ، كما قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَرَى وَالصَّبِينَ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَلِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَ هُمْ يَحْزَنُونَ ). ونحو ذلك فى سورة المائدة . فذكر هذه الأصول الثلاثة : الإيمان بالله، واليوم الآخر ، والعمل الصالح . وأما الثلاثة الأخر التابعة فهي داخلة فى هذه الثلاثة . فإن مافي القرآن من ذكر أحوال السعداء والأشقياء فى الآخرة فهو من تفصيل الإيمان باليوم الآخر . وما فيه من عمارة الطريق فهو من العمل الصالح . وما فيه من المجادلة والمحاجة فذاك من تمام الإخبار بالثلاثة ، فإنه إذا أخبر بالثلاثة ذكر الآيات والأدلة المثبتة لذلك، وذكر شبه الجاحدين وبين فسادها. وقد ذكر أبو حامد ذلك فقال : القسم الجائي لحاجة الكفار ومجادلتهم وإيضاح مخازيهم بالبرهان الواضح وكشف أباطيلهم وتخابيلهم، وأباطيلهم ثلاثة أنواع: [الأول ] ذكر الله بما لا يليق به من أن الملائكة بناته، وأن له ولداً شريكا ، وأنه ثالث ثلاثة . الثاني ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه ساحر وكاهن وشاعر، وإنكار نبوته. وثالثها إنكار اليوم الآخر، وجحد البعث والنشور والجنة والنار ، وإنكار عاقبة الطاعة والمعصية . وأما ما فيه من الإخبار بأحوال المؤمنين والكفار فى الدنيا - وهو الذي أراده أبو حامد بذكر أحوال المستجيبين والناكبين - فهذا من ١١٦ تمام الأدلة والآيات ، فإن هذا أمر شوهد في الدنيا ورؤيت آثاره وتواترت أخباره ، ليس هو مما بعد الموت الذي هو غيب عن العباد . ولهذا يذكر سبحانه هذا فى معرض الاحتجاج والاستدلال ، مع ما في ذلك من الموعظة ، كقوله: (لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِ الْأَلْبَابِ )، ( قَدْ كَانَ لَكُمْ ءَايَةٌ فِى فِئَتَيْنِ الْتَقَتَّافِئَةٌ تُقَتِلُ فِى سَبِلِ اللهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِثْلَيْهِمْ رَأْىَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ، مَن يَشَآءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً وقوله : ( هُوَ اُلَّذِىّ أَخْرَجَ اُلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ اَلْكِنَبِ لِأُوْلِ الْأَبْصَرِ) . مِن دِيَِهِمٍ ◌ِأَوَّلِ الْحَشْرِّ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُ جُواْ وَظَنُواْ أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُوْنُهُم مِّنَ اْللَّهِ فَأَنَنْهُمُ اَللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ وَقَذَفَ فِ قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِى الْمُؤْمِنِينَ فَأَعْتَبِرُوايَتَأُوْلِ الْأَبْصَرِ ) وقوله: (قُلْ سِيرُوا فِى الْأَرْضِ ثُمَّ أَنْظُرُ واْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ) وقوله : (فَكَيِّنْ مِن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَهَا وَهِى ظَالِمَةٌ فَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِى الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَمُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ وَبِثْرِ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرِمَّشِيدٍ بِهَا أَوْ ءَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَرُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُالَّتِى فِ الصُّدُورِ ) وقوله: (أَوَلَمْ يَسِبُواْ فِى الْأَرْضِ فَيَظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمَّ كَانُواْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُواْ الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَ تْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَتِ) الآيات . ١١٧ وقوله تعالى لما ذكر قصة قوم لوط: (فَجَعَلْنَا عَلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِيلٍ * إِنَّفِ ذَلِكَ لَآَيَتٍ لِلْمُتَوَسِمِينَ * وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلِ مُقِيمٍ ) والمتوسم : المستدل بالسمة والسيما ، وهي العلامة ، قال تعالى: (وَلَوْنَشَاءُ لَأَرَيْنَكَهُمْ فَلَعَرَ فْذَهُمْ بِسِيمَهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِىِ لَحْنِ الْقَوْلِ ) . فمعرفة المنافقين في لحن القول ثابتة مقسم عليها ، لكن هذا يكون إذا تكلموا، وأما معرفتهم بالسيما فموقوف على مشيئة الله ؛ فإن ذلك أخفى. وفى الحديث الذي رواه الترمذي وحسنه عن أبى سعيد عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((اتقوا فراسة المؤمن ، فإنه ينظر بنور الله)) ثم قرأ قوله تعالى: (إِنَّفِى ذَلِكَ لَيَتٍ لِلْمُتَوَسّمِينَ ) قال مجاهد وابن قتيبة للمتفرسين ، قال ابن قتيبة : يقال توسمت في فلان الخير أي تبينته ، وقال الزجاج : المتوسمون في اللغة النظار المثبتون فى نظرهم حتى يعرفوا حقيقة سمة الشيء ، يقال توست فى فلان كذا أي عرفت ، وقوله ((المثبتون في نظرم)) أي فى نظر أعينهم حتى يعرفوا السيما، بخلاف الذين (وَكَأَِّنِ مِّنْ ءَايَةٍ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا قیل فیہم : مُعْرِضُونَ ) . وقال الضحاك : الناظرون ، وقال ابن زيد : المنتقدون . وقال قتادة: المعتبرون . وكل هذا صحيح ، فإن المتوسم يجمع هذا ثم ذكر قصة كله . ثم قال تعالى: (وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ ) أي بطريق متبين أصحاب الأيكة. ثم قال: (وَإِنَّهُمَالَبِإِ مَا مِ شُّبِينٍ) للناس واضح . ١١٨ وكذلك فى موضع آخر لما قال: (فَأَخْرَحْنَامَنْ كَانَ فِيَهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَا وَجَدْنَا فِيَهَا غَيْرَبَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ * وَتَرَّكَْافِيَءَايَةٌ لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ) وقال فى سفينة نوح: (وَلَقَد تَرَّكْنَهَءَايَّةٌ فَهَلْ مِن مُّذَّكِرٍ ) فأخبر أنه أبقى آيات ، وهي العلامات والدلالات ، فدل ذلك على أن ما يخصه من أخبار المؤمنين وحسن عاقبتهم فى الدنيا وأخبار الكفار وسوء عاقبتهم فى الدنيا هو من باب الآيات والدلالات التى يستدل بها ويعتبر بها علماً ووعظاً ، فيفيد معرفة صحة ما أخبرت به الرسل ، ويفيد الترغيب والترهيب ، ويدل ذلك على أن الله يرضى عن أهل طاعته ويكرمهم ، ويغضب على أهل معصيته ويعاقبهم ، كما يستدل بمخلوقاته العامة على قدرته ، فإن الفعل يستلزم قدرة الفاعل (ويستدل] بإحكام الأفعال على علمه ؛ لأن الفعل المحكم يستلزم على الفاعل ، وبالتخصيص على مشيئته ؛ لأن التخصيص مستلزم لإرادته، فكذلك يستدل بالتخصيص بما هو أحمد عاقبة على حكمته ؛ لأن تخصيص الفعل بما هو محمود فى العاقبة مستلزم للحكمة ، ويستدل بتخصيص الأنبياء وأتباعهم بالنصر وحسن العاقبة وتخصيص مكذبيهم بالخزي وسوء العاقبة على أنه يأمر ويحب ويرضى ما جاءت به الأنبياء ، ويكره ويسخط ما كان عليه مكذبوم ؛ لأن تخصيص أحد النوعين بالإكرام والنجاة والذكر الحسن والدعاء، وتخصيص الآخر بالعذاب والهلاك وقبح الذكر واللعنة: يستلزم محبة ما فعله الصنف الأول ، وبغض ما فعله الصنف الثانى . ١١٩ وأما الإرادة التى يقال فيها إنها بخص أحد المثلين عن الآخر بلا سبب فتلك هل يوصف الله بها ؟ فيه نزاع . فإن قيل: إنه لا يوصف بها فلا كلام ، وإن قيل : إنه يوصف بها فمعلوم أن تخصيص الأنبياء عليهم السلام بهذا، وتخصيص أعدائهم بهذا لم يصدر عن تخصيص بلا مخصص ؛ بل يعلم أنه قصد تخصيص هؤلاء بالإكرام وهؤلاء بالعقاب ، وأن إيمان هؤلاء سبب تخصيصهم بهذا، وكفر هؤلاء سبب تخصيصم بهذا. ولبسط هذه الأمور موضع آخر . لكن المقصود هنا أن هذه الثلاثة داخلة فى الثلاثة الأول . ولكن أبو حامد يجعل الحجاج صنعة الكلام ، ويجعل عمارة الطريق على الفقه، ويجعل أخبار الأنبياء على القصص ، ويقول : إن الكلام والجدل ليس فيه بيان حق بدليل ؛ بل إنما فيه دفع البدع ببيان تناقضها ؛ ويجعل أهله من جنس خفراء الحجيج ، ويجعل على الفقه ليس غايته إلا مصلحة الدنيا ، وهذا مما نازعه فيه أكثر الناس وتكلموا فيه بكلام ليس هذا موضعه ، كما تكلموا على ما ذكره فى هذا الكتاب ( جواهر القرآن ) وغيره من كتبه من معاني الفلسفة وجعل ذلك هو باطن القرآن ، وكلام علماء المسلمين على رد هذا أكثر من كلامهم على رد ذلك ؛ فإن هذا فيه مما يناقض مقصود الرسول أمور عظيمة ، كما تكلموا على ما ذكره في النبوة بما يشبه كلام الفلاسفة فيها . ١٢٠