النص المفهرس
صفحات 181-200
وقد تحصل الذكرى الموجبة للخير بهذا وبهذا ، كما قال تعالى : ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَّلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَتَقَبُواْ فِىِ الْبِلَدِ هَلْ مِن تَحِيصٍ * إِنَّ فِى ذَلِكَ لَذِكْرَىْ لِمَنْ كَانَ لَهُ، قَلْبُ أَوْأَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ). الفائدة الثانية : أن التذكر سبب الخشية ، والخشية حاصلة عن التذكر. فذكر التذكر الذي هو السبب، وذكر الخشية التى هي النتيجة - وإن كان أحدهما مستلزما للآخر - كما قال (إِنَّ فِى ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن وكما قال أهل النار : كَانَ لَهُ ، قَلْبُّ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ) وقال : (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِى الْأَرْضِ (لَوَكُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَاكُنَافِى أَصْحَبِ السَّعِيرِ) فَتَكُونَ لَمُهْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ ءَاذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَرُ وَلَكِنْتَعْمَى فكل من النوعين يحصل به النجاة لأنه الْقُلُوبُ الَّتِى فِ الصُّدُورِ ) مستلزم للآخر . فالذي يسمع ما جاءت به الرسل سمعاً يعقل به ما قالوه ينجو . وإلا فالسمع بلا عقل لا ينفعه، كما قال: (وَمِنْهُمْ مَّنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُواْ مِنْ عِندَِ قَالُوْ لِلَّذِينَ أُوتُواْلِلْوَمَاذَا قَالَ مَائِقً أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ) وقال: (وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأْنْتَ تُسْمِعُ الضُّمَّ وَلَوْكَانُواْلَا يَعْقِلُونَ ) وقال: (إِنَّا أَنزَلْتَهُ قُرْءَ نَاعَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) . ١٨١ وكذلك العقل بلا سمع لما جاءت به الرسل لا ينفع . وقد اعترف (بَلَ قَدْ جَاءَ نَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللهُ أهل النار بمجيء الرسل فقالوا : مِنشَىْءٍ ) . وكذلك المعتبرون بآثار المعذبين الذين قال فيهم: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِى اُلْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ مَاذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ). إما ء ينتفعون إذا سمعوا أخبار المعذبين المكذبين للرسل والناجين الذين صدقوم ، فسمعوا قول الرسل وصدقوم . الفائدة الثالثة : أن الخشية أيضاً سبب للتذكر كما تقدم. فكل منهما قد يكون سبباً للآخر . فقد يخاف الإنسان فيتذكر ، وقد يتذكر الأمور المخوفة فيطلب النجاة منها ، ويتذكر ما يرجو به النجاة منها فيفعله . فإن قيل : مجرد ظن الخوف قد يوجب الخوف ، فكيف قال : ( إِنَّمَا يَخْشَى اَللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَؤُأ ) ؟ . قيل : النفس لها هوى غالب قاهر لا يصرفه مجرد الظن ، وإنما يصرفه العلم بأن العذاب واقع لا محالة . وأما من كان يظن أن العذاب يقع ولا يوقن بذلك فلا يترك هواه . ولهذا قال: (وَأَمَّامَنْ خَافَ مَقَامَرَبِّهِ. وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْمَوَى ) . ١٨٢ وقال تعالى فى ذم الكفار: (وَإِذَاقِيلَ إِنَّ وَعْدَ الَّهِ حَقٌ وَالسَّاعَةُ لَرَيْبَ فِيهَا قُلْتُمُ مَّنَدْرِى مَا السَّاعَةُ إِن نَظُنُّ إِلََّ ظَنَّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْفِنِينَ ) ووصف المتقين بأنهم بالآخرة يوقنون . ولهذا أقسم الرب على وقوع العذاب والساعة . وأمر نبيه أن يقسم على وقوع الساعة وعلى أن القرآن حق، وقال : (زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوْأَنْ لَن ◌ُبْعَثُوَ قُلْ بَى وَرَبِّ ◌َُعَثُنَّ) فقال : وقال : (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوْلَا تَأْتِنَا السَّاعَةٌ قُلْ بَلَى وَرَبِى لَتَأْتِنَّكُمْ ) (وَيَسْتَغْمِعُونَكَ أَحَقٌّ هُوَّ قُلْ إِى وَرَبِ إِنَّهُ لَحَقُّ ). فصل وأما قوله تعالى: (وَمَايَتَذَكَّرُ إِلَّ مَنْ يُنِيبُ ) فهو حق كما قال. فإن المتذكر إما أن يتذكر ما يدعو إلى الرحمة والنعمة والثواب كما يتذكر الإنسان ما يدعوه إلى السؤال - فينيب ، وإما أن يتذكر ما يقتضى الخوف والخشية فلا بد له من الإنابة حينئذ لينجو مما يخاف . ولهذا قيل فى فرعون (أَمَلَُّ يَتَذَّكَّرُ) فينيب، (أَوْيَخْشَى) ١٨٣ وكذلك قال له موسى (هَل لَّكَ إِلَ أَنْ تَزََّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَنَخْشَى)، مجمع موسى بين الأمرين لتلازمها . وقال فى حق الأعمى: ( وَمَا يُدْرِبِكَ لَعَلَّهُ يَزََّى * أَوْ يَذْكَّرُ فَفَعَهُ الذِّكْرَىّ ). فذكر الانتفاع بالذكرى ، كما قال (وَذَّكِرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ) . والنفع نوعان : حصول النعمة ، واندفاع النقمة . ونفس اندفاع النقمة نفع وإن لم يحصل معه نفع آخر، ونفس المنافع التى يخاف معها عذاب نفع . وكلاهما نفع . فالنفع تدخل فيه الثلاثة ، والثلاثة تحصل بالذكرى، كما قال تعالى: (وَذَّكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ)، وقال: ( وَمَايُدْرِبِكَ ٠٠٠٠٠٠٠ لَعَلَُّ يَزَّلَى * أَوْ يَذَكَّرُ فَنَفَعَهُ الذِّكْرَىّ ). وأما ذكر التزكي مع التذكر فهو كما ذكر فى قصة فرعون الخشبية مع التذكر . وذلك أن التزكي هو الإيمان والعمل الصالح الذي تصير به نفس (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزََّّى * وَذَّكَرَاسْمَ الإنسان زكية ، كما قال في هذه السورة : رَيِّهِ فَصَلَّى ): وقال (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَّكَّنَهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّنَهَا ) ١٨٤ وقال: (هُوَالَّذِى بَعَثَ فِ اَلْأُمَّيِّئِنَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِهِ مَوَيُزَكْبِهِمْ) اُلَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ ) وقال موسى لفرعون: وقال ( وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (هَل لَّكَ إِلَى أَنْ تَزَّكَى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَخْشَى). وعطف عليه (أَوْ يَذَكَّرُ فَنَفَعَهُ الذِّكْرَى ) لوجوه : أحدها : أن التزكي يحصل بامتثال أمر الرسول وإن كان صاحبه لا يتذكر علوماً عنه، كما قال: (يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِهِموَيُزَّكْبِهِمْ) ، ثم قال: (وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَبَ وَاْحِكْمَةَ ) . فالتلاوة عليهم والتزكية عام لجميع المؤمنين. وتعليم الكتاب والحكمة خاص ببعضهم. وكذلك التزكي عام لكل من آمن بالرسول ، وأما التذكر فهو مختص لمن له علوم يذكرها ، فعرف بتذكره مالم يعلمه غيره من تلقاء نفسه . يدخل فيه الوجه الثاني: أن قوله (أَوْ يَذَّكَُّ فَتَفَعَهُ الذِّكْرَىّ ) النفع ، قليله وكثيره ، والتزكي أخص من ذلك . الثالث : أن التذكر سبب التزكي . فإنه إذا تذكر خاف ورجا ، فتزكى. فذكر الحكم وذكر سببه . ذكر العمل وذكر العلم ، وكل منها مستلزم للآخر. ١٨٥ فإنه لا يتزكى حتى يتذكر ما يسمعه من الرسول ، كما قال: (سَيَذَّكُرُ مَنْ يَخْشَى ) . فلا بد لكل مؤمن من خشية وتذكر . وهو إذا تذكر فإنه ينتفع ، وقد تتم المنفعة ، فيتزكى . وقوله: (لِّمَنْ أَرَادَأَنْ يَذَّكَرَ أَوْأَرَادَ شُكُورًا)، فيه أيضاً نحو هذه الوجوه . فإن الشاكر قد يشكر الله على نعمه وإن لم يخف، والتذكر قد يقتضى الخشية . وأيضاً فإن التذكر يقتضى الخوف من العقاب وطلب الثواب فيعمل للمستقبل ، والشكر على النعم الماضية . وأيضاً فالتذكر تذكر علوم سابقة، ومنها تذكر نعم الله عليه، فهو سبب للشكر . تذكر السبب والمسبب . وأيضاً فإن الشكر يقتضي المزيد من النعم، والتذكر قد يكون لهذا، وقد يكون خوفا من العذاب . وقد يكون الأمر بالعكس ، فالشاكر قد يشكر الشكر الواجب لئلا يكون كفوراً فيعاقب على ترك الشكر بسلب النعمة وعقوبات أخر ، ١٨٦ والمتذكر قد يتذكر ما أعده الله لمن أطاعه فيطيعه طلباً لرحمته . وأيضاً فالتذكر قد يكون لفعل الواجبات التى يدفع بها العقاب ، والشكور يكون للمزيد من فضله، كما في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قام حتى تورمت قدماه . فقيل له : أتفعل هذا وقد غفر الله لك ماتقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: ((أفلا أكون عبداً شكورا؟ )). وقال صلى الله عليه وسلم: (( لا يتمنين أحدكم الموت : إما محسن فيزداد إحسانا، وإما مسئ فلعله أن يستعتب )). فالمؤمن دائماً فى نعمة من ربه تقتضي شكراً ، وفى ذنب يحتاج إلى استغفار . وهو في سيد الاستغفار يقول ((أبوء لك بنعمتك علي ، وأبوء بذنى، فاغفر لي ، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت )). وقد على تحقيق قوله: (مَآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَنَ اللَّهِوَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فين فما أصابه من الحسنات هي نعم الله فتقتضي نَّفْسِكَ ) شكراً، وما أصابه من المصائب فبذنوبه تقتضى تذكراً لذنوبه يوجب توبة واستغفاراً . ( أَلَيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَأَنْ يَذَّكَّرَ ) فيتوب وقد جعل الله ١٨٧ ويستغفر من ذنوبه، ( أَوْأَرَادَ شُكُورًا ) لربه على نعمه. وكل ما يفعله اللّه بالعبد من نعمة، وكل ما يخلفه الله، فهو نعمة اللّه عليه. فكلما نظر إلى ما فعله ربه شكر ، وإذا نظر إلى نفسه استغفر . والتذ کر قد يكون تذکر ذنوبه وعقاب ربه . وقد يدخل فيه تذکر آلائه ونعمه، فإن ذلك يدعو إلى الشكر. قال تعالى (اذَكُرُوانِعْمَتَ اَلَّهِ عَلَيْكُمْ) فى غير موضع، فقد أمر بذكر نعمه. فالمتذكر يتذكر نعم ربه ، ويتذكر ذنوبه . وأيضاً فهو ذكر الشكور لأنه مقصود لنفسه ، فإن الشكر ثابت في الدنيا والآخرة . وذكر التذكر لأنه أصل للاستغفار ، والشكر ، وغير ذلك . فذكر المبدأ وذكر النهاية . وهذا المعنى يجمع ما قيل ، والله سبحانه أعلم . فصل والتذكر اسم جامع لكل ما أمر الله بتذكره، كما قال: (أَوَلَمْ نُعَمِّزَّكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرُ وَجَاءَ كُمُ النَّذِيُ) أي قامت الحجة عليكم بالتذير الذي جامكم ، وبتعميركم عمراً يتسع للتذكر . ١٨٨ وقد أمر سبحانه بذكر نعمه فى غير موضع، كقوله: (وَأَذْكُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِنَبِ وَالْحِكْمَةِ ) . والمطلوب بذكرها شكرها، كما قال: (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَّلِ وَجْهَكَ شَطْرَ اُلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَبِّكْ وَمَا ◌َللّهُ بِغَفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ * وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلٍ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِّ وَحَيْثُ مَاكُنتُمْ فَوَلُواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِثَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَأَخْشَوْنِ وَلِأُتِّمَ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * كَمَا أَرْسَلْنَافِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ ءَايَئِنَا وَيُزَكِيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ * فَأَذْكُرُونِيّ أَذْ كُرَّكُمْ وَأَشْكُرُ واْلِى وَلَا تَكْفُرُونِ ) . وقوله : (كَمَآأَرْسَلْنَافِكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ) يتناول كل من خوطب بالقرآن . وكذلك قوله: ( لَقَدْ جَآءَ كُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْعَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنْتُمْ حَرِيصُ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ). فالرسول من أنفس من خوطب بهذا الكلام ، إذ هي كاف الخطاب . ولما خوطب به أولا قريش ، ثم العرب ، ثم سائر الأمم ، صار يخص ويعم بحسب ذلك . وفيه ما يخص قريشاً كقوله: (لإِيلَفِ قُرَيْشٍ * إِلَفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّنَآءِ ١٨٩ وَالصَّيْفِ ). وقوله: (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ ) . ( هُوَالَّذِى بَعَثَ فِ اَلْأُمِّيِّعْنَ وفيه ما يعم العرب ويخصهم ، كقوله : رَسُولَا مِنْهُمْيَتْلُواْ عَلَيْهِمْءَايَئِهِ) والأميون يتناول العرب قاطبة دون أهل الكتاب . ثم قال: (وَءَاخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَايَلْحَقُواْبِهِمْ ) . فهذا يتناول كل من دخل في الإسلام بعد دخول العرب فيه إلى يوم القيامة ، كما قال ذلك مقاتل بن حيان ، وعبد الرحمن بن زيد ، وغيرهما . فإن قوله ( وآخرين منهم ) ، أي فى الدين دون النسب ، إذ لو كانوا منهم في النسب لكانوا من الأميين . وهذا كقوله تعالى: (وَالَّذِينَءَامَنُواْ مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُ وامَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ مِنْكُمْ ) . وقد ثبت فى الصحيح أن هذه الآية لما نزلت سئل النبي صلى الله عليه وسلم عنهم، فقال: (( لو كان الإيمان معلقا بالثريا لتناوله رجال من أبناء فارس )). فهذا يدل على دخول هؤلاء - لا يمنع دخول غيرم من الأمم . (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى وإذا كانوا هم منهم فقد دخلوا في قوله : ١٩٠ فالمنة على جميع المؤمنين - عربهم اُلْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْأَنفُسِهِمْ ). وعجمهم ، سابقهم ولاحقهم ، والرسول منهم لأنه إنسى مؤمن. وهو من العرب أخص لكونه عربيا جاء بلسانهم ، وهو من قريش أخص . والخصوص يوجب قيام الحجة ، لا يوجب الفضل، إلا بالإِيمان والتقوى لقوله: (إِنَّأَكْرَ مَكُمْ عِندَاللَّهِأَنْقَنَّكُمْ ) . ولهذا كان الأنصار أفضل من الطلقاء من قريش ، وهم ليسوا من ربيعة ولا مضر، بل من قحطان . وأكثر الناس على أنهم من ولد هود ، ليسوا من ولد إبراهيم . وقيل إنهم من ولد إسماعيل لحديث أسلم لما قال ((ارموا ، فإن أباكم كان راميا))، وأسلم من خزاعة ، وخزاعة من ولد إبراهيم . وفي هذا كلام ليس هذا موضعه ، إذ المقصود أن الأنصار أبعد نسبا من كل ربيعة ومضر مع كثرة هذه القبائل . و[ مع هذا م أفضل ] من جمهور قريش ، إلا من السابقين الأولين من المهاجرين - وفيهم قرشي وغير قرشي . ومجموع السابقين ألف وأربعمائة غير مهاجري الحبشة . ١٩١ فقوله: (لَقَدْجَآءَكُمْ) يخص قريشاً، والعرب، ثم يعم سائر البشر لأن القرآن خطاب لهم . والرسول من أنفسهم ، والمعنى ليس بملك لا يطيقون الأخذ منه ، ولا جنى . ثم يعم الجن لأن الرسول أرسل إلى الإنس والجن ، والقرآن خطاب للثقلين، والرسول منهم جميعاً، كما قال: (يَمَعْشَرَ الْجِنّ وَالإِنسِ فجعل الرسل التى أرسلها من النوعين مع ◌َلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنَكُمْ ) أنهم من الإنس . فإن الإنس والجن مشتركون مع كونهم أحياء ناطقين مأمورين منهيين . فإنهم يأكلون ويشربون ، ويتكون وينسلون ، ويغتذون وينمون بالأكل والشرب . وهذه الأمور مشتركة بينهم . وثم يتميزون بها عن الملائكة، فإن الملائكة لا تأكل ولا تشرب، ولا تنكح ولا تنسل . فصار الرسول من أنفس الثقلين باعتبار القدر المشترك بينهم الذي تميزوا به عن الملائكة ، حتى كان الرسول مبعوثاً إلى الثقلين دون الملائكة . (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًاً مِّنْ وكذلك قوله : ١٩٢ أَنْفُسِمْ ) هو كقوله: (وَأَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِنَبِ وقوله: (كَمَآ أَرْسَلْنَافِيكُمْ رَسُولًا مِنكُمْ يَتْلُواْ وَالْحِكْمَةِ ) ، عَلَيْكُمْ ءَايَلِنَا وَيُزَكِيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ ) . ثم قال: (فَاذْكُرُونِيِّ أَذْكُرَّكُمْ وَاشْكُرُواْلِ وَلَا تَكْفُرُونِ ) . والمقصود أنه أمر بذكر النعم وشكرها . (يَبَنِىّ إِسْرَّهِيَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِىَ الَّتِى أَنْعَمْثُ عَلَيْكُمْ ) فى غير وقال : موضع. وقال للمؤمنين: (وَأَذْكُرُواْ إِذْكُنتُمْ قَلِيلًا فَكَثَرَكُمْ) فذكر النعم من الذكر الذي أمروا به . ومما أمروا به تذكرة قصص الأنبياء المتقدمين، كما قال: (وَأَذْكُرُ فِي الْكِتَبِ إِبْنَهِيمَ )، (وَذَكُرْ فِ اَلْكِتَبِ مُوسَىّ )، (وَذَّكُرْفِ ( وَأَذَكَّرْ فِ الْكِنَبِ إِدْرِيِسَ ) وقال ( وَاذْكُرُ الْكِتَبِ إِسْمَعِيلَ ) ، (وَأَذَّكُرْ عِبَدَنَآ إِبْرَهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ ) عَبْدَنَادَاوُرَدَذَا الْأَيْدِ ) ( وَأُذَكُرْ إِسْمَعِيلَ وَاَلْيَسَعَ ) . ومما أمروا به تذكرة ما وعدوا به من الثواب والعقاب . قال تعالى: ( إِنَّا أَخْلَصْنَهُمْ بِخَالِصَّةٍ ذِكْرَى الذَّارِ ). ١٩٣ ومما أمروا بتذكره آيات الله التى يستدلون بها على قدرته وعلى المعاد، كقوله: (وَيَقُولُ آلْإِنسَانُ أَءِذَا مَامِتُّ ◌َسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا * أَوَلَا يَذْكُرُ اُلْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْتَهُ مِن قَبْلُ وَلَغْيَكُ شَيْئًا). وقد قال لموسى: (وَذَكِّرُهُمْ بِأَيَّنِ اللَّهِ)، وهي تتناول أيام نعمه وأيام نقمه ليشكروا ويعتبروا . ولهذا قال : (إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ) . فإن ذكر النعم يدعو إلى الشكر ، وذكر النقم يقتضي الصبر على فعل المأمور وإن كرهته النفس . وعن المحظور وإن أحبته النفس ، لئلا يصيبه ما أصاب غيره من النقمة . فصل وقوله: (وَيَنَجَنَّبُهَا الْأَشْفَى * الَّذِى يَصْلَى النَّارَالْكُبْرَى * ثُمَا يَمُوتُ وقد ذكر فى سورة الليل قوله: (فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَفَّى فِيَهَا وَلَا يَحْبِى ). * لَا يَصْلَئِهَا إِلَّا الْأَشْقَى * الَّذِى كَذَّبَ وَتَوَلَّى ). وهذا الصلي قد فسره النبى صلى الله عليه وسلم فى الحديث الصحيح ١٩٤ الذي أخرجه مسلم عن أبي سعيد الخدري قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أما أهل النار الذين م أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحيون ، ولكن ناس أصابتهم النار بذنوبهم - أو قال : بخطايام - فأماتهم إماتة ، حتى إذا كانوا فيماً أذن بالشفاعة ، جيء بهم ضائر ضبائر . فبنوا على أنهار الجنة ، ثم قيل : يا أهل الجنة ! أفيضوا عليهم. فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل)) . فقال رجل من القوم : كأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان بالبادية . وفى رواية ذكرها ابن أبي حاتم فقال: ذكر عن عبد الصمد ابن عبد الوارث ، تنا أبى ، تنا سليمان التيمي ، عن أبى نضرة ، عن أبى سعيد، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب ، فأتى على هذه فقال النبى صلى الله عليه وسلٍ: ((أما أهلها (لَا يَمُوتُ فِهَا وَلَايَحْبِى ) . الذين م أهلها فلا يموتون فيها ولا يحيون . وأما الذين ليسوا من أهل النار فإن النار تميتهم ، ثم يقوم الشفعاء فيشفعون فيهم فيشفعون ، فيؤنى بهم إلى نهر يقال له الحياة، أو الحيوان ، فينبتون كما ينبت الغشاء فى حميل السيل )). فقد بين النبى صلى الله عليه وسلم [ أن ] هذا الصلى لأهل النار الذين م أهلها ، وأن الذين ليسوا من أهلها فإنها تصليهم بذنوبهم ، وأن اللّه يميتهم فيها حتى بصيروا فحماً، ثم يشفع فيهم فيخرجون ويؤتى ١٩٥ بهم إلى نهر الحياة فينبتون كما تنبت الحبة فى حميل السيل . وهذا المعنى مستفيض عن النبى صلى الله عليه وسلم - بل متواتر - فى أحاديث كثيرة في الصحيحين وغيرهما من حديث أبى سعيد، وأبى هريرة . وغيرهما . وفيها الرد على طائفتين . على الخوارج والمعتزلة الذين يقولون ((( إن أهل التوحيد يخلدون فيها))، وهذه الآية حجة عليهم، وعلى من حكي عنه من غلاة المرجئة ((أنه لا يدخل النار من أهل التوحيد أحد)). فإن إخباره بأن أهل التوحيد يخرجون منها بعد دخولها تكذيب لهؤلاء وأولئك . وفيه رد على من يقول ((يجوز أن لا يدخل اللّه من أهل التوحيد أحداً النار)) كما يقوله طائفة من المرجئة الشيعة ، ومرجئة أهل الكلام المنتسبين إلى السنة - وم الواقفة من أصحاب أبى الحسن وغيرهم ، كالقاضي أبى بكر وغيره . فإن النصوص المتواترة تقتضي دخول بعض أهل التوحيد وخروجهم . والقول بـ (( أن أحداً لا يدخلها من أهل التوحيد)) ما أعلمه ثابتاً عن شخص معين فأحكيه عنه. لكن حكي عن مقاتل بن سليمان ، ١٩٦ وقال : احتج من قال ذلك بهذه الآية . وقد أجيبوا بجوابين . أحدهما : جواب طائفة ، منهم الزجاج ، قالوا : هذه نار مخصوصة . لكن قوله بعدها (وَسَيُجَتَّبُهَا الْأَنْقَى ) لا يبقى فيه كبير وعد ، فإنه إذا جنب تلك النار جاز أن يدخل غيرها . وجواب آخرين قالوا : لا يصلونها صلي خلود . وهذا أقرب . وتحقيقه أن الصلي هنا هو الصلي المطلق ، وهو المكث فيها والخلود على وجه بصل العذاب إليهم دائماً . فأما من دخل وخرج فإنه نوع من الصلى ، ليس هو الصلى المطلق لا سيما إذا كان قد مات فيها والنار لم تأكله كله ، فإنه قد ثبت أنها لا تأكل مواضع السجود، والله أعلم . فصل جمع الله سبحانه بين إبراهيم وموسى - صلى الله عليها وعلى سائر المرسلين - فى أمور، مثل قوله: (إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى * صُحُفٍ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى). ١٩٧ وفى حديث أبى ذر الطويل ، قلت : يا رسول الله ! كم كتاباً أنزل الله؟ قال: ((مائة كتاب وأربعة كتب : ثلاثين صحيفة على شيث ، وخمسين على إدريس ، وعشر على إبراهيم ، وعشر على موسى قبل التوراة . وأنزل التوراة ، والإنجيل ، والزبور ، والفرقان)). وقال فى الحديث : فهل عندنا شيء مما فى صحف إبراهيم؟ فقال: (( نعم)) وقرأ قوله: (قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزََّّى * وَذَكَرَ أُسْمَرَيِّهِ فَصَلَّى * بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا * وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَبَقَ * إِنَّ هَذَا لَفِى الصُّحُفِ اَلْأُوْلَى * صُحُفِ إَِّهِيمَ وَمُوسَى). فإن التزكي هو التطهر والتبرك بترك السيئات الموجب زكاة النفس. كما قال: (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّنْهَا) ولهذا تفسر الزكاة تارة بالنماء والزيادة وتارة بالنظافة والإماطة . والتحقيق أن الزكاة يجمع بين الأمرين - إزالة الشر ، وزيادة الخير . وهذا هو العمل الصالح ، وهو الإحسان . وذلك لا ينفع إلا بالإخلاص لله ، وعبادته وحده لا شريك له ، الذي هو أصل الإيمان. وهو قول (وَذَكَرَ أُسْمَرَّهِ فَصَلَّى). فهذه الثلاث - قد يقال - تشبه الثلاث التى يجمع الله بينها في القرآن فى مواضع، مثل قوله فى أول البقرة ( هُدًى لِلْنَّقِينَ * الَّذِينَ ومثل قوله : يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَمَّارَزَقْنَهُمْ يُفِقُونَ ). ١٩٨ ( فَإِن تَابُواْ (فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُوا الصَّلَوَةَ وَءَاتَوُاْالزَّكَوَةَ فَخَلَّوْاْسَبِيلَهُمْ ). وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتَوْالزَّكَوَةَ فَإِخْوَنُكُمْ فِ آلْدِينِ ). وقد يقال: تشبه الثنتين المذكورتين في قوله (مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَِحًا) - الآية، وقوله: (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِوَهُوَ مُحْسِنٌ ) . لكن هنا التزكي فى الآية أعم من الإنفاق ، فإنه ترك السيئات الذي أصله بترك الشرك . فأول التزكي التزكي من الشرك، كما قال: (وَوَيِّلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ)، وقال: (يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِهِ، وَيُزَكِّيِهِمْ) . والتزكي من الكبائر، الذي هو تمام التقوى، كما قال (فَلاَ تُزَكُوا وقال: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُونَ أَنفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ أَنْفُسَكُمْ هُوَأَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىَ )، يُزَكِّ مَن يَشَآءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا ). فعلم أن التزكية هي الإخبار بالتقوى . ومنه التزكي بالطهارة، وبالصدقة والإحسان، كما قال (خُذْمِنْ أَمْوَلِمْ صَدَقَّةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَّكْبِهِمِهَا ) . (وَذَكَرَ أُسْمَرَيِّهِ) قد يعنى به الإيمان بالله، و((الصلاة)): و ١٩٩ العمل . فقد يذكر اسم ربه من لا يصلي . ومن الفقهاء من يقول: هو ذكر اسمه في أول الصلاة . ولهذا - والله أعلم - قدم التزكي فى هذه الآية. وكان طائفة من السلف إذا أدوا صدقة الفطر قبل صلاة العيد يتأولون بهذه الآية. وكان بعض السلف - أظنه يزيد بن أبى حبيب - يستحب أن يتصدق أمام كل صلاة لهذا المعنى . ولما قدم الله الصلاة على النحر فى قوله: (فَصَلّ لِرَبِّكَ وَاَنْحَرْ ) وقدم التزكي على الصلاة فى قوله : (قَدْأَفَحَ مَنْ تَزََّّى * وَذَكَرَاسْمَرَبِّهِ فَصَلَّى ) كانت السنة أن الصدقة قبل الصلاة فى عيد الفطر، وأن الذبح بعد الصلاة فى عيد النحر . ويشبه - والله أعلم - أن يكون الصوم من التزكى المذكور في الآية. فإن الله يقول ( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَنَّقُونَ) . فمقصود الصوم التقوى، وهو من معنى التزكى . وفى حديث ابن عباس: (( فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين)). ٢٠٠