النص المفهرس

صفحات 241-260

والقدرية قصدوا تنزيه الله عن السفه، وأحسنوا فى هذا القصد.
فإنه سبحانه مقدس عما يقول الظالمون - من إبليس وجنوده -
علواً كبيراً، حكم ، عدل . لكن ضاق ذرعهم وحصل عندم نوع جهل
اعتقدوا معه أن هذا التنزيه لا يتم إلا بأن يسلبوه قدرته على أفعال
العباد، وخلقه لها ، وشمول إرادته لكل شيء. فناظروا إبليس وحزبه
فى شيء ، واستحوذ عليهم إبليس من ناحية أخرى .
وهذا من أعظم آفات الجدال في الدين بغير علم أو بغير الحق .
وهو الكلام الذي ذمه السلف ، فإن صاحبه يرد باطلا بباطل
وبدعة ببدعة .
فجاء طوائف ممن ناظرهم من أهل الإثبات ليقرروا أن الله خالق
كل شيء ، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه على كل شيء
قدير . فضاق ذرعهم وعلمهم ، واعتقدوا أن هذا لا يتم إن لم تنكر
محبة الله ، ورضاه ، وما خص به بعض الأفعال دون بعض من الصفات
الحسنة والسيئة ؛ وتنكر حكمته ، ورحمته - فيجوز عليه كل فعل ،
لا ينزه عن ظلم ولا غيره من الأفعال .
وزاد قوم في ذلك حتى عطلوا الأمر والنهي والوعد والوعيد رأساً .
ومال هؤلاء إلى الإرجاء ، كما مال الأولون إلى الوعيد . فقالت الوعيدية :
٢٤١

كل فاسق خالد فى النار - لا يخرج منها أبداً ؛ وقالت الخوارج :
هو كافر . وغالية المرجئة أنكرت عقاب أحد من أهل القبلة . ومن
صرح بالكفر أنكر الوعيد فى الآخرة رأساً ، كما يفعله طوائف من
الاتحادية ، والمتفلسفة ، والقرامطة ، والباطنية . وكان هؤلاء الجبرية
المرجئة أكفر بالأمر والنهي والوعد والوعيد من المعتزلة الوعيدية القدرية .
وأما مقتصدة المرجئة الجبرية الذين يقرون بالأمر والنهي والوعد
والوعيد ، وأن من أهل القبلة من يدخل النار ، فهؤلاء أقرب الناس
إلى أهل السنة .
وقد روى الترمذي عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لعنت
القدرية والمرجئة على لسان سبعين نبياً أنا آخرم )).
لكن المعتزلة من القدرية أصلح من الجبرية والمرجئة ونحوهم فى
الشريعة - علمها وعملها . فكلامهم في أصول الفقه وفي اتباع الأمر
والنهي خير من كلام المرجئة من الأشعرية وغيرهم ؛ فإن كلام هؤلاء فى
أصول الفقه قاصر جداً، وكذلك م مقصرون فى تعظيم الطاعات
والمعاصي . ولكن ثم في أصول الدين أصلح من أولئك ، فإنهم
يؤمنون من صفات الله وقدرته وخلقه بما لا يؤمن به أولئك . وهذا
الصنف أعلى .
٢٤٢

فلهذا كانت المرجئة فى الجملة خيراً من القدرية ، حتى إن الإرجاء
دخل فيه الفقهاء من أهل الكوفة وغيرهم ، بخلاف الاعتزال . فإنه
ليس فيه أحد من فقهاء السلف وأئمتهم .
فصــ
فإذا كان الضلال فى القدر حصل نارة بالتكذيب بالقدر والخلق.
ونارة بالتكذيب بالشرع والوعيد ، وتارة بتظليم الرب ، كان فى هذه
السورة رداً على هذه الطوائف كلها .
(فَأَلْهَمَهَابُورَهَا وَتَقْوَنهَا ) إثبات للقدر بقوله
فقوله تعالى
( فَأَنْهَمَهَا )؛ وإثبات لفعل العبد بإضافة الفجور والتقوى إلى نفسه ليعلم
أنها هي الفاجرة والمتقية؛ وإثبات للتفريق بين الحسن والقبيح، والأمر
والنهي ، بقوله ( فُوَرَهَا وَتَقْوَتُهَا ) .
وقوله بعد ذلك (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَّكُّنْهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّنَهَا )
إثبات لفعل العبد ، والوعد والوعيد بفلاح من زكى نفسه وخيبة من
دساها . وهذا صريح فى الرد على القدرية المجوسية ، وعلى الجبرية
للشرع أو لفعل العبد - وم المكذبون بالحق .
٢٤٣

( وَنَفْسِ وَمَا
وأما المظلمون للخالق فإنه قد دل على مدله بقوله
سَوَّنْهَا )، والتسوية : التعديل . فبين أنه عادل فى تسوية النفس التى
ألهمها فجورها وتقواها .
وذكر بعد ذلك عقوبة من كذب رسله وطغى ، وأنه لا يخاف
عاقبة انتقامه ممن خالف رسله ، ليبين أن من كذب بهذا أو بهذا
فإن الله ينتقم منه ولا يخاف عاقبة انتقامه، كما انتقم من إبليس
وجنوده ، وأن تظلمه من ربه وتسفيهه له إنما يهلك به نفسه ولن
يضر الله شيئاً.
(( فإن العباد لن يبلغوا ضر الله فيضروه ، ولن يبلغوا نفعه فينفعوه
ولو أن أولهم وآخرهم وإنسهم وجنهم كانوا على أتقى قلب رجل منهم
ما زاد ذلك فى ملكه شيئً ، ولو أن أولهم وآخرهم وإنسهم وجنهم
كانوا على أخبر قلب رجل منهم ما نقص ذلك من ملكه شيئاً )).
ولهذا لما سأل عمران بن حصين أبا الأسود الدؤلي عن ذلك ليحزر
عقله (( هل يكون ذلك ظلماً؟ )) فذكر أن ذلك ليس منه ظلماً ،
وخاف من قوله ( سُبْحَنَهُ، وَتَعَلَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوَّا كَبِيرًا )، وذكر حديث النبى
صلى الله عليه وسلم ، واستشهاده بهذه الآية.
وقد تبين أن القدرية الخائضين بالباطل إما أن يكونوا مكذبين لما
٢٤٤

أخبر به الرب من خلقه أو أمره ، وإما أن يكونوا مظلمين له فى حكمه.
وهو سبحانه الصادق العدل ، كما قال تعالى (وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدّلًا
لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَتِهٍ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ).
فإن الكلام إما
إنشاء وإما إخبار. فالإخبار صدق، لا كذب؛ والإنشاء - أمر
التكوين وأمر التشريع ـ عدل، لا ظلم. والقدرية المجوسية كذبوا
ما أخبر به عن خلقه وشرعه من أمر الدين ، والإبليسية جعلوه ظالماً
فى مجموعها ، أو فى كل منها .
وقد ظهر بذلك أن المفترقين المختلفين من الأمة إنما ذلك بتركهم
بعض الحق الذي بعث الله به نبيه وأخذم باطلا يخالفه، واشتراكهم فى
باطل يخالف ما جاء به الرسول . وهو من جنس مخالفة الكفار للمؤمنين
كما قال تعالى (تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ - إلى قوله - وَلَوْشَآءَ
اللَّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَايُرِيدٌ) .
فإذا اشتركوا في باطل خالفوا به المؤمنين المتبعين للرسل نسوا حظاً
مما ذكروا به فألقى بينهم العداوة والبغضاء ، واختلفوا فيما بينهم فى حق
آخر جاء به الرسول ، فَآمن هؤلاء ببعضه وكفروا ببعضه ، والآخرون
يؤمنون بما كفر به هؤلاء ويكفرون بما يؤمن به هؤلاء.
وهنا كلا الطائفتين المختلفتين المفترقتين مذمومة . وهذا شأن عامة
٢٤٥

الافتراق والاختلاف فى هذه الأمة وغيرها . وهذا من ذلك . فإنهم
اشتركوا [فى] أن كون الرب خالقاً لفعل العبد ينافى كون فعله منقسماً إلى
حسن وقبيح . وهذه المقدمة اشتركوا فيها جدلا من غير أن تكون
حقاً فى نفسها أو عليها حجة مستقيمة .
وهي إحدى المقدمتين التى يعتمدها الرازي فى مسألة التحسين
والتقبيح. فإنه اعتقد فى ((محصوله)) وغيره على أن العبد مجبور
على فعله ، والمجبور لا يكون فعله قبيحاً ، فلا يكون شيء من
أفعال العباد قبيحاً .
وهذه الحجة بنفى ذلك أصلها حجة المشركين المكذبين للرسل
- الذين قالوا (لَوْشَآءَ اللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلَآءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَىْءٍ) فإنهم
نفوا قبح الشرك وتحريم ما لم يحرمه الله من الطيبات بائبات القدر.
لكن هؤلاء الذين يحتجون بالجبر على نفي الأحكام إذا
أقروا بالشرع لم يكونوا مثل المشركين من كل وجه . ولهذا لم يكن
المتكلمون المقرون بالشريعة كالمشركين ، وإن كان فيهم جزء من
باطل المشركين .
لكن يوجد فى المتكلمين والمتصوفة طوائف يغلب عليهم الجبر حتى
٢٤٦

يكفروا حينئذ بالأمر والنهى والوعد والوعيد والثواب والعقاب - إما
قولا ، وإما حالا وعملا . وأكثر ما يقع ذلك فى الأفعال التى توافق
أهواءج - يطلبون بذلك إسقاط اللوم والعقاب عنهم ، ولا يزيدهم ذلك
إلا ذماً وعقابا - كالمستجير من الرمضاء بالنار .
فإن هذا القول لا يطرد العمل به لأحد ، إذ لا غنى لبني آدم
- بعضهم من بعض - من إرادة شيء والأمر به ، وبغض شيء والنهي
عنه . فمن طلب أن يسوى بين المحبوب والمكروه ، والمرضى والمسخوط
والعدل والظلم ، والعلم والجهل ، والضلال والهدى ، والرشد والغي ،
فإنه لا يستمر على ذلك أبداً . بل إذا حصل له ما يكرهه ويؤذيه فر
إلى دفع ذلك ، وعقوبة فاعله بما قدر عليه حتى يعتدي فى ذلك .
فهم من أظلم الخلق فى نفريقهم بين القبيح من الظلم والفواحش
منهم ومن غيرهم ، وممن يهوونه ومن لا يهوونه ، واحتجاجهم بالقدر
لأنفسهم دون خصومهم .
وتجد أحدهم عند فعل ما يحمد عليه يغلب على قلبه حال أهل
القدر ، فيجعل نفسه هو المحدث لذلك دون الله، وينسى نعمة الله عليه
٢٤٧

فى إلهامه إياه تقواه . وهذا من أظلم الخلق ، كما قال أبو الفرج بن
الجوزي : أنت عند الطاعة قدرى ، وعند المعصية جبرى - أي
مذهب وافق هواك تمذهبت به .
وأهل العدل ضد ذلك . إذا فعلوا حسنة شكروا الله عليها لعلمهم
بأن الله هو الذي حبب إليهم الإيمان وزينه فى قلوبهم ، وأنه هو الذي
كره إليهم الكفر والفسوق والعصيان؛ (إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْظَلَمُوَأَنْفُسَهُمْ
ذَكَرُواْ اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُ واْ عَلَى مَا فَعَلُواْ
وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) .
فاتبعوا أباهم حيث أُذنب : (فَلَقَّقَءَادَمُ مِن ◌َّيِّهِ كَلِمَتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّه ◌ُهُوَ النَّبـ
الرَّحِيمُ)، وقال (رَبَّنَاظَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنِ لَّْتَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ ).
ويقول أحدم ((أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي))، كما قال النبى
صلى الله عليه وسلم: ((سيد الاستغفار أن يقول العبد اللهم! أنت ربي،
لا إله إلا أنت . خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت
أعوذ بك من شر ما صنعت ، أبوء لك بنعمتك على : وأبوء بذنى.
فاغفر لي ، فإنه لا يغفر الذنوب ، إلا أنت ])). وكما فى الحديث
الصحيح أيضاً ((إن الله تعالى يقول: يا عبادي! إنما هي أعمالكم ترد
٢٤٨

عليكم ، فمن وجد خيراً فليحمد الله ، ومن وجد شراً فلا بلومن إلا
نفسه)). ويقولون بموجب قوله تعالى (مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَنَ اللَّهِوَمَا أَصَابَكَ مِن
سَبِّئَةٍ فَن نَّفْسِكَ ) .
قال ابن القيم رحمه الله .
ذكر سبحانه في هذه السورة تمود دون غيرهم من الأمم المكذبة
فقال شيخ الإسلام أبو العباس تقى الدين بن تيمية :
هذا - والله أعلم - من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى. فإنه لم
يكن فى الأمم المكذبة أخف ذنباً وعذاباً منهم ، إذ لم يذكر عنهم من
الذنوب ما ذكر عن عاد ، ومدين ، وقوم لوط ، وغيرهم .
ولهذا لما ذَكرم وعاداً قال (فَأَمَّا عَادٌ فَأَسْتَ كْبَرُواْ فِى الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ
وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّمِنَّاقُوَّةٌ أَوْلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَأَشَدُ مِنْهُمْ قُوَّةٌ وَكَانُواْ بِشَايَِنَا
يَجْحَدُونَ)، (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَهُمْ فَاسْتَحَبُّوْاُلْعَمَى عَلَىَ الْهُدَى)
وكذلك إذا ذكرم مع الأمم المكذبة لم يذكر عنهم ما يذكر
عن أولئك من التجبر والتكبر والأعمال السيئة ، كاللواط ، وبخس
المكيال والميزان ، والفساد فى الأرض ، كما فى سورة هود ، والشعراء
وغيرهما . فكان فى قوم لوط - مع الشرك ـ إنيان الفواحش التى
٢٤٩

لم يسبقوا إليها؛ وفى عاد - مع الشركـ التجبر، والتكبر، والتوسع
فى الدنيا ، وشدة البطش، وقولهم (مَنْ أَشَدُّ مِنَّاقُوَّةٌ) ؛ وفى أصحاب
مدين - مع الشرك - الظلم في الأموال ؛ وفى قوم فرعون الفساد
فى الأرض ، والعلو .
وكان عذاب كل أمة بحسب ذنوبهم وجرائمهم . فعذب قوم عاد
بالريح الشديدة العاتية التى لا يقوم لها شيء ؛ وعذب قوم لوط بأنواع
من العذاب لم يعذب بها أمة غيرهم . جمع لهم بين الهلاك ، والرجم
بالحجارة من السماء ، وطمس الأبصار ، وقلب ديارهم عليهم بأن جعل
عاليها سافلها ، والخسف بهم إلى أسفل سافلين . وعذب قوم شعيب
بالنار التى أحرقتهم ، وأحرقت تلك الأموال التى اكتسبوها
بالظلم والعدوان.
وأما تمود فأهلكهم بالصيحة ، فماتوا فى الحال . فإذا كان هذا
عذابه لهؤلاء وذنبهم - مع الشرك ـ عقر الناقة التى جعلها الله آية
لهم ، ثمن انتهك محارم الله، واستخف بأوامره ونواهيه، وعقر عباده
وسفك دماءهم ، كان أشد عذاباً .
ومن اعتبر أحوال العالم قديماً وحديثاً، وما يعاقب به من بسعى
في الأرض بالفساد ، وسفك الدماء بغير حق ، وأقام الفتن ، واستهان
بحرمات الله، علم أن النجاة فى الدنيا والآخرة للذين آمنوا وكانوا يتقون.
٢٥٠

سورة العلق
وقال الشيخ رحمه الله:
فصل
فى بيان أن الرسول صلى الله عليه وسلم أول ما أنزل عليه بيان
أصول الدين وهي الأدلة العقلية الدالة على ثبوت الصانع وتوحيده،
وصدق رسوله صلى الله عليه وسلم، وعلى المعاد إمكاناً ووقوعاً .
وقد ذكرنا فيما تقدم هذا الأصل غير مرة ، وأن الرسول صلى
اللّه عليه وسلم بين الأدلة العقلية والسمعية التى يهتدى بها الناس إلى
دينهم ، وما فيه نجاتهم وسعادتهم فى الدنيا والآخرة، وأن الذين ابتدعوا
أصولا تخالف بعض ما جاء به هي أصول دينهم ، لا أصول دينه . وهي
باطلة عقلا وسمعاً ، كما قد بسط في غير موضع . وبين أن كثيراً من
المنتسبين إلى العلم والدين قاصرون أو مقصرون في معرفة ما جاء به من
٢٥١

الدلائل السمعية والعقلية .
فطائفة قد ابتدعت أصولا تخالف ما جاء به من هذا وهذا .
وطائفة رأت أن ذلك بدعة فأعرضت عنه ، وصاروا ينتسبون إلى
السنة لسلامتهم من بدعة أولئك . ولكن م مع ذلك لم يتبعوا السنة على
وجهها ، ولا قاموا بما جاء به من الدلائل السمعية والعقلية. بل
الذي يخبر به من السمعيات مما يخبر به عن ربه وعن اليوم الآخر غايتهم
أن يؤمنوا بلفظه من غير تصور لما أخبر به . بل قد يقولون مع هذا
إنه نفسه لم يكن يعلم معنى ما أخبر به ، لأن ذلك عندم هو تأويل
المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله .
وأما الأدلة العقلية فقد لا يتصورون أنه أتى بالأصول العقلية الدالة
على ما يخبر به، كالأدلة الدالة على التوحيد والصفات . ومنهم من يقر
بأنه جاء بهذا - مجملا، ولا يعرف أدلته . بل قد يظن أن ما يستدل
به - كالاستدلال بخلق الإنسان على حدوث جواهره - هو دليل
الرسول .
وكثير من هؤلاء يعتقدون أن في ذلك ما لا يجوز أن يعلم بالعقل
كالمعاد ، وحسن التوحيد والعدل والصدق، وقبح الشرك والظلم
٢٥٢

والكذب . والقرآن ببين الأدلة العقلية الدالة على ذلك . وينكر على
من لم يستدل بها . ويبين أنه بالعقل يعرف المعاد، وحسن عبادته وحده
وحسن شكره. وقبح الشرك، وكفر نعمه ، كما قد بسطت الكلام على
ذلك في مواضع .
وكثير من الناس يكون هذا في فطرته وهو ينكر تحسين العقل
ونقبيحه إذا صنف فى أصول الدين على طريقة النفاة الجبرية - أتباع
جهم. وهذا موجود فى عامة ما يقوله المبطلون - يقولون بفطرتهم
ما يناقض ما يقولونه في اعتقادهم البدعى .
وقد ذكر أبو عبد الله - ابن الجد الأعلى - أنه سمع أبا الفرج
ابن الجوزى ينشد فى مجلس وعظه البيتين المعروفين :
وجاحمة النار لم تضرم
هب ، البعثُ لم تأتنا رُسْله
أليس من الواجب المستحق
حياء العباد من المنعم ؟
فقد صرح فى هذا بأنه من الواجب المستحق حياء الخلق من
الخالق المنعم .
وهذا تصريح بأن شكره واجب مستحق ولو لم يكن وعيد ، ولا
٢٥٣

رسالة أخبرت بجزاء . وهو يبين ثبوت الوجوب والاستحقاق وإن قدر
أنه لا عذاب .
وهذا فيه نزاع قد ذكرناه فى غير هذا الموضع ، وبينا أن هذا
هو الصحيح . ونتيجة فعل المنهى انخفاض المنزلة وسلب كثير من النعم
التى كان فيها وإن كان لا يعاقب بالضرر .
ويبين أن الوجوب والاستحقاق يعلم بالبديهة . فتارك الواجب
وفاعل القبيح وإن لم يعذب بالآلام كالنار فيسلب من النعم وأسبابه ما
يكون جزاءه . وهذا جزاء من لم يشكر النعمة بل كفرها - أن يسلبها.
فالشكر قيد النعم ، وهو موجب للمزيد . والكفر بعد قيام الحجة
موجب للعذاب ، وقبل ذلك ينقص النعمة ولا يزيد .
مع أنه لا بد من إرسال رسول يستحق معه النعيم أو العذاب ،
فإنه ما ثم دار إلا الجنة أو النار . قال تعالى (لَقَدْ خَلَقْنَا ◌ُلْإِنسَنَ فِيَ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ
* ثُمَّرَدَدْنَهُ أَسْفَلَ سَفِلِينَ * إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْالصَّلِحَتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ) وهذا
مبسوط في مواضع .
والمقصود هنا أن بيان هذه الأصول وقع فى أول ما أنزل من
القرآن. فإن أول ما أنزل من القرآن (اقْرَأْ بِاسْمِرَيِّكَ) عند جماهير
٢٥٤

العلماء . وقد قيل (يَأَيُّهَا الْمُذَّذِرُ)، روى ذلك عن جابر. والأول
أصح . فإن [ ما ] فى حديث عائشة الذي فى الصحيحين يبين أن أول
ما نزل (آقْرَأْبِأَسِّرَبِكَ) نزلت عليه وهو في غار حراء، وأن ((المدثر))
نزلت بعد .
وهذا هو الذي ينبغي. فإن قوله ( اقرأ ) أمر بالقراءة، لا
بتبليغ الرسالة، وبذلك صار نبيا . وقوله (قُرْقَذِرْ ) أمر بالإنذار ،
وبذلك صار رسولا منذراً .
ففي الصحيحين من حديث الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت :
أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا
الصادقة فى النوم . فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح . ثم
حبب إليه الخلاء ، فكان يأتى غار حراء فيتحنث فيه - وهو التعبد .-
الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك . ثم يرجع
إلى خديجة فيتزود لمثلها ، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء .
فجاءه الملك فقال: ((اقرأ)).
قال: ((ما أنا بقارئ)».
قال : فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ، ثم أرسلنى
فقال: ((آقْرَأْ)).
٢٥٥

فقلت: ((ما أنا بقارئ)).
فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ منى الجهد ثم أرسلنى
فقال: ((اقرأ)).
فقلت: ((ما أنا بقارئ)).
فأخذنى فغطنى الثالثة حتى بلغ منى الجهد ، ثم أرسلنى فقال :
( اقْرَأْبِسْمِرَبِكَ الَّذِىِ خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَنَ مِنْ عَلَقِ * أَقْرَأْوَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِى عَلَّمَبِالْقَلَمِ * عَلَّمَ
اَلْإِنسَنَ مَالَوْيَعَمْ ).
فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده . فدخل
على خديجة بنت خويلد فقال: ((زملوني)). زملوني [ فزملوه ] حتى ذهب
عنه الروع .
فقال لخديجة - وأخبرها الخبر - ((لقد خشيت على نفسي)) !.
فقالت له خديجة: (( كلا! والله، لا يخزيك الله أبداً - إنك
لتصل الرحم ، وتحمل الكل ، وتقري الضيف ، وتكسب المعدوم ،
وتعين على نوائب الحق )).
فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد
٢٥٦

العزى - ابن عم خديجة . وكان امرءاً تنصر في الجاهلية، وكان يكتب
الكتاب العبري ، فيكتب من الإنجيل بالعربية ما شاء الله أن يكتب،
وكان شيخاً كبيراً قد عمى .
فقالت له خديجة: (( يا ابن عم ! اسمع من ابن أخيك)).
فقال له ورقة: (( يا ابن أخي! ماذا ترى؟)).
فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى .
فقال له ورقة : هذا الناموس الذي أنزل على موسى . يا ليتنى فيها
جذعا ! ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك!)).
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أو مخرجي م؟)).
قال: ((نعم ، لم يأت أحد قط بمثل ما جئت به إلا عودي . وإن
يدركنى يومك أنصرك نصراً مؤزراً)).
ثم لم ينشب ورقة أن توفى ، وفتر الوحي .
قال ابن شهاب الزهري ، سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن ، قال
أخبر نى جابر بن عبد الله أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث
٢٥٧

عن فترة الوحى: (( فبينما أنا أمشى سمعت صوتا فرفعت بصري قبل
السماء ، فإذا الملك الذي جاءني بحراء قاعد على كرسي بين السماء والأرض،
فجئنت حتى هويت إلى الأرض. فِئْت أهلى فقلت: زملونى، زملوني،
(بََّيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُرْفَنَذِرْ - إلى قوله -
فزملوني . فأنزل الله تعالى
وَالرُّجْزَفَاهْجُرْ))).
فهذا يبين أن ((المدثر)) نزلت بعد تلك الفترة ، وأن ذلك
كان بعد أن عاين الملك الذي جاءه بحراء أولا . فكان قد رأى
الملك مرتين .
وهذا يفسر حديث جابر الذي روى من طريق آخر كما أخرجاه
من حديث يحيى بن أبي كثير . قال : سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن
عن أول ما نزل من القرآن. قال: (يَأَيُّهَا الْمُدَّفِرُ ). قلت: يقولون
فقال أبو سلمة : سألت جابر بن عبد
(اقْرَأْبِاسْمِرَيِّكَ الَّذِىِ خَلَقَ ).
الله عن ذلك [ و] قلت له مثل ما قلت ، فقال جابر: لا أحدثك إلا
ما حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال: (( جاورت
بحراء : فلما قضيت جواري هبطت فنوديت ، فنظرت عن يمينى فلم أر
شيئاً ، ونظرت عن شمالي فلم أر شيئاً، ونظرت أمامي فلم أر شيئاً .
ونظرت خلفي فلم أر شيئاً . فرفعت رأسي فرأيت شيئاً. فأتيت خديجة
فقلت دثروني وصبوا على ماء بارداً، فدتروني وصبوا على ماء بارداً )).
٢٥٨

قال: ((فنزلت (َّأَيُّهَا الْمُدَّثِرُ * قُرْفَنَذِرْ * وَرَبَّكَ فَّكَِّرْ))).
فهذا الحديث يوافق المتقدم، وأن ((المدثر )) نزلت بعد أن هبط
من الجيل وهو يمشي ، وبعد أن ناداء الملك حينئذ . وقد بين فى
الرواية الأخرى أن هذا الملك هو الذي جاءه بحراء ، وقد بينت عائشة
أن ( اقرأ ) نزلت حينئذ في غار حراء . لكن كأنه لم يكن علم أن
( اقرأ) نزلت حينئذ، بل علم أنه رأى الملك قبل ذلك، وقد يراه
ولا يسمع منه. لكن فى حديث عائشة زيادة علم ، وهو أمره
بقراءة ( اقرأ ) .
وفى حديث الزهري أنه سمى هذا ((فترة الوحى))، وكذلك فى
حديث عائشة (( فترة الوحى )). فقد يكون الزهري روى حديث
جابر بالمعنى، وسمى ما بين الرؤيتين ((فترة الوحى)) كما بينته عائشة؛
وإلا فإن كان جابر سماه (( فترة الوحى)) فكيف يقول إن الوحى لم
يكن نزل ؟.
وبكل حال فالزهري عنده حديث عروة ، عن عائشة ؛ وحديث
أبى سلمة ، عن جابر ؛ وهو أوسع علما وأحفظ من يحيى بن أبي كثير
لو اختلفا. لكن يحيى ذكر أنه سأل أبا سلمة عن الأولى،
فأخبر جابر بعلمه ولم يكن علم مانزل قبل ذلك ، وعائشة
أثبتت وبينت .
٢٥٩

والآيات - آيات ((اقرأ)) و((المدثر)) - تبين ذلك، والحديثان
متصادقان مع القرآن ومع دلالة العقل على أن هذا الترتيب
هو المناسب .
( أَقْرَأْ بِأَسِْ
وإذا كان أول ما أزل
رَبِكَ الَّذِىِ خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَنَ مِنْ عَلَقِ * اقرَأْوَرَبُّكَ الْأَكْرُمُ * الَّذِى عََّبَلْقَلَمِ * عَلََّ الْإِنسَنَ
ففى الآية الأولى إثبات الخالق تعالى ، وكذلك
مَاأَعْلَمْ )
فى الثانية .
وفيها وفى الثانية الدلالة على إمكان النبوة ، وعلى نبوة محمد صلى
اللّه عليه وسلم .
ثم قال ( خَلَقَ
أما الأولى فإنه قال ( اقْرَأْبِاسْمِرَبِّكَ الَّذِىِخَقَ ) ،
اُلْإِنسَنَ مِنْ عَلَقٍ ). فذكر الخلق مطلقاً، ثم خص خلق الإنسان
أنه خلقه من علق . وهذا أمر معلوم لجميع الناس - كلهم يعلمون أن
الإنسان يحدث في بطن أمه، وأنه يكون من علق . وهؤلاء بنو آدم.
وقوله ( الإنسان) هو اسم جنس يتناول جميع الناس ،
ولم يدخل فيه آدم الذي خلق من طين . فإن المقصود بهذه
الآية بيان الدليل على الخالق تعالى، والاستدلال إنما يكون بمقدمات
٢٦٠