النص المفهرس
صفحات 281-300
يقرأوه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم فى الحديث الصحيح: ((مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة طعمها طيب وريحها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة طعمها طيب ولا ريح لها )). وأيضاً فيقال : هرم الحيوان ليس مخصوصاً بالإنسان ، بل غيره من الحيوان إذا كبر هرم. وأيضاً ، فالشيخ وإن ضعف بدنه فعقله أقوى من عقل الشاب ولو قدر أنه ينقص بعض قواء فليس هذا رداً إلى أسفل سافلين . فإنه سبحانه إنما يصف الهرم بالضعف كقوله ( ثُمَّجَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّقِضَعْفًا وَشَيْبَةُ ) وقوله (وَمَن نُّعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِ الْخَلْقِ ) فهو يعيده إلى حال الضعف. ومعلوم أن الطفل ليس هو فى أسفل سافلين ، فالشيخ كذلك وأولى . وإنما فى أسفل سافلين من يكون فى سجين ، لا فى عليين ، كما قال تعالى ( إِنَّالْتَفِقِينَ فِ الذَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ ) . ومما يبين ذلك قوله (فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ ). فإنه يقتضي ارتباط هذا بما قبله لذكره بحرف الفاء . ولو كان المذكور إنما هو رده إلى الهرم دون ما بعد الموت لم يكن هناك تعرض للدين والجزاء ، بخلاف ٢٨١ ما إذا كان المذكور أنه بعد الموت يرد إلى أسفل سافلين غير المؤمن المصلح . فإن هذا يتضمن الخبر بأن الله يدين العباد بعد الموت - فيكرم المؤمنين، ويهين الكافرين . وأيضاً ، فإنه سبحانه أقسم على ذلك بأقسام عظيمة - بالتين والزيتون، وطور سينين ، وهذا البلد الأمين. وهي المواضع التى جاء منها محمد، والمسيح، وموسى، وأرسل الله بها هؤلاء الرسل مبشرين ومنذرين . وهذا الإقسام لا يكون على مجرد الهرم الذي يعرفه كل أحد ، بل على الأمور الغائبة التى تؤكد بالأقسام . فإن إقسام اللّه هو على أنباء الغيب . وفي نفس المقسم به - وهو إرسال هؤلاء الرسل - تحقيق للمقسم عليه - وهو الثواب والعقاب بعد الموت - لأن الرسل أخبروا به . وهو يتضمن أيضاً الجزاء في الدنيا ، كإهلاك من أهلكهم من الكفار . فإنه ردهم إلى أسفل سافلين بهلاكهم في الدنيا . وهو تنبيه على زوال النعم إذا حصلت المعاصي ، كمن رد فى الدنيا إلى أسفل جزاء على ذنوبه . ٢٨٢ ) - أي بالجزاء - يتناول جزاءه وقوله ( فَمَايُگذِبُكَبَعْدُپِالدِّينِ على الأعمال فى الدنيا ، والبرزخ، والآخرة . إذ كان قد أقسم بأماكن هؤلاء المرسلين الذين أرسلوا بالآيات البينات الدالة على أمر الله ونهيه، ووعده ووعيده - مبشرين لأهل الإيمان، منذرين لأهل الكفر . وقد أقسم بذلك على أن الإنسان بعد أن جعل في أحسن تقويم إن آمن وعمل صالحاً كان له أجر غير ممنون ، وإلا كان فى أسفل سافلين . فتضمنت السورة بيان ما بعث به هؤلاء الرسل الذين أقسم بأماكنهم. والإقسام بمواضع محنهم تعظيم لهم . فإن موضع الإنسان إذا عظم لأجله كان هو أحق بالتعظيم . ولهذا يقال فى المكاتبات (( إلى المجلس ، والمقر ـ ونحو ذلك - السامي، والعالى))، ويذكر بخضوع له وتعظيم والمراد صاحبه . فلما قال ( فَمَايُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ ) دل على أن ما تقدم قد بين فيه ما يمنع التكذيب بالدين . وفي قوله ( يُكَذِّبُكَ ) قولان . قيل : هو خطاب للإنسان ، كما قال مجاهد وعكرمة ، ومقاتل، ولم يذكر البغوي غيره . قال عكرمة، يقول : فما يكذبك بعد بهذه الأشياء التى فعلت بك . وعن مقاتل : ٢٨٣ فما الذي يجعلك مكذبا بالجزاء ، وزعم أنها نزلت فى عياش بن أبى ربيعة . والثانى أنه خطاب للرسول ، وهذا أظهر. فإن الإنسان إنما ذكر مخبراً عنه - لم يخاطب . والرسول هو الذي أنزل عليه القرآن ، والخطاب فى هذه السور له، كقوله ( مَاوَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَاقَلَى ) ، وقوله ( أَلَوْنَشْرَعْلَكَ صَدْرَكَ)، وقوله ( اقْرَأْبِسْوِرَبِّكَ). والإنسان إذا خوطب قيل له (يَأَيُّهَا الْإِنسَنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ، ( يَأَيُّهَا الْإِنسَنُ إِنََّ كَادِعُ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا). الْكَرِيمِ ) وأيضاً فيتقدير أن يكون خطابا للإنسان يجب أن يكون خطابا للجنس، كقوله ( يَأَيُّهَا الإِنسَانُ إِنََّ كَايِعُ ) . وعلى قول هؤلاء إنما هو خطاب للكافر خاصة - المكذب بالدين . وأيضاً ، فإن قوله ( يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالَّذِينِ ) ، أي يجعلك كاذبا ، هذا هو المعروف من لغة العرب . فإن استعمال ((كذب غيره ، أي نسبه إلى الكذب وجعله كاذبا )) مشهور ، والقرآن مملوء من هذا . وحيث ذكر الله تكذيب المكذبين للرسل، أو التكذيب بالحق ونحو ذلك، فهذا مراده . ٢٨٤ لكن هذه الآية فيها غموض من جهة كونه قال ( يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ ). فذكر المكذب بالدين - فذكر المكذب والمكذب به جميعاً . وهذا قليل - جاء نظيره فى قوله (فَقَدْ كَأَّبُوكُم بِمَا نَقُولُونَ) - فأما أكثر المواضع فإنما يذكر أحدهما - إما المكذب، كقوله (كَّبَتْ قَوْمُ نُوج الْمُرْسَلِينَ)؛ وإما المكذب به، كقوله (بَلْ كَذَّبُواْبِالسَّاعَةِ ). وأما الجمع بين ذكر المكذب والمكذب به فقليل . ومن هنا اشتبهت هذه الآية على من جعل الخطاب فيها للإنسان ، وفسر معنى قوله ( فَمَايُكَذِّبُكَ ) : فما يجعلك مكذبا . وعبارة آخرين : فما يجعلك كذابا . قال ابن عطية : وقال جمهور من المفسرين : المخاطب الإنسان الكافر، أي ما الذي يجعلك كذابا بالدين - يجعل لله أنداداً ، وتزعم أن لا بعث - بعد هذه الدلائل ؟ . ( قلت ) وكلا القولين غير معروف فى لغة العرب ، أن يقول ((كذبك، أي جعلك مكذبا))، بل ((كذبك: جعلك كذابا)). وإذا قيل ((جعلك كذابا))، أي كاذبا فيما يخبر به، كما جعل الكفار الرسل كاذبين فيما أخبروا به فكذبوم ، وهذا يقول : ٢٨٥ جعلك كاذبا بالدين ، فجعل كذبه أنه أشرك وأنه أنكر المعاد ، وهذا ضد الذي ينكر . ذاك جعله مكذبا بالدين وهذا جعله كاذبا بالدين . والأول فاسد من جهة العربية ، والثاني فاسد من جهة المعنى . فإن الدين هو الجزاء الذي كذب به الكافر . والكافر كذب به ، لم يكذب هو به . وأيضا، فلا يعرف في المخبر أن يقال ((كذبت به))، بل يقال (( كذبته )) . وأيضاً، فالمعروف فى ((كذبه))، أي نسبه إلى الكذب، لا أنه جعل الكذب فيه . فهذا كله تكلف لا يعرف في اللغة ، بل المعروف خلافه. وهو لم يقل ((فما يكذبك))، ولا قال ((فما كذبك)). ولهذا كان علماء العربية على القول الأول . قال ابن عطية : واختلف فى المخاطب بقوله ( فَمَا يُكَذِّبُكَ )، فقال قتادة، والفراء، والأخفش : هو محمد صلى الله عليه وسلم. قال الله له: (( فما الذي يكذبك فيما تخبر به من الجزاء والبعث - وهو الدين - بعد هذه العبرة التى يوجب النظر فيها صحة ما قلت )) ؟ . قال : ويحتمل أن يكون الدين على هذا التأويل جميع شرعه ودينه . ٢٨٦ (قلت) : وعلى أن المخاطب محمد صلى الله عليه وسلم فى المعنى قولان. ) ، أي أحدهما قول قتادة، قال: ( فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ استيقن ، فقد جاءك البيان من الله. وهكذا رواه عنه ابن أبي حاتم بإسناد ثابت . وكذلك ذكره المهدوي: ( فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالَّذِينِ ) ، أي استيقن مع ما جاءك من الله أنه أحكم الحاكمين . فالخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ؛ وقال : معناه عن قتادة . قال : وقيل المعنى : فما يكذبك أيها الشاك - يعني الكفار - فى قدرة الله ؟ أي شيء يحملك على ذلك بعد ماتبين لك من قدرته؟ قال وقال الفراء : فمن يكذبك بالثواب والعقاب؟ وهو اختيار الطبري . ( قلت ) : هذا القول المنقول عن قتادة هو الذي أوجب نفور مجاهد عن أن يكون الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ، كما روى الناس - ومنهم ابن أبي حاتم ، عن الثوري : عن منصور قال ، قلت لمجاهد: ( فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ ) عنى به النبى صلى الله عليه وسلم ؟ قال : معاذ الله ! عنى به الإنسان . وقد أحسن مجاهد فى تنزيه النبى صلى الله عليه وسلم أن يقال له (فَمَايُكَذِّبُكَ )، أي استيقن، ولا تكذب. فإنه لو قيل له ((لا تكذب)) ٢٨٧ لكان هذا من جنس أمره بالإيمان والتقوى ، ونهيه عما نهى الله عنه . وأما إذا قيل (فَمَايُّكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ ) فهو لم يكذب بالدين ، بل هو الذي أخبر بالدين وصدق به، فهو (الَّذِى جَآءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّفَ بِهِ ) فكيف يقال له. (فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ ) ؟ فهذا القول فاسد لفظاً ومعنى . واللفظ الذي رأيته منقولا بالإسناد عن قتادة ليس صريحاً فيه ، بل يحتمل أن يكون أراد به خطاب الإنسان . فإنه قال ( فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ )، قال: ((استيقن، فقد جاءك البيان)). وكل إنسان مخاطب بهذا . فإن كان قتادة أراد هذا فالمعنى صحيح . لكن م حكوا عنه أن هذا خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم وعلى هذا فهذا المعنى باطل. فلا يقال للرسول ((فأي شيء يجعلك مكذبا بالدين؟ )) وإن ارتأت به النفس ، لأن هذا فيه دلائل تدل على فساده . ولهذا استعاذ منه مجاهد . والصواب ما قاله الفراء ، والأخفش ، وغيرهما . وهو الذي اختاره أبو جعفر محمد بن جرير الطبرى ، وغيره من العلماء كما تقدم . وكذلك ذكره أبو الفرج ابن الجوزي عن الفراء ، فقال : إنه خطاب ٢٨٨ للنبى صلى الله عليه وسلم ، والمعنى : فمن يقدر على تكذيبك بالثواب والعقاب بعد ما تبين له أنا خلقنا الإنسان على ما وصفنا ، قاله الفراء . قال: وأما ((الدين)) فهو الجزاء. ( قلت ) : وكذلك قال غير واحد كما روى ابن أبى حاتم عن النضر بن عربي: (فَمَا يُّكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالّذِّينِ) أي بالحساب . ومن تفسير العوفى عن ابن عباس : أي بحكم الله . قلت : قال ((بحكم الله)) لقوله (أَلَيْسَ الَّه ◌ِأَحَكَمِ اَلْحَكِمِينَ). وهو سبحانه يحكم بين المصدق بالدين، والمكذب به . وعلى هذا، قوله (فما ) وصف للأشخاص. ولم يقل ((فمن)» لأن (( ما )) يراد به الصفات دون الأعيان ، وهو المقصود ، كقوله فَنْكِحُوْ مَاطَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ )، وقوله (لَآ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ )، ) وقوله ( وَنَفْسٍ وَمَاسَوَّنَهَا ). كأنه قيل: فما المكذب بالدين بعد هذا ؟ أي من هذه صفته ونعته هو جاهل ظالم لنفسه، والله يحكم بين عباده فيما يختلفون فيه من هذا النبا العظيم . وقوله (بعد) قد قيل إنه ((بعد ما ذكر من دلائل الدين » ٢٨٩ وقد يقال: لم يذكر إلا الإخبار به ، وأن الناس نوعان : فى أسفل سافلين ، ونوع لهم أجر غير ممنون ؟ فقد ذكر البشارة والنذارة ، والرسل بعثوا مبشرين ومنذرين. فمن كذبك بعد هذا فحكمه إلى الله أحكم الحاكمين، وأنت قد بلغت ما وجب عليك تبليغه . وقوله ( فَمَا يُكَذِّبُكَ ) ليس نفياً للتكذيب ، فقد وقع . بل قد يقال إنه تعجب منه، كما قال (وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبُ قَوْلُمْ أَءِ ذَا كُنَّا تُرَبًا أَعِنَّالَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ ) وقد يقال إن هذا تحقير لشأنه، وتصغير لقدره لجهله وظلمه ، كما يقال ((من فلان؟)) و((من يقول هذا إلا جاهل؟)). لكنه ذكره بصيغة (( ما)) فإنها تدل على صفته ، وهي المقصودة ، إذ لا غرض في عينه. كأنه قيل ((فأي صنف، وأي جاهل يكذبك بعد بالدين ؟ فانه من الذين يردون إلى أسفل سافلين )) وقوله (أَلَيْسَ الله ◌ِأَحَكَّمِ اَلْحَكِينَ ) يدل على أنه الحاكم بين المكذب بالدين والمؤمن به . والأمر في ذلك له سبحانه وتعالى . ٢٩٠ والقرآن لا تنقضي عجائبه . والله سبحانه بين مراده بياناً أحكمه ، لكن الاشتباه يقع على من لم يرسخ فى علم الدلائل الدالة . فإن هذه السورة وغيرها فيها عجائب لا تنقضي . ) ذكر فيه الرسول منها أن قوله ( فَمَاُكَذِبُكَبَعْدُپِالدِّينِ المكذب والدين المكذب به جميعاً . فإن السورة تضمنت الأمرين . تضمنت الإقسام بأماكن الرسل المبينة لعظمتهم ، وما أتوا به من الآيات الدالة على صدقهم الموجبة للإيمان . وم قد أخبروا بالمعاد المذكور فى هذه السورة . وقد أقسم اللّه عليه كما بقسم عليه فى غير موضع، وكما أمر نبيه أن بقسم عليه في مثل قوله (زَعَمَالّذِينَ كَفَرُوْ أَنْأَنْ يُبْعَثُو ◌َقُلْبَى وَرَنِّي لَتُّعَثُنَّ ) . وقوله ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوْ لَا تَأْتِنَا السَّاعَةُ قُلْ بَى وَرَبِّ لَتَأْتِنَّكُمْ فلما تضمنت هذا وهذا ذكر نوعي التكذيب ، فقال (فَمَايُكَذِبُكَ بَعْدُ بِأَلِدِينِ ) ، واللّه سبحانه أعلم. وأيضاً ، فإنه لا ذنب له فى ذلك، والقرآن مراده أن يبين أن هذا الرد جزاء على ذنوبه. ولهذا قال (إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٢٩١ الصَّلِحَتِ )، كما قال ( إِنَّالْإِنسَانَ لَفِىِ خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ وَتَوَاصَوْاْبِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْ بِالصَّبْرِ) لكن هنا ذكر الخسر فقط ، فوصف المستثنين بأنهم تواصوا بالحق وتواصوا بالصبر مع الإيمان والصلاح . وهناك ذكر أسفل سافلين ، وهو العذاب، والمؤمن المصلح لا يعذب ، وإن كان قد ضيع أموراً خسرها - لو حفظها لكان رابحاً غير خاسر . وبسط هذا له موضع آخر . والمقصود هنا أنه سبحانه بذكر خلق الإنسان مجملا ومفصلا . وتارة يذكر إحياءه، كقوله تعالى (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِوَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَخْيَكُمّ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْبِيكُمْ ثُمَّإِلَيْهِ ثُرْجَعُونَ ) وهو كقول الخليل عليه السلام (رَبِىَالَّذِى يُخْىِ، وَيُمِيتُ ) فإن خلق الحياة ولوازمها، وملزوماتها أعظم وأدل على القدرة ، والنعمة ، والحكمة . ٢٩٢ فصل قوله (أَقْرَأْوَرَبُّكَ اَلْأَكْرُ * الَّذِى عَلَّمَبِالْقَلَمِ * عَلَّم ◌َلْإِنسَنَ مَا لَمْ يَعْلَ ) . سمى ووصف نفسه بالكرم، وبأنه الأكرم، بعد إخباره أنه خلق ليتبين أنه ينعم على المخلوقين ويوصلهم إلى الغايات المحمودة ، كما قال فى وكما قال موسى ( الَّذِىِ خَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِى قَدَّرَفَهَدَى ) موضع آخر وكما قال الخليل ( رَبُّنَا الَّذِى أَعْطَى كُلّ شَىْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّهَدَى عليه السلام ( عليه السلام ( الَّذِى خَلَقَتِى فَهُوَ يَهْدِينِ) فالخلق يتضمن الابتداء ، والكرم تضمن الانتهاء ، كما قال فى أم القرآن (رَبِّ الْعَلَمِينَ)، ثم قال (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ولفظ الكرم لفظ جامع للمحاسن والمحامد . لا يراد به مجرد الإعطاء بل الإعطاء من تمام معناه ، فإن الإحسان إلى الغير تمام المحاسن . والكرم كثرة الخير ويسرته. ولهذا قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((لا تسموا العنب الكرم، فإنما الكرم قلب المؤمن ». ٢٩٣ وثم سموا الغنب ((الكرم)) لأنه أنفع الفواكه - يؤكل رطباً. ويابساً ، ويعصر فيتخذ منه أنواع . وهو أعم وجوداً من النخل - يوجد في عامة البلاد ، والنخل لا يكون إلا فى البلاد الحارة. ولهذا قال فى رزق الإنسان (فَلْتُظُرٍ الْإِنسَنُ إِلَى طَعَامِهِ، * أَنَّا صَبَّنَا الْمَآءَ صَبًّا * ثُمَ شَقَقْنَا ◌ْلْأَرْضَ شَقًّا* فَنْبَّنَافِيهَاحَبًّا * وَعِنَبً وَقَضْبًا * وَزَيْتُونَا وَنَخْلاً * وَحَدَابِقَ غُلْبًا * وَفَكِهَةٌ وَأَبَّا * مَتَعَالَّكُمْ وَلِأَنْغَمِكُمْ ) فقدم العنب . وقال فى صفة الجنة ( إِنَّلِلْمُتَّقِينَ مَفَارًا * حَدَابِقَ وَأَعْنَبًا ) ومع هذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تسميته بالكرم وقال: ((الكرم قلب المؤمن)). فإنه ليس في الدنيا أكثر ولا أعظم خيراً من قلب المؤمن . والشيء الحسن المحمود يوصف بالكرم . قال تعالى (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَافِهَا مِنْكُلِّزَوْجَ كَرِيمٍ ) . قال ابن قتيبة : من كل جنس حسن . وقال الزجاج : الزوج النوع ، والكريم المحمود . وقال غيرها ( من كل زوج ) صنف وضرب ، ( كريم ) حسن ، من النبات مما يأكل الناس والأنعام. يقال: ((نخلة كريمة)) إذا طاب حملها، و((ناقة كريمة)) إذا كثر لبنها. ٢٩٤ وعن الشعبى : الناس من نبات الأرض ، فمن دخل الجنة فهو کریم ، ومن دخل النار فهو الثيم . والقرآن قد دل على أن الناس فيهم كريم على الله يكرمه ، وفيهم من يهينه. قال تعالى ( إِنَّأَكْرَ مَكُمْ عِندَ اللَّهِأَنْقَنَّكُمْ) وقال تعالى (وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَالَهُ مِن مكْرِمٍ إِنَّالَهَيَفْعَلُ مَايَشَآءُ) وقال النبى صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل: ((وإياك وكراثم أموالهم ، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب)). وكراثم الأموال : التى تكرم على أصحابها لحاجتهم إليها، وانتفاعهم بها من الأنعام وغيرها . وهو سبحانه أخبر أنه الأكرم بصيغة التفضيل والتعريف لها . فدل على أنه الأكرم وحده، بخلاف ما لو قال ((وربك أكرم)). فإنه لا يدل على الحصر ، وقوله ( الأكرم ) يدل على الحصر . ولم يقل ((الأكرم من كذا))، بل أطلق الاسم ليبين أنه الأكرم مطلقاً غير مقيد ، فدل على أنه متصف بغاية الكرم الذى لا شيء فوقه، ولا نقص فيه . قال ابن عطية : ثم قال له تعالى (اقْرَأْوَرَبُّكَ آلْأَكْرُ ) على ٢٩٥ جهة التأنيس ، كأنه يقول : امض لما أمرت به وربك ليس كهذه الأرباب ، بل هو الأكرم الذي لا يلحقه نقص ، فهو ينصرك ويظهرك. (قلت ) وقد قال بعض السلف: (( لا يهدين أحدكم لله ما يستحيى أن يهديه لكريمه، فإن الله أكرم الكرماء )). أي هو أحق من كل شيء بالإكرام ، إذ كان أكرم من كل شيء . وهو سبحانه ذو الجلال والإكرام . فهو المستحق لأن يجل ، ولأن يكرم . والإجلال بتضمن التعظيم، والإكرام يتضمن الحمد والمحبة. وهذا كما قيل فى صفة المؤمن : إنه رزق حلاوة ومهابة . وفى حديث هند بن أبي هالة فى صفة النبى صلى الله عليه وسلم: ((من رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبه)) وهذا لأنه سبحانه له الملك وله الحمد . وقد بسط الكلام على هذا فى غير هذا الموضع ، وبين أن أهل السنة يصفونه بالقدرة الإلهية ، والحكمة ، والرحمة . وهم الذين يعبدونه ويحمدونه ، وأنه يجب أن يكون هو المستحق لأن يعبد دون ما سواه والعبادة تتضمن غاية الذل وغاية الحب . ٢٩٦ وأن المنكرين لكونه يحب من الجهمية ومن وافقهم حقيقة قولهم أنه لا يستحق أن يعبد ، كما أن قولهم إنه يفعل بلا حكمة ولا رحمة يقتضي أنه لا يحمد . فهم إنما يصفونه بالقدرة والقهر . وهذا إنما يقتضى الإجلال فقط لا يقتضي الإكرام، والمحبة، والحمد . وهو سبحانه الأكرم . قال ، ثم قال (إِنَّبَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدُ * إِنَّهُ هُوَيُبْدِئُ وَيُعِدُ ) تعالى (وَهُوَالْغَفُورُالْوَدُودُ * ذُوالْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالْ لِمَايُرِيدُ) وقال شعيب (وَأَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبٍِّ رَحِيمٌ وَدُودٌ ) وفى أول ما نزل وصف نفسه بأنه الذي خلق ، وبأنه الأكرم . والجهمية ليس عندهم إلاكونه خالقاً - مع تقصيرم في إثبات كونه خالقاً .. لا يصفونه بالكرم، ولا الرحمة، ولا الحكمة. وإن أطلقوا ألفاظها فلا يعنون بها معناها ، بل يطلقونها لأجل مجيئها فى القرآن ، ثم يلحدون فى أسمائه ويحرفون الكلم عن مواضعه. فتارة يقولون : الحكمة هي القدرة ، وتارة يقولون : هى المشيئة ، وتارة يقولون : هي العلم . وأن الحكمة ، وإن تضمنت ذلك واستلزمته ، فهي أمر زائد ٢٩٧ على ذلك . فليس كل من كان قادراً أو مريداً كان حكيما ؛ ولا كل من كان له علم يكون حكيما ، حتى يكون عاملا بعلمه . قال ابن قتيبة وغيره : الحكمة هي العلم والعمل به ، وهي أيضاً : القول الصواب . فتتناول القول السديد ، والعمل المستقيم الصالح . والرب تعالى أحكم الحاكمين، وأحكم الحكماء. والإحكام الذي فى مخلوقاته دليل على علمه . وثم مع سائر الطوائف يستدلون بالإحكام على العلم ، وإنما يدل إذا كان الفاعل حكيما يفعل لحكمة . وهم يقولون إنه لا يفعل لحكمة ، وإنما يفعل بمشيئة بخص أحد المتماثلين بلا سبب يوجب التخصيص . وهذا مناقض للحكمة ، بل هذا سفه . وهو قد نزه نفسه عنه فى قوله (لَوْأَرَدْنَا أَنْ تَنَّخِذَلَوََّ لَّا تَّخَذْنَهُ مِن لَّدُنَّا إِن ككُنَافَعِلِينَ * بَلْ نَقْذِفُ بِالْقَّ عَلَى الْبَطِلِ فَيَدْ مَغُهُ فَإِذَا هُوَزَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا نَصِفُونَ ) وقد أخبر أنه إنما خلق السموات والأرض وما بينهما بالحق ، وأنه ٢٩٨ لم يخلقها باطلا، وأن ذلك ظن الذين كفروا. وقال (أَفَصِبْتُمْأَنَّمَا أي ي (أَيَحْسَبُ اَلْإِنسَنُّاَنِ يُتْرَكَ سُدَّى) خَلَقْتَكُمْ عَبَثًا ) وقال مهملا - لا يؤمر ولا ينهى. وهذا استفهام إنكار على من جوز ذلك على الرب . والجهمية المجبرة يجوز ذلك عليه ، ولا تنزهه عن فعل وإن كان من منكرات الأفعال. ولا تنعته بلوازم كرمه ، ورحمته ، وحكمته ، وعدله - فيعلم أنه يفعل ما هو اللائق بذلك ، ولا يفعل ما يضاد ذلك . بل يجوز كل مقدور أن يكون وأن لا يكون ، وإنما يجزم بأحدهما لأجل خبر سمعى، أو عادة مطردة، مع تناقضهم فى الاستدلال بالخبر - أخبار الرسل وعادات الرب . كما بسط هذا في مواضع ، مثل الكلام على معجزات الأنبياء ، وعلى إرسال الرسل ، والأمر والنهى ، وعلى المعاد ، ونحو ذلك ، مما يتعلق بأفعاله وأحكامه الصادرة عن مشيئته . فإنها صادرة عن حكمته وعن رحمته ، ومشيئته مستلزمة لهذا وهذا - لا يشاء إلا مشيئة متضمنة للحكمة ، وهو أرحم بعباده من الوالدة بولدها ، كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح عن الني صلى الله عليه وسلم أنه قال: الله أرحم بعباده من الوالدة بولدها)). ٢٩٩ فهم فى الحقيقة لا يقرون بأنه الأكرم . والإرادة التى يثبتونها لم يدل عليها سمع ولا عقل . فإنه لا تعرف إرادة ترجح مرادا على مراد بلا سبب يقتضى الترجيح. ومن قال من الجهمية والمعتزلة ((إن القادر يرجح أحد مقدوريه على الآخر بلا مرجح)) فهو مكار . وتمثيلهم ذلك بالجائع إذا أخذ أحد الرغيفين ، والهارب إذا سلك أحد الطريقين ، حجة عليهم. فإن ذلك لا يقع إلا مع رجحان أحدهما، إما لكونه أيسر فى القدرة ، وإما لأنه الذي خطر بباله وتصوره ، أو ظن أنه أنفع. فلا بد من رجحان أحدهما بنوع ما - إما من جهة القدرة ، وإما من جهة التصور والشعور . وحيئذ يرجح إرادته ، والآخر لم يرده. فكيف يقال إن إرادته رجحت أحدهما بلا مرجح؟ أو أنه رجح إرادة هذا على إرادة ذاك بلا مرجح؟ وهذا ممتنع يعرف امتناعه من تصوره حق التصور . ولكن لما تكلموا في مبدأ الخلق بكلام ابتدعوه - خالفوا به الشرع والعقل - احتاجوا إلى هذه المكابرة ، كما قد بسط فى غير هذا الموضع . وبذلك تسلط عليهم الفلاسفة من جهة أخرى . فلا للإسلام نصروا ، ولا للفلاسفة كسروا . ٣٠٠