النص المفهرس
صفحات 81-100
أريد بها من آمن ببعضه وكفر ببعضه ، أو أريد بها من عضهه فقال: هو سحر وشعر ونحو ذلك ؛ بل من نفى فضل (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ) على ( تَبَّتْ يَدَآ أَبِ لَهَبٍ ) فهو أولى بأن يكون ممن جعله عضين؛ إن دلت الآية على هذه المسألة . وذلك أن من آمن بما وصف الله به كلامه فأقر بأنه جميعه كلام الله، وأقر به كله فلم يكفر محرف منه، وعلم أن كلام الله أفضل من كل كلام، وأن خير الكلام كلام الله، وأنه لا أحسن من اللّه حديثا ولا أصدق منه قيلا، وأقر بما أخبر اللّه به ورسوله من فضل بعض كلامه، كفضل ( فاتحة الكتاب ) و ( آية الكرسى) و (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ) ونحو ذلك، بل وتفضيل ( يس) و (تبارك ) والآيتين من آخر سورة البقرة ، بل وتفضيل ( البقرة ) و (آل عمران ) وغير ذلك من السور والآيات التى نطقت النصوص بفضلها ، وأقر بأنه كلام اللّه ليس منه شيء كلاماً لغيره لا معانيه ولا حروفه ، فهو أبعد عن جعله عضين ممن لم يؤمن بما فضل الله به بعضه على بعض ؛ بل آمن بفضله من جهة المتكلم ، ولم يؤمن بفضله من جهة المتكلم فيه ؛ فإن هذا فى الحقيقة آمن به من وجه دون وجه . وكذلك من قال : إنه معنى واحد ، وأن القرآن العربي لم يتكلم الله به؛ بل هو مخلوق خلقه الله فى الهواء أو أحدثه جبريل أو محمد ، فهذا ٨١ أولى بأن يكون داخلا فيمن عضه القرآن ، ورماه بالإفك، وجعل القرآن العربي كلام مخلوق: إما بشر وإما ملك وإما غيرهما ، فمن جعل القرآن كله كلام اللّه ليس بمخلوق ولا هو من إحداث مخلوق لا جبريل ولا محمد ولا شيء منه، بل جبريل رسول ملك، ومحمد رسول بشر، والله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس ، فاصطفى لكلامه الرسول الملكى فنزل به على الرسول البشري الذي اصطفاه ، وقد أضافه إلى كل من الرسولين لأنه بلغه وأداء ؛ لا لأنه أنشأه وابتداه ، قال تعالى: (إِنَّهُ. لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِ * ذِى قُوٍّ عِندَ ذِى الْعَرْشِ مَكِنِ * مُطَارِ ثَمََّمِينٍ ) فهذا نعت جبريل الذي قال فيه: (مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ, عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ ) وقال: (نَزَلَ بِهِالرُُّعُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَُّونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ وقال: (وَإِذَا بَدَّلْنَآءَايَةً مَّكَانَ بِلِسَانٍ عَرَبٍ مُبِينٍ ) ءَايَةٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّدُ قَالُوَاْإِنَّمَآ أَنْتَ مُفْتَرِ بَلْ أَكْثَرُهُمْلَا يَعْلَمُونَ * قُلْ نَزَّلَهُ وقال فى الآية الأخرى : ( إِنَّهُ, رُوحُ اٌلْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقّ ) لَقَوَّلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَبِقَوْلِ شَاعِرِ قَلِلاَ مَّانُؤْمِنُونَ * وَلَ بِقَوْلِ كَاِهِنْ قَلِيلًا مَّانَذَّكَّرُونَ * نَفِيلٌ مِّن رَّبِّالْعَلَمِينَ * وَلَوْ نَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَفَاوِلِ * لَأَخَذْنَامِنْهُ بِآلْيَمِينِ * ثُمَّلَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَقِينَ * فَمَا مِنكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنَّهُ حَجِزِينَ) فهذه صفة محمد صلى الله عليه وسلم . وأضاف القول إلى كل منها باسم الرسول فقال (لَقَوْلُ رَسُولٍ ) ٨٢ لأن الرسول يدل على المرسل ، فدل على أنه قول رسول بلغه عن مرسل . لم يقل: إنه لقول ملك ولا بشر ، بل كفر من جعله قول بشر بقوله: ( ذَرْنِ وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالَّا مَمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا * وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيدًا * ثُمَّيَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلَّ إِنَّهُ كَانَ لَيَتِنَاعَنِيدًا * سَأَزْهِقُهُ صَعُودًا * إِنَّهُ فَكَّرُ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّقُِّلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَنَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَ * ثُمََّذَبَرَ وَأَسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّاسِرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ ) فمن قال إنه قول بشر أو قول مخلوق غير البشر فقد كفر ، ومن جعله قول رسول من البشر فقد صدق ؛ لأن الرسول ليس له فيه إلا التبليغ والأداء وفی (يَّأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ). كما قال تعالى : سنن أبي داود عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعرض نفسه على الناس فى الموسم ويقول: ((ألا رجل يحملني إلى قومه لأبلغ كلام ربى؟! فإن قريشاً قد منعونى أن أبلغ كلام ربى)). والذي اتفق عليه السلف أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وقال غير واحد منهم: منه بدأ وإليه يعود . قال أحمد بن حنبل وغيره : ((منه بدأ)) أي هو المتكلم به ، لم يبتد من غيره كما قالت الجهمية القائلون بأن القرآن مخلوق ، قالوا : خلقه في غيره، فهو مبتدأ من ذلك المحل المخلوق، ويلزمهم أن يكون كلاما لذلك المحل المخلوق لا لله ٨٣ تعالى؛ لاسيما والجهمية كلهم يقولون بأن الله خالق أفعال العباد، وم غلاة فى الجير ، ولكن المعتزلة توافقهم على نفي الصفات والقول بخلق القرآن، وتخالفهم فى القدر والأسماء والأحكام ، فإذا كان الله خالق كل ما سواه لزمهم أن يكون كل كلام كلامه ، لأنه هو الذي خلقه ، ولذلك قال ابن عربى الطائى - وكان من غلاة هؤلاء الجهمية يقول بوحدة الوجود - قال : وكل كلام فى الوجود كلامه سواء علينا نثره ونظامه ولهذا قال سليمان بن داود الهاشمي - نظير أحمد بن حنبل الذي قال الشافعي : ما رأيت أعقل من رجلين أحمد بن حنبل وسليمان بن داود الهاشمي - قال: من قال: (إِنَّنِى أَنَا اللهُ لَآ إِلَهَإِلَّا أَنَا) مخلوق فهو كافر . وإن كان القرآن مخلوقا كما زعموا فلم صار فرعون أولى بأن يخلد في النار إذ قال: (أَنَارَتُّكُمُ الأَى) وزعموا أن هذا كلاما مخلوق؟. ومعنى ذلك كون قول فرعون: (أَنَارَتُّكُمُ الأَعْلَى ) كلاما ( إِنَِّى أَنَا اللَّهُ لَآ إِلهَ إِلَّآ أَنَاْ ) قائماً بذات فرعون فإن كان قوله خلقه فى الشجرة كانت الشجرة هي القائلة لذلك ، كما كان فرعون هو القائل لذلك ، وحينئذ فيكون جعل الشجرة إلها أعظم كفراً من جعل فرعون إلها . ٨٤ والجهمية والمعتزلة لم يقم عندهم بذات الله لا طلب ولا إرادة ولا محبة ولا رضا ولا غضب ، ولا غير ذلك مما يجعل مدلول الأصوات المخلوقة . ولا قام بذاته عندم إيجاب وإلزام ولا تحريم وحظر ، فلم يكن للكلام المخلوق فى غيره معنى قائم بذاته يدل عليه ذلك المخلوق حتى يفرق بين ما خلقه فى الجماد وما خلقه فى الحيوان . وكان مقصود السلف رضوان الله عليهم أن الله هو المتكلم بالقرآن وسائر كلامه. وأنه منه نزل لم (وَالَّذِينَ ءَاتَّيْنَهُمُ الْكِتَبَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُمُنَزَّلٌ ینزل من غیرہ کما قال تعالی: وقال تعالى: (قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ مِن رَّبِّكَ بِالْحَيّ ) بِالْحَقّ ) ، لم يقل أحد من السلف : إن القرآن قديم ، وإنما قالوا هو كلام الله غير مخلوق، وقالوا لم يزل اللّه متكلما إذا شاء ومتى شاء وكيف شاء وكما شاء، ولا قال أحد منهم: إن الله فى الأزل نادى موسى ، ولا قال : إن الله لم يزل ولا يزال بقول يا آدم يانوح ياموسى يا إبليس ونحو ذلك مما أخبر أنه قال . ولكن طائفة ممن اتبع السلف اعتقدوا أنه إذا كان غير مخلوق فلا بد أن يكون قديما ، إذ ليس عندم إلا هذا وهذا ، وهؤلاء ينكرون أن يكون الله بتكلم بمشيئته وقدرته ، أو يغضب على الكفار إذا عصوه، أو يرضى عن المؤمنين إذا أطاعوه ، أو يفرح بتوبة التائبين إذا تابوا ، أو يكون نادى موسى حين أتى الشجرة ، ونحو ذلك مما دل عليه ٨٥ الكتاب والسنة كقوله : (ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ أَتَّبَعُواْ مَآ أَسْخَطَ اللّهَ وَكَرِهُواْ رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَلَهُمْ) وقوله تعالى: (فَلَمَّآءَاسَفُونَا أَنْتَقَمْنَا مِنْهُمْ) وقوله : ﴿فَلَمَّا أَنَهَا نُودِىَ يَمُوسَىّ) وقال تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَكُمْ ثُمَ قُلْنَا لِلْمَلَبِكَةِ أَسْجُدُواْ لَدَمَ ) وقال تعالى: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَّ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُكُنْ فَيَكُونُ ) . (أَوْكَانَ الْبَحْرُ مِدَادًالِكَلِمَتِ رَبٍِ لَنْفِدَ وقد أخبر أن كلماته لانفاد لها بقوله : اَلْبَحْرُقَبْلَ أَن تَنْفَدَ كَلِمَتُ رَبِ وَلَوْ ◌ِثْنَابِمِثْلِهِ، مَدَدًا) وقال تعالى: (وَلَوْأَنَّمَا فِى الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَمٌ وَالْبَحْرُ يَمُذُّهُ ,مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ). وأتباع السلف يقولون: إن كلام اللّه قديم ، أي لم يزل متكلم) إذا شاء ، لا يقولون: إن نفس الكلمة المعينة قديمة كندائه لموسى ونحو ذلك . لكن هؤلاء اعتقدوا أن القرآن وسائر كلام الله قديم العين ، وأن اللّه لايتكلم بمشيئته وقدرته. ثم اختلفوا : فمنهم من قال القديم هو معنى واحد، هو جميع معانى التوراة والإنجيل والقرآن، وإن التوراة إذا عبر عنها بالعربية صارت قرآنا، والقرآن إذا عبر عنه بالعبرية صار توراة : قالوا: والقرآن العربى لم يتكلم الله به، بل إما أن يكون خلقه فى بعض الأجسام وإما أن يكون أحدثه جبريل أو محمد ، فيكون كلاما لذلك الرسول ترجم به عن المعنى الواحد القائم بذات الرب الذي هو ٨٦ جميع معانى الكلام . ومنهم من قال : بل القرآن القديم هو حروف أو حروف وأصوات ، وهى قديمة أزلية قائمة بذات الرب أزلا وأبداً ، وهي متعاقبة فى ذاتها وماهيتها لا فى وجودها ؛ فإن القديم لا يكون بعضه متقدما على بعض ، ففرقوا بين ذات الكلام وبين وجوده ، وجعلوا التعاقب فى ذاته لا فى وجوده ، كما يفرق بين وجود الأشياء بأعيانها وماهياتها من يقول بذلك من المعتزلة والمتفلسفة، وكلا الطائفتين تقول: إنه إذا كلم موسى أو الملائكة أو العباد يوم القيامة فإنه لا يكلمه بكلام بتكلم به بمشيئته وقدرته حين يكلمه ، ولكن يخلق له إدرا كا يدرك ذلك الكلام القديم اللازم لذات الله أزلا وأبداً. وعندهم لم يزل ولا يزال يقول: (يَّكَادَمُ أَسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ ) و: (يَنْنُوحُ أَهْبِطْ بِسَلَمِ مِنَّا وَبَرَّكَتٍ عَلَيْكَ ) و (يَّإِلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَََ ) ونحو ذلك ، وقد بسط الكلام على هذه الأقوال وغيرها فى مواضع . والمقصود أن هذين القولين لا يقدر أحد أن ينقل واحداً منها عن أحد من السلف: أعني الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وسائر أئمة المسلمين المشهورين بالعلم والدين ، الذين لهم فى الأمة لسان صدق فى زمن أحمد بن حنبل ، ولا زمن الشافعي ، ولا زمن أبى حنيفة ولا قبلهم . وأول من أحدث هذا الأصل هو أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب، وعرف أن الحروف متعاقبة فيمتنع أن تكون قديمة الأعيان، فإن المتأخر ٨٧ قد سبقه غيره والقديم لا يسبقه غيره ، والصوت المعين لا يبقى زمانين فكيف يكون قديماً ؟! فقال بأن القديم هو المعنى ، ثم جعل المعنى واحدا لا يتعدد ولا يتبعض ، لامتناع اختصاصه بعدد معين ، وامتناع معان لا نهاية لها فى آن واحد ، وجعل القرآن العربى ليس هو كلام الله . فلما شاع قوله وعرف جمهور المسلمين فساده شرعا وعقلا قالت طائفة أخرى - ممن وافقته على مذهب السلف - إن القرآن كلام الله غير مخلوق ، وعلى الأصل الذي أحدثه من القول بقدم القرآن - : إن القرآن قديم ، وهو مع ذلك الحروف المتعاقبة والأصوات المؤلفة . فصار قول هؤلاء مركبا من قول المعتزلة وقول الكلابية ، فإذا ناظروا المعتزلة على أن القرآن كلام الله غير مخلوق ناظروم بطريقة ابن كلاب، وإذا ناظرم الكلابية على أن القرآن العربى كلام الله وأن القرآن الذي يقرأ المسلمون كلام اللّه ناظروم بحجج المعتزلة . وليس شيء من هذه الأقوال قول أحد من السلف كما بسط فى غير هذا الموضع، ولا قال شيئاً من هذه الأقوال لا الأئمة الأربعة ولا أصحابهم الذين أدركوم ، وإنما قاله - ممن ينتسب إليهم - بعض المتأخرين الذين تلقوها عمن قالها من أهل الكلام، ولم يكن لهم خبرة لا بأقوال السلف التى دل عليها الكتاب والسنة والعقل الصريح ، ٨٨ ولا بحقائق أقوال أهل الكلام الذي ذمه السلف ، ولم قالوا هذا . وما الذي ألجأم إلى هذا ؟ وقد شاع عند العامة والخاصة أن القرآن ليس بمخلوق والقول بأنه مخلوق قول مبتدع مذموم عند السلف والأئمة ، فصار من يطالع كتب الكلام التى لا يجد فيها إلا قول المعتزلة وقول من رد عليهم وانتسب إلى السنة يظن أنه ليس فى المسألة إلا هذا القول، وهذا وذاك قد عرف أنه قول مذموم عند السلف ، فيظن القول الآخر قول السلف ، كما يقع مثل ذلك فى كثير من المسائل فى غير هذه : لا يعرف الرجل في المسألة إلا قولين أو ثلاثة فيظن الصواب واحدا منها ، ويكون فيها قول لم يبلغه وهو الصواب دون تلك . وهذا باب واسع في كثير من المسائل. والله يهدينا وسائر إخواننا المسلمين إلى ما يحبه ويرضاه من القول والعمل، ومن اجتهد بقصد طاعة الله ورسوله بحسب اجتهاده لم يكلفه الله ما يعجز عنه بل يثيبه الله على ما فعله من طاعته ويغفر ما أخطأ فيه فعجز عن معرفته . فصل والنصوص والآثار فى تفضيل كلام الله - بل وتفضيل بعض صفاته - على بعض متعددة. وقول القائل ((صفات الله كلها فاضلة ٨٩ فى غاية التام والكمال ليس فيها نقص )) كلام صحيح ، لكن توهمه أنه إذا كان بعضها أفضل من بعض كان المفضول معيبا منقوصا خطأ منه ، فإن النصوص تدل على أن بعض أسمائه أفضل من بعض ، ولهذا يقال دعا الله باسمه الأعظم . وتدل على أن بعض صفاته أفضل من بعض وبعض أفعاله أفضل من بعض ففي الآثار ذكر اسمه العظيم واسمه الأعظم، واسمه الكبير والأكبر، كما في السنن ورواه أحمد وابن حبان في صحيحه عن ابن بريدة عن أبيه قال : دخلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد ، فإذا رجل يصلي يدعو : اللهم إنى أسألك بأنى أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد. فقال النبى صلى الله عليه وسلم ((والذي نفسي بيده، لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى ، وإذا دعي به أجاب )) . وعن أنس قال : كنت جالسا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الحلقة ، ورجل قائم يصلي ، فلما ركع وسجد تشهد ودعا فقال فى فى دعائه: اللهم إنى أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السموات والأرض ياذا الجلال والإكرام ياحي يا قيوم ، فقال النبى صلى الله عليه وسلم (( والذي نفسي بيده لقد دعا باسم الله الأعظم الذى إذا دعى به أجاب ، وإذا سئل به أعطى)). وقد ثبت فى الصحيح عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ((إن الله كتب ٩٠ فى كتاب فهو موضوع عنده فوق العرش : إن رحمتى تغلب غضى )» وفي رواية ((سبقت رحمتى غضبى)) فوصف رحمته بأنها تغلب وتسبق غضبه ، وهذا يدل على فضل رحمته على غضبه من جهة سبقها وغلبتها ، وقد ثبت فى صحيح مسلم عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في سجوده «اللهم إنى أعوذ برضاك من سخطك ، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك )). وروى الترمذي أنه كان يقول ذلك فى وتره ، لكن هذا فيه نظر . وقد ثبت فى الصحيح والسنن والمساند من غير وجه الاستعاذة بكلماته التامات ، كقوله (( أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه ، ومن شر عباده، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون)) . وفى صحيح مسلم عن خولة أنه قال صلى الله عليه وسلم: ((من نزل منزلا فقال: أعوذ بكلمات الله التامة، لم يضره شيء حتى يرتحل منه))(١). وفى الصحيح أنه قال لعثمان بن أبي العاص: ((قل : أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر )). ومعلوم أن المستعاذ به أفضل من المستعاذ منه ، فقد استعاذ برضاه من سخطه ، وبمعافاته من عقوبته . وأما استعاذته به منه فلا بد أن يكون باعتبار جهتين : يستعيذ به باعتبار تلك الجهة ، ومنه باعتبار تلك الجهة ليتغاير المستعاذ به والمستعاذ (١) الحديث ورد في صحيح مسلم في كتاب الذكر والدعاء ونصه : ( من نزل منزلاً ثم قال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق ، لم يضره شئ ، حتى يرتحل من منزله ذلك ) ج٤ ص ٢٠٨٠، ص ٢٠٨١، رقم ٢٧٠٨. ٩١ منه ، إذ أن المستعاذ منه مخوف مرهوب منه ، والمستعاذ به مدعو مستجار به ملتجأ إليه ، والجهة الواحدة لا تكون مطلوبة مهروباً منها ، لكن باعتبار جهتين تصح ، كما فى الحديث الذي فى الصحيحين عن البراء بن عازب أن النبي صلى الله عليه وسلم علم رجلا أن يقول عند النوم ((اللهم أسلمت نفسي إليك ووجهت وجهي إليك ، وألجأت ظهري إليك ، وفوضت أمري إليك ، رغبة ورهبة إليك ، لا منجا ولا ملجأ منك إلا إليك . آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت)) فبين أنه لا ينجى منه إلا هو ، ولا يلتجأ منه إلا إليه . وأعمل الفعل الثانى لما تنازع الفعلان في العمل . ومعلوم أن جهة كونه منجياً غير جهة كونه منجياً منه ، وكذلك جهة كونه ملتجأ إليه غير كونه ملتجأ منه ، سواء قيل إن ذلك يتعلق بمفعولاته أو أفعاله القائمة به أو صفاته أو بذاته باعتبارين. وفى صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ((المقسطون عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين: الذين يعدلون فى حكمهم، وأهلهم، وما ولوا )». وقد جاء ذكر اليدين في عدة أحاديث ويذكر فيها أن كلتاهما يمين مع تفضيل اليمين . قال غير واحد من العلماء لما كانت صفات المخلوقين متضمنة للنقص فكانت يسار أحدهم ناقصة في القوة ناقصة في الفعل ، ٩٢ بحيث تفعل بمياسرها كل ما يذم - كما يباشر بيده اليسرى النجاسات والأقذار - بين النبى صلى الله عليه وسلم أن كلتا يمين الرب مباركة ليس فيها نقص ولا عيب بوجه من الوجوه كما فى صفات المخلوقين ، مع أن اليمين أفضلها كما فى حديث آدم قال ((اخترت يمين ربى ، وكلتا يدي ربى يمين مباركة)) فإنه لا نقص فى صفاته ولا ذم في أفعاله بل أفعاله كلها إما فضل وإما عدل . وفي الصحيحين عن أبى موسى عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار ، أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض فإنه لم يغض ما في يمينه . والقسط بيده الأخرى يرفع ويخفض)) فبين صلى الله عليه وسلم أن الفضل بيده اليمنى والعدل بيده الأخرى . ومعلوم أنه مع أن كلتا يديه يمين فالفضل أعلى من العدل ، وهو سبحانه كل رحمة منه فضل وكل نقمة منه عدل ، ورحمته أفضل من نقمته . ولهذا كان المقسطون على منابر من نور عن يمين الرحمن ولم يكونوا عن يده الأخرى . وجعلهم عن يمين الرحمن تفضيل لهم كما فضل فى القرآن أهل اليمين وأهل الميمنة على أصحاب الشمال وأصحاب المشأمة وإن كانوا إنما عذبهم بعدله . وكذلك الأحاديث والآثار جاءت بأن أهل قبضة اليمين م أهل السعادة ، وأهل القبضة الأخرى ثم أهل الشقاوة . ٩٣ ومما يبين هذا أن الشر لم يرد في أسمائه ، وإنما ورد فى مفعولاته ولم يضف إليه إلا على سبيل العموم، وأضافه إلى السبب المخلوق أو بحذف فاعله، وذلك كقوله تعالى: ( اللَّهُ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ) و (مِن شَرِّ مَاخَلَقَ ) وكأسمائه المقترنة مثل المعطى المانع ، الضار النافع ، المعز المذل الخافض الرافع، وكقوله: (وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ بَشْفِينِ )، وكقوله : (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِينَ) وكقول الجن: (وَأَنَّا لَانَدْرِىَ أَشَرّأُرِيدَ بِمَن فِ الْأَرْضِ أَنْ أَرَدَ بِهِمْ رَتُهُمْ رَشَدًا)؟ !. وقد ثبت فى صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول فى دعاء الاستفتاح (( والخير بيديك والشر ليس إليك)) وسواء أريد به : إنه لا يضاف إليك ولا يتقرب به إليك، أو قيل إن الشر إما عدم وإما من لوازم العدم ، وكلاهما ليس إلى الله ، فهذا يبين أنه سبحانه إنما يضاف إليه الخير وأسماؤه تدل على صفاته ، وذلك كله خير حسن جميل ليس فيه شر، وإنما وقع الشر فى المخلوقات ، قال تعالى ( نَبِئْ عِبَادِىّ أَنِى أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِى هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ ) وقال تعالى: (أَعْلَمُوْأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّاللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) جعل المغفرة (إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ) وقال تعالى : والرحمة من معانى أسمائه الحسنى التى يسمى بها نفسه فتكون المغفرة ٩٤ والرحمة من صفاته ، وأما العقاب الذي يتصل بالعباد فهو مخلوق له ، وذلك هو الأليم ، فلم يقل : وإني أنا المعذب ، ولا فى أسمائه الثابتة عن النبى صلى الله عليه وسلم اسم المنتقم ، وإنما جاء المنتقم فى القرآن مقيداً كقوله : ( إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْثَقِمُونَ ) وجاء معناه مضافا إلى الله فى قوله: (إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُوْ أَنْثِقَاءٍ ) وهذه نكرة في سياق الإثبات والنكرة فى سياق الإثبات مطلقة ليس فيها عموم على سبيل الجمع. وذلك أن الله سبحانه حكيم رحيم، وقد أخبر أنه لم يخلق المخلوقات إلا بحكمته ، كما قال فى قوله تعالى: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَآءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ) وقال تعالى: (إِنّفِى خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ اُلَيْلِ وَاَلنَّهَارِ لَآَيَتِ لِأُوْلِى الْأَلْبَبِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَمَا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِ خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا وقال تعالى : ( وَمَاخَلَقْنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَطِلًا ) السَّمَاءَوَالْأَرْضَ وَمَا بَهُمَا لَعِينَ * لَوْأَرَّدْنَا أَنْ تَنَّخِذَ لَوَ لََّ تَّخَذْنَهُ مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّاً فَعِلِينَ ) وقال فى السورة الأخرى : ( مَا خَلَقْتَهُمَآ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ )، وهذا يبين أن معنى قوله في سائر الآيات : ( بالحق ) هو لهذا المعنى الذي يتضمن حكمته كما قال: (وَهُوَ اُلَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ) وقوله: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَابَيِّنَهُمَآ إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ ٩٥ السَّاعَةَ لَنِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ * إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّقُ اَلْعَلِيمُ ). وبعض الناس يظن أن قوله (هُوَ الْخَلَّقُ ) إشارة إلى أنه خالق أفعال العباد فلا ينبغي التشديد فى الإنكار عليهم بل يصفح عنهم الصفح الجميل لأجل القدر! وهذا من أعظم الجهل، فإنه سبحانه قد عاقب المخالفين له ولرسله ، وغضب عليهم، وأمر بمعاقبتهم وأعد لهم من العذاب ما ينافى قول هؤلاء المعطلين لأمره ونهيه ووعده ووعيده . وقوله (فَأَصْفَحِالصَّفْحَ الْجَمِيلَ) تعلق بما قبله وهو قوله (وَإِنَّ السَّاعَةَ فإن لهم موعداً يجزون فيه ، كما قال لَنِيَةٌ فَأَصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ ) تعالى فى نظائر ذلك : ( فَذَكِّرْ ( فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَامُ ) إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ * إِلَّا مَنْ تَوَى وَكَفَرَ * فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ وقوله : اُلْعَذَابَ الْأَكْبَرَ * إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ * ثُمَّإِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ) (فَنَوَلَ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ ) وقوله (فَأَصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَمُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) ولم يعذر الله أحداً قط بالقدر ، ولو عذر به لكان أنبياؤه وأولياؤ. أحق بذلك ، وآدم إنما حج موسى لأنه لامه على المصيبة التى أصابت الذرية فقال له : لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة ؟ وما أصاب العبد من المصائب فعليه أن يسلم فيها لله ويعلم أنها مقدرة عليه، كما قال تعالى : (مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَ مَن يُؤْمِنَ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ) قال ٩٦ علقمة - وقد روى عن ابن مسعود - : هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند اللّه فيرضى ويسلم: فالعبد مأمور بالتقوى والصبر ، فالتقوى فعل ما أمر به ، ومن الصبر الصبر على ما أصابه ، وهذا هو صاحب العاقبة المحمودة كما قال يوسف عليه السلام: (إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) وقال تعالى: (وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ اَلْأُمُورِ ) وقال: (وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا) وقال: (بَلَّإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُمْمِن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِذَّكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِءَالَفٍ مِنَ الْمَلَئِكَةِ مُسَوِّمِينَ ). ولا بد لكل عبد من أن يقع منه ما يحتاج معه إلى التوبة والاستغفار ، ويبتلى بما يحتاج معه إلى الصبر ، فلهذا يؤمر بالصبر والاستغفار كما قيل لأفضل الخلق : ( فَأَصْبِرْ إِنَّ وَعْدَاللَّهِ حَقٌ وَاُسْتَغْفِرْ لِذَنْيِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَاَلْإِبْكَرِ) وقد بسط الكلام فى غير هذا الموضع على مناظرة آدم وموسى ؛ فإن كثيراً من الناس حملوها على محامل مخالفة للكتاب والسنة وإجماع الأمة ، ومنهم من كذب بالحديث لعدم فهمه له ، والحديث حق يوجب أن الإنسان إذا جرت عليه مصيبة بفعل غيره مثل أبيه أو غير أبيه لا سيما إذا كان أبوه قد تاب منها فلم يبق عليه من جهة الله تبعة، كما جرى لآدم صلوات الله عليه، قال تعالى: (وَعَصَىّءَادَمُ رَبَُّ فَغَوَى * ثُمَ اجْنَبَّهُ رَبُّهُ فَبَ عَلَيْهِ وَهَدَى ) ٩٧ وقال: (فَلَقَّقْءَادَمُ مِن ◌َّبِّهِ كَلِمَتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ) وكان آدم وموسى أعلم بالله من أن يحتج أحدهما لذنبه بالقدر ويوافقه الآخر ، ولو كان كذلك لم يحتج آدم إلى توبة ، ولا أهبط من الجنة ، وموسى هو القائل : وهو القائل: (رَبِّ أَ غْفِرْ لِ (رَبِّ إِنِّى ظَلَمْتُ نَفْسِى فَأَغْفِرْلِ ) وَلِأَخِى وَأَدْخِلْنَا فِى رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّحِمِينَ ) وهو القائل: ( أَنْتَ وهو القائل لقومه : وَلِيُّنَا فَاغْفِرْلَنَا وَأَرْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَفِرِينَ) (فَتُوبُواْ إِلَى بَارِيَكُمْ فَاقْتُلُواْأَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌلَّكُمْ عِندَ بَارِبِكُمْ ) ، فلو كان المذنب يعذر بالقدر لم يحتج إلى هذا ، بل كان الاحتجاج بالقدر لما حصل من موسى ملام على ما قدر عليه من المصيبة التى كتبها اللّه وقدرها . ومن الإيمان بالقدر أن يعلم العبد أن ما أصابه لم يكن ليخطئه ، وما أخطأه لم يكن ليصيبه ، فالمؤمن يصبر على المصائب ، ويستغفر من الذنوب والمعائب ، والجاهل الظالم يحتج بالقدر على ذنوبه وسيئاته، ولا يعذر بالقدر من أساء إليه ، ولا يذكر القدر عند ما ييسره الله له من الخير ، فعكس القضية ، بل كان الواجب عليه إذا عمل حسنة أن يعلم أنها نعمة من الله هو بسرها وتفضل بها فلا يعجب بها ولا يضيفها إلى نفسه كأنه الخالق لها ، وإذا عمل سيئة استغفر وتاب منها ، وإذا أصابته مصيبة سماوية أو بفعل العباد يعلم أنها كانت مقدرة مقضية عليه ، ٩٨ وهذا مبسوط في موضعه . والمراد هنا أنه سبحانه بين أنه إنما خلق المخلوقات لحكمته ، وهذا معنى قوله : ( بالحق ) وقد ذم من ظن أنه خلق ذلك باطلا وعشاً فقال: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ) وقال : وقال : (إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَوَتِ (أَيَحْسَبُ اَلْإِنسَنُّ أَنْ يُتْرَكَ سُدَّى) وَاُلْأَرْضِ وَأَخْتِلَافِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَيَتِ لِّأُوْلِ الْأَلْبَبِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَمًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِ خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَاخَلَقْتَ هَذَا بَطِلًا سُبْحَنَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ) فلا بد من جزاء العباد على أعمالهم، فلهذا قيل: (فَأَصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ ) . والله سبحانه فى كل ما يخلقه حكمة يحبها ويرضاها ، وهو سبحانه أحسن كل شيء خلقه ، وأتقن كل ماصنع ، فما وقع من الشر الموجود في المخلوقات فقد وجد لأجل تلك الحكمة المطلوبة المحبوبة المرضية ، فهو من الله حسن جميل ، وهو سبحانه محمود عليه وله الحمد على كل حال ، وإن كان شراً بالنسبة إلى بعض الأشخاص . وهذا موضوع عظيم قد بسط فى غير هذا الموضع ، فإن الناس - فى باب خلق الرب وأمره ولمَ فعل ذلك - على طرفين ووسط : فالقدربة من المعتزلة وغيرهم قصدوا تعظيم الرب وتنزيهه عما ظنوه قبيحاً من الأفعال وظلما ؛ فأنكروا عموم قدرته ومشيئته ، ولم يجعلوه خالقاً ٩٩ لكل شيء ، ولا أنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ، بل قالوا : بشاء ما لا يكون ، ويكون ما لا يشاء ! ثم إنهم وضعوا لربهم شريعة فيما يجب عليه ويحرم - بالقياس على أنفسهم! ــ وتكلموا في التعديل والتجويز بهذا القياس الفاسد الذي شبهوا فيه الخالق بالمخلوق ، فضلوا وأضلوا . وقابلهم الجهمية الغلاة في الجبر ، فأنكروا حكمة الله ورحمته وقالوا: لم يخلق لحكمة، ولم يأمر بحكمة، وليس فى القرآن («لام كي)) لا في خلقه ولا فى أمره . وزعموا أن قوله (وَسَخََّ لَكُ مَّا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا ) وقوله: (وَلِلَّهِ مَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا و (خَلَقَ لَكُم مَّا فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا ) فِ الْأَرْضِ لِيَجْزِىَ الَّذِينَ أَسْتُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيَجْزِىَ الَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِالْحُسْنَى) وقوله (وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُ واْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَلَكُمْ ) وقوله: ( لِلَّايَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) - وأمثال ذلك - إنما اللام فيه لام العاقبة كقوله: (فَالْنَقَطَهُوَالْ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا) وقول القائل: ((لدوا للموت وابنوا للخراب)). ولم يعلموا أن لام العاقبة إنما تصح ممن يكون جاهلا بعاقبة فعله كفرعون الذي لم يكن يدري ما ينتهي إليه أحر موسى ، أو ممن يكون عاجزاً عن رد عاقبة فعله ، كعجز بني آدم عن دفع الموت عن أنفسهم والخراب عن ديارهم ، فأما من هو بكل شيء عليم ، وعلى كل شىء قدير ، وهو مريد لكل ١٠٠