النص المفهرس
صفحات 521-540
سورة الهمزة قال شيخ الإسلام رحمه الله فصل قوله: (وَيْلٌ لِكُلّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ) هو الطعان العياب. كما قال: وقال : ( هَمَّازٍ مَّشَآءٍ بِنَمِيٍ ) وقال: (وَمِنْهُمْ مَن يَلْمِزُكَ فِ الصَّدَقَتِ ) (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) والهمز: أشد؛ لأن الهمز الدفع بشدة ، ومنه الهمزة من الحروف ، وهي نقرة في الحلق ، ومنه : ومنه قول النبي صلى الله (وَقُل رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ ) عليه وسلم: (( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، من همزه ، ونفخه ، ونفثه)) وقال: ((همزه المونة)) وهى الصرع ، فالهمز مثل الطعن لفظاً ومعنى . واللمز كالذم والعيب ، وإنما ذم من يكثر الهمز . واللمز ، فإن الهمزة واللمزة هو الذي يفعل ذلك كثيراً ، و ( الهمزة ) و(اللمزة ) ٥٢١ الذي يفعل ذلك به ، كما فى نظائره مثل الضحكة والضحكة ، واللعبة واللعبة، وقوله: ( الَّذِى جَمَعَ مَا لَّا وَعَدَدَهُ) وصفه بالطعن فى الناس . والعيب لهم، ومجمع المال وتعديده ، وهذا نظير قوله: (وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * الَّذِينَ يَبْخَلُونَ) في ((الحديد)) ونظيرها فى المعنى فى ((النساء)) فإن الهمزة اللمزة بشبه المختال الفخور، والجماع المحصي نظير البخيل، وكذلك نظيرهما قوله: (هَمَّازٍمَّشَّلْمِنَمِيمٍ * مَنَّعِلْخَيْرِمُعْتَدٍ أَشٍِ * عُثُلِّ بَعْدَ ذَلِكَ زَئِيمٍ ) وصفه بالكبر والبخل، وكذلك قوله: (وَأَمَّا مَنْ يَخِلَ وَأَسْتَغْنَى ) فهذه خمسة مواضع ، وذلك ناشئ عن حب الشرف والمال ، فإن محبة الشرف يحمل على انتقاص غيره بالهمز واللمز والفخر والخيلاء، ومحبة المال تحمل على البخل ، وضد ذلك من أعطى فلم يبخل ، واتقى فلم يهمز ، ولم يلمز ، وأيضاً فإن المعطى نفع الناس، والمنقى لم يضرم، فنفع ولم يضر ، وأما المختال الفخور البخيل ، فإنه ببخله منعهم الخير ، وبفخره سامهم الضر، فضرم ولم ينفعهم، وكذلك ((الهمزة الذي جمع مالا )) ونظيره قارون الذي جمع مالا ، وكان من قوم موسى فبغى عليهم . ومن تدبر القرآن وجد بعضه يفسر بعضاً ، فإنه كما قال ابن عباس فى رواية الوالي : مشتمل على الأقسام ، والأمثال ، وهو تفسير : ( مُّتَشَبِهَا مَّثَانِىَ ) . ٥٢٢ ولهذا جاء كتاب الله جامعاً. كما قال صلى الله عليه وسلم: ((أعطيت جوامع الكلم )) وقال تعالى: (كِتَبًا مُّتَشَبِهَا مَثَانِىَ ) فالتشابه يكون فى الأمثال ، والمثاني فى الأقسام، فإن التثنية فى مطلق التعديد . كما قد وكما فى قول حذيفة « كنا نقول قيل فى قوله: (أُرْجِعِالْصَرَكَرِينِ ) بين السجدتين : رب اغفر لي ، رب اغفر لي )) وكما يقال : فعلت هذا مرة بعد مرة، فتثنية اللفظ يراد به التعديد ؛ لأن العدد مازاد على الواحد ، وهو أول الثنية ، وكذلك ثنيت الثوب ، أعم من أن يكون مرتين فقط أو مطلق العدد ، فهو جميعه متشابه ، يصدق بعضه بعضا، ليس مختلفاً، بل كل خبر وأمر منه يشابه الخبر ، لاتحاد مقصود الأمرين، ولا تحاد الحقيقة التى إليها مرجع الموجودات . فلما كانت الحقائق المقصودة والموجودة ترجع إلى أصل واحد ، وهو الله سبحانه . كان الكلام الحق فيها خبرا ، وأمرا متشابها ، ليس بمنزلة المختلف المتناقض . كما يوجد فى كلام أكثر البشر، والمصنفون - الكبار منهم - يقولون شيئا ثم ينقضونه، وهو جميعه مثانى؛ لأنه استوفيت (وَمِن كُلِّ شَىْءٍ خَفْنَا زَوْجَيْنِ ) فيه الأقسام المختلفة ، فإن الله يقول : فذكر الزوجين مثاني ، والإخبار عن الحقائق بما هي عليه بحيث يحكم على الشيء بحكم نظيره، وهو حكم على المعنى الواحد المشترك خبراً أو طلبا خطاب متشابه ، فهو متشابه مثاني . ٥٢٣ وهذا فى المعاني مثل الوجوه والنظائر في الألفاظ فإن كل شيئين من الأعيان والأعراض وغير ذلك إما أن يكون أحدهما مثل الآخر ، أو لا يكون مثله فهي الأمثال ، وجمعها هو التأليف، وإذا جاءت بلفظ واحد كانت نظائر ، وإن لم يكن مثله فهو خلافه سواء كان ضداً أو لم يكن، وقد يقال: إما أن يجمعهما جنس أولا ، فإن لم يجمعها جنس فأحدهما بعيد عن الآخر ، ولا مناسبة بينهما ، وإن جمعهما جنس فهي الأقسام ، وجمعها هو التصنيف ، ودلالة اللفظ الواحد على المعاني المختلفة تسمى الوجوه . والكلام الجامع هو الذي يستوفي الأقسام المختلفة ، والنظائر المتماثلة جمعاً بين المتماثلين ، وفرقا بين المختلفين. بحيث يبقى محيطا ، وإلا فذكر أحد القسمين أو المثلين لا يفيد التمام ، ولا يكون الكلم محيطا ، ولا الكلم جوامع ، وهو فعل غالب الناس فى كلامهم. والحقائق فى نفسها : منها المختلف ، ومنها المؤتلف، والمختلفان بينهما اتفاق من وجه ، وافتراق من وجه، فإذا أحاط الكلام بالأقسام المختلفة ، والأمثال المؤتلفة كان جامعا ، وباعتبار هذه المعاني كانت ضروب القياس العقلي المنطقى ثلاثة : الحمليات والشرطيات المتصلة، والشرطيات المنفصلة . فالأول للحقائق المتماثلة الداخلة في القضية الجامعة . والثاني للمختلفات التى ليست متضادة ، بل تتلازم تارة ، ولا تتلازم أخرى . ٥٢٤ والثالث للحقائق المتضادة المتنافية، إما وجوداً أو عدما ، وهي النقيضان ، وإما وجوداً فقط، وهو أعم من النقيضين، وإما عدما فقط ، وهو أخص من النقيضين . فالحمليات للمثلين ، والأمثال ، والشرطيات المنفصلة للمتضادين ، والمتضادات ويسمى التقسيم، والسبر، والترديد، والبيانى، والمتصلة للخلافين غير المتضادين ، ويسمى التلازم . ٥٢٥ سورة الكوثر وقال شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية رحمه الله: ((سورة الكوثر)) ما أجلها من سورة! وأغزر فوائدها على اختصارها ، وحقيقة معناها تعلم من آخرها ، فإنه سبحانه وتعالى بتر شانى رسوله من كل خير ، فيبتر ذكره وأهله وماله فيخسر ذلك فى الآخرة ، ويبتر حياته فلا ينتفع بها ، ولا يتزود فيها صالحاً لمعاده، ويبتر قلبه فلا يعي الخير ، ولا يؤهله لمعرفته ومحبته ، والإيمان برسله ، ويبتز أعماله فلا يستعمله فى طاعة ، ويبتره من الأنصار فلا يجد له ناصراً، ولا عونا . ويبتره من جميع القرب والأعمال الصالحة فلا يذوق لها طعما ، ولا يجد لها حلاوة ، وإن باشرها بظاهره ، فقلبه شارد عنها . وهذا جزاء من شنأ بعض ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ورده لأجل هواه ، أو متبوعه، أو شيخه، أو أميره، أو كبيره. كمن شنأ آيات الصفات وأحاديث الصفات ونأولها على غير مراد الله ٥٢٦ ورسوله منها ، أو حملها على ما يوافق مذهبه ، ومذهب طائفته ، أو تمنى أن لا تكون آيات الصفات أنزلت، ولا أحاديث الصفات قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومن أقوى علامات شناءته لها ، وكراهته لها أنه إذا سمعها حين يستدل بها أهل السنة على ما دلت عليه من الحق اشمأز من ذلك ، وحاد ونفر عن ذلك ، لما فى قلبه من البغض لها والنفرة عنها فأي شائي للرسول أعظم من هذا ، وكذلك أهل السماع الذين يرقصون على سماع الغناء والقصائد والدفوف والشبابات إذا سمعوا القرآن يتلى ويقرأ في مجالسهم استطالوا ذلك واستثقلوه . فأي شنآن أعظم من هذا، وقس على هذا سائر الطوائف فى هذا الباب . وكذا من آثر كلام الناس وعلومهم على القرآن والسنة ، فلولا أنه شاني لما جاء به الرسول ما فعل ذلك ، حتى إن بعضهم لينسى القرآن بعد أن حفظه ، ويشتغل بقول فلان وفلان ، ولكن أعظم من شنأه ورده : من كفر به وجحده وجعله أساطير الأولين وسحراً يؤثر فهذا أعظم وأطم انتاراً وكل من شنأه له نصيب من الانتار ، على قدر شناءته له فهؤلاء لما شنؤوه وعادوه جازاح الله بأن جعل الخير كله معاديا لهم ، فبترم منه ، وخص نبيه صلى الله عليه وسلم بضد ذلك، وهو أنه أعطاه الكوثر، وهو من الخير الكثير الذي آتاه الله فى الدنيا ٥٢٧ والآخرة ، فما أعطاه في الدنيا الهدى والنصر والتأييد وقرة العين والنفس وشرح الصدر ، ونعم قلبه بذكره وحبه بحيث لا يشبه نعيمه نعيم فى الدنيا ألبتة ، وأعطاه في الآخرة الوسيلة والمقام المحمود، وجعله أول من يفتح له ولأمته باب الجنة ، وأعطاه فى الآخرة لواء الحمد، والحوض العظيم ، فى موقف القيامة إلى غير ذلك ، وجعل المؤمنين كلهم أولاده وهو أب لهم ، وهذا ضد حال الأبتر الذي يشنؤه ويشنأ ما جاء به . وقوله (إِّ شَانِئَكَ) أي مبغضك، والأبتر المقطوع النسل، الذي لا يولد له خير ولا عمل صالح فلا يتولد عنه خير ، ولا عمل صالح . قيل لأبى بكر بن عياش : إن بالمسجد قوماً يجلسون ويجلس إليهم ، فقال : من جلس للناس ، جلس الناس إليه . ولكن أهل السنة يموتون ، ويحيى ذكرهم ، وأهل البدعة يموتون ويموت ذكرم؛ لأن أهل السنة أحيوا ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فكان لهم نصيب من قوله: (وَرَفَعْنَالَكَ ذِكْرَكَ) وأهل البدعة شنؤوا ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ، فكان لهم نصيب من قوله : (إِنّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرَ) فالحذر الحذر أيها الرجل من أن تكره شيئاً مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، أو ترده لأجل هواك، أو انتصاراً لمذهبك، أو ٥٢٨ لشيخك ، أو لأجل اشتغالك بالشهوات ، أو بالدنيا ، فإن الله لم يوجب على أحد طاعة أحد إلا طاعة رسوله ، والأخذ بما جاء به ، بحيث لو خالف العبد جميع الخلق ، واتبع الرسول ما سأله الله عن مخالفة أحد فإن من يطيع أو يطاع إنما يطاع تبعاً للرسول ، وإلا لو أمر بخلاف ما أمر به الرسول ما أطيع . فاعلم ذلك واسمع ، وأطع واتبع ، ولا تبتدع . تكن أبتر مردوداً عليك عملك ، بل لا خير في عمل أبتر من الاتباع ولا خير في عامله والله أعلم . وقوله تعالى: (إِنَّا أَعْطَيْنَكَ الْكَوْثَرَ ) تدل هذه الآية على عطية كثيرة صادرة عن معط كبير غنى واسع . وأنه تعالى وملائكته وجنده معه: صدر الآية (بإن) الدالة على التأكيد، وتحقيق الخبر وجاء الفعل بلفظ الماضي الدال على التحقيق، وأنه أمر ثابت واقع ، ولا يدفعه ما فيه من الإيذان ، بأن إعطاء الكوثر سابق فى القدر الأول حين قدرت مقادير الخلائق ، قبل أن يخلقهم بخمسين ألف سنة ، وحذف موصوف الكوثر ليكون أبلغ فى العموم ؛ لما فيه من عدم التعيين ، وأتى بالصفة أي أنه سبحانه وتعالى قال: (إِنَّا أَعْطَيْنَكَ اُلْكَوْثَرَ) فوصفه بالكوثر، والكوثر المعروف إنما هو نهر فى الجنة ، كما قد وردت به الأحاديث الصحيحة الصريحة ، وقال ابن عباس الكوثر إنما هو من الخير الكثير الذي أعطاه الله إياه ، وإذا كان أقل أهل ٥٢٩ الجنة من له فيها مثل الدنيا عشر مرات ، فما الظن بما لرسول الله صلى الله عليه وسلم مما أعده الله له فيها ، فالكوثر علامة وأمارة على تعدد ما أعده الله له من الخيرات ، واتصالها وزيادتها ، وسمو المنزلة وارتفاعها ، وأن ذلك النهر وهو الكوثر أعظم أنهار الجنة وأطيبها ماء ، وأعذبها وأحلاها وأعلاها . وذلك أنه أتى فيه بلام التعريف الدالة على كمال المسمى وتمامه . كقوله: زيد العالم ، زيد الشجاع ، أي لا أعلم منه ولا أشجع منه ، وكذلك قوله : (إِنَّا أَعْطَيْنَكَ الْكَوْثَرَ ) . دل على أنه أعطاء الخير كله كاملا موفراً، وإن نال منه بعض أمته شيئاً كان ذلك الذي ناله ببركة اتباعه، والاقتداء به ، مع أن له صلى الله عليه وسلم مثل أجره من غير أن ينقص من أجر المتبح له شيء ففيه الإشارة إلى أن الله تعالى يعطيه في الجنة بقدر أجور أمته كلهم من غير أن ينقص من أجورهم ، فإنه هو السبب فى هدايتهم ، ونجاتهم ، فينبغي بل يجب على العبد اتباعه والاقتداء به ، وأن يمتثل ما أمره به ويكثر من العمل الصالح صوما وصلاة وصدقة وطهارة ، ليكون له مثل أجره ، فإنه إذا فعل المحظورات فات الرسول مثل أجر ما فرط فيه من الخير ، فإن فعل المحظور مع ترك المأمور قوي وزره ، وصعبت نجانه لارتكابه المحظور وتركه المأمور ، وإن فعل المأمور وارتكب المحظور دخل فيمن يشفع ٥٣٠ فيه الرسول صلى الله عليه وسلم لكونه ناله مثل أجر مافعله من المأمور ، وإلى الله إياب الخلق، وعليه حسابهم، وهو أعلم بحالهم: أي بأحوال عباده ، فإن شفاعته لأهل الكبائر من أمته ، والمحسن إنما أحسن بتوفيق الله له ، والمسىء لا حجة له ولا عذر . والمقصود أن الكوثر نهر في الجنة ، وهو من الخير الكثير الذي أعطاه الله رسوله صلى الله عليه وسلم فى الدنيا والآخرة، وهذا غير ما يعطيه الله من الأجر الذي هو مثل أجور أمته إلى يوم القيامة ، فكل من قرأ أو علم أو عمل صالحاً أو علم غيره أو تصدق أو حج أو جاهد أو رابط أو تاب أو صبر أو توكل أو نال مقاماً من المقامات القلبية من خشية وخوف ومعرفة وغير ذلك ، فله مثل أجره من غير أن ينقص من أجر ذلك العامل . والله أعلم . وقوله: (فَصَلِ لِرَبِّكَ وَاُنْحَرّ ) أمره الله أن يجمع بين هاتين العبادتين العظيمتين ، وهما الصلاة والنسك الدالتان على القرب والتواضع والافتقار وحسن الظن ، وقوة اليقين ، وطمأنينة القلب إلى الله ، وإلى عدته وأمره ، وفضله، وخلفه، عكس حال أهل الكبر والنفرة وأهل الغنى عن الله الذين لا حاجة فى صلاتهم إلى ربهم يسألونه إياها ، والذين لا ينحرون له خوفاً من الفقر ، وتركا لإعانة الفقراء وإعطائهم ، وسوء الظن منهم بربهم، ولهذا جمع الله بينهما . في قوله تعالى: ( قُلّ ٥٣١ إِنَّ صَلَاتِ وَنُسُكِى وَيَحْيَاىَ وَمَمَاتِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ) والنسك هي الذبيحة ابتغاء وجهه . والمقصود : أن الصلاة والنسك هما أجل ما يتقرب به إلى الله فإنه أتى فيها بالفاء الدالة على السبب ؛ لأن فعل ذلك وهو الصلاة والنحر سبب للقيام بشكر ما أعطاه الله إياه من الكوثر ، والخير الكثير ، فشكر المنعم عليه وعبادته أعظمها هاتان العبادتان ، بل الصلاة نهاية العبادات ، وغاية الغايات. كأنه يقول: (إِنَّا أَعْطَيْنَكَ الْكَوْثَرَ) الخير الكثير ، وأنعمنا عليك بذلك لأجل قيامك لنا بهاتين العبادتين، شكراً لإنعامنا عليك، وهما السبب لإنعامنا عليك بذلك، فقم لنا بهما ، فإن الصلاة والنحر محفوفان بإنعام قبلها، وإنعام بعدهما ، وأجل العبادات المالية النحر، وأجل العبادات البدنية الصلاة ، وما يجتمع للعبد فى الصلاة لا يجتمع له فى غيرها من سائر العبادات ، كما عرفه أرباب القلوب الحية ، وأصحاب الهمم العالية ، وما يجتمع له فى بحره من إيثار الله، وحسن الظن به وقوة اليقين ، والوثوق بما فى بد الله أمر عجيب ، إذا قارن ذلك الإيمان والإخلاص، وقد امتثل النبي صلى الله عليه وسلم أمر ربه فكان كثير الصلاة لربه كثير النحر ، حتى محر بيده فى حجة الوداع ثلاثاً وستين بدنة ، وكان ينحر فى الأعياد وغيرها . وفى قوله: (إِنَّا أَعْطَيْنَكَ اُلْكَوْثَرَ * فَصَلّ لِرَبِّكَ وَأَنْحَرْ) إشارة إلى ٥٣٢ أنك لا تتأسف على شىء من الدنيا، كما ذكر ذلك في آخر ((طه)) ((والحجر)) وغيرهما ، وفيها الإشارة إلى ترك الالتفات إلى الناس ، وما ينالك منهم، بل صل لربك وانحر . وفيها التعريض بحال الأبتر الشانئ ، الذى صلاته ونسكه لغير الله . وفي قوله : (إِنَّ شَانِتَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ) أنواع من التأكيد: أحدها تصدير الجملة بإن . الثاني : الإتيان بضمير الفصل الدال على قوة الإسناد والاختصاص . الثالث: مجىء الخبر على أفعل التفضيل ، دون اسم المفعول. الرابع : تعريفه باللام الدالة على حصول هذا الموصوف له بتمامه ، وأنه أحق به من غيره ، ونظير هذا فى التأكيد قوله : (لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَی) . ومن فوائدها اللطيفة الالتفات فى قوله: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَأَنْحَرْ ) الدالة على أن ربك مستحق لذلك ، وأنت جدير بأن تعبده ، وتنحر له . والله أعلم . ٥٣٣ سورة الكافرون قال الشيخ رحمه اللّ: فصل في سورة قل يا أيها الكافرون للناس فى وجه تكرير البراءة من الجانبين طرق حيث قال : ( لَآ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَ أَنْتُمْ عَبِدُ ونَ مَآ أَعْبُدُ )، ثم قال: (وَلَآ أَنْ عَاِدٌ مَّا عَبَدْ تُمْ منها قولان مشهوران ذكرها كثير * وَلَآَ أَنْتُمْ عَبِدُونَ مَا أَعْبُدُ ) من المفسرين ، هل كرر الكلام للتوكيد ، أو لنفى الحال والاستقبال ؟. قال أبو الفرج : فى تكرار الكلام قولان . أحدهما أنه لتأكيد الأمر وحسم أطماعهم فيه، قاله الفراء. وقد أفعمنا هذا فى سورة الرحمن قال ابن قتيبة : التكرير فى سورة الرحمن للتوكيد . قال : وهذه مذاهب العرب أن التكرير للتوكيد والإفهام ، كما أن مذاهبهم الاختصار للتخفيف ٥٣٤ والإيجاز . لأن افتنان المتعلم والخطيب فى الفنون أحسن من اقتصاد. فى المقام على فن واحد. يقول القائل: والله لا أفعله، ثم والله لا أفعله! إذا أراد التوكيد وحسم الأطماع من أن يفعله، كما يقول: والله أفعله ؟ بإضمار ((لا)) إذا أراد الاختصار. ويقول للمرسل . المستعجل: اعجل، المجل ! والرامي : ارم ، ارم ! قال الشاعر : كم نعمة كانت لكم، وكم وكم ؟ وقال الآخر : هل سألت جموع كن دة يوم ولوا أين أنا ؟ وربما جاءت الصفة فأرادوا توكيدها، واستوحشوا من إعادتها ثانية ، لأنها كلمة واحدة فغيروا منها حرفا . قال ابن قتيبة : فلما عدد الله فى هذه السورة إنعامه وذكر عباده آلاءه ونبههم على قدرته جعل كل كلمة فاصلة بين نعمتين لتفهيمهم النعم وتقريرم بها ، كقولك للرجل: ألم أنزلك منزلا وكنت طريداً؟ أفتكر هذا ؟ ألم أحج بك وكنت صروراً ؟ أفتكر هذا ؟ . قلت قال ابن قتيبة: تكرار الكلام فى (قُلْ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ) ٥٣٥ لتكرار الوقت . وذلك أنهم قالوا : إن سرك أن ندخل فى دينك عاماً فادخل في ديننا عاما . فنزلت هذه السورة . قلت: هذا الكلام الذي ذكره بإعادة اللفظ وإن كان كلام العرب وغير العرب، فإن جميع الأمم يؤكدون إما فى الطلب ، وإما في الخبر ، بتكرار الكلام. ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((والله! لأغزون قريشاً ، ثم والله ! لأغزون قريشاً ، ثم والله! لأغزون قريشاً. ثم قال: إن شاء الله. ثم لم يغزم)). وروى عنه أنه فى غزوة تبوك كان يقود به حذيفة ، ويسوق به عمار ، فرج بضعة عشر رجلا حتى صعدوا العقبة ركباناً متلثمين وكانوا قد أرادوا الفتك برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لحذيفة: قد ، قد ، ولعمار : سق ، سق . فهذا أكثر ، لكن ليس فى القرآن من هذا شيء . فإن القرآن له شأن اختص به ، لا يشبهه كلام البشر - لا كلام نى، ولا غيره، وإن كان نزل بلغة العرب . فلا يقدر مخلوق أن يأتي بسورة ، ولا ببعض سورة مثله . فليس فى القرآن تكرار للفظ بعينه عقب الأول قط . وإنما فى ٥٣٦ سورة الرحمن خطابه بذلك بعد كل آية ، لم يذكر متوالياً . وهذا النمط أرفع من الأول . وكذلك قصص القرآن ليس فيها تكرار ، كما ظنه بعضهم . و ((قُلْ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ)) ليس فيها لفظ تكرار إلا قوله (وَلَآَ أَنْتُمْ عَبِدُونَ مَآ أَعْبُدُ ) ، وهو مع الفصل بينهما بجملة . وقد شبهوا ما في سورة الرحمن بقول القائل لمن أحسن إليه وتابع عليه بالأيادي وهو ينكرها ويكفرها: ألم تك فقيراً فأغنيتك؟ أفتكر هذا ؟ ألم تك عرياناً فكسونك؟ أفتكر هذا؟ ألم تك خاملا فعرفتك؟ ونحو ذلك . وهذا أقرب من التكرار المتوالي ، كما في اليمين المكررة. وكذلك ما يقوله بعضهم إنه قد يعطف الشيء لمجرد تغاير اللفظ ، كقوله : فألفى قولها كذباً ومينا فليس فى القرآن من هذا شيء. ولا يذكر فيه لفظاً زائداً إلا لمعنى زائد وإن كان فى ضمن ذلك التوكيد ، وما يجيء من زيادة اللفظ في مثل قوله (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ)، وقوله (عَمَّا قَلِيلِ لَيُصْبِحُنّ نَدِمِينَ )، وقوله (قَلِلاَمَّانَذَكَّرُونَ) ، فالمعنى مع هذا أزيد من المعنى بدونه. فزيادة اللفظ لزيادة المعنى ، وقوة اللفظ لقوة المعنى . والضم أقوى ٥٣٧ من الكسر ، والكسر أقوى من الفتح . ولهذا يقطع على الضم لما هو أقوى مثل ((الكره)) و((الكره)). فالكره هو الشيء المكروه ، كقوله ، والكره (كُتِبَ عَلَيْهِكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَكُزْهُلَّكُمْ ) المصدر ، كقوله (طَوْعًا وَكَرَهًا). والشيء الذي فى نفسه مكروه أقوى من نفس كراهة الكاره . وكذلك ((الذيج)) و((الذيج))، فالذبح : المذبوح ، كقوله ( وَقَدَيْنَهُ بِذِيْتج عَظِيمٍ) ، والذيح: الفعل . والذيح : مذبوح ، وهو جسد يذبح ، فهو أكمل من نفس الفعل . قال أبو الفرج: والقول الثاني أن المعنى: (لَآ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ) فى حالي هذه، (وَلَآَ أَنْتُمْ) فى حالكم هذه ( عَبِدُونَ مَآ أَعْبُدُ * وَلَا أَتَأْعَابِدٌمَّا عَبَدُمْ ) في ما أستقبل، وكذلك ( أنتم ) فنفى عنهم في الحال والاستقبال. وهذا في قوم بأعيانهم أعلمه اللّه أنهم لا يؤمنون، كما ذكرناه عن مقاتل . فلا يكون حينئذ تكرار . قال : وهذا قول ثعلب، والزجاج . قلت : قد ذكر القولين جماعة ، لكن منهم من جعل القول الأول قول أكثر أهل المعاني . فقالوا - واللفظ للبغوي : معنى الآية: لا أعبد ما تعبدون فى الحال ، ولا أنا عابد ما عبدتم فى الاستقبال، ٥٣٨ ولا أنتم عابدون ما أعبد فى الاستقبال . وهذا خطاب لمن سبق فى علم اللّه أنهم لا يؤمنون . قال ، وقال أكثر أهل المعاني : نزل بلسان العرب على مجاري خطابهم . ومن مذاهبهم التكرار إرادة للتوكيد والإفهام ، كما أن من مذاهبهم الاختصار للتخفيف والإيجاز . قلت : ومن المفسرين من لم يذكر غير الثاني - منهم المهدوي وابن عطية . قال ابن عطية: لما كان قوله: (لَآ أَعْبُدُ ) محتملا أن يراد به الآن ، ويبقى المستأنف منتظراً ما يكون فيه من عبادته ، جاء البيان بقوله (وَلَا أَنْ عَابِدٌ مَّا عَبَدَّمْ)، أي أبداً ما حييت. ثم جاء قوله: (وَلَا أَنْتُمْ عَبِدُونَ مَا أَعْبُدُ ) الثاني حتماً عليهم أنهم لا يؤمنون أبداً، كالذين كشف الغيب عنهم، كما قيل لنوح (أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّامَن قَدْءَامَنَ) أما إن هذا خطاب لمعينين ، وقوم نوح قد عموا بذلك. قال : فهذا معنى الترديد الذي فى السورة ، وهو بارع الفصاحة . وليس هو بتكرار فقط ، بل فيه ما ذكرته ، مع الإبلاغ والتوكيد ، وزيادة الأمر بياناً وتبرياً منهم . قلت : هذا القول أجود من الذي قبله من جهة بيانهم لمعنى ٥٣٩ زائد على التكرير . لكن فيه نقص من جهة أخرى . وهو جعلهم هذا خطاباً لمعينين ، فنقصوا معنى السورة من هذا الوجه . وهذا غلط، فإن قوله: (قُلْ يَأَيُهَا الْكَفِرُونَ ) خطاب لكل كافر ، وكان يقرأ بها فى المدينة بعد موت أولئك المعينين ، ويأمر بها ويقول هي براءة من الشرك . فلو كانت خطاباً لأولئك العينين ، أو لمن علم منهم أنه يموت كافراً ، لم يخاطب بها من لم يعلم ذلك منه. وأيضاً فأولئك المعينون إن صح أنه إنما خاطبهم فلم يكن إذ ذاك على أنهم يموتون على الكفر . والقول بأنه إنما خاطب بها معينين قول لم يقله من يعتمد عليه . ولكن قد قال مقاتل بن سليمان : إنها نزلت في أبي جهل والمستهزئين، ولم يؤمن من الذين نزلت فيهم أحد . ونقل مقاتل وحده مما لا يعتمد عليه باتفاق أهل الحديث ، كنقل الكلبى . ولهذا كان المصفون فى التفسير من أهل النقل لا يذكرون عن واحد منها شيئاً ، كمحمد بن جرير ، وعبد الرحمن بن أبي حاتم ، وأبي بكر بن المنذر ، فضلا عن مثل أحمد بن حنبل ، وإسحاق بن راهويه. وقد ذكر غيره هذا عن قريش مطلقاً ، كما رواه عبد بن حميد ، ٥٤٠