النص المفهرس
صفحات 301-320
ومعلوم بصريح العقل أن القادر إذا لم يكن مريداً للفعل ولا فاعلا ، ثم صار مريداً فاعلا فلا بد من حدوث أمر اقتضى ذلك . والكلام هنا فى مقامين. أحدهما فى جنس الفعل والقول ـ هل صار فاعلا متكلما بمشيئته بعد أن لم يكن ، أو ما زال فاعلا متكلما بمشيئته . وهذا مبسوط فى مسائل الكلام والأفعال - فى مسألة القرآن وحدوث العالم . والثانى إرادة الشيء المعين وفعله، كقوله تعالى (إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهَُّكُنْ فَيَكُونُ )، وقوله (فَأَرَدَرَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَآَ أَشُدَهُمَا وَيَسْتَخْرِحَاكَنَزَهُمَا )، وقوله (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ تُّهْلِكَ فَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِبِهَا فَفَسَقُواْفِها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَقَّرْنَهَا تَدْمِيرًا )، وقوله (وَ إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَ مَرَدَّ لَهُ)، وقوله (وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرِّفَلَ كَاشِفَ لَهُ إِلََّّهُوَ وَ إِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَارَآذَ لِفَضْلِهِ ) وقوله (قُلْ أَفَرَءَ يْتُمِ مَّاتَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرِ هَلْ هُنَّ ڪَشِفَتُ ضُرِّوِةٍ أَوْ أَرَدَنِ بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَتُ رَحْمَتِّهِ ). وهو سبحانه إذا أراد شيئاً من ذلك فللناس فيها أقوال . قيل : الإرادة قديمة أزلية واحدة، وإنما يتجدد تعلقها بالمراد، ٣٠١ ونسبتها إلى الجميع واحدة، ولكن من خواص الإرادة أنها تخصص بلا مخصص . فهذا قول ابن كلاب . والأشعري. ومن تابعهما . وكثير من العقلاء يقول : إن هذا فساده معلوم بالاضطرار ، حتى قال أبو البركات : ليس فى العقلاء من قال بهذا . وما علم أنه قول طائفة كبيرة من أهل النظر والكلام . وبطلانه من جهات : من جهة جعل إرادة هذا غير إرادة ذاك ، ومن جهة أنه جعل الإرادة مخصص لذاتها . ومن جهة أنه لم يجعل عند وجود الحوادث شيئاً حدث حتى تخصص أولا تخصص . بل تجددت نسبة عدمية ليست وجوداً، وهذا ليس بشيء ، فلم يتجدد شيء. فصارت الحوادث يحدث وتتخصص بلا سبب حادث، ولا مخصص . والقول الثانى : قول من يقول بإرادة واحدة قديمة مثل هؤلاء . لكن يقول: تحدث عند تجدد الأفعال إرادات فى ذاته بتلك المشيئة القديمة ، كما تقوله الكرامية وغيرهم . وهؤلاء أقرب من حيث أثبتوا إرادات الأفعال . ولكن يلزمهم ما لزم أولئك من حيث أثبتوا حوادث بلا سبب حادث ، وتخصيصات بلا مخصص، وجعلوا تلك الإرادة واحدة تتعلق بجميع الإرادات الحادثة . ٣٠٢ وجعلوها أيضاً تخصص لذاتها ، ولم يجعلوا عند وجود الإرادات الحادثة شيئاً حدث حتى تخصص تلك الإرادات الحدوث . والقول الثالث قول الجهمية والمعتزلة الذين ينفون قيام الإرادة به. ثم إما أن يقولوا بنفي الإرادة ، أو يفسرونها بنفس الأمر والفعل، أو يقولوا بحدوث إرادة لا فى محل كقول البصريين . وكل هذه الأقوال قد على أيضاً فسادها . والقول الرابع : أنه لم يزل مريداً بلرادات متعاقبة. فنوع الإرادة قديم وأما إرادة الشيء المعين فإنما يريده فى وقته ، وهو سبحانه يقدر الأشياء ويكتبها ، ثم بعد ذلك يخلقها . فهو إذا قدرها علم ما سيفعله ، وأراد فعله في الوقت المستقبل ، لكن لم يرد فعله فى تلك الحال ، فإذا جاء وقته أراد فعله فالأول عزم ، والثاني قصد . وهل يجوز وصفه بالعزم فيه قولان. أحدهما المنح ، كقول القاضي أبى بكر ، والقاضي أبى يعلى ، والثانى الجواز، وهو أصح . فقد قرأ جماعة من السلف (فَإِذَا عَهْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ) بالضم . وفي الحديث ٣٠٣ الصحيح من حديث أم سلمة : ثم عزم الله لي . وكذلك فى خطبة مسلم : فعزم لي . وسواء سمي ((عزما)) أو لم يسم فهو سبحانه إذا قدرها علم أنه سيفعلها فى وقتها ، وأراد أن يفعلها فى وقتها . فإذا جاء الوقت فلابد من إرادة الفعل المعين ، ونفس الفعل ، ولا بد من علمه بما يفعله. ثم الكلام في علمه بما يفعله هل هو العلم المتقدم بما سيفعله ، وعلمه بأن قد فعله هل هو الأول ، فيه قولان معروفان . والعقل والقرآن يدل على أنه قدر زائد، كما قال ( لنعلم) فى بضعة عشر موضعاً، وقال ابن عباس : إلا لنرى . وحينئذ، فإرادة المعين تترجح لعلمه بما في المعين من المعنى المرجح لإرادته . فالإرادة تتبع العلم. وكون ذلك المعين متصفاً بتلك الصفات المرجحة إنما هو فى العلم والتصور ، ليس فى الخارج شيء . ومن هنا غلط من قال ((المعدوم شيء))، حيث أثبتوا ذلك المراد فى الخارج. ومن لم يثبته شيئاً في العلم، أو كان ليس عنده إلا إرادة ٣٠٤ واحدة وعلم واحد ، ليس للمعلومات والمرادات صورة علمية عند هؤلاء. فهؤلاء نفوا كونه شيئاً فى العلم والإرادة ، وأولئك أثبتوا كونه شيئاً فى الخارج . وتلك الصورة العلمية الإرادية حدثت بعد أن لم تكن. وهي حادثة بمشيئته وقدرته، كما يحدث [الحوادث] المنفصلة بمشيئته وقدرته. فيقدر ما يفعله، ثم يفعله. فتخصيصها بصفة دون صفة وقدر دون قدر هو للأمور المقتضية لذلك فى نفسه. فلا يريد إلا ما تقتضي نفسه إرادته بمعنى يقتضي ذلك، ولا يرجح مراداً على مراد إلا لذلك . ولا يجوز أن يرجح شيئاً لمجرد كونه قادراً . فإنه كان قادراً قبل إرادته ، وهو قادر على غيره. فتخصيص هذا بالإرادة لا يكون بالقدرة المشتركة بينه وبين غيره ، ولا يجوز أيضاً أن تكون الإرادة تخصص مثلا على مثل بلا مخصص. بل إنما يريد المريد أحد الشيئين دون الآخر لمعنى فى المريد والمراد - لابد أن يكون المريد إلى ذلك أميل، وأن يكون فى المراد ما أوجب رجحان ذلك الميل . ٣٠٥ والقرآن والسنة ثبت القدر، وتقدير الأمور قبل أن يخلقها ، وأن ذلك في كتاب ، وهذا أصل عظيم يثبت العلم والإرادة لكل ما سيكون ويزيل إشكالات كثيرة ضل بسببها طوائف فى هذا المكان - فى مسائل العلم والإرادة. فالإيمان بالقدر من أصول الإيمان ، كما ذكره النى صلى الله عليه وسلم فى حديث جبريل - قال: ((الإيمان أن تؤمن بالله ، وملائكته ، وكتبه ، ورسله ، وبالبعث بعد الموت ، وتؤمن بالقدر خيره وشره)). وقد تبرأ ابن عمر وغيره من الصحابة من المكذبين بالقدر . ومع هذا فطائفة من أهل الكلام وغيرهم لا تثبت القدر إلا علماً أزلياً وإرادة أزلية فقط . وإذا أثبتوا الكتابة قالوا إنها كتابة لبعض ذاك . وأما من يقول إنه قدرها حينئذ ، كما فى صحيح مسلم عن عبد الله ابن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((قدر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء ))، فقد بسط الكلام على ذلك فى غير هذا الموضع . ٣٠٦ وهو كقوله (وَإِذْتَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبَعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُوْمُهُمْ سُوّءَ (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَن تَّبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ) اُلْعَذَابِ ) ، وقوله (وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمَّى ) ، وقوله وقوله ( وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمِنْنَا لِعِبَادِنَالْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْلَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَ نَالَهُمُ الْغَلِبُونَ )، وقوله (لَّوْلَا كِتَبُ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْ تُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) . والكتاب في نفسه لا يكون أزلياً . وفي حديث رواه حماد بن سلمة، عن الأشعث بن عبد الرحمن الجرمي، [ عن أبي قلابة ] عن أبي الأشعث الصنعاني ، عن شداد بن أوس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( إن الله كتب كتاباً قبل أن يخلق السموات والأرض بألفى سنة أنزل منه آيتين ختم بها سورة البقرة»، رواه الترمذي ، وقال غريب . وهو سبحانه أنزل القرآن ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا . وكثير من الكتب المصنفة فى أصول الدين والكلام يوجد فيها الأقوال المبتدعة دون القول الذي جاء به الكتاب والسنة . فالشهرستاني مع تصنيفه في الملل والنحل يذكر فى مسألة الكلام ٣٠٧ والإرادة وغيرهما أقوالا ليس فيها القول الذي دل عليه الكتاب والسنة، وإن كان بعضها أقرب . وقبله أبو الحسن كتابه فى اختلاف المصلين من أجمع الكتب ، وقد استقصى فيه أقاويل أهل البدع . ولما ذكر قول أهل السنة والحديث ذكره مجملا، غير مفصل . وتصرف فى بعضه ، فذكره بما اعتقده هو أنه قولهم من غير أن يكون ذلك منقولا عن أحد منهم. وأقرب الأقوال إليه قول ابن كلاب . فأما ابن كلاب فقوله مشوب بقول الجهمية ، وهو مركب من قول أهل السنة وقول الجهمية ، وكذلك مذهب الأشعري فى الصفات. وأما في القدر والإيمان فقوله قول جهم . وأما ما حكاه عن أهل السنة والحديث وقال ((وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول وإليه نذهب )) فهو أقرب ما ذكره . وبعضه ذكره عنهم على وجهه ، وبعضه تصرف فيه وخلطه بما هو من أقوال جهم في الصفات والقدر ، إذ كان هو نفسه يعتقد صحة تلك الأصول . وهو يحب الانتصار لأهل السنة والحديث وموافقتهم فأراد أن ٣٠٨ يجمع بين مارآه من رأى أولئك وبين ما نقله عن هؤلاء . ولهذا يقول فيه طائفة إنه خرج من التصريح إلى التمويه . كما يقوله طائفة : إنهم الجهمية الإناث ، وأولئك الجهمية الذكور . وأتباعه الذين عرفوا رأيه فى تلك الأصول ووافقوه أظهروا من مخالفة أهل السنة والحديث ما هو لازم لقولهم ، ولم يهابوا أهل السنة والحديث ويعظموا ويعتقدوا صحة مذاهبهم كما كان هو يرى ذلك . والطائفتان - أهل السنة والجهمية - يقولون إنه تناقض ، لكن السني يحمد موافقته لأهل الحديث ويذم موافقته للجهمية ، والجهمي يذم موافقته لأهل الحديث ويحمد موافقته للجهمية . ولهذا كان متأخرو أصحابه ، كأبي المعالي ونحوه ، أظهر مجها وتعطيلا من متقدميهم. وهي مواضع دقيقة يغفر الله لمن أخطأ فيها بعد اجتهاده . لكن الصواب ما أخبر به الرسول ، فلا يكون الحق فى خلاف ذلك قط ، والله أعلم . ومن أعظم الأصول التى دل عليها القرآن في مواضع كثيرة جداً ، وكذلك الأحاديث ، وسائر كتب الله، وكلام السلف، وعليها تدل ٣٠٩ المعقولات الصريحة ، هو إثبات الصفات الاختيارية ، مثل أنه يتكلم بمشيئته وقدرته كلاماً يقوم بذاته ، وكذلك يقوم بذاته فعله الذي يفعله بمشيئته. فإثبات هذا الأصل يمنع ضلال الطوائف الذين كذبوا به ، والقرآن والحديث مملوء ، وكلام السلف والأئمة مملوء ، من إثباته . فالحق المحض ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم ، فلا يكون الحق في خلاف ذلك . لكن الهدى التام يحصل بمعرفة ذلك ونصوره. فإن الاختلاف تارة ينشأ من سوء الفهم ونقص العلم، وتارة من سوء القصد . والناس يختلفون فى العلم والإرادة - فى تعدد ذلك وإيجاده . ومعلوم أن ما يقوم بالنفس من إرادة الأمور ، لا يمكن أن يقال فيه. العلم بهذا هو العلم بهذا ، ولا إرادة هذا هو إرادة هذا. فإن هذا مكابرة وعناد . وليس تمييز العلم عن العلم ، والإرادة عن الإرادة ، تمييزاً مع انفصال أحدهما عن الآخر . بل نفس الصفات المتنوعة - كالعلم ، ٣١٠ والقدرة ، والإرادة - إذا قامت بمحل واحد لم ينفصل بعضها عن بعض ، بل محل هذا هو محل هذا ، كالطعم واللون والرائحة القائمة بالأترجة الواحدة وأمثالها من الفاكهة وغيرها . فإذا قيل ((هي علوم وإرادات)) لم ينفصل هذا عن هذا بفصل حسي ، بل هو نوع واحد قائم بالنفس . وإذا علم هذا بعد علمه بذلك فقد زاد هذا النوع وكثر - وإن شئت قلت : عظم . فلا يزيد فيه زيادة الكمية عن زيادة الكيفية . بل يقال ((علم كثير ، وعلم عظيم)) بأن تكون العظمة ترجع إلى قوته وشرف معلومه ، ونحو ذلك ، كما قال النبى صلى الله عليه وسلم لأبي بن كعب: ((أندري أي آية من كتاب الله معك أعظم))؟ قال: فقال: ((ليهنك العلم، أبا المنذر!)) ( اَللَّهُ لَا إِلَهَ إِلََّ هُوَ الْحَىُّالْقَيُّومُ). وكتب سلمان إلى أبي الدرداء : ليس الخير أن يكثر مالك وولدك ولكن الخير أن يكثر علمك ويعظم حلمك . وانضمام العلم إلى العلم، والإرادة إلى الإرادة، والقدرة إلى القدرة ، هو شبيه بانضمام الأجسام المتصلة ، كالماء إذا زيد فيه ماء فإنه يكثر قدره . لكن هو كم متصل لا منفصل ، بخلاف الدرام . ٣١١ فإذا قيل ((تعددت العلوم والإرادات )) فهو إخبار عن كثرة قدرها وأنها أكثر وأعظم مما كانت ، لا أن هناك معدودات منفصلة كما قد يفهم بعض الناس. ولهذا كان العلم اسم جنس . فلا يكاد يجمع فى القرآن ، بل يقال (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَاجَآءَ لَكَ مِنَ الْعِلْمِ )، فيذكر الجنس . وكذلك الماء ، ليس فى القرآن ذكر مياه ، بل إنما يذكر جنس الماء : (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآءُ طَهُورًا )، ونحو ذلك . والعلم يشبه بالماء، كقوله صلى الله عليه وسلم: ((إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضاً ... الحديث)). وقد قال: ( أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا - إلى قوله - كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ اُلْأَمْثَالَ ). وما خلقه الرب تعالى فإنه يراه ، ويسمع أصوات عباده . والمعدوم لا يرى باتفاق العقلاء . والسالمية كأبي طالب المكي وغيره لم يقولوا : إنه يرى قائماً بنفسه، وإنما قالوا : يراه الرب فى نفسه وإن كان هو معدوماً في ذات الشيء المعدوم . فهم يجعلون الرؤية لما يقوم بنفس العالم من صورته العلمية ٣١٢ ما هو عدم محض . وثم وإن كانوا غلطوا فى بعض ما قالوه فلم يقولوا: إن العدم المحض الذي ليس بشيء يرى ، فإن هذا لا يقوله عاقل . وفى الحقيقة إذا رؤى شيء فإنما رؤى مثاله العلمي ، لا عينه . وأبو الشيخ الأصبهاني لما ذكرت هذه المسألة أمر بالإمساك عنها . فقبل أن يوجد لم يكن يرى ، وبعد أن يعدم لا يرى ، وإنما يرى حال وجوده . وهذا هو الكمال فى الرؤية . وكذلك سمع أصوات العباد هو عند وجودها ، لا بعد فنائها ، ولا قبل حدوثها . قال تعالى (وَقُلِ أَعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ)، وقال ( ثُمَّجَعَلْنَكُمْ خَيِفَ فِ الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَكَيْفَ تَعْمَلُونَ ) . فصل الرسول صلى الله عليه وسلم بعثه الله تعالى هدى ورحمة للعالمين. فإنه كما أرسله بالعلم والهدى ، والبراهين العقلية والسمعية ، فإنه أرسله بالإحسان إلى الناس ، والرحمة لهم بلا عوض ، وبالصبر على أذام ٣١٣ واحتماله. فبعثه بالعلم ، والكرم ، والحلم - عليم هاد، كريم محسن حليم صفوح . قال تعالى (وَإِنَّكَ لَتَهْدِىَّ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِرَاطِ اللَّهِالَّذِى لَهُ مَافِى السَمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِّ ◌َلَ إِلَى الَّهِتَصِيرُ الْأُمُورُ). وقال تعالى (كِتَبُ أَنْزَ لْنَهُ إِلَيْكَ لِنُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ اْحَمِيدِ ). وقال تعالى (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًامِنْ أَمْرِنَا مَاكُنتَتَدْرِىمَا اُلْكِتَبُ وَلَ الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَهُ نُورًّا نَّهْدِىِبِهِ، مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ) . ونظائره كثيرة . وقال ( قُلْ مَآ أَسْلُكُمْ عَلَّهِمِنْ أَجْرٍ ). وقال (قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرِفَهُوَلَكُمّ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ). وقال (قُل لَّا أَسْتَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ) . فهو يعلم ويهدي ويصلح القلوب ويدلها على صلاحها فى الدنيا والآخرة بلا عوض . وهذا نعت الرسل كلهم - كل بقول (وَمَا أَسْتَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ). ولهذا قال صاحب بس (يَقَوْمِ اتَّبِعُواْالْمُرْسَلِينَ * أَتَّبِعُواْ مَن لَّا يَسْتَلُكُمْ أَجْرًاوَهُمْ مُهْتَدُونَ ) . وهذه سبيل من اتبعه، كما قال (قُلْ هَذِهِ، سَبِيلِى أَدْعُوْإِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنْ وَمَنِ أَتَّبَعَنِى ). ٣١٤ وأما المخالفون لهم فقد قال عن المنتسبين إليهم مع بدعة (إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَخْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُونَ أَمْوَلَ النَّاسِ بِالْبَطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ) . فهؤلاء أخذوا أموالهم ومنعوم سبيل الله، ضدالرسل فكيف بمن هو شر من هؤلاء من علماء المشركين ، والسحرة ، والكهان؟ فهم آ كل لأموالهم بالباطل وأصد عن سبيل الله من الأحبار والرهبان . وهو سبحانه قال (إِنَّ كَثِيرًامِنَ الْأَخْبَارِ وَالرُّهْبَانِ ) ، فليس كلهم كذلك ؛ بل قال فى موضع آخر ( وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ فَوَدَّةً لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَرَىُّ ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبُونَ ). وقد قال فى وصف الرسول (وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ ) . وفيها قراءتان . فمن قرأ (بظنين ) ، أي ما هو بمتهم على الغيب ، بل هو صادق أمين فيما يخبر به . ومن قرأ ( بضين ) ، أي ما هو ببخيل ، لا يبذله إلا بعوض ، كالذين يطلبون العوض على ما يعلمونه . فوصفه بأنه يقول الحق فلا يكذب ، ولا يكتم . وقد وصف أهل الكتاب بأنهم يجعلونه قراطيس يبدونها ويخفون كثيراً ، وأنهم يشترون به ثمناً قليلا . ٣١٥ ومع هذا وهذا قد أمده بالصبر على أذام . وجعله كذلك يعطيهم ما م محتاجون إليه غاية الحاجة بلا عوض ، وهم يكرهونه ويؤذونه عليه . وهذا أعظم من الذي يبذل الدواء النافع للمرضى ، ويسقيهم إياه بلا عوض ، وهم يؤذونه ، كما يصنع الأب الشفيق . وهو أبو المؤمنين. وكذلك نعت أمته بقوله (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ) ، قال أبو هريرة: كنتم خير الناس للناس - تأتون بهم فى السلاسل حتى تدخلوم الجنة . فيجاهدون - يبذلون أنفسهم وأموالهم - لمنفعة الخلق وصلاحهم ، وهم يكرهون ذلك لجهلهم ، كما قال أحمد فى خطبته : ((الحمد لله الذي جعل فى كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى ، ويصبرون منهم على الأذى ، يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى. فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكم من ضال تائه قد هدوه! فما أحسن أثرم على الناس، وأقبح أثر الناس عليهم! )) - إلى آخر كلامه. فهذا هذا ، والحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركا فيه . وهو سبحانه يجزي الناس بأعمالهم ، والله فى عون العبد ما كان العبد فى عون أخيه ٣١٦ فهو ينعم على الرسل بإنعامه جزاء على إحسانهم ، والجميع منه . فهو الرحمن الرحيم الجواد الكريم الحنان المنان ، له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن ، وله الحمد حمداً كثيراً طيبا مباركا فيه . وهو سبحانه يحب معالي الأخلاق ويكره سفسافها . وهو يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات ، ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات . وقد قيل أيضا : وقد يحب الشجاعة ولو على قتل الحيات ، ويحب السماحة ولو بكف من تمرات . والقرآن أخبر أنه يحب المحسنين ، ويحب الصابرين . وهذا هو الكرم والشجاعة . فصل وقوله ( الأ كرم ) يقتضى اقصافه بالكرم في نفسه ، وأنه الأكرم وأنه محسن إلى عباده . فهو مستحق للحمد لمحاسنه وإحسانه . وقوله (ذُو الْجَلِ وَاَلْإِكْرَامِ ). فيه ثلاثة أقوال. قيل: أهل أن يجل وأن يكرم ، كما يقال إنه (أَهْلُ النَّقْوَى )، أي المستحق لأن ٣١٧ يتقى. وقيل: أهل أن يجل فى نفسه [ و] أن يكرم أهل ولايته وطاعته . وقيل : أهل أن يجل فى نفسه وأهل أن يكرم . ذكر الخطابي الاحتمالات الثلاثة ، ونقل ابن الجوزي كلامه فقال : قال أبو سليمان الخطابي : الجلال مصدر الجليل ، يقال : جليل بين الجلالة والجلال . والإكرام مصدر أكرم - يكرم - إكراما. والمعنى أنه بكرم أهل ولايته وطاعته ، وأن اللّه يستحق أن يجل ويكرم - ولا يجحد ولا يكفر به ، قال : ويحتمل أن يكون المعنى: يكرم أهل ولايته ويرفع درجاتهم . ( قلت ): وهذا الذي ذكره البغوي فقال: ( ذو الجلال ) العظمة والكبرياء (والإكرام ) يكرم أنبياء. واولياءه بلطفه مع جلاله وعظمته . قال الخطابي : وقد يحتمل أن يكون أحد الأمرين - وهو الجلال - مضافاً إلى الله بمعنى الصفة له ، والآخر مضافاً إلى العبد بمعنى الفعل . كقوله تعالى (هُوَ أَهْلُ النَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ ) فانصرف أحد الأمرين إلى اللّه وهو المغفرة، والآخر إلى العباد وهي التقوى. قلت : القول الأول هو أقربها إلى المراد ، مع أن الجلال هنا ٣١٨ ليس مصدر جل جلالا ، بل هو اسم مصدر أجل إجلالا ، كقول النبى صلى الله عليه وسلم: (( إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم ، وحامل القرآن غير الغالي فيه ولا الجافى عنه، و[إكرام ] ذي السلطان المقسط)). فجعل إكرام هؤلاء من جلال الله، اي من وكما يقال : إجلال الله، كما قال (وَاَللَهُ أَنْبَّكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَانًا). كلمه كلاما، وأعطاه عطاء ، والكلام والعطاء اسم مصدر للتكليم والإعطاء . والجلال قرن بالإكرام ، وهو مصدر المتعدي ، فكذلك الإكرام. ومن كلام السلف: ((أجلوا اللّه أن تقولوا كذا)). وفي حديث موسى : يا رب ، إني أكون على الحال التى أجلك أن أذكرك عليها . قال: ((اذكرنى على كل حال)). وإذا كان مستحقا للإجلال والإكرام لزم أن يكون متصفا فى نفسه بما يوجب ذلك ، كما إذا قال : الإله هو المستحق لأن يؤله ، أي يعبد ، كان هو في نفسه مستحقا لما يوجب ذلك. وإذا قيل ( هُوَ أَهْلُ النَّقْوَى ) كان هو فى نفسه متصفا بما يوجب أن يكون هو المتقى. ومنه قول النى صلى الله عليه وسلم إذا رفع رأسه من الركوع بعد ٣١٩ ما يقول ((ربنا ولك الحمد)): ((ملء السموات، وملء الأرض، وملء ما بينهما ، وملء ما شئت من شيء بعد ، أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد. اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطى لما منعت ، ولا ينفع ذا الجد منك الجد)). أى هو مستحق لأن يثنى عليه وتمجد نفسه . والعباد لا يحصون ثناء عليه، وهو كما أثنى على نفسه . كذلك هو أهل أن يجل وأن يكرم . وهو سبحانه يجل نفسه ويكرم نفسه ، والعباد لا يحصون إجلاله وإكرامه . والإجلال من جنس التعظيم ، والإكرام من جنس الحب والمحمد وهذا كقوله (لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ). فله الإجلال والملك، وله الإكرام والحمد . والصلاة مبناها على التسبيح في الركوع والسجود ، والتحميد والتوحيد فى القيام والقعود ، والتكبير فى الانتقالات ، كما قال جابر (( كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكنا إذا علونا كبرنا وإذا هبطنا سبحنا ، فوضعت الصلاة على ذلك)) ـ رواه أبو داود . وفى الركوع يقول ((سبحان ربي العظيم)). وقال النبي صلى الله ٣٢٠