النص المفهرس

صفحات 461-480

ما يكفي فيه مجرد خبر الرسول . فإن ما أخبر به الرسول فهو حق .
وكل ما أثبت للرب فهو لازم الثبوت ، وما انتفى عنه فهو لازم الانتفاء
فإذا قدر عدم اللازم لزم عدم الملزوم .
لكن هذا كله لازم المذهب ، وهو يدل على بطلانه . ولازم
المذهب لا يجب أن يكون مذهباً ، بل أكثر الناس يقولون أقوالا
ولا يلتزمون لوازمها . فلا يلزم إذا قال القائل ما يستلزم التعطيل أن
يكون معتقداً للتعطيل . بل يكون معتقداً للإثبات ، ولكن لا يعرف
ذلك اللزوم .
وأيضاً فاذا كانت أصولهم التى بنوا عليها إثبات الصانع باطلة لم
يلزم أن يكونوا م غير مقرين بالصانع ، وإن كان هذا لازماً من
قولهم . إذا قالوا : إنه لا يعرف إلا بهذه الطريق ، وقد ظهر فساده،
لزم أن لا يعرف . لكن هذا اللزوم بدل على فساد هذا النفي ، ولا
يلزم أن لا يكونوا م مقرين بالصانع لما قد بيناء فى غير موضع أن
الإقرار بالصانع ، ومعرفته ، ومحبته ، وتوحيده فطري ، يكون ثابتاً فى
قلب الإنسان ، وهو يظن أنه ليس فى قلبه .
ولهذا كان عامة هؤلاء مقرين بالصانع ، معترفين به ، قبل أن
يسلكوا هذه الطريق النظرية ، سواء كانت صحيحة أو باطلة . وهذا
٤٦١

أمر يعرفونه من أنفسهم . فعلم أنه لا يلزم من عدم سلوك هذه
الطريق عدم المعرفة . وقد اعترف كثير منهم بذلك ، كما قد بيناه
فى مواضع .
ومنهم من يقول : إن الطريق النظرية التى يسلكها زادته بصيرة
وعلماً. كما يقوله ابن حزم وغيره . وهو سلك طريقة الأعراض .
وكثير من الناس يقول : إن هذه الطريق لم تقدم إلا شكا وريبا
وفطرة هؤلاء أصح ، فإنها طرق فاسدة .
ومنهم من يقول : لم يحصل لي بها شيء - لا علم ولا شك.
وذلك أنها لم تحصل له علماً ولا سلمها. فلم يتبين له صحتها
ولا فسادها .
ومن الناس من لا يفهم مرادم بها . وأكثر أتباعهم لا يفهمونها
بل يتبعونهم تقليداً وإحساناً للظن بهم .
فصل
وما ينبغي أن يعرف أنا لا نقول إن الشيء لا يعرف إلا بإثبات
جميع لوازمه . هذا لا يقوله عاقل ، بل قد تعرف عامة الأشياء وكثير
٤٦٢

من لوازمها لا تعرف وقد يعلم المسلمون أن الرب على كل شيء قدير
وأنه يفعل ما يشاء ، وثم لا يعرفون كثيراً من لوازم القدرة والمشيئة .
لكن أهل الاستقامة كما لا يعرفون اللوازم فلا ينفونها ، فإن نفيها خطأ .
وأما عدم العلم بها كلها فهذا لازم لجميع الناس - فسبحان من
أحاط بكل شيء علماً، وأحصى كل شيء عدداً. وما سواه ( وَلَا يُحِيطُونَ
بِشَىْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّبِمَا شَآءَ) وهو سبحانه (يَعْلَمُ مَابَيْنَ أَبْدِهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا
يُحِيطُونَ كِهِ، عِلْمًا)
ولكن المقصود بيان أن المخالفين للرسول صلى الله عليه وسلم
- ولو فى كلمة - لا بد أن يكون فى قولهم من الخطأ بحسب ذلك.
وأن الأدلة العقلية والسمعية المنقولة عن سائر الأنبياء توافق ما جاء به
الرسول صلى الله عليه وسلم، وتناقض ما يقوله أهل البدع المخالفون
للكتاب والسنة . وإذا قالوا : إن العقل يخالف النقل ، أخطأوا فى
خمسة أصول: أحدها : أن العقل الصريح لا يناقضه . الثانى : أنه يوافقه
الثالث : أن ما يدعونه من العقل المعارض ليس بصحيح . الرابع: أن
ما ذكروه من المعقول المعارض هو المعارض للمعقول الصريح . الخامس:
أن ما أثبتوا به الأصول كمعرفة الباري وصفاته لا يثبتها بل يناقض إثباتها .
٤٦٣

فصل
وذلك أن ما جاء به الرسول هو من على الله . فما أخبر به عن الله
فالله أخبر به ، وهو سبحانه يخبر بعلمه - يمتنع أن يخبر بنقيض علمه
وما أمر به فهو من حكم الله، والله عليم حكيم .
قال تعالى (لَِّكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنَزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِةٍ، وَالْمَلَبِكَةُ
يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِلَّهِ شَهِيدًا) وقال تعالى (أَمْيَقُولُونَ أَفْتَرَنَّةٌ قُلْ فَأْتُواْ
بِعَشْرِسُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَيَتٍ وَأَدْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ إِنْ كُتُمْ صَدِقِينَ
فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُواْلَكُمْ فَأَعْلَمُوْ اْ أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَن ◌َّ إِلَهَ إِلَّهُوَّ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)
وقوله (أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ»). قال الزجاج: أنزله وفيه علمه . وقال أبو
سليمان الدمشقي : أزله من علمه. وهكذا ذكر غيرهما .
وهذا المعنى مأثور عن السلف ، كما روى ابن أبى حاتم عن عطاء
ابن السائب قال : أقرأنى أبو عبد الرحمن القرآن . وكان إذا أقرأ
أحدنا القرآن قال : قد أخذت على الله ، فليس أحد اليوم أفضل
منك إلا بعمل، ثم يقرأ (أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ، وَالْمَلَبِكَةُ يَشْهَدُ ونَّ وَكَفَى بِلَّهِ شَهِيدًا) .
وكذلك قالوا فى قوله تعالى (فَأَعْلَمُوْأَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللّهِ )، قالوا:
أُنزله وفيه علمه .
٤٦٤

( قلت ): الباء قد تكون للمصاحبة، كما تقول: حاء بأسياده وأولاده.
فقد أنزله متضمناً لعلمه ، مستصحباً لعلمه . فما فيه من الخبر هو خبر
يعلم الله. وما فيه من الأمر فهو أمر بعلى الله، بخلاف الكلام المنزل
من عند غير الله. فإن ذلك قد يكون كذبا وظلماً كقرآن مسيلمة ،
وقد يكون صدقا لكن إنما فيه علم المخلوق الذي قاله فقط ، لم يدل
على علم اللّه تعالى إلا من جهة اللزوم. وهو أن الحق يعلمه الله.
وأما القرآن فهو متضمن لعلم الله ابتداء. فإنما أنزل بعلمه لا
بعلم غيره ، ولا هو كلام بلا علم .
وإذا كان قد أنزل بعلمه فهو يقتضى أنه حق من الله ، ويقتضى
أن الرسول رسول من الله - الذي بين فيه علمه . قال الزجاج :
((الشاهد)) المبين لما شهد به، واللّه يبين ذلك ويعلم مع ذلك أنه حق.
( قلت ): قوله (لَِّكِنِ اَللَّهُ يَشْهَدُ ) شهادته هو بيانه وإظهاره
- دلالته وإخباره . فالآيات البينات التى بين بها صدق الرسول تدل
عليه - ومنها القرآن - هو شهادة بالقول .
وهو فى نفسه آية ومعجزة تدل على الصدق كما ندل سائر الآيات ،
والآ يات كلها شهادة من الله، كشهادة بالقول ، وقد تكون أبلغ .
ولهذا ذكر هذا فى سورة هود لما تحداهم بالإتيان بالمثل فقال
٤٦٥

(فَأَتُواْ بِعَشْرِسُوَرٍ مِّثْلِهِ، مُفْتَرَيَتٍ وَأَدْعُواْ مَنِ أَسْتَطَعْتُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ إِنْ كُمْ
صَدِقِينَ * فَإِلَّْيَسْتَجِيبُواْلَكُمْ فَعْلَمُوَأَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ الَّهِ وَأَنْلَّا إِلَهَ إِلََّّهُوَّ فَهَلْ أَنْتُم
تُسْلِمُونَ ).
فإن عجز أولئك عن المعارضة
دل على عجز غيرهم بطريق الأولى ، وتبين أن جميع الخلق عاجزون عن
معارضته ، وأنه آية بينة تدل على الرسالة وعلى التوحيد .
وكذلك قوله (لَّكِنِ اَللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ).
[بعد] قوله ( إِنَّا أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ .. إلى قوله ــ لِيَلَّايَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى
اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ) وقد ذكروا أن من الكفار من قال : لا
نشهد لمحمد بالرسالة ، فقال تعالى (لَِّكِنِ اَللَّهُ يَشْهَدُ بِمَآ أَنَزَلَ إِلَيْكَ)
(لِثَلَّايَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ
وأحسن من هذا أنه لما قال
الرُّسُلِ ) - نفي حجة الخلق على الخالق - فقال: لكن حجة
الله على الخلق قائمة بشهادته بالرسالة، فإنه يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه
فما للخلق على الله حجة، بل له الحجة البالغة . وهو الذي هدى
عباده بما أنزله.
وعلى ما تقدم فقوله (أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ) ، أي فيه علمه بما كان
وسيكون وما أخبر به ، وهو أيضاً مما يدل على أنه حق . فإنه إذا
أخبر بالغيب الذي لا يعلمه إلا الله دل على أن الله أخبره به،
٤٦٦

كقوله (عَلِمُ الْغَيْبِ فَلَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلََّ مَنِ آَرْتَضَى مِن رَّسُولٍ)
الآية
وقد قيل : أنزله وهو عالم به وبك . قال ابن جرير الطبري فى
آية النساء : أنزله إليك بعلم منه أنك خيرته من خلقه .
وذكر الزجاج فى آية هود قولين . أحدهما : أنزله وهو عالم
بليزاله ، وعالم أنه حق من عنده . والثانى: أنه أنزله بما أخبر فيه من
الغيوب ، ودل على ما سيكون وما سلف .
( قلت ) : هذا الوجه هو الذي تقدم .
وأما الأول فهو من جنس قول ابن جرير . فإنه عالم به ويمن
أنزل إليه ، وعالم بأنه حق ، وأن الذي أنزل عليه أهل لما اصطفاء الله
له . ويكون هذا كقوله (وَلَقَدِ اخْتَرْنَهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَلَمِينَ ) وقول
من قال ( إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلٍّ ) أى على علم من اللّه باستحقاقي.
( قلت ) وهذا الوجه يدخل في معنى الأول فإنه إذا نزل الكلام
بعلم الرب تضمن أن كل ما فيه فهو من علمه ، وفيه الإخبار بحاله
وحال الرسول . وهذا الوجه هو الصواب . وعليه الأكثرون ، ومنهم
من لم يذكر غيره .
٤٦٧

والأول وإن كان معناه صحيحاً فهو جزء من هذا الوجه .
وأماكون الثانى هو المراد بالآية فغلط ، لأن كون الرب سبحانه
يعلم الشيء لا يدل على أنه محمود ولا مذموم . وهو سبحانه بكل
شيء عليم . فلا يقول أحد إنه أنزله وهو لا يعلمه .
لكن قد يظن أنه أنزل بغير علمه ، أي وليس فيه علمه، وأنه من تنزيل
الشيطان، كما قال تعالى (هَلْ أَنِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَغَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَزَّلُ عَلَى كُلِ أَفَّ ◌ٍ
أَشِيرٍ ) والشياطين، هو يرسلهم وينزلهم ، لكن الكلام الذي
يأتون به ليس منزلا منه ؛ ولا هو منزل بعلم الله ، بل منزل بما تقوله
الشياطين من كذب وغيره .
ولهذا هو سبحانه إذا ذكر نزول القرآن قيده بأن نزوله منه ،
كقوله (تَنزِيلُ الْكِتَبِ مِنَ اللَّهِ) (وَالَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِنَبَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ
مِن ◌َّكَ بِالْنِّ ) (قُلْ نَزَّلَهُ رُوُ اَلْقُدُسِ مِنْ زَبِّكَ بِالْحَقّ)
وهذا مما استدل به الإمام أحمد وغيره من أئمة السنة على
أن القرآن كلام الله - ليس بمخلوق خلقه فى محل غيره ، فإنه كان
يكون منزلا من ذلك المحل لا من الله. وقال إنه نزل بعلم الله، وإنه
من علم اللّه، وعلم اللّه غير مخلوق .
٤٦٨

وقال أحمد : كلام الله من اللّه ليس شيئا منه. ولهذا قال
السلف : القرآن كلام اللّه منزل غير مخلوق ، منه بدأ وإليه يعود .
فقالوا : منه بدأ لم يبدأ من غيره ، كما تقوله الجهمية . يقولون: بدأ
من المحل الذي خلق فيه . وهذا مبسوط فى مواضع .
والمقصود أنه إذا كان فيه علمه فهو حق ، والكلام الذي يعارضه
به خلاف علم الله فهو باطل ، كالشرك الذي قال الله تعالى فيه
(وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَلُنَا
عِندَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِ السَّمَوَتِ وَلَا فِ الْأَرْضِّ سُبْحَنَهُ, وَتَعَلَى عَمَّا
يُشْرِكُونَ )
فصل
وهذا الذي ذكرته من أنه يجب الرجوع فى أصول الدين إلى
الكتاب والسنة ، كما بينته من أن الكتاب بين الأدلة العقلية التى بها
تعرف المطالب الإلهية ، وبين مايدل على صدق الرسول فى كل ما
يقوله هو - يظهر الحق بأدلته السمعية والعقلية.
وبين أن لفظ ((العقل والسمع)) قد صار لفظاً مجملا . فكل من
٤٦٩

وضع شيئاً برأيه سماه ((عقليات))، والآخر يبين خطأه فيما قاله
ويدعى العقل أيضاً ، ويذكر أشياء أخر تكون أيضاً خطأ ، كما قد بسط
فى مواضع .
وهو نظير من يحتج في السمع بأحاديث ضعيفة أو موضوعة، أو نصوص
ثابتة لكن لا تدل على مطلوبه .
وكثير من أهل الكلام يجعل دلالة القرآن والأحاديث من جهة الخبر
المجرد. ومعلوم أن ذلك لا يوجب العلم إلا بعد العلم بصدق الخبر . فلهذا
يضطرون إلى أن يجعلوا العلوم العقلية أملا، كما يفعل أبو المعالي ، وأبو
حامد ، والرازي ، وغيرهم .
وأتّة المتكلمين يعترفون بأن القرآن بين الأدلة العقلية ، كما يذكر
ذلك الأشعري وغيره ، وعبد الجبار بن أحمد وغيره من المعتزلة .
ثم هؤلاء قد يذكرون أدلة يجعلونها أدلة القرآن ولا تكون هي
إياها، كما فعل الأشعري في ((المع)) وغيره، حيث احتج بخلق
ءَ أَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ: أَمْ نَحْنُ
٠
( أَفَرَءَيْتُم مَّاتُمْنُونَ
الإنسان ، وذكر قوله
اَْلِقُونَ ). لكن هو يظن أن النطفة فيها جواهر باقية، وأن نقلها فى
٤٧٠

الأعراض يدل على حدوثها . فاستدل على حدوث جواهر النطفة.
وليست هذه طريقة القرآن، ولا جمهور العقلاء . بل يعرفون
أن النطفة حادثة بعد أن لم تكن ، مستحيلة عن دم الإنسان ، وهي
مستحيلة إلى المضغة ، وأن اللّه يخلق هذا الجوهر الثاني من المادة
الأولى بالاستحالة وبعدم المادة الأولى - لا تبقى جواهرها بأعيانها
دائماً ، كما تقدم .
فالنظار فى القرآن ثلاث درجات . منهم من بعرض عن دلائله
العقلية ، ومنهم من يقر بها لكن يغلط فى فهمها ، ومنهم من يعرفها
على وجهها ، كما أنهم ثلاث طبقات في دلالته الخبرية . منهم من يقول
لم يدل على الصفات الخبرية ، ومنهم من يستدل به على غير ما دل عليه
ومنهم من يستدل به على ما دل عليه .
والأشعري وأمثاله برزخ بين السلف والجهمية . أخذوا من هؤلاء
كلاماً صحيحاً ، ومن هؤلاء أصولا عقلية ظنوها صحيحة وهي فاسدة .
فمن الناس من مال إليه من الجهة السلفية ، ومن الناس من مال إليه
من الجهة البدعية الجهمية ، كأبي المعالي وأتباعه. ومنهم من سلك مسلكهم
كأئمة أصحابهم ، كما قد بسط فى مواضع .
إذ المقصود هنا أن جعل القرآن إماماً يؤتم به فى أصول الدين
٤٧١

وفروعه هو دين الإسلام . وهو طريقة الصحابة ، والتابعين لهم بإحسان،
وأئمة المسلمين . فلم يكن هؤلاء يقبلون من أحد قط أن يعارض
القرآن بمعقول أو رأي يقدمه على القرآن . ولكن إذا عرض للإنسان
إشكال سأل حتى يتبين له الصواب .
ولهذا صنف الإمام أحمد كتاباً فى (( الرد على الزنادقة والجهمية
فيما شكت فيه من متشابه القرآن وتأولته على غير تأويله)).
ولهذا كان الأئمة الأربعة وغيرهم يرجعون في التوحيد والصفات إلى
القرآن والرسول - لا إلى رأي أحد ، ولا معقوله، ولا قياسه.
قال الأوزاعي: كنا - والتابعون متوافرون - نقول: إن الله
فوق عرشه ، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته .
وقال الإمام أحمد بن حنبل : لا يوصف الله إلا بما وصف به
نفسه ووصفه به رسوله ، لا يتجاوز القرآن والحديث .
وقال الشافعي في خطبة ((الرسالة)): الحمد لله الذي هو كما وصف
به نفسه ، وفوق ما يصفه به خلقه .
وقال مالك : الاستواء معلوم ، والكيف مجهول ، والإيمان به
٤٧٢

واجب ، والسؤال عنه بدعة . وكان يكره ما أحدث من الكلام . وروى
عنه وعن أبي يوسف : من طلب الدين بالكلام تزندق .
وقال الشافعي : حكمي فى أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والتعال
ويطاف بهم في الأسواق ، ويقال : هذا جزاء من ترك الكتاب
والسنة وأقبل على الكلام . وقال : لقد اطلعت من أهل الكلام
على شيء ماكنت أظنه ، ولأن يبتلى العبد بكل ذنب ما خلا الشرك
باللّه خير له [ من ] أن يبتلى بالكلام.
وقد بسط تفسير كلامه وكلام غيره فى مواضع ، وبين أن مرادم
بالكلام هو كلام الجهمية الذي نفوا به الصفات ، وزعموا أنهم يثبتون
به حدوث العالم ، وهي طريقة الأعراض .
وقال أحمد أيضاً : علماء الكلام زنادقة ، وما ارتدى أحد بالكلام
فأفلح . وكلام عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون مبسوط فى هذا .
وذكر أصحاب أبي حنيفة ، عن أبي يوسف ، عن أبي حنيفة قال :
لا ينبغي لأحد أن ينطق في الله بشيء من رأيه ولكنه بصفه بما
وصف به نفسه .
وقال أبو حنيفة : أتانا من خراسان ضيفان كلاهما ضالان :
الجهمية ، والمشبهة .
٤٧٣

وعن أبي عصمة قال : سألت أبا حنيفة : من أهل الجماعة ؟ قال .
من فضل أبا بكر وعمر، وأحب علياً وعثمان ، ولم يحرم نبيذ الجر، ولم
يكفر أحداً بذنب ، ورأى المسح على الخفين، وآمن بالقدر خيره وشره
من الله، ولم ينطق فى الله بشيء.
وروى خالد بن صبيح ، عن أبي حنيفة قال : الجماعة سبعة أشياء :
أن يفضل أبا بكر وعمر ، وأن يحب عثمان وعلياً ، وأن يصلي على من
مات من أهل القبلة بذنب ، وأن لا ينطق فى الله شيئاً.
قلت: قوله فى هاتين الروايتين ((لا ينطق في اللّه شيئاً)) قد بينه
فى رواية أبى يوسف، وهو (( أن لا ينطق فى الله بشيء من رأيه
ولكنه يصفه بما وصف به نفسه)).
فهذا ذم من الأئمة لكل من يتكلم في صفات الرب بغير ما أخبر
به الرسول . فكيف بالذين يجعلون الكتاب والسنة لا يفيد علماً ،
ويقدمون رأيهم على ذلك ، مع فساده من وجوه كثيرة ؟!
وروى هشام ، عن محمد ، عن أبى حنيفة وأبى يوسف ، وهو قول
محمد قالوا : السنة التى عليها أمر الناس أن لا يكفر أحداً من أهل
القبلة بذنب ، ويخرج من الإسلام ، ولا يشك فى الدين - يقول
الرجل : لا أدري أمؤمن أنا أو كافر ، ولا يقول بالقدر ، ولا يخرج
٤٧٤

على المسلمين بالسيف ، ويقدم من يقدم من أصحاب التى صلى الله عليه
وسلم ويفضل من فضل .
وذكروا عن أبى يوسف أنه قال : مذهب أهل الجماعة عندنا ، وما
أدركنا عليه جماعة أهل الفقه ممن لم يأخذ من البدع والأهواء ، أن
لا يشتم أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يذكر
فيهم عيبا ، ولا يذكر ما شجر بينهم فيحرف القلوب عنهم، وأن لايشك
بأنهم مؤمنون ؛ وأن لا يكفر أحداً من أهل القبلة ممن يقر بالإسلام
ويؤمن بالقرآن ، ولا يخرجه من الإيمان بمعصية ان كانت فيه ؛ ولا
يقول بقول أهل القدر ، ولا يخاصم في الدين ، فإنها من أعظم البدع .
فهذا قول أهل السنة والجماعة . ولا ينبغي لأحد أن يقول فى هذا
كيف ولم ؟ ولا ينبغي أن يخبر السائل عن هذا إلا بالتهي له عن المسألة
وترك المجالسة والمشي معه إن عاد . ولا ينبغي لأحد من أهل السنة
والجماعة أن يخالط أحداً من أهل الأهواء حتى بصاحبه ويكون خاصته ،
مخافة أن يستزله أو يستزل غيره بصحبة هذا .
قال : والخصومة فى الدين بدعة ، وما ينقض أهل الأهواء بعضهم
على بعض بدعة محدثة . لو كانت فضلا لسبق إليها أصحاب رسول الله
صلى الله عليه وسلم وأتباعهم، فهم كانوا عليها أقوى ولها أبصر . وقال
٤٧٥

الله تعالى (فَإِنْ حَآْجُوَكَ فَعُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ لِلَّهِ وَ مَنِ اتَّبَعَنِ )، ولم يأمره بالجدال .
ولو شاء لأنزل حججاً وقال له : قل كذا وكذا .
وقال أبو يوسف : دعوا قول أصحاب الخصومات وأهل البدع في
الأهواء من المرجئة ، والرافضة ، والزيدية ، والمشبهة ، والشيعة ،
والخوارج ، والقدرية ، والمعتزلة ، والجهمية .
قالوا : وروى عن محمد قال : أبو بكر وعمر أفضل من علي .
قلت ما ذكر أبو يوسف فى أمر الجدال هو يشبه كلام كثير من
أئمة السنة - يشبه كلام الإمام أحمد وغيره . وفيه بسط وتفصيل ليس
هذا موضعه .
ولهذا كان بشير بن الوليد صاحب أبى يوسف يحب أحمد ، ويميل
إليه . فإن أبا يوسف كان أميل إلى الحديث من غيره ، والله أعلم وأحكم.
٤٧٦

وقال شيخ الإسلام رحمه الله
فصل
السور القصار فى أواخر المصحف متناسبة. فسورة ( آقْرَأْ ) هي
أول ما نزل من القرآن ؛ ولهذا افتتحت بالأمر بالقراءة، وختمت بالأمر
بالسجود ، ووسطت بالصلاة التى أفضل أقوالها وأولها بعد التحريم هو
القراءة ، وأفضل أفعالها وآخرها قبل التحليل هو السجود ؛ ولهذا لما
أمر بأن يقرأ أنزل عليه بعدها المدثر، لأجل التبليغ فقيل له: (قُتـ
فَأَذِرٌ ) فبالأولى صار نبياً ، وبالثانية صار رسولا ؛ ولهذا خوطب
بالمتدثر ، وهو المتدفىء من برد الرعب والفزع الحاصل بعظمة ما دهمه
لما رجع إلى خديجة ترجف بوادره ، وقال دثرونى دثرونى ، فكأنه
نهي عن الاستدفاء وأمر بالقيام للإنذار ، كما خوطب فى (المزمل)
وهو المتلفف للنوم لما أمر بالقيام إلى الصلاة ، فلما أمر فى هذه السورة
بالقراءة ذكر فى التى تليها نزول القرآن ليلة القدر ، وذكر فيها تنزل
الملائكة والروح، وفى ( المعارج) عروج الملائكة والروح ، وفى
( النبأ) قيام الملائكة والروح . فذكر الصعود والنزول والقيام، ثم
٤٧٧

فى التى تليها تلاوته على المنذرين حيث قال: (يَتْلُواْ مُحُفًا مُطَهَّرَةٌ * فِيهَا
كُثُبُ قَيِّمَةٌ ) .
فهذه السور الثلاث منتظمة للقرآن أمراً به وذكراً لنزوله ولتلاوة
الرسول له على المنذرين ، ثم سورة (الزلزلة ) و ( العاديات ) و
( القارعة) و (التكاثر ) متضمنة لذكر اليوم الآخر وما فيه من
الثواب والعقاب ، وكل واحد من القرآن واليوم الآخر قيل هو
النبأ العظيم .
ثم سورة (العصر ) و (الهمزة ) و (الفيل) و (لإيلاف )
و (أرأيت) و (الكوثر) و (الكافرون) و(النصر) و (تبت)
متضمنة لذكر الأعمال حسنها وسيئها ، وإن كان لكل سورة خاصة .
وأما سورة ( الإخلاص ) و ( المعوذتان ) ففي الإخلاص الثناء على
اللّه، وفي المعوذتين دعاء العبد ربه ليعيده، والثناء مقرون بالدعاء، كما
قرن بينها في أم القرآن المقسومة بين الرب والعبد : نصفها ثناء للرب،
ونصفها دعاء للعبد ، والمناسبة فى ذلك ظاهرة ؛ فإن أول الإيمان بالرسول
الإيمان بما جاء به من الرسالة وهو القرآن ، ثم الإيمان بمقصود ذلك
وغايته وهو ما ينتهي الأمر إليه من النعيم والعذاب. وهو الجزاء ، ثم
معرفة طريق المقصود وسببه وهو الأعمال : خيرها ليفعل ، وشرها ليترك.
٤٧٨

ثم ختم المصحف بحقيقة الإيمان وهو ذكر الله ودعاؤه، كما بنيت
عليه أم القرآن ، فإن حقيقة الإنسان المعنوية هو المنطق ، والمنطق
قسمان : خبر وإنشاء ، وأفضل الخبر وأنفعه وأوجبه ما كان خبراً عن
الله كنصف الفاتحة وسورة الإخلاص، وأفضل الإنشاء الذي هو الطلب
وأنفعه وأوجبه ما كان طلباً من الله، كالنصف الثانى من الفاتحة والمعوذتين.
٤٧٩

سورة البينة
قال شيخ الإسلام رحمه الله:
فصل
فى قوله تعالى : (لَمْ يَكُنِ اَلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِنَبِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِينَ حَتَّى
تَأْنِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ ) .
فإن هذه السورة سورة جليلة القدر ، وقد ورد فيها فضائل .
وقد ثبت فى الصحيح أن اللّ أمر نبيه أن يقرأها على أبي بن كعب .
ففي الصحيحين عن أنس بن مالك ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال لأبي: (( إن الله أمرنى أن أقرأ عليك القرآن)). قال: الله سمانى
لك؟ قال: ((الله سماك لي)). قال: فجعل أبى يبكى. وفي رواية
أخرى: ((إن الله أمرنى أن أقرأ عليك. (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُواْ) )).
قال: سمانى لك؟ قال: ((نعم)). فبكى . وفى رواية للبخاري : وذكرت
عند رب العالمين؟ قال: ((نعم)). فذرفت عيناه . قال قتادة : أنشئت
٤٨٠