النص المفهرس

صفحات 341-360

شعور صاحبها بأنها قامت به . فوجود الشيء في الإنسان وغيره غير
على الإنسان به .
وهذا كصفات بدنه ، فإن منها ما لا يراه كوجهه وقفاه . ومنها
ما يراه إذا تعمد النظر إليه كبطنه وهذه وعضديه . وقد يكون بها
آثار من خيلان وغير خيلان ، وغير ذلك من الأحوال ، وهو لم يره
ولم يعرفه ، لكن لو تعمد رؤيته لرآه . ومن الناس من لا يستطيع
رؤية ذلك لعارض عرض لبصره من العشى أو العمى، أو غير ذلك.
كذلك صفات نفسه قد يعرف بعضها ، وبعضها لا يعرفه . لكن لو
تعمد تأمل حال نفسه لعرفه . ومنها ما لا يعرفه ولو تأمل لفساد بصيرته
وما عرض لها .
والذي يبين ذلك أن الأفعال الاختيارية لا تتصور إلا بإرادة تقوم
بنفس الإنسان . وكل من فعل فعلا اختياريا وهو يعرفه فلا بد أن
يريده ، كالذي يأكل ويشرب ويلبس وهو يعرف أنه يفعل ذلك ،
فلا بد أن يريده . فالفعل الاختياري يمتنع أن يكون بغير إرادة .
وإذا تصور الفعل الذي يفعله وقد فعله لزم أن يكون مريداً له
وقد تصوره . وإذا كان مريداً له وقد تصوره امتنع أن لا يريد
ما تصوره وفعله .
٣٤١

فالإنسان إذا قام إلى صلاة يعلم أنها الظهر فمن الممتنع أن يصلي
الظهر وهو يعلم هذا لم ينسه ولا يريد صلاة الظهر .
وكذلك الصيام إذا تصور أن غداً من رمضان وهو مريد لصوم
رمضان امتنع أن لا ينوى صومه .
وكذلك إذا أهلّ بالحج وهو يعلم أنه مهل به امتنع أن لا يكون
مريداً للحج.
وكذلك الوضوء إذا على أنه يتوضأ للصلاة وهو يتوضأ امتنع أن
لا يكون مريداً للوضوء . ومثل هذا كثير ـ نجد خلقاً كثيراً من
العلماء - دع العامية - يستدعون النية بألفاظ يقولونها ويتكلفون ألفاظاً،
ويشكون فى وجودها مرة بعد مرة ، ويخرجون إلى ضرب من الوسوسة
التى يشبه أصحابها المجانين .
والنية هي الإرادة ، وهي القصد ، وهي موجودة فى نفوسهم
لوجودها فى نفس كل من يصلي فى ذلك المسجد والجامع ، ومن
توضأ فى تلك المطهرة . أولئك يعلمون هذا من نفوسهم ولم يحصل
لهم وسواس ، وهؤلاء ظنوا أن النية لم تكن في قلوبهم - يطلبون
حصولها من قلوبهم .
٣٤٢

وهم يعلمون أن التلفظ بها ليس بواجب ، وإنما الفرض وجود
الإرادة فى القلب . وهي موجودة ، ومع هذا يعتقدون أنها ليست
موجودة. وإذا قيل لأحدم ((النية حاصلة فى قلبك)) لم يقبل لما قام
به من الاعتقاد الفاسد المناقض لفطرته .
وكذلك حب الله ورسوله موجود في قلب كل مؤمن، لا يمكنه
دفع ذلك من قلبه إذا كان مؤمناً . وتظهر علامات حبه لله ولرسوله
إذا أخذ أحد يسب الرسول ويطعن عليه ، أو يسب الله ويذكره
بما لا يليق به . فالمؤمن يغضب لذلك أعظم مما يغضب لو سب
أبوه وأمه .
ومع هذا فكثير من أهل الكلام والرأي أنكروا محبة الله،
وقالوا : يمتنع أن يكون محباً أو محبوباً ، وجعلوا هذا من أصول الدين،
وقالوا : خلافاً للحلولية ، كأنه لم يقل بأن الله يحب إلا الحلولية.
ومعلوم أن هذا دين الأنبياء والمرسلين ، والصحابة والتابعين ، وأهل
الإيمان أجمعين . وقد دل على ذلك الكتاب والسنة ، كما قد بسطناه
فى مواضع .
فهذه المحبة لله ورسوله موجودة فى قلوب أكثر المنكرين لها ، بل
في قلب كل مؤمن وإن أنكرها لشبهة عرضت له .
٣٤٣

وهكذا المعرفة موجودة في قلوب هؤلاء . فإن هؤلاء الذين
أنكروا محبته هم الذين قالوا : معرفته لا يحصل إلا بالنظر - فأنكروا
ما في فطرهم وقلوبهم من معرفته ، ومحبته .
ثم قد يكون ذلك الإنكار سبباً إلى امتناع معرفة ذلك في نفوسهم
وقد يزول عن قلب أحدثم ما كان فيه من المعرفة والمحبة - فإن
الفطرة قد تفسد - فقد نزول ، وقد تكون موجودة ولا ترى ،
( فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَرُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِى فِ الصُّدُورِ ).
وقد قال تعالى (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ
عَلَيْهَا لَا نَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِّ ذَلِكَ الّذِينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ
مُنِينَ إِلَيْهِ وَأَتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَوَةَ وَلَا تَكُونُواْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ).
وفى الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((كل
مولود يولد على الفطرة ، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه، كما تنتج
البهيمة بهيمة جمعاء ، هل تحسون فيها من جدعاء)). ثم يقول أبو
هريرة: اقرأ واإن شئتم (فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا).
والفطرة تستلزم معرفة الله ، ومحبته ، وتخصيصه بأنه أحب الأشياء
٣٤٤

إلى العبد - وهو التوحيد. وهذا معنى قول ((لا إله الا الله))، كما
جاء مفسراً: ((كل مولود يولد على هذه الملة))، وروى ((على
ملة الإسلام )).
وفى صحيح مسلم عن عياض بن حمار ، أن النبى صلى الله عليه
وسلم قال: يقول الله تعالى: ((إني خلقت عبادي حنفاء ، فاجتالتهم
الشياطين ، وحرمت عليهم ما أحللت لهم ، وأمرهم أن يشركوا بي
ما لم أنزل به سلطانا )) .
فأخبر أنه خلقهم حنفاء ، وذلك يتضمن معرفة الرب ، ومحبته ،
وتوحيده. فهذه الثلاثة تضمنتها الحنيفية، وهي معنى قول ((لا إله
إلا الله)).
فإن فى هذه الكلمة الطيبة التى هي (كَشَجَرَقِ طَتِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَاِتٌ
وَفَرَّعُهَا فِى السَّمَآءِ ) ، فيها إثبات معرفته والإقرار به ، وفيها إثبات
محبته، فإن الإله هو المألوه الذي يستحق أن يكون مألوهاً ؛ وهذا
أعظم ما يكون من المحبة . وفيها أنه لا إله إلا هو . ففيها المعرفة ،
والمحبة ، والتوحيد .
وكل مولود يولد على الفطرة ، وهي الحنيفية التى خلقهم عليها .
ولكن أبواه يفسدان ذلك - فيهودانه ، وينصرانه، ويمجسانه، وبشركانه.
٣٤٥

كذلك بجهانه - فيجعلانه منكراً لما في قلبه من معرفة الرب ومحبته
وتوحيده ، ثم المعرفة يطلبها بالدليل ، والمحبة ينكرها بالكلية . والتوحيد
المتضمن للمحبة ينكره من لا يعرفه، وإنما ثبت توحيد الخلق، والمشركون
كانوا يقرون بهذا التوحيد وهذا الشرك .
فهما يشركانه، [ و] يهودانه ، وينصرانه ، ويمجسانه . وقد بسط
الكلام على هذا الحديث وأقوال الناس فيه فى غير هذا الموضع .
وأيضاً مما يبين أن الإنسان قد يخفى عليه كثير من أحوال نفسه
فلا يشعر بها أن كثيراً من الناس يكون فى نفسه حب الرياسة كامن
لا يشعر به ، بل إنه مخلص فى عبادته وقد خفيت عليه عيوبه . وكلام
الناس فى هذا كثير مشهور. ولهذا سميت هذه ((الشهوة الخفية)).
قال شداد بن أوس : يا بقايا العرب ! إن أخوف ما أخاف عليكم
الرياء والشهوة الخفية . قيل لأبي داود السجستاني : ما الشهوة الخفية ؟
قال : حب الرياسة . فهي خفية تخفى على الناس ، وكثيراً ما تخفى
على صاحبها .
بل كذلك حب المال والصورة ، فإن الإنسان قد يحب ذلك ولا
يدري . بل نفسه ساكنة ما دام ذلك موجوداً ، فإذا فقده ظهر من
٣٤٦

جزع نفسه وتلفها ما دل على المحبة المتقدمة . والحب مستلزم للشعور ،
فهذا شعور من النفس بأمور وجب لها . والإنسان قد يخفى ذلك عليه
من نفسه ، لا سيما والشيطان يغطي على الإنسان أموراً .
وذنوبه أيضاً تبقى ريناً على قلبه قال تعالى (كَابِلّ ◌َانَ عَلَى قُلُوبِهِم ◌ََّكَانُواأ
يَكْسِبُونَ * كََّ إِنَّهُمْ عَن ◌َّهِمْ يَوْمَيِدٍ لََّّحْبُولُونَ).
وفي
الترمذي وغيره عن القعقاع بن حكيم ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة
عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إذا أذنب العبد نكتت في
قلبه نكتة سوداء . فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه ، وإن زاد زيد
فيها حتى تعلو قلبه ، فذلك الران الذي قال اللّه (كَلَّابَلِّ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم
مَّاكَانُواْيَكْسِبُونَ ) . قال الترمذي : حديث حسن صحيح .
ومنه قوله تعالى
(وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفُتْ بَلِ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَّا يُؤْمِنُونَ ).
(إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْإِذَا مَسَّهُهُمْ طَبِفٌ مِّنَ الشَّيْطَنِ تَذَكَرُواْ
وقال
فَإِذَاهُمْ مُّبْصِرُونَ ) . فالمتقون إذا أصابهم هذا الطيف الذي يطيف
بقلوبهم يتذكرون ما علموه قبل ذلك ، فيزول الطيف ويبصرون الحق
الذي كان معلوماً ، ولكن الطيف يمنعهم عن رؤيته .
قال تعالى (وَإِخْوَنُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِ الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ ) . فإخوان
٣٤٧

الشياطين تخدم الشياطين فى غيهم، ( ثُمَّلَا يُقْصِرُونَ ) لا نقصر
الشياطين عن المدد والإمداد ، ولا الإنس عن الغي . فلا يبصرون مع
ذلك الفي ما هو معلوم لهم ، مستقر في فطرهم ، لكنهم ينسونه .
ولهذا كانت الرسل إنما تأتي بتذكير الفطرة ما هو معلوم لها ،
وتقويته ، وإمداده ، ونفي المغير للفطرة . فالرسل بعثوا بتقرير الفطرة
وتكميلها ، لا بتغيير الفطرة وتحويلها ، والكمال يحصل بالفطرة المكملة
بالشرعة المنزلة .
فصل
وهذا النسيان - نسيان الإنسان لنفسه ولما فى نفسه - حصل
ج
بنسيانه لربه ولما أَنزله . قال تعالى (وَلَا تَكُونُواْ كَ لَّذِينَ نَسُواْ اللَّهَ فَأَنْسَنُهُمْ أَنفُسَهُمْ
وقال تعالى في حق المنافقين
أُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) .
( نَسُوا
اُللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ). وقال (كَذَلِكَ أَنَتْكَءَ ايَتُنَا فَنَسِيَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ نُنْسَى).
يقتضى أن
(وَلَا تَكُونُواْ كَلَّذِينَ نَسُواْ اللَّهَ فَأَنَسَنُهُمْ أَنْفُسَهُمْ )
وهوله
نسيان اللّه كان سبباً لنسيانهم أنفسهم، وإنهم لما نسوا الله عاقبهم بأن
أنسام أنفسهم .
٣٤٨

ونسيانهم أنفسهم يتضمن إعراضهم وغفلتهم وعدم معرفتهم بما كانوا
عارفين به قبل ذلك من حال أنفسهم ، كما أنه يقتضي تركهم لمصالح
أنفسهم . فهو يقتضي أنهم لا يذكرون أنفسهم ذكراً ينفعها ويصلحها ،
وأنهم لو ذكروا الله لذكروا أنفسهم .
وهذا عكس ما يقال ((من عرف نفسه عرف ربه)). وبعض الناس
يروي هذا عن النبى صلى الله عليه وسلم، وليس هذا من كلام النبى
صلى الله عليه وسلم، ولا هو فى شيء من كتب الحديث، ولا يعرف
له إسناد .
ولكن يروى فى بعض الكتب المتقدمة - إن صح - ((يا إنسان
أعرف نفسك تعرف ربك)). وهذا الكلام سواء كان معناه صحيحا أو
فاسداً لا يمكن الاحتجاج بلفظه ، فإنه لم يثبت عن قائل معصوم. لكن
إن فسر بمعنى صحيح عرف صحة ذلك المعنى ، سواء دل عليه هذا اللفظ
أو لم يدل .
وإنما القول الثابت ما فى القرآن، وهو قوله (وَلَا تَكُونُواْ كَلَّذِينَ نَسُوأ
اللَّهَ فَأَنْسَنُهُمْ أَنفُسَهُمْ ) . فهو يدل على أن نسيان الرب موجب لنسيان
النفس .
وحينئذ، فمن ذكر الله ولم ينسه يكون ذاكراً لنفسه، فإنه لو
٣٤٩

كان ناسيا لها - سواء ذكر الله أو نسيه - لم يكن نسيانها مسببا
عن نسيان الرب . فلما دلت الآية على أن نسيان الإنسان نفسه مسبب
عن نسيانه لربه دل على أن الذاكر لربه لا يحصل له هذا النسيان لنفسه.
والذكر يتضمن ذكر ما قد علمه . فمن ذكر ما يعلمه من ربه
ذكر ما يعلمه من نفسه . وهو قد ولد على الفطرة التى تقتضى أنه
يعرف ربه ويحبه ويوحده . فإذا لم ينس ربه الذي عرفه، بل ذكره
على الوجه الذي يقتضي محبته ومعرفته وتوحيده ، ذكر نفسه ، فأبصر
ما كان فيها قبل من معرفة الله ومحبته وتوحيده .
وأهل البدع - الجهمية ونحوم - لما أعرضوا عن ذكر الله -
الذكر المشروع الذي كان فى الفطرة وجاءت به الشرعة ، الذي يتضمن
معرفته ومحبته وتوحيده - نسوا الله من هذا الوجه . فأنسام أنفسهم
من هذا الوجه ، فنسوا ما كان في أنفسهم من العلم الفطري ، والمحبة
الفطرية ، والتوحيد الفطري .
وقد قال طائفة من المفسرين: ( نَسُواْ اللَّهَ) أي تركوا أمر الله
(فَأَنْسَنُهُمْ أَنْفُسَهُمْ) أي حظوظ أنفسهم حيث لم يقدموا لها خيراً، هذا
لفظ طائفة منهم البغوي . ولفظ آخرين منهم ابن الجوزي : حين لم
يعملوا بطاعته. وكلاهما قال: ( نَسُواْ اللَّهَ ) أي تركوا أمر الله.
٣٥٠

ومثل هذا التفسير يقع كثيراً في كلام من يأتي بمجمل من القول
يبين معنى دلت عليه الآية ولا يفسرها بما يستحقه من التفسير . فإن
قولهم ((تركوا أمر الله)). هو تركهم للعمل بطاعته، فصار الأول
هو الثاني. والله سبحانه قال (وَلَا تَكُونُوْ كَالَّذِينَ نَسُواْاللَّهَ فَنَسَنُهُمْ أَنْفُسَهُمْ).
فهنا شيئان : نسيانهم الله ، ثم نسيانهم لأنفسهم الذي عوقبوا به .
فإن قيل : هذا الثاني هو الأول لكنه تفصيل مجمل ، كقوله
، وهذا هو
(وَكَمْ مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْتَهَا فَجَآءَ هَا بَأْسُنَا بَيَتَّا أَوْهُمْ قَآئِلُونَ)
هذا؛ قيل: هو لم يقل ((نسوا الله فنسوا حظ أنفسهم)) حتى
يقال : هذا هو هذا ، بل قال ( نَسُواْاللَّهَ فَأَنَسَنُهُمْ أَنْفُسَهُمْ ) ، فثم
إنساء منه لهم أنفسهم . ولو كان هذا هو الأول لكان قد ذكر
ما يعذرم به ، لا ما يعاقبهم به .
فلو كان الثانى هو الأول لكان: (نَسُواْاللَّهَ ) أي تركوا
العمل بطاعته، فهو الذي أنسام ذلك. ومعلوم فساد هذا الكلام لفظاً ومعنى.
ولو قيل: ( نَسُواْاللَّهَ ) أي نسوا أمره (فَأَنَسَنُهُمْ) العمل
بطاعته ، أي تذكرها ، لكان أقرب ، ويكون النسيان الأول على
بابه . فإن من نسى نفس أمر الله لم يطعه .
٣٥١

ولكن م فسروا نسيان الله بترك أمره . وأمره الذي هو كلامه
ليس مقدوراً لهم حتى يتركوه ، إنما يتركون العمل به ، فالأمر بمعنى
المأمور به .
إلا أن يقال: مرادم بترك أمره هو ترك الإيمان به . فلما تركوا
الإيمان أعقبهم بترك العمل . وهذا أيضاً ضعيف ، فإن الإيمان الذي
تركوه إن كان هو ترك التصديق فقط فكفى بهذا كفراً وذنباً . فلا
تجعل العقوبة ترك العمل به ، بل هذا أشد . وإن كان المراد بترك
الإيمان ترك الإيمان تصديقاً وعملا فهذا هو ترك الطاعة
كما تقدم .
وهؤلاء أتوا من حيث أرادوا أن يفسروا نسيان العبد بما قيل في
نسيان الرب ، وذاك قد فسر بالترك . ففسروا هذا بالترك . وهذا
ليس بجيد ، فإن النسيان المناقض للذكر جائز على العبد بلا ريب.
والإنسان يعرض عما أمر به حتى ينساه ، فلا يذكره . فلا يحتاج أن
يجعل نسيانه تركاً مع استحضار وعلم .
وأما الرب تعالى فلا يجوز عليه ما يناقض صفات كماله سبحانه
وتعالى . وفى تفسير نسيانه الكفار بمجرد الترك نظر .
ثم هذا قيل فى قوله تعالى (كَذَلِكَ أَنْتَكَ ءَايَتُنَا فَنَسِيَهَا).
٣٥٢

أي تركت العمل بها. وهنا قال (نَسُواْاللَّهَ )، ولا يقال فى حق
الله (( تركوه)).
فصل
بيان لتعريفه بما قد
( اُلَّذِىِ خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَنَ مِنْ عَقٍ )
قوله
عرف من الخلق عموماً ، وخلق الإنسان خصوصاً ، وأن هذا مما تعرف
به الفطرة كما تقدم .
ثم إذا عرف أنه الخالق فمن المعلوم بالضرورة أن الخالق لا يكون
إلا قادراً . بل كل فعل يفعله فاعل لا يكون إلا بقوة وقدرة ،
حتى أفعال الجمادات . كهبوط الحجر والماء وحركة النار هو بقوة فيها .
وكذلك حركة النبات هي بقوة فيه . وكذلك فعل كل حي من الدواب
وغيرها هو بقوة فيها . وكذلك الإنسان وغيره .
والخلق أعظم الأفعال، فإنه لا يقدر عليه إلا الله . فالقدرة عليه
أعظم من كل قدرة، وليس لها نظير من قدر المخلوقين .
وأيضاً فالتعليم بالقلم يستلزم القدرة . فكل من الخلق والتعليم
يستلزم القدرة .
٣٥٣

وكذلك كل منها يستلزم العلم . فإن المعلم لغيره يجب أن يكون
هو علماً بما علمه إياه ، وإلا فمن الممتنع أن يعلم غيره ما لا يعلمه هو .
فمن علم كل شيء الإنسان وغيره - مالم يعلم أولى أن يكون عالماً بما
(أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ
علمه. والخلق أيضاً يستلزم العلم ، كما قال تعالى
وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخِيرُ). وذلك من جهة أن الخلق يستلزم الإرادة. فإن
فعل الشيء على صفة مخصوصة ومقدار مخصوص دون ما هو خلاف
ذلك لا يكون إلا بإرادة تخصص هذا عن ذاك . والإرادة تستلزم العلم .
فلا يريد المريد إلا ما شعر به وتصور في نفسه ، والإرادة بدون
الشعور ممتنعة.
وأيضاً فنفس الخلق - خلق الإنسان - هو فعل لهذا الإنسان
الذي هو من عجائب المخلوقات . وفيه من الإحكام والإتقان ما قد بهر
العقول . والفعل المحكم المتقن لا يكون إلا من عالم بما فعل. وهذا
معلوم بالضرورة .
فالخلق يدل على العلم من هذا الوجه ، ومن هذا الوجه .
وقد قال في سورة الملك (وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَيرُ). وهو بيان
ما فى المخلوقات من لطف الحكمة التى تتضمن إيصال الأمور إلى غاياتها
( إِنَّ رَبِى لَطِيفٌ لِّمَا
بألطف الوجوه ، كما قال يوسف عليه السلام
٣٥٤

يَشَآءُ ) . وهذا يستلزم العلم بالغاية المقصودة، والعلم بالطريق الموصل .
وكذلك الخبرة .
وبسط هذا يطول ، إذ المقصود هنا التنبيه على ما في الآيات التى
هي أول ما أنزل .
ثم إذا ثبت أنه قادر عالم فذلك يستلزم كونه حياً. وكذلك الإرادة
تستلزم الحياة.
والحي إذا لم يكن سميعاً بصيراً متكلما كان متصفاً بضد ذلك من
العمى والصمم والخرس ، وهذا ممتنع في حق الرب تعالى. فيجب أن
يتصف بكونه سميعاً بصيراً متكلما .
والإرادة إما أن تكون لغاية حكيمة ، أو لا . فإن لم تكن لغاية
حكيمة كانت سفهاً ، وهو منزه عن ذلك ، فيجب أن يكون حكيما .
وهو إما أن يقصد نفع الخلق والإحسان إليهم ، أو يقصد مجرد
ضررم وتعذيبهم ، أو لا يقصد واحداً منهما ، بل يريد ما يريد سواء
كان كذا أوكذا. والثانى شرير ظالم يتنزه الرب عنه، والثالث سفيه عابث .
فتعين أنه تعالى رحيم ، كما أنه حكيم ، كما قد بسط في مواضع .
٣٥٥

فصل
إثبات صفات الكمال له طرق . أحدها ما نبهنا عليه من أن الفعل
مستلزم للقدرة ولغيرها . فمن النظار من يثبت أولا القدرة ، ومنهم
من يثبت أولا العلم، ومنهم من يثبت أولا الإرادة . وهذه طرق
كثير من أهل الكلام .
وهذه يستدل عليها بجنس الفعل ، وهي طريقة من لا يميز بين
مفعول ومفعول ، كبهم بن صفوان ومن اتبعه .
وهؤلاء لا يثبتون حكمة ، ولا رحمة ، إذ كان جنس الفعل لا
يستلزم ذلك . لكن ثم أثبتوا بالفعل المحكم المتقن العلم ، وكذلك تثبت
بالفعل النافع الرحمة ، وبالغايات المحمودة الحكمة .
ولكن ثم متناقضون في الاستدلال بالإحكام والإتقان على العلم ، إذ
كان ذلك إنما يدل إذا كان فاعلا لغاية يقصدها . وهم يقولون إنه يفعل
لا لحكمة، ثم يستدلون بالإحكام على العلم ، وهو تناقض .
كما تناقضوا فى المعجزات حيث جعلوها دالة على صدق النبى ، إما
٣٥٦

للعلم الضروري بذلك ، وإما لكونه لو لم تدل لزم العجز . وهي إنما
تدل إذا كان الفاعل بقصد إظهارها ليدل بها على صدق الأنبياء . فإذا
قالوا إنه لا يفعل شيئاً لشيء تناقضوا .
وأما الطريق الأخرى فى إثبات الصفات [ و] هي الاستدلال بالأثر
على المؤثر ، وأن من فعل الكامل فهو أحق بالكمال .
والثالثة طريقة قياس الأولى ، وهي الترجيح والتفضيل ، وهو أن
الكمال إذا ثبت للمحدث الممكن المخلوق فهو للواجب القديم
الخالق أولى .
والقرآن يستدل بهذه ، وهذه ، وهذه .
فالاستدلال بالأثر على المؤثر أكمل ، كقوله تعالى (وَقَالُواْمَنْ
أَشَدُّ مِنَّاقُوَةً )
، قال الله تعالى
( أَوَّلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِى خَلَقَهُمْ
هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً )
وهكذا ، كل ما فى المخلوقات من قوة وشدة تدل على أن الله
أقوى وأشد، وما فيها من علم يدل على أن الله أعلم، وما فيها من
علم وحياة يدل على أن الله أولى بالعلم والحياة.
٣٥٧

وهذه طريقة يقر بها عامة العقلاء ، حتى الفلاسفة يقولون : كل
كمال في المعلول فهو من العلة .
وأما الاستدلال بطريق الأولى فكقوله (وَلِلَّهِ الْمَثَلُ اَلْأَعْلَى ) ومثل
قوله : ( ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَل لَّكُمْ مِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ مِّنْ شُرَكَآءَ فِ
مَارَزَقْتَكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوٌَّ تَّخَافُونَهُمْ كَخِفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ )
وأمثال ذلك مما يدل على أن كل كمال لا نقص فيه يثبت للمحدث
المخلوق الممكن فهو للقديم الواجب الخالق أولى من جهة أنه أحق
بالكمال لأنه أفضل .
وذاك من جهة أنه هو جعله كاملا وأعطاء تلك الصفات .
واسمه ((العلى)) يفسر بهذين المعنيين - يفسر بأنه أعلى من
غيره قدراً ، فهو أحق بصفات الكمال ؛ ويفسر بأنه العالي عليهم بالقهر
والغلبة ، فيعود إلى أنه القادر عليهم وهم المقدورون . وهذا يتضمن
كونه خالقاً لهم ورباً لهم .
وكلاهما يتضمن أنه نفسه فوق كل شيء ، فلا شيء فوقه ، كما قال
النبي صلى الله عليه وسلم: (( أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت
الآخر فليس بعدك شيء. وأنت الظاهر فليس فوقك شيء ، وأنت
الباطن فليس دونك شيء ))
٣٥٨

فلا يكون شيء قبله ، ولا بعده ، ولا فوقه ، ولا دونه ، كما
أخبر النبي صلى الله عليه وسلم وأثنى به على ربه . وإلا فلو قدر أنه تحت
بعض المخلوقات كان ذلك نقصاً ، وكان ذلك أعلى منه .
وإن قيل : إنه لا داخل العالم ولا خارجه ، كان ذلك تعطيلا له ،
فهو منزه عن هذا .
وهذا هو العلي الأعلى، مع أن لفظ ((العلي)) و((العلو)) لم
يستعمل فى القرآن عند الإطلاق إلا فى هذا - وهو مستلزم الذينك -
لم يستعمل فى مجرد القدرة ، ولا فى مجرد الفضيلة .
ولفظ ((العلو)) يتضمن الاستعلاء ، وغير ذلك من الأفعال إذا
عدى بحرف الاستعلاء دل على العلو، كقوله (ثُمَّ أَسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ)
فهو يدل على علوه على العرش .
والسلف فسروا ((الاستواء )) بما يتضمن الارتفاع فوق العرش ،
كما ذكره البخاري فى صحيحه عن أبي العالية فى قوله (ثُمََّسْتَوَى )
قال : ارتفع ، وكذلك رواه ابن أبي حاتم وغيره بأسانيدم - رواه من
حديث آدم بن أبي إياس ، عن أبى جعفر ، عن أبي الربيع ، عن أبي
العالية : ( ثُمَّأُسْتَوَى ) قال : ارتفع .
٣٥٩

وقال البخاري : وقال مجاهد في قوله ( ثُمَّأُسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ )
علا على العرش. ولكن يقال: ((علا على كذا))، و((علا عن كذا))
وهذا الثاني جاء فى القرآن فى مواضع، لكن بلفظ ((تعالى)) كقوله
( عَلِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ
(سُبْحَنَهُ، وَتَعَلَى عَمَّ يَقُولُونَ عُلُوا كَبِيرًا )
فَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ) وبسط هذا له موضع آخر .
والمقصود هنا أن كل واحد من ذكر أنه خلق ، وأنه الأكرم
الذي علم بالقلم ، يدل على هاتين الطريقتين من إثبات الصفات ، كما
دلنا على الطريقة الأولى - طريقة الاستدلال بالفعل .
فإن قوله ( الأكرم ) يقتضي أنه أفضل من غيره فى الكرم ،
والكرم اسم جامع لجميع المحاسن . فيقتضي أنه أحق بجميع المحامد ،
والمحامد هي صفات الكمال فيقتضي أنه أحق بالإحسان إلى الخلق والرحمة
وأحق بالحكمة ، وأحق بالقدرة . والعلم والحياة، وغير ذلك .
وكذلك قوله ( خلق ) . فإن الخالق قديم أزلي ، مستغن بنفسه ،
واجب الوجود بنفسه ، قيوم . ومعلوم أنه أحق بصفات الكمال من
المخلوق المحدث الممكن .
فهذا من جهة قياس الأولى . ومن جهة الأثر فإن الخالق لغيره
٣٦٠