النص المفهرس
صفحات 61-80
حديث عبد الله بن عدي بن الحمراء . وكذلك تفضيل حبه وبغضه على حب غيره وبغضه كما فى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( لا أحد أحب إليه المدح من الله ، من أجل ذلك مدح نفسه . ولا أحد أحب إليه العذر من الله ، من أجل ذلك بعث الرسل مبشرين ومنذرين)). وقال ((لا أحد أغير من الله)) وهذا فى الصحيحين . وقال تعالى: (لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ) الآية. ومن المعلوم بالاضطرار تفاضل المأمورات : فبعضها أفضل من بعض ، وبعض المنهيات شر من بعض ، وحينئذ فطلب الأفضل يكون فى نفسه أكمل من طلب المفضول ، والطالب إذا كان حكيما يكون طلبه لهذا أوكد . ففي الجملة من المستقر في فطر العقلاء أن كلا من الخبر والأمر يلحقها التفاضل من جهة المخبر عنه والمأمور به ، فإذا كان المخبر به أكمل وأفضل كان الخبر به أفضل ، وإذا كان المأمور به أفضل كان الأمر به أفضل . ولهذا كان الخبر بما فيه نجاة النفوس من العذاب وحصول السعادة الأبدية أفضل من الخبر بما فيه نيل منزلة أو حصول درام ، والرؤيا التى تتضمن أفضل الخبرين أعظم من الرؤيا التى تتضمن أدناهما ، وهذا أمر مستقر فى فطر العقلاء قاطبة. وإذا قدر أميران أمر أحدهما بعدل عام عمر به البلاد ودفع به الفساد كان هذا الأمر أعظم من أمر أمير ٦١ يعدل بين خصمين فى ميراث بعض الأموات . وأيضاً فالخبر يتضمن العلم بالمخبر به ، والأمر يتضمن طلباً وإرادة للمأمور به وإن لم يكن ذلك إرادة فعل الأمر، والله تعالى أمر العباد بما أمرهم به ولكن أعان أهل الطاعة فصار مريداً لأن يخلق أفعالهم ، ولم يعن أهل المعصية فلم يرد أن يخلق أفعالهم. فهذه الإرادة الخلقية القدرية لا تستلزم الأمر ، وأما الإرادة بمعنى أنه يحب فعل ما أمر به ويرضاه إذا فعل ويريد من المأمور أن يفعله من حيث هو مأمور فهذه لا بد منها فى الأمر. ولهذا أثبت الله هذه الإرادة فى الأمر دون الأولى . ولكن فى الناس من غلط فنفى الإرادة مطلقاً ، وكلا الفريقين لم يميز بين الإرادة الخلقية والإرادة الأمرية. والقرآن فرق بين الإرادتين فقال فى الأولى: (فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَ هُ لِلْإِسْلَمِّ وَمَن يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا) وقال نوح: (وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِىّ إِنْ أَرَدَتُّ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ) وقال: (وَلَوْشَآءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَكِنَّاللَّهَ يَفْعَلُ مَايُرِيدٌ ) وقال: (وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّنَكَ قُلْتَ مَا شَآءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ) ولهذا قال المسلمون: ما شاء اللّه كان وما لم يشأ لم يكن، وقال في الثانية: ( يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اَلْيُسْرَ وَلَيُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) وقال: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُلِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرَّحْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِرَكُمْ تَطْهِيرًا) وقال: (مَايُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجِ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ) ٦٢ وقال: (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَلَه ◌ُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَتِ أَنْ تَيلُواْ مَيْلًا عَظِيمًا * يُرِيدُ اللَّهُأَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا ). وهذا مبسوط فى موضع آخر . والمقصود هنا : أنه لا بد فى الأمر من طلب واستدعاء واقتضاء ، سواء قيل : إن هناك إرادة شرعية وأنه لا إرادة للرب متعلقة بأفعال العباد سواها كما تقوله المعتزلة ونحوم من القدرية ، أو قيل: لا إرادة للرب إلا الإرادة الخلقية القدرية التى يقال فيها ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ، وأن إرادته عين نفس محبته ورضاه ، وأن إرادته ومحبته ورضاه متعلقة بكل ما يوجد من إيمان وكفر ، ولا تتعلق بما لا يوجد سواء كان إيماناً أو كفراً، وأنه ليس للعبد قدرة لها أثر فى وجود مقدوره ، وليس فى المخلوقات قوى وأسباب يخلق بها ، ولا لله حكمة يخلق ويأمر لأجلها كما يقول هذا وما يشبهه جهم بن صفوان رأس الجبرية هو ومن وافقه على ذلك أو بعضه من طوائف أهل الكلام وبعض متأخري الفقهاء وغيرم المثبتين للقدر على هذه الطريقة لا على طريقة السلف والأئمة كأبي الحسن وغيره ؛ فإن هؤلاء ناقضوا القدرية المعتزلة مناقضة ألجأتهم إلى إنكار حقيقة الأمر والنهي والوعد والوعيد وإن كان من يقول ببعض ذلك يتناقض ، وقد يثبت أحدم من ذلك ما لا حقيقة له في المعنى . ٦٣ وأما السلف وأئمة الفقهاء وجمهور المسلمين فيثبتون الخلق والأمر والإرادة الخلقية القدرية الشاملة لكل حادث ، والإرادة الأمرية الشرعية المتناولة لكل ما يحبه الله ويرضاه لعباده، وهو ما أمرت به الرسل ، وهو ما ينفع العباد ويصلحهم ويكون له العاقبة الحميدة النافعة فى المعاد الدافعة للفساد . فهذه الإرادة الأمرية الشرعية متعلقة بالهيته المتضمنة لربوبيته ، كما أن تلك الإرادة الخلقية القدرية متعلقة بربوبيته . ولهذا كان من نظر إلى هذه فقط وراعى هذه الخلقية الكونية القدرية دون تلك يكون له بداية بلا نهاية ، فيكون من الأخسرين أعمالا ، محصل لهم بعض مطالبهم في الدنيا لاستعانتهم بالله إذ شهدوا ربوبيته ، ولاخلاق لهم في الآخرة إذ لم يعبدوا الله مخلصين له الدين . وقد وقع فى هذا طوائف من أهل التصوف والكلام . ومن نظر إلى الحقيقة الشرعية الأمرية دون تلك فإنه قد يكون له عاقبة حميدة ، وقد يراعى الأمر ؛ لكنه يكون عاجزاً مخذولا حيث لم يشهد ربوبية الله وفقره إليه ليكون متوكلا عليه برياً من الحول والقوة إلا به . فهذا قد يقصد أن يعبده ولا يقصد حقيقة الاستعانة به ، وهي حال القدرية من المعتزلة ونحوهم الذين يقرون أن الله ليس خالقاً أفعال العباد ولا مريداً للكائنات ، ولهذا قال أبو سليمان الداراني : إنما يعجب بفعله القدري لأنه لا يرى أنه هو الخالق لفعله . فأما أهل السنة الذين ٦٤ يقرون أن الله خالق أفعالهم وأن الله المنة عليهم فى ذلك فكيف يعجبون بها ؟ أو كما قال . والأول قد يقصد أن يستعينه ويسأله ويتوكل عليه ويبرأ من الحول والقوة إلا به ، ولكن لا يقصد أن يعبده بفعل ما أمر به وترك ما نهى عنه على ألسن رسله ، ولا يشهد أن الله يحب أن يعبد ويطاع وأنه يفرح بتوبة التائبين ويحب المتقين ويغضب على الكفار والمنافقين، بل ينسلخ من الدين أو بعضه ، لا سيما في نهاية أمره . وهذه الحال إن طردها صاحبها كان شراً من حال المعتزلة القدرية ، بل إن طردها طرداً حقيقياً أخرجته من الدين خروج الشعرة من العجين، وهي حال المشركين. وأما من هداه الله فإنه يحقق قوله (إِيَّكَ نَعْبُهُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) ويعلم أن كل عمل لا يراد به وجه اللّه ولا يوافق أمره فهو مردود على صاحبه ، وكل قاصد لم يعنه الله فهو مصدود من مآربه ، فإنه يشهد أن لا إله إلا الله، فيعبد الله مخلصاً له الدين، مستعيناً بالله على ذلك مؤمناً، يخلقه وأمره: بقدره وشرعه، فيستعين الله على طاعته ، ويشكره عليها، ويعلم أنها منة من اللّه عليه، ويستعيذ بالله من شر نفسه وسيئات عمله ، ويعلم أن ما أصابه من سيئة فمن نفسه ، مع علمه بأن كل شيء بقضاء الله وقدره، وأن لله الحجة البالغة على خلقه، وأن له فى خلقه وأمره حكمة بالغة ورحمة سابغة . وهذه الأمور أصول عظيمة لبسطها موضع آخر . ٦٥ والمقصود هنا أن الخبر الصادق يتضمن جنس العلم والاعتقاد ، والأمر يتضمن جنس الطلب باتفاق العقلاء . ثم هل مدلول الخبر جنس من المعاني غير جنس العلم ، ومدلول الأمر جنس من المعاني غير جنس الإرادة كما يقول ذلك طائفة من النظار مثل ابن كلاب ومن وافقه ؟ أو المدلول من جنس العلم والإرادة ؟ كما يقوله جمهور نظار أهل السنة الذين يثبتون الصفات والقدر . فيقولون : إن القرآن كلام اللّه غير مخلوق ، ويقولون: إن الله خالق أفعال العباد . والمعتزلة وغيرهم ممن يخالف أهل السنة في هذين الأصلين ، فإن هؤلاء يخالفون ابن كلاب ومن وافقه فى ذينك الأصلين . ولهذا يقال : إنه لم يوافقه أحد من الطوائف على ما أحدثه من القول في الكلام والصفات ، وإن كان قوله خيراً من قول المعتزلة والجهمية المحضة . وأما جمهور المسلمين من الفقهاء وأهل الحديث والصوفية وطوائف النظار فلا يقولون بقول المعتزلة ولا الكلابية، كما ذكر ذلك فقهاء الطوائف من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وغيرم في أصول الفقه ، فضلا عن غيرها من الكتب . والمقصود هنا أن الناس متفقون على أن كلا من أنواع الخبر والأمر لها معان: سواء سمى طلباً أو إرادة أو علماً أو حكماً أو كلاما نفسانياً . وهذه المعانى تتفاضل في نفسها ، فليس علمنا باللّه وأسمائه ٦٦ كعلمنا بحال أبي لهب . وليس الطلب القائم بنا إذا أمرنا بالإيمان بالله ورسوله كالطلب القائم بنا إذا أمرنا برفع اليدين فى الصلاة والأكل باليمين وإخراج الدرم من الزكاة . فعلم بذلك أن معانى الكلام قد تتفاضل فى نفسها كما قد تتماثل ، وتبين بذلك أن ما تضمنه الأمر والنهي من المعانى التى تدل عليها صيغة الأمر - سواء سميت طلباً أو اقتضاء أو استدعاء أو إرادة أو محبة أو رضا أو غير ذلك - فإنها متفاضلة بحسب تفاضل المأمور به ، وما تضمنه الخبر من أنواع العلوم والاعتقادات والأحكام النفسانية فهي متفاضلة فى نفسها بحسب تفاضل المخبر عنه . فهذا نوع من تفاضل الكلام من جهة المتكلم فيه ، وإن كان المتكلم به واحداً . وهو أيضاً متفاضل من جهة المتكلم به ، وإن كان المتكلم فيه واحداً ، كما قال ( وَمَا كَانَ لِبَشَرِ أَنْ يُكَّلِّمَهُ اَللَّهُ إِلَّ وَحْيَا أَوْ مِن وَرَآٍ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا تعالی : ومعلوم أن تكليمه من وراء فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِ، مَا يَشَآءُ ) حجاب أفضل من تكليمه بالإيحاء وبإرسال رسول ، ولهذا كان من فضائل موسى عليه السلام أن اللّه كله تكليما، وقال: (إِنِى أَصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِسَلَتِي وَبِكَلَِّى ) وقال: (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم من كَلَّمَاللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ) والذي يجد الناس من أنفسهم أن الشخص الواحد تتفاضل أحواله ٦٧ فى أنواع الكلام ، بل وفى الكلام الواحد بتفاضل ما يقوم بقلبه من المعانى وما يقوم بلسانه من الألفاظ ، بحيث قد يكون إذا كان طالباً هو أشد رغبة ومحبة وطلبا لأحد الأمرين منه للآخر ، ويكون صوته به أقوى ولفظه به أفصح ، وماله في الطلب أقوى وأشد تأثيراً؛ ولهذا يكون للكلمة الواحدة من الموعظة بل للآية الواحدة إذا سمعت من اثنين من ظهور التفاضل ما لا يخفى على عاقل ، والأمر فى ذلك أظهر وأشهر من أن يحتاج إلى تمثيل . وكذلك فى الخبر قد يقوم بقلبه من المعرفة والعلم وتصور المعلوم وشهود القلب إياه باللسان من حسن التعبير عنه لفظاً وصوناً ما لا يقاربه ما يقوم بالقلب واللسان إذا أخبر عن غيره . فهذا نوع إشارة إلى قول من يقول بتفضيل بعض كلام اللّه على بعض موافقا لما دل عليه الكتاب والسنة وكلام السلف والأئمة . والطائفة الثانية تقول: إن كلام الله لا يفضل بعضه على بعض ، ثم لهؤلاء في تأويل النصوص الواردة فى التفضيل قولان : أحدهما أنه إنما يقع التفاضل فى متعلقه ، مثل كون بعضه أنفع للناس من بعض لكون الثواب عليه أكثر أو العمل به أخف مع التماثل فى الأجر ، ونأولوا قوله: (نَأَتِ بِخَيْرِمِنْهَآ ) أي نأت بخير منها لكم، لا أنها فى نفسها خير من تلك . وهذا قول طائفة من المفسرين كمحمد بن جرير الطبري قال: نأت بحكم خير لكم من حكم الآية المنسوخة: إما فى العاجل لحقته ٦٨ عليكم ، وإما في الآخرة لعظم ثوابه من أجل مشقة حمله . قال : والمراد ما ننسخ من حكم آية كقوله: (وَأُشْرِبُواْ فِ قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ) أي حبه ، قال: ودل على أن ذلك كذلك قوله: (نَأْتِ بِخَيْرِ مِنْهَا أَوْمِثْلِهَا) وغير جائز أن يكون من القرآن شيء خيراً من شيء . لأن جميعه كلام اللّه، ولا يجوز فى صفات الله تعالى أن يقال: بعضها أفضل من بعض ، أو بعضها خير من بعض. وطرد ذلك فى أسماء الله فمنح أن يكون بعض أسمائه أعظم أو أفضل أو أكبر من بعض . وقال : معنى الاسم الأعظم : العظيم ، وكلها سواء في العظمة ، وإنما يتفاضل حال الناس حين الدعاء فيكون الأعظم بحسب حال الدعاء لا أنه في نفسه أعظم . وهذا القول الذي قاله فى أسماء الله نظير القول الثانى فى تفضيل بعض كلام الله على بعض ، فإن القول الثانى لمن منع تفضيله أن المراد يكون هذا أفضل أو خيراً كونه فاضلا فى نفسه؛ لا أنه أفضل من غيره . وهذا القول يحكى عن أبى الحسن الأشعري ومن وافقه ، قالوا : إن معنى ذلك أنه عظيم فاضل ، وقالوا : مقتضى الأفضل تقصير المفضول عنه وكلام الله لا يتبعض ، وهذا يقولونه في الكلام لأنه واحد بالعين عندهم يمتنع فيه تماثل أو تفاضل ، وأما فى الصفات بعضها على بعض فلامتناع التغاير ، ولا يقولون هذا في القرآن العربى، فإن القرآن العربي عندم مخلوق، وليس هو كلام اللّه على قول الجمهور منهم، قالوا: لأن الكلام ٦٩ يمتنع قيامه بغير المتكلم كسائر الصفات ، والقرآن العربي يمتنع عندم قيامه بذات الله تعالى، ولو جوزوا أن يكون كلام الله قائما بغيره لبطل أصلهم الذي اتفقوا عليه م وسائر أهل السنة وردوا به على المعتزلة فى قولهم إن القرآن مخلوق ، وهؤلاء يسلمون أن القرآن العربى بعضه أفضل من بعض لأنه مخلوق عنده ، ولكن ليس هو كلام الله عند جماهيرهم. وبعض متأخريهم يقول: إن لفظ (( كلام الله)) يقع بالاشتراك على المعنى القائم بالنفس ، وعلى الكلام العربى المخلوق الدال عليه . وأما كلام الله الذي ليس بمخلوق عندم فهو ذلك المعنى، وهو الذي يمتنع تفاضله عندهم . وأصل هؤلاء أن كلام الله هو المعانى بل هو المعنى الواحد فقط ، وأن معانى كتاب اللّه هي شيء واحد لا يتعدد ولا يتبعض. فمعنى آية الكرسي وآية الدين، والفاتحة، وقل هو الله أحد، وتبت، ومعنى التوراة والإنجيل ، وكل حديث إلهي ، وكل ما يكلم به الرب عباده يوم القيامة ، وكل ما يكلم به الملائكة والأنبياء : إنما هي معنى واحد بالعين ، لا بالنوع . ولا يتعدد ولا يتبعض ، وأن القرآن العربى ليس هو كلام الله بل كلام غيره : جبريل أو محمد أو مخلوق من مخلوقاته عبر به عن ذلك الواحد ، وذلك الواحد هو الأمر بكل ما أمر به ، والنهى عن كل ما نهى عنه، والإخبار بكل ما أخبر به وأن الأمر والنهي والخبر ليست أنواعا للكلام وأقساماً له ، فإن الواحد بالعين لا يقبل ٧٠ التنويع والتقسيم؛ بخلاف الواحد بالنوع فإنه يقبل التنويع والتقسيم، وإنما هي صفات لذلك الواحد بالعين، وهي صفات إضافية له ، فإذا تعلق بما يطلب من أفعال العباد كان أمراً ، وإذا تعلق بما ينهى عنه كان نهياً ، وإذا تعلق بما يخبر عنه كان خبراً . وجمهور العقلاء يقولون : فساد هذا معلوم بالاضطرار، فإنا نعلم أن معاني (قُلْ هُوَاللَّهُ أَحَدُّ ) ليست هي معانى (تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍ ) ولا معانى آية الدين معانى آية الكرسي، ولا معانى الخبر عن صفات الله هي معانى الخبر عن مخلوقات الله، وأن تعلق ذلك المعنى بالحقائق المخبر عنها، والأفعال التى تعلق بها الأمر والنهي إن كان أمراً وجودياً فلا بد له من محل ، فإن قام بذات الله فقد تعددت معانى الكلام القائمة بذاته ، وإن قام بذات غيره كان صفة لذلك الغير لا لله، وإن قام لا بمحل كان ممتنعاً ؛ فإن المعاني لا تقوم بأنفسها . وإن كان تعلق ذلك المعنى بالحقائق أمراً عدمياً لم يكن هناك ما يميز بين الخبر والأمر والنهي، بل لا يميز بين خبر اللّه عن نفسه وعن قوم نوح وعاد، إذ كان المعنى الواحد لا تعدد فيه فضلا عن أن يمتاز بعضه عن بعض . والحقائق المخبر منها والمأمور بها والمنهى عنها لا تكون بأنفسها مخبراً بها ومأموراً بها ومنهياً عنها، بل الخبر منها والأمر بها والنهي عنها هو غير ذواتها ، فإذا لم يكن هنا أمر موجود غير ذلك المعنى الذي لا امتياز فيه ولا تعدد، وغير المخلوقات التى لا تميز بين الأمر والنهي والخبر: لم ٧١ يكن هنا ما يميز بين النهي والخبر ، ولا ما يجعل معاني آية الوضوء غير معاني آية الدين ، فإن الحروف المخلوقة الدالة على ذلك المعنى إن لم تدل إلا عليه فلا تعدد فيه ولا تتوبع ، وإن دلت على التعلقات التى هي عدمية فالعدم ليس بشيء حتى يكون أمراً ونهياً وخبراً ، وليس عند هؤلاء إلا ذلك المعنى وتعلقه بالحقائق المخبر عنها والمأمور بها ، ونفس القرآن العربي المخلوق عندم هو الدال على ذلك المعنى ، فالمداول إن كان هو ذلك المعنى فلا يتميز فيه أمر عن خبر ، ولا أمر بصلاة عن أمر بزكاة ، ولا نهي عن الكفر عن إخبار بتوحيد . وإن كانت التعلقات عدمية فالمعدوم ليس بشيء ، ولا يكون العدم أمراً ونهياً وخبراً، ولا يكون مدلول التوراة والإنجيل والقرآن وسائر كتب الله أموراً عدمية لا وجود لها ، ولا تكون الأمور العدمية هي التى بها وجبت الصلاة وحرم الظلم، ولا يكون المعنى الواحد بتلك الأمور العدمية إلا صفات إضافية ، وهي من معنى السلبية، فإنها إن لم تكن سلب أمر موجود فهي تعلق ليس بموجود . فحقيقة الأمر - على قول هؤلاء - أنه ليس لله كلام لا معان ولا حروف إلا بمعنى واحد لا حقيقة له موجودة ولا معلومة . ومن حجة هؤلاء أنه إذا قيل بعضه أفضل من بعض كان المفضول ناقصاً عن الفاضل ، وصفات الله كاملة لا نقص فيها ، والقرآن ٧٢ من صفاته . قال هؤلاء : صفات الله كلها متوافرة فى الكمال ، متناهية إلى غاية التمام ، لا يلحق شيئاً منها نقص بحال . ثم لما اعتقد هؤلاء أن التفاضل فى صفات الله ممتنع ظنوا أن القول بتفضيل بعض كلامه على بعض لا يمكن إلا على قول الجهمية من المعتزلة وغيرهم القائلين بأنه مخلوق ، فإنه إذا قيل إنه مخلوق أمكن القول بتفضيل بعض المخلوقات على بعض ، فيجوز أن يكون بعضه أفضل من بعض. قالوا : وأما على قول أهل السنة والجماعة الذين أجمعوا على أن القرآن كلام الله غير مخلوق فيمتنع أن يقع التفاضل في صفات الله القائمة بذاته . ولأجل هذا الاعتقاد صار من يعتقده يذكر إجماع أهل السنة على امتناع التفضيل في القرآن كما قال أبو عبد الله بن الدراج فى مصنف صنفه فى هذه المسألة، قال: « أجمع أهل السنة على أن ما ورد في الشرع مما ظاهره المفاضلة بين آي القرآن وسوره ليس المراد به تفضيل ذوات بعضها على بعض ؛ إذ هو كله كلام الله وصفة من صفاته ، بل هو كله لله فاضل كسائر صفاته الواجب لها نعت الكمال)). وهذا النقل للإجماع هو بحسب ما ظنه لازما لأهل السنة، فلما علم أنهم يقولون: القرآن كلام اللّه ليس بمخلوق ، وظن هو أن المفاضلة إنما تقع فى المخلوقات لا فى الصفات ، قال ما قال . وإلا فلا ينقل عن أحد من السلف والأئمة أنه أنكر فضل كلام الله بعضه على ٧٣ بعض : لا فى نفسه ، ولا فى لوازمه ومتعلقاته ؛ فضلا عن أن يكون هذا إجماعاً . وليس هو لازما لابن كلاب ومن وافقه كالأشعري وأتباعه ؛ فإن هؤلاء يجوزون وقوع المفاضلة فى القرآن العربي ، وهو مخلوق عندم . وهذا المخلوق يسمى ((كتاب الله)) والمعنى القديم يسمى « كلام الله)» ولفظ ((القرآن)) يراد به عندهم ذلك المعنى القديم ، والقرآن العربي المخلوق . وحينئذ فهم يتأولون ما ورد من تفضيل بعض القرآن على بعض على القرآن المخلوق عندهم . وإنما القول المتواتر عن أئمة السلف أنهم قالوا : القرآن كلام اللّه غير مخلوق، وأنهم أنكروا مقالة الجهمية الذين جعلوا القرآن مخلوقا منفصلا عن الله، بل كفروا من قال ذلك ، والكتب الموجودة فيها ألفاظهم بأسانيدها وغير أسانيدها كثيرة : مثل: ( كتاب الرد على الجهمية ) للإمام أبي محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم، و ( الرد على الجهمية ) لعبد الله بن محمد الجعفي شيخ البخاري، و(الرد على الجهمية) للحكم بن معبد الخزاعى، و (كتاب السنة ) لعبد الله بن أحمد بن حنبل، و ( السنة ) لخنبل ابن عم الإمام أحمد ، و ( السنة ) لأبي داود السجستانى ، و (السنة) للأثرم، و (السنة) لأبى بكر الخلال ، و ( السنة والرد على أهل الأهواء ) لخشيش بن أصرم ، ٧٤ ( والرد على الجهمية ) لعثمان بن سعيد الدارمي ، و (نقض عثمان ابن سعيد، على الجهمي الكاذب العنيد، فيما افترى على الله في التوحيد)، و (كتاب التوحيد ) لابن خزيمة، و (السنة ) للطبرانى، ولأبى الشيخ الأصبهانى، و ( شرح أصول السنة) لأبى القاسم اللالكائى، و(الإبانة) لأبى عبد الله بن بطة، وكتب أبى عبد الله بن منده، و ( السنة ) لأبى ذر الهروي، و ( الأسماء والصفات ) للبيهقي، و (الأصول) لأبى عمر الطلمنكي ، و ( الفاروق) لأبى إسماعيل الأنصاري، و(الحجة) لأبى القاسم التيمي . إلى غير ذلك من المصنفات التى يطول تعدادها : التى يذكر مصنفوها العلماء الثقات مذاهب السلف بالأسانيد الثابتة عنهم بألفاظهم الكثيرة المتواترة التى تعرف منها أقوالهم ، مع أنه من حين محنة الجهمية لأهل السنة - التى جرت فى زمن أحمد بن حنبل لما صبر فيها الإمام أحمد وقام بإظهار السنة والصبر على محنة الجهمية حتى نصر الله الإسلام والسنة وأطفأ نار تلك الفتنة - ظهر فى ديار الإسلام وانتشر بين الخاص والعام أن مذهب أهل السنة والحديث المتبعين للسلف من الصحابة والتابعين : أن القرآن كلام الله غير مخلوق ، وأن الذين أحدثوا فى الإسلام القول بأن القرآن مخلوق ثم الجعد بن درم والجهم بن صفوان ومن اتبعه من المعتزلة وغيرهم من أصناف الجهمية ، لم يقل هذا القول أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان . فهذا القول هو القول المعروف عن أهل السنة والجماعة ، وهو القول بأن القرآن ٧٥ كلام الله وهو غير مخلوق . أماكونه لا يفضل بعضه على بعض فهذا القول لم ينقل عن أحد من سلف الأمة وأئمة السنة الذين كانوا أئمة المحنة كأحمد بن حنبل وأمثاله ، ولا عن أحد قبلهم ، ولو قدر أنه نقل عن عدد من أمّة السنة لم يجز أن يجعل ذلك إجماعاً منهم ، فكيف إذا لم ينقل عن أحد منهم ؟! وإنما هذا نقل لما يظنه الناقل لازما لمذهبهم . فلما كان مذهب أهل السنة أن القرآن من صفات الله لا من مخلوقات الله، وظن هذا الناقل أن التفاضل يمتنع في صفات الخالق ، نقل امتناع التفاضل عنهم بناء على هذا التلازم . ولكن يقال له : أما المقدمة الأولى فمنقولة عنهم بلا ريب . وأما المقدمة الثانية ، وهي أن صفات الرب لا تتفاضل ، فهل يمكنك أن تنقل عن أحد من السلف قولا بذلك، فضلا عن أن تنقل إجماعهم على ذلك؟ ! ما علمت أحداً يمكنه أن يثبت عن أحد من السلف أنه قال ما يدل على هذا المعنى ، لا بهذا اللفظ ولا بغيره ، فضلا عن أن يكون هذا إجماعاً . ولكن إن كان قال قائل ذلك ولم يبلغنا قوله فالله أعلم . لكن الذي أقطع به ويقطع به كل من له خبرة بكلام السلف أن القول بهذا لم يكن مشهوراً بين السلف، ولا قاله واحد واشتهر قوله عند الباقين فسكتوا عنه ، ولا هو معروف فى الكتب التى نقل ٧٦ فيها ألفاظهم بأعيانها ، بل المنقول الثابت عنهم - أو عن كثير منهم .- يدل على أنهم كانوا يرون تفاضل صفات الله تعالى ، وهكذا من قال من أصحاب مالك أو الشافعي أو أحمد من أهل السنة: أن القرآن لايفضل بعضه على بعض فإنما مستندهم أن أهل السنة متفقون على أن القرآن كلام الله غير مخلوق ، وأن كلامه من صفاته القائمة بنفسه ليس من مخلوقاته وهذا أيضاً صحيح عن أهل السنة . ثم ظنوا أن التفاضل إنما يقع في المخلوق لا فى الصفات ، وهذا الظن لم ينقلوه عن أحد من أئمة الإسلام كمالك والشافعى وأحمد وأبى حنيفة والثوري والأوزاعى ولا من قبل هؤلاء، ولهذا شنع هؤلاء على من ظن فضل بعضه على بعض كما دلت عليه النصوص والآثار ، لظنهم أن ذلك مستلزم لخلاف مذهب أهل السنة ، كما قال أبو عبد الله بن المرابط فى الكلام على حديث البخاري فى رده لتأويل من تأول هذا الحديث على أن هذه السورة إذا عدلت بثلث القرآن أنها تفضل الربح منه وخمسه وما دون الثلث فهو التفاضل فى كتاب الله تعالى وهو صفة من صفات الله جل جلاله ، وقال : فهذا لولا عذر الجهالة لحكم على قائله بالكفر ، إذ لا يصح التفاضل إلا فى المخلوقات؛ إذ صفاته كلها فاضلة فى غاية الفضيلة ونهاية العلو والكرامة، فمن تنقص شيئاً منها عن سائرها فقد الحد فيها ، ألا تسمعه منع ذلك بقوله تعالى: ( الَّذِينَ جَعَلُواْ اُلْقُرْءَانَ عِضِينَ )؟ !. ٧٧ قال : وقد أجمع أهل السنة على أن القرآن صفة من صفات الله لا من صفة خلقه . قال: وإنما أوقعهم فى تأويل ذلك قوله تعالى: ( نَأْتِ بِخَيْرِ مِنْهَا أَوْمِثْلِهَا ) ولا يخلو معنى ذلك من أحد وجهين : إما أن تكون الناسخة خيراً من المنسوخة فى ذاتها ، وإما أن تكون خيراً منها لمن تعبد بها ، إذ محال أن يتفاضل القرآن فى ذاته على ما ذهب إليه أهل السنة والاستقامة ؛ إذكل من عند الله ؛ لأن القرآن العزيز صفة اللّه، وأسماء الله وصفاته كلها متوافرة في الكال، متناهية إلى غاية التام ، لا يلحق شيئاً منها نقص بحال . فلما استحال أن تكون آية خيراً من آية فى ذاتها علمنا أن المراد بخير منها إنما هو للمتعبدين بها، لم ينقل عباده من تخفيف إلى تثقيل ، ولكنه نقلهم بالنسخ من تحريم إلى تحليل، ومن إيجاب إلى تخيير ، ومن تطهير إلى تطهير ، والشاهد لنا قوله : ( يُرِدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الْإِنسَنُ ضَعِيفًا). فيقال: أما قول القائل: (( لولا عذر الجهالة لحكم على مثبت المفاضلة بالكفر)) فهم يقابلونه بمثل ذلك ، وحجتهم أقوى . وذلك لأن الكفر حكم شرعى ، وإنما يثبت بالأدلة الشرعية ، ومن أنكر شيئاً لم يدل عليه الشرع بل على بمجرد العقل لم يكن كافراً ، وإنما الكافر من أنكر ما جاء به الرسول ، ومعلوم أنه ليس فى الكتاب والسنة نص يمنع تفضيل بعض كلام الله على بعض ، بل ولا يمنع تفاضل صفاته ٧٨ تعالى ، بل ولا نقل هذا النفى عن أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ولا عن أئمة المسلمين الذين لهم لسان صدق فى الأمة بحيث جعلوا أعلاماً للسنة وأئمة للأمة . وأما تفضيل بعض كلام الله على بعض ؛ بل تفضيل بعض صفاته على بعض: فدلالة الكتاب والسنة والأحكام الشرعية والآثار السلفية كثيرة على ذلك ، فلو قدر أن الحق فى نفس الأمر أنها لا تتفاضل لم يكن تفي تفاضلها معلوما إلا بالعقل لا بدليل شرعى ، وإذا قدر أنها تتفاضل فالدال على ذلك هو الأدلة الشرعية مع العقلية ، فإذا قدر أن الحق في نفس الأمر هو التفضيل لكان كفر جاحد ذلك أولى من كفر من يثبت التفضيل إذا لم يكن حقاً فى نفس الأمر ، لأن ذلك جحد موجب الأدلة الشرعية بغير دليل شرعي ؛ بل لما رآه بعقله وأخطأ فيه ؛ إذ نحن نتكلم فى هذا التقدير . ومعلوم أن من خالف ماجاءت به الرسل عن الله بمجرد عقله فهو أولى بالكفر ممن لم يخالف ما جاءت به الرسل عن الله ، وإنما خالف ما علم بالعقل إن كان ذلك حقاً . ونظير هذا قول بعض نفاة الصفات لما تأمل حال أصحابه وحال مثبتيها قال: لا ريب أن حال هؤلاء عند الله خير من حالنا، فإن هؤلاء إن كانوا مصيبين فقد نالوا الدرجات العلى والرضوان الأكبر ، وإن كانوا مخطئين فإنهم يقولون : محن يا رب صدقنا ما دل عليه كتابك ٧٩ وسنة رسولك ، إذ لم تبين لنا بالكتاب والسنة نفى الصفات ، كما دل كلامك على إثباتها ، فنحن أثبتنا ما دل عليه كلامك وكلام رسولك ، فإن كان الحق فى خلاف ذلك فلم يبين الرسول ما يخالف ذلك ، ولم يكن خلاف ذلك مما يعلم ببداهة العقول ، بل إن قدر أنه حق فلايعلمه إلا الأفراد ، فكيف وعامة المنتهين فى خلاف ذلك إلى الغابة يقرون بالحيرة والارتياب . قال النافى : وإن كنا نحن مصيبين فإنه يقال لنا : أنتم قلتم شيئاً لم آمركم بقوله ، وطلبتم علما لم آمركم بطلبه ، فالثواب إنما يكون لأهل الطاعة ، وأنتم لم تمتثلوا أمري . قال : وإن كنا مخطئين فقد خسرنا خسرانا مبينا . وهذا حال من أثبت المفاضلة فى كلام الله وصفاته ومن نفاها ، فإن المثبت معتصم بالكتاب والسنة والآثار ، ومعه من المعقولات الصريحة التى تبين صحة قوله وفساد قول منازعه ما لا يتوجه إليها طعن صحيح. وأما النافى فليس معه آية من كتاب الله ولا حديث عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ولا قول أحد من سلف الأمة، وإنما معه مجرد رأي يزعم أن عقله دل عليه ، ومنازعه يبين أن العقل إنما دل على نقيضه، وأن خطأه معلوم بصريح المعقول ، كما هو معلوم بصحيح المنقول. واحتجاج المحتج على نفي التفاضل بقوله: (جَعَلُوا الْقُرْءَانَ عِضِينَ ) في غابة الفساد ؛ فإن الآية لا تدل على هذا بوجه من الوجوه ، سواء ٨٠