النص المفهرس

صفحات 221-240

سورة البلد
قال شيخ الإسلام رحمه الله:
قوله تعالى: (أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيَّنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَهُ النَّجْدَيْنِ)
الهداية محلها القلب ، وهذه الأعضاء الثلاثة التي هي دائمة الحركة والكسب،
إما للإنسان وإما عليه ، بخلاف ما يتحرك من داخل فإنه لا يتعلق به
ثواب ولا عقاب، وبخلاف بقية الأعضاء الظاهرة، فإن السكون أغلب ،
وحركتها قليلة بالنسبة إلى هذه ، وهذه الثلاثة التى يروى عن عيسى بن
مهديم عليه السلام أنه قال: من كان صمته فكراً، ونطقه ذكراً، ونظره
عبرة . وفى حديث عند بن أبي حاتم فى صفة النبى صلى الله عليه
وسلم أنه كان كثير الصمت ، دائم الفكر ، متواصل الأحزان فالصمت
والفكر للسان والقلب، وأما الحزن فليس المراد به الحزن الذي هو
الألم على فوت مطلوب أو حصول مكروه فإن ذلك منهى عنه، ولم يكن
من حاله ، وإنما أراد به الاهتمام والتيقظ لما يستقبله من الأمور ، وهذا
مشترك بين القلب والعين .
٢٢١

وفيه أيضاً في الصحيحين حديث ابن عباس أنه كان إذا قام من
الليل يصلي ينظر إلى السماء ، ويقرأ الآيات العشر من أواخر سورة آل
عمران ، فيجمع بين الذكر والنظر والفكر ، فالنظر أي نظر
القلب ونظر العين، والذكر أيضاً لا بد مع ذكر اللسان من
ذكر القلب .
ولما كان النظر مبدأ والذكر منتهى، لأن النظر يتقدم الإدراك، والعلم
والذكر يتأخر عن الإدراك والعلم؛ ولهذا كان المتكلمة فى النظر المقتضى للعلم.
وكان المتصوفة في الذكر المقرر للعلم قدم آلة النظر على آلة الذكر .
وختم بهداية الملك الجامع الذي هو الناظر الذاكر .
وذكر سبحانه اللسان والشفتين، لأنهما العضوان الناطقان . فأما
الهواء والحلق والنطع واللهوات والأسنان فمتصلة حركة بعضها مرتبطة
بحركة البعض بمنزلة غيرها من أجزاء الحنك ، فأما اللسان والشفتان
فمنفصلة . ثم الشفتان لما كانا النهاية حملا الحروف الجوامع : الباء ، والفاء،
والميم ، والواو .
فأما الباء والفاء فهما الحرفان السببيان ، فإن الباء أبداً تفيد
الإلصاق والسبب ، وكذلك الفاء تفيد التعقيب والسبب؛ وبالأسباب مجتمع
الأمور بعضها ببعض .
٢٢٢

وأما الميم والواو فلها الجمع والإحاطة ، ألا ترى أن الميم ضمير لجمع
المخاطبين فى الأنواع الخمسة: ضميري الرفع والنصب المتصلين والمنفصلين،
وضمير الخفض فى مثل قوله: ( أنتم) و ( علمتم) و ( إياكم) و
(علمكمْ) و ( بكم) وضمير لجمع الغائبين فى الأنواع الخمسة أيضاً والمضمر
أيا كان ، إما متكلم أو مخاطب أو غائب ، واحد أو اثنان أو جمع ،
مرفوع أو منصوب أو مجرور . فقد أحاطت بالجميع مطلقاً. أما الجمع
المطلق فبنفسها ، وأما الجمع المقدر باتتين فبزيادة علم الثنية، وهو الألف
في مثل أنتما وعلمتهما ، وكذلك الباقي .
ولهذا زيدت الواو في الجمع المطلق فقيل عليهمو وأنتمو ، كما زيدت
الألف في التثنية ، ومن حذفها حذفها تخفيفاً ؛ ولأن ترك العلامة
علامة، فصارت الميم مشتركة ، ثم الفارق الألف أو عدمها
مع الواو .
وأما الواو فلها جموع الضمائر الغائبة في مثل قالوا ونحوها ، وأما
المتصلة مثل إياكم وم فعلى اللغتين ؛ فلما صارت الواو تمام المضمر المرفوع
المنفصل ، والياء تمام المؤنث : صارت للمؤنث مطلقاً في جميع أحواله ؛
لأنه تلو المذكر ، والمفرد مذكره ومؤنثه قبل المثنى والمجموع ، فإن
المفرد قبل المركب ، ثم الألف صارت علم التثنية مطلقاً فى المظهر
والمضمر كما أن الواو علم لجمع المذكر ، وجعل الياء علمي النصب والجر
٢٢٣

فى المظهر من المثنى والمجموع ؛ لأن المظهر قبل المضمر وأقوى منه ،
فكانت أحق أن تكون فيه من الألف ، فحين ما كان أقوى كانت
الواو وحين ما كان أوسط كان الياء .
وأما الجموع الظاهرة فالواو هي علم الجمع المذكر الصحيح ، كما أن
الألف علم التثنية ؛ ولهذا ينطق بها حيث لا إعراب ، لكن فى حال
النصب والخفض قلبتا يائين لأجل الفرق ، وذلك لأن الأسماء الظاهرة لها
الغيبة دون الخطاب فى جميع العربية ، وذلك لأن الواو أقوى حروف
العلمة ، والضمة بعضها ، وهي أقوى الحركات، لما فيها من الجمع ، وكونها
آخراً، فجعلت للجمع والألف أخف حروف العلة ، فجعلت للاثنين
لأن الياء كانت قد صارت للمؤنث فى المفرد المرفوع الذي هو الأصل
في قولك: (١) وجاءت الميم في مثل اللهم إشعار يجميع الأسماء؛ وذلك
لأن حرف الشفة لما كان جامعا للقوة من مبدإ مخارج الحروف إلى
منتهاها بمنزلة الخاتم الآخر ، الذي حوى مافى المتقدم وزيادة كان جامعا
لقوى الحروف، فجعل جامعاً للأسماء مظهرها ومضمرها وجامعا بين
المفردات والجمل ، فالواو والفاء عاطفان ، والفاء رابطة جملة بجملة .
ولما كانت النون قريبة من الفيهة فهي أنفية جعلت لجمع المؤنث ،
(١) بياض بالأصل.
٢٢٤

لأنه دون جمع المذكر ، وثتى العينين والشفتين لأن العينين هما ربيئة
القلب ، وليس من الأعضاء أشد ارتباطا بالقلب من العينين ؛ ولهذا
جمع بينها فى قوله: ( وَتُقَلِّبُ أَفِدَتَهُمْ وَأَبْصَرَهُمْ) (تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ
وَالْأَبْصَرُ ) (وَإِذْزَاغَتِ الْأَبْصَرُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ اَلْحَنَاجِرَ) (قُلُوبٌ يَوْمَيِذٍ
وَجِفَةُ * أَبْصَرُهَا خَاشِعَةٌ )
ولأن كليهما له النظر ؛ فنظر القلب
الظاهر بالعينين والباطن به وحده، وكذلك اللسان هو الذكر
والشفتان أنثاه .
٢٢٥

سورة الشمس
قال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية قدس الله روحه
فصل
فى قوله تعالى: (وَالشَّمْسِ وَضُحَنِهَا * وَاُلْقَمَرِ إِذَاتَنَهَا * وَالتَّهَارِ إِذَا جَلَّنَا *
وضمير التأنيث فى ( جلاها ) و
وَأَلَّيْلِ إِذَا يَغْشَنَهَا ).
( يغشاها ) لم يتقدم مايعود عليه إلا الشمس ، فيقتضي أن النهار يحلى
الشمس، وأن الليل يغشاها، و ((التجلية)) الكشف والإظهار، و
((الغشيان)) التغطية واللبس ، ومعلوم أن الليل والنهار ظرفا الزمان ،
والفعل إذا أضيف إلى الزمان فقيل هذا الزمان أو هذا اليوم يبرد ،
أو يبرد أو ينبت الأرض، ونحو ذلك، فالمقصود أن ذلك يكون فيه، كما
يوصف الزمان بأنه عصيب ، وشديد، ومحس ، وبارد ، وحار ، وطيب
ومكروه - والمراد وصف ما فيه . فكون الشيء فاعلا وموصوفا هو
بحسب ما يليق به - كل شيء بحسبه.
٢٢٦

فالنهار يجلى الشمس ، والليل يغشاها ، وإن كان ظهور الشمس
هو سبب النهار ، ومغيها سبب الليل . وقد ذكر ذلك بقوله :
( وَالشَّمْسِ وَضُحَنهَا )، فأضاف الضحى إليها . والضحى يعم النهار كله،
كما قال (أَمِالتََّهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّنَهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَهَا ).
وقال ( وَالضُّحَى * وَالَّيْلِ إِذَا سَجَى ).
وقوله: (وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَهَا * وَالْأَرْضِ وَمَا طَهَا * وَنَفْسِ وَمَاسَوَّنَهَا * فَْمَهَا
◌ُورَهَا وَتَقْوَنَهَا )
فقد قيل: إن (( ما)) مصدرية، والتقدير: والسماء وبناء اللّه إياها ،
والأرض وطحو الله إياها ، ونفس وتسوية الله إياها . لا بد من ذكر
الفاعل فى [ الجملة ] ، لا يصلح أن يقدر المصدر هنا مضافاً إلى الفعل
فقط، فيقال ((وبنائها))، لأن الفاعل مذكور في الجملة فى قوله (وما
بناها ) ( وما طحاها ) فإن الفعل لا بد له من فاعل في الجملة، ومفعول
أيضا . فلا بد أن يكون في التقدير الفاعل والمفعول . لكن إذا كانت
مصدرية كانت (( ما )) حرفاً ليس فيها ضمير ، فيكون ضمير الفاعل فى
(( بناها)) عائداً على غير مذكور بل إلى معلوم ، والتقدير : والسماء
وما بناها الله وهذا خلاف الأصل؛ وخلاف الظاهر .
٢٢٧

والقول الثاني: إنها موصولة ، والتقدير : الذي بناها ، والذي
طحاها. و((ما))، فيها عموم وإجمال ـ يصلح لما لا يعلم ، ولصفات
من يعلم ، كقوله تعالى: (لَآ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَآ أَنْتُمْ عَبِدُونَ مَآ أَعْبُدُ )
وقوله (فَنكِحُواْ مَاطَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَاءِ ) .
وهذا المعنى يجيء فى قوله: (وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَوَالْأُنْفَ ).
وهذا المعنى كما أنه ظاهر الكلام وأصله هو أكمل فى المعنى
أيضاً . فإن القسم بالفاعل يتضمن الإقسام بفعله ، بخلاف الإقسام
بمجرد الفعل .
وأيضاً فالأقسام التى فى القرآن عامتها بالذوات الفاعلة وغير الفاعلة .
(وَالصَّفَّتِ صَفًّا* فَالزَّجِرَةِ زَجْرًا *
يقسم بنفس الفعل ، كقوله :
فَالَِّيَتِ ذِكْرًا)، وكقوله: ( وَالتَّزِعَتِ)، (وَالْمُرْسَلَتِ)،
ونحو ذلك .
وهو سبحانه تارة بقسم بنفس المخلوقات ؛ وتارة بربها وخالقها ،
كقوله (فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ)، وكقوله (وَمَا خَلَنَ الذَّكَرَ وَالْأُنَّ)
وتارة بقسم بها وبربها .
وفى هذه السورة أقسم بمخلوق وبفعله ؛ وأقسم بمخلوق دون
فعله ، فأقسم بفاعله .
٢٢٨

(وَالشَّمْسِ وَضُحَنِهَا * وَاَلْقَمَرِ إِذَا نَهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جََّهَا *
فإنه قال :
فأقسم بالشمس والقمر والليل والنهار ،
وَاُلَّيْلِ إِذَا يَغْشَنْهَا ) .
وآثارها وأفعالها، كما فرق بينهما في قوله: (وَمِنْ ءَايَتِهِ الَّيْلُ وَالنَّهَارُ
وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ )، وقال: (وَكُلُّ فِ فَلَكِ يَسْبَحُونَ ) فإنه بأفعال هذه
الأمور وآثارها تقوم مصالح بني آدم وسائر الحيوان .
وقال: (وَالشَّمْسِ وَشُحَنْهَا) ولم يقل: ((ونهارها)) ولا
((ضيائها)) لأن ((الضحى)) يدل على النور والحرارة جميعاً، وبالأنوار
والحرارة تقوم مصالح العباد.
ثم أقسم بالسماء والأرض ، وبالنفس ، ولم يذكر معها فعلا ،
فذكر فاعلها، فقال: (وَمَابَهَا)، (وَمَا لَهَا)، (وَنَفْسٍ وَمَا
سَوَّنهَا ) .
فلم يصلح أن يقسم بفعل النفس ، لأنها تفعل البر والفجور ،
وهو سبحانه لا يقسم إلا بما هو معظم من مخلوقاته . لكن ذكر في
( وَمَاسَوَّنَهَا * فَأَنْهَمَهَا بُورَهَا
ضمير القسم أنه خالق أفعالها بقوله :
وَتَقْوَنُهَا ) . فإذا كان قد بين أنه خالق فعل العبد الذي [هو ] أظهر
الأشياء فعلا واختياراً وقدرة فلأن يكون خالق فعل الشمس، والقمر
والليل ، والنهار ، بطريق الأولى والأحرى .
٢٢٩

وأما السماء والأرض فليس لهما فعل ظاهر يعظم في النفوس حتى
يقسم بها إلا ما يظهر من الشمس ، والقمر ، والليل ، والنهار .
والسماء والأرض أعظم من الشمس والقمر والليل والنهار ، والنفس
أشرف الحيوان المخلوق . فكان القسم بصانع هذه الأمور العظيمة
مناسباً ، وكان إقسامه بصانعها تنبيهاً على أنه صانع ما فيها من الشمس
والقمر والليل والنهار .
فتضمن الكلام الإقسام بصانع هذه المخلوقات ، وبأعيانها ، وما
فيها من الآثار والمنافع لبني آدم .
وختم القسم بالنفس التى هي آخر المخلوقات ، فإن الله خلق آدم
يوم الجمعة آخر المخلوقات . وبين أنه خالق جميع أفعالها ، ودل على
أنه خالق جميع أفعال ما سواها .
وهو سبحانه مع ما ذكر من عموم خلقه لجميع الموجودات على
مراتبها حتى أفعال العبد المنقسمة إلى التقوى والفجور [ و] بين انقسام
الأفعال إلى الخير والشر ، وانقسام الفاعلين إلى مفلح وخائب ، سعيد
وشقي. وهذا يتضمن الأمر والنهي ، والوعد والوعيد. فكان فى ذلك
رد على القدرية المجوسية الذين يخرجون أفعال العباد عن خلقه وإلهامه ،
وعلى القدرية المشركية الذين يبطلون أمره ونهيه ووعده ووعيده
احتجاجاً بقضائه وقدره .
٢٣٠

(قَدْ أَفْلَحَ مَن زَّكَّنْهَا * وَقَدْ خَابَ مَن
وقد قيل فى قوله :
دَسَّهَا): إن الضمير عائد إلى ((الله))، أي ((قد أفلح من
ز كاها الله، وقد خاب من دساها الله)). وهذا مخالف للظاهر، بعيد
عن نهج البيان الذي ألف عليه القرآن، إذ كان الأحسن ((قد أفلحت
من زكاها الله، وقد خابت من دساها))، وهذا ضعيف .
وأيضاً فقوله (فَهَمَهَا فُورَهَا وَتَقْوَنُهَا ) بيان للقدر ، فلا حاجة
إلى ذكره مرة ثانية عقب ذلك فى مثل هذه السورة القصيرة.
ولهذا لم يذكر عن النبى صلى الله عليه وسلم فى إثبات القدر
إلا هذه الآية دون الثانية، كما فى صحيح مسلم عن أبى الأسود
الدؤلي قال ، قال لي عمران بن حصين : أرأيت ما يعمل الناس اليوم
ويكدحون فيه أشيء قضى عليهم ومضى عليهم من قدر قد سبق ، أو
فيما يستقبلون به مما أتاهم به نبيهم وثبتت الحجة عليهم؟ فقلت : بل شيء
قضى عليهم ومضى عليهم . قال ، فقال: [ أ ] فلا يكون ذلك ظلماً ؟
قال : ففزعت من ذلك فزعاً شديداً وقلت : [ كل شيء ] خلق الله
وملك يده فلا يسأل عما يفعل وهم يسألون . فقال لي : يرحمك الله :
إني لم أرد بما سألتك إلا لأحرز عقلك . فإن رجلين من مزينة أنيا
رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا: يا رسول الله! أرأيت ما يعمل
الناس اليوم ويكدحون فيه أشيء قضى عليهم ومضى فيهم [ من قدر
٢٣١

قد سبق ، أو فيما يستقبلون به مما أقام به نبيهم وثبتت الحجة عليهم ؟
فقال: (( لا ، بل شيء قضى عليهم ومضى فيهم ] ، وتصديق ذلك فى
كتاب الله [ عز وجل] (وَنَفْسِ وَمَاسَوَّنَهَا * فَأَهَمَهَا بُورَهَا وَتَقْوَنَهَا )
فبين النبى صلى اللّه عليه وسلم أن تصديق ما أخبر به من القضاء قوله
(فَأَلْهَمَهَا تُجُورَهَا وَتَقْوَنَهَا )
والذى فى الحديث هو القدر السابق من على الله وكتابه وكلامه ،
وهذا إنما تنكره غالية القدرية. وأما [الذي ] في القرآن فهو خلق
الله أفعال العباد وهذا أبلغ. فإن القدرية المجوسية تنكره .
فالذي فى القرآن بدل على ما في الحديث وزيادة ، ولهذا جعله
النبى صلى الله عليه وسلم مصدقا له . وذلك من وجوه .
أحدها : أنه إذا علم أن الله هو الملهم للفجور والتقوى - ولم
يكن في ذلك ظلم كما تقوله القدرية الإبليسية ، ولا مخالفة للأمر والنهي
والوعد والوعيد كما نقوله القدرية المشركية - [ فـ] الإقرار بأن الله
كتب ذلك وقدره قبل وجوده مما لا نزاع فيه عند الإنسان من جهة
القدر . ولهذا قد أقر بالقدر السابق جمهور القدرية الذين ينكرون
خلق الأفعال . ولم يثبت أحد من القدرية أن الله خالق أفعال العباد ،
وينكره من جهة القدر أن الله خالق ذلك.
٢٣٢

الوجه الثاني : أنه إذا ثبت أن الله خالق فعل العبد ، وأنه الملهم
الفجور والتقوى ، كان ذلك من جملة مصنوعاته ، والشبهة التى عرضت
للقدرية - التى سأل المزنيان النى صلى الله عليه وسلم - إنما هي فى
أعمال العباد التى عليها الثواب والعقاب خاصة ، ولم ينكروا من جهة
القدر أن الله قدر ما يخلقه هو قبل وجوده. وإنما أ نكر من أنكر منهم إذا
اشتبه أمر أفعال العباد .
وهؤلاء يقولون: إن الله يقدر الأمور قبل وجودها إلا أفعال العباد
والسعادة والشقاوة . فإن ذلك لا ينبغي أن يعلمه حتى يكون ، لأن أمر
الأمير بما يعلم أن المكلف لا يطيعه فيه ، بل يكون ضرراً عليه ،
مستقبح عندهم . وقد حكى طوائف من المصنفين فى أصول الفقه وغيرهم
الخلاف فى ذلك عن المعتزلة . وقالوا: يجوز أن الله يأمر العبد بما يعلم
أنه لا يفعله ، خلافا للمعتزلة . لأن فى جنس المعتزلة من يخالف فى ذلك
وأكثرهم لا يخالف فى ذلك ؛ وإنما يخالف فيه طائفة منهم .
فإذا كان القرآن قد أثبت أنه الملهم للنفس فجورها وتقواها كان
ذلك من جملة مفعولاته . فلا تبقى شبهة القدرية أنه قدر ذلك قبل
وجوده ، كما لا شبهة عندم في تقديره لما يخلقه من الأعيان والصفات.
وأما من أنكر تقديره العلم من منكرة الصفات أو بعضها فأولئك
٢٣٣

لهم مأخذ آخر ، ليس مأخذم أمر الصفات .
الوجه الثالث: أنه قد كان ألهم الفجور والتقوى ، وهو خالق فعل
العبد. فلا بد أن يعلم ما خلقه قبل أن يخلقه، كما قال (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ
خَلَقَ ) لأن الفاعل المختار يريد ما يفعله، والإرادة مستلزمة لتصور
المراد . وذلك هو العلم بالمراد المفعول .
وإذا كان خلقه للشىء مستلزماً لعلمه به فذلك أصل القدر السابق
وما علمه الله سبحانه بقوله وبكتبه فلا نزاع فيه . وهذا بين في جميع
الأشياء - في هذا وغيره .
فإنه سبحانه إذا ألهم الفجور والتقوى فالملهم إن [ لم ] يميز بين
الفجور والتقوى ويعلم أن هذا الفعل الذي يريد أن يفعله هذا
جور ، والذي يريد أن يفعله هذا تقوى ، لم يصح منه إلهام
الفجور والتقوى .
فظهر بهذا حسن ما ذكره النبى صلى الله عليه وسلم من تصديق
الآية لما أخبر به النبى صلى الله عليه وسلم من القدر السابق.
وقوله سبحانه ﴿فَأَهَمَهَا فُورَهَا وَتَقْوَنهَا ) كما يدل على القدر
فيدل على الشرع. فإنه لو قال ((فألهمها أفعالها))، كما يقول الناس
٢٣٤

((خالق أفعال العباد ))، لم يكن في ذلك تمييز بين الخير والشر،
والمحبوب والمكروه ، والمأمور به والمنهي عنه . بل كان فيه حجة
للمشركين - من المباحية والجبرية - الذين يدفعون الأمر والنهي،
والحسن والقبح ؛ فإنه خلق أفعال العباد . فلما قال (فَأَنْهَمَهَالمُجُورَهَا
وَتَقْوَنُهَا ) كان الكلام تفريقاً بين الحسن المأمور به والقبيح المنهي
عنه ، وأن الأفعال منقسمة إلى حسن وسيء ، مع كونه تعالى
خالق الصنفين .
وهذه طريقة القرآن فى غير موضع - يذكر المؤمن والكافر
وأفعالها الحسنة والسيئة، [و] وعده ووعيده؛ ويذكر أنه خالق
الصنفين، كقوله ( يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِى مَن يَشَاءُ ) ونحو ذلك.
وهذا الأصل ضلت فيه الجبرية والقدرية :
فإن القدرية المجوسية قالوا : إن الأفعال تنقسم إلى حسن وقبيح
لصفات قائمة بها ، والعبد هو المحدث لها بدون قدرة الله وبدون خلقه.
فقالت الجبرية : بل العبد مجبور على فعله ، والجبر حق يوجب
وجود أفعاله عند وجود الأسباب التى يخلقها الله ، وامتناع وجودها عند
عدم شيء من الأسباب . وإذا كان مجبوراً يمتنع أن يكون الفعل حسناً
أو قبيحاً لمعنى يقوم به .
٢٣٥

وهذه طريقة أبي عبد الله الرازي ونحوه من الجبرية النافين
الانقسام الفعل فى نفسه إلى حسن وقبيح . والأولى طريقة أبى الحسين
البصري ونحوه من القدرية القائلين بأن فعل العبد لم يحدثه إلا هو ،
والعلم بذلك ضروري أو نظري ؛ وأن الفعل ينقسم فى نفسه إلى حسن
وقبيح ، والعلم بذلك ضروري .
وأبو الحسين هو إمام المتأخرين من المعتزلة ، وله من العقل
والفضل ما ليس لأكثر نظرائه . لكن هو قليل المعرفة بالسنن ، ومعانى
القرآن ، وطريقة السلف .
وهو وأبو عبد الله الرازي في هذا الباب فى طرفي نقيض ، ومع
كل منها من الحق ما ليس مع الآخر . فأبو الحسين يدعى أن العلم
بأن العبد يحدث فعله ضرورى ، والرازى بدعى [أن العلم ] بأن
افتقار الفعل المحدث الممكن إلى مرجح يجب وجوده عنده ويمتنع عند
عدمه ضرورى كذلك . بل كلاهما صادق فيما ذكره من العلم الضرورى .
ثم يعتقد كل فريق أن هذا العلم الضرورى يبطل ما ادعاه الآخر
من الضرورة ، وليس الأمر كذلك . بل كلاهما صادق فيما ذكره من
العلم الضرورى ومصيب فى ذلك ، وإنما وقع غلطه في إنكاره ما مع
الآخر من الحق . فإنه لا منافاة بين كون العبد محدثاً لفعله وكون
٢٣٦

هذا الإحداث ممكن الوجود بمشيئة الله تعالى.
ولهذا كان مذهب أهل السنة المحضة أن العبد فاعل لفعله حقيقة ،
كما ادعاه أبو الحسين من الضرورة ؛ لا يقولون : ليس بفاعل حقيقة ،
أو ليس بفاعل ، كما يقوله المائلون إلى الجبر مثل طائفة أبى عبد الله
الرازى . يقولون مع ذلك : إن الله هو الخالق لهذا الفاعل ولفعله،
وهو الذى جعله فاعلا حقيقة ، وهو خالق أفعال العباد ، كما يقوله
أهل الإثبات من الأشعرية - طائفة الرازى وغيرهم ؛ لا كما يقوله
القدرية - مثل أبى الحسين وطائفته: إن الله لم يخلق أفعال العباد.
ولهذا نص الأئمة - كالإمام أحمد ، ومن قبله من الأئمة كالأوزاعى
وغيره - على إنكار إطلاق القول بالجبر نفياً وإثباتاً ، فلا يقال
((إن الله جبر العباد))، ولا يقال ((لم يجبرم)). فإن لفظ ((الجبر))
فيه اشتراك وإجمال. فإذا قيل ((جبرم)) [ أشعر بأن الله يجبرهم على
فعل الخير والشر بغير اختيارهم، وإذا قيل ((لم يجبرم)) ] أشعر بأنهم
يفعلون ما يشاؤون بغير اختياره ، وكلاهما خطأ . وقد بسطنا القول فى
هذا فى غير هذا الموضع .
والمقصود هنا أن هذين الفريقين اعتقدوا تنافى القدر والشرع ،
كما اعتقد ذلك المجوس والمشركون ، فقالوا : إذا كان خالقاً للفعل امتنع
٢٣٧

أن يكون الفعل فى نفسه حسناً له ثواب ، أو قبيحاً عليه عقاب . ثم
قالت القدرية: لكن الفعل منقسم ، فليس خالقاً للفعل . وقالت الجبرية:
لكنه خالق ، فليس الفعل منقسما .
ولكن الجيرية المقرون بالرسل يقرون بالانقسام من جهة أمر الشارع
ونهيه فقط ، ويقولون: له أن يأمر بما شاء لا لمعنى فيه ، وينهى عما
يشاء لا لأجل معنى فيه ، ويقولون فى خلقه وفي أمره جميعاً : يفعل ما
يشاء ويحكم ما يريد .
وأما من غلب عليه رأي أو هوى فإنه ينحل عن ربقة الشارع
إذا عاين الجبر ، ويقولون ما يقوله المشركون (لَوْشَآءَ اللَّهُ مَآ أَشْرَكْنَا
وَلَآ ءَابَآ ؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَىْءٍ)
ومن أقر بالشرع، والأمر والنهي، والحسن والقبح ، دون القدر
وخلق الأفعال - كما عليه المعتزلة - فهو من القدرية المجوسية الذين
شابهوا المجوس . وللمعتزلة من مشابهة المجوس واليهود نصيب وافر .
ومن أقر بالقضاء والقدر وخلق الأفعال وعموم الربوبية ، وأنكر
المعروف والمنكر ، والهدى والضلال . والحسنات والسيئات ، ففيه شبه
من المشركين والصابئة .
٢٣٨

وكان الجهم بن صفوان ومن اتبعه كذلك لما ناظر أهل الهند ،
كما كان المعتزلة كذلك لما ناظروا المجوس - الفرس - والمجوس أرجح
من المشركين .
فإن من أنكر الأمر والنهي ، أو لم يقر بذلك ، فهو مشرك
صريح كافر - أكفر من اليهود والنصارى والمجوس - كما يوجد
ذلك فى كثير من المتكلمة والمتصوفة - أهل الإباحة ونحوم .
ولهذا لم يظهر هؤلاء ومحوم فى عصر الصحابة والتابعين لقرب
عهدهم بالنبوة ، وإنما ظهر أولئك القدرية المجوسية لأن مذهبهم فيه
تعظيم للأمر والنهي والثواب والعقاب. فهم أقرب إلى الكتاب
والسنة والرسول والدين من هؤلاء المعطلة للأمر والنهى ، فإن هؤلاء
من شر الخلق .
وأما القدرية الإبليسية فهم الذين يقرون بوجود الأمر والنهي من
الله، ويقرون مع ذلك بوجود القضاء والقدر منه ، لكن يقولون : هذا
فيه جهل وظلم. فإنه بتناقضه يكون جهلا وسفهاً، وبما فيه من عقوبة
العبد بما خلق فيه يكون ظلماً .
( بِمَآ أَغْوَيْثَنِى لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِى الْأَرْضِ
وهذا حال إبليس . فإنه قال
٢٣٩

وَلَأُغْوِيَّهُمْ أَجْمَعِينَ ). فأقر بأن الله أغواه ، ثم جعل ذلك عنده داعياً
يقتضي أن يغوى هو ذرية آدم .
وإبليس هو أول من عادى اللّه، وطغى فى خلقه وأمره،
وعارض النص بالقياس . ولهذا يقول بعض السلف : أول من قاس
إبليس . فإن الله أمره بالسجود لآدم ، فاعترض على هذا الأمر بأنى
خير منه، وامتنع من السجود . فهو أول من عادى اللّه، وهو
الجاهل الظالم - الجاهل بما فى أمر الله من الحكمة، الظالم باستكباره
الذي جمع فيه بين بطر الحق وغمط الناس .
ثم قوله لربه (( فما أغويتني لأفعلن))، جعل فعل الله - الذي
هو إغواؤه له - حجة له ، وداعياً إلى أن يغوى ابن آدم . وهذا
طعن منه في فعل الله وأمره ، وزعم منه أنه قبيح ، فأنا أفعل القبيح
أيضاً . فقاس نفسه على ربه ، ومثل نفسه بربه .
ولهذا كان مضاهياً للربوبية ، كما ثبت فى صحيح مسلم عن جابر ،
عن النبى صلى الله عليه وسلم: ((أن إبليس ينصب عرشه على البحر ، ثم
يبعث سراياه ، فأعظمهم فتنة أقربهم إليه منزلة. فيجيء الرجل فيقول:
ما زلت به حتى فعل كذا . ثم يجيء الآخر فيقول: ما زلت به حتى
فرقت بينه وبين زوجته. فيلتزمه وبدنيه منه، ويقول: أنت أنت)).
٢٤٠