النص المفهرس

صفحات 161-180

ونحوه مما يظل ولا يكن ، بخلاف ما فى الجبال من الغيران ،
فإنه يظل ويكن .
فهذا فى الأمكنة ، ثم قال فى اللباس: (وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَبِيلَ تَفِيكُمُ
اُلْحَرَّوَسَرَبِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ) ، فهذا فى اللباس . واللباس والمساكن
كلاهما تقي الناس ما يؤذيهم من حر وبرد وعدو ، وكلاهما تسترم عن
أعين الناظرين .
وفي البيوت خاصة يسكنون، كما قال: (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْمِّنْ
◌ُوتِكُمْ سَكَنَا وَجَعَلَ لَكُ مِّن جُلُودِ آلْأَنْعَمِ يُوتًا تَسْتَخِفُونَهَا يَوْمَ طَعْنِكُمْ وَيَوْمَ
فلما ذكر البيوت المسكونة امتن بكونه جعلها
إِقَامَتِكُمْ ) .
سكناً يسكنون فيها من تعب الحركات . وذكر أنه جعل لهم بيوتاً
أخرى يحملونها معهم ويستخفونها يوم ظعنهم ويوم إقامتهم . فذكر
البيوت الثقيلة التى لا تحمل والخفيفة التى تحمل .
فتبين أن ما مثلوا به حجة عليهم .
فقوله: (إِن تَّفَعَتِ الذِّكْرَى) - كما قال مفسرو السلف
والجمهور - على بابها ، قال الحسن البصري : تذكرة للمؤمن.
وحجة على الكافر .
١٦١

(إِ نَّفَعَتِ الذِّكْرَى ) لا يمنع كون
وعلى هذا فقوله تعالى :
الكافر يبلغ القرآن لوجو . .
أحدها : أنه لم يخص قوماً دون قوم ، لكن قال: ( فَذَكِّرْ ) .
وهذا مطلق بتذكير كل أحد. وقوله: (إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى ) لم
يقل ((إن نفعت كل أحد)). بل أطلق النفع. فقد أمر بالتذكير
إن كان ينفع .
والتذكير المطلق العام ينفع . فإن من الناس من يتذكر فينتفع
به ، والآخر تقوم عليه الحجة ويستحق العذاب على ذلك ، فيكون
عبرة لغيره ، فيحصل بتذكيره نفع أيضاً. ولأنه بتذكيره تقوم
عليه الحجة ، فتجوز عقوبته بعد هذا بالجهاد وغيره ، فتحصل
بالذكرى منفعة.
فكل تذكير ذكر به النبي صلى الله عليه وسلم للمشركين حصل
به نفع فى الجملة، وإن كان النفع للمؤمنين الذين قبلوه واعتبروا به
وجاهدوا المشركين الذين قامت عليهم الحجة.
فإن قيل : فعلى هذا كل تذكير قد حصل به نفع ، فأي فائدة
في التقييد ؟
١٦٢

قيل: بل منه ما لم ينفع أصلا ، وهو ما لم يؤمر به . وذلك
كمن أخبر الله أنه لا يؤمن، كأبى لهب، فإنه بعد أن أنزل الله قوله
(سَيَصْلَ ثَرَّاذَاتَ لٍَ ) فإنه لا يخص بتذكير بل يعرض عنه.
وكذلك كل من لم يصغ إليه ولم يستمع لقوله فإنه يعرض عنه، كما
قال: (فَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَآ أَنْتَ بِعَلُومٍ )، ثم قال: (وَذَّكِّرْ فَإِنَّالذِّكْرَى تَنفَعُ
اُلْمُؤْمِنِينَ ) فهو إذا بلغ قوماً الرسالة فقامت الحجة عليهم ،
ثم امتنعوا من سماع كلامه أعرض عنهم . فإن الذكرى حينئذ
لا تنفع أحداً .
وكذلك من أظهر أن الحجة قامت عليه وأنه لا يهتدي فإنه لا يكرر
التبليغ عليه .
الوجه الثانى: أن الأمر بالتذكير أمر بالتذكير التام النافع ، كما
هو أمر بالتذكير المشترك .
وهذا التام النافع ◌ُخص به المؤمنين المنتفعين . فهم إذا آمنوا ذكرهم
بما أنزل ، وكلما أنزل شيء من القرآن ذكرم به ، ويذكرهم بمعانيه،
ويذكرم [ بما ] نزل قبل ذلك .
بخلاف الذين قال فيهم: (فَمَالَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِمُعْرِضِينَ * كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَفِرَةٌ
١٦٣

فإن هؤلاء لا يذكرم كما يذكر
فَرَّتْ مِن قَسْوَرَقِ ) .
المؤمنين إذا كانت الحجة قد قامت عليهم وهم معرضون عن التذكرة
لا يسمعون .
ولهذا قال: (عَبَسَ وَتَوَلََّ * أَن جَاءَهُ الْأَعْمَى * وَمَا يُدْرِبِكَ لَعَلَّهُ يَزََّ * أَوْ يَذَكَّرُ
فَتَنَفَعَهُ الذِّكْرَنَ * أَمَّا مَنِاَسْتَغْنَ * فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلَا يَزََّى * وَأَمَّا مَنْ جَ يَسْعَى
* وَهُوَ يَخْشَى * فَنْتَ عَنْهُ ثَلَقَّى ) فأمره أن يقبل على من جاءه يطلب أن
يتزكى وأن يتذكر .
(سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى - إلى قوله - قَدْ أَفَحَ مَنْ تَزََّى)
وقال :
فذكر التذكر والتزكي ، كما ذكرهما هناك، وأمره أن يقبل على من
أقبل عليه دون من أعرض عنه ، فإن هذا ينتفع بالذكرى دون ذلك.
فيكون مأموراً أن يذكر المنتفعين بالذكرى تذكيراً يخصهم به
غير التبليغ العام الذي تقوم به الحجة ، كما قال: (فَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَآ أَنْتَ بِمَلُومٍ
* وَذَّكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىْ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ).
وقال: (وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَائِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَأَبْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا)
وفى الصحيحين عن ابن عباس : قال: (( كان رسول الله صلى الله عليه
وسلم إذا قرأ القرآن سمعه المشركون فسبوا القرآن ومن أنزل عليه ومن
جاء به ، فقال الله له : ولا يجهر به فيسمعه المشركون ، ولا تخافت
١٦٤

به عن أصحابك)). فهى عن أن يسمعهم إسماعاً يكون ضرره
أعظم من نفعه .
وهكذا كل ما يأمر الله به لا بد أن تكون مصلحته راجحة على
مفسدته ، والمصلحة هي المنفعة ، والمفسدة هي المضرة . فهو إنما يؤمر
بالتذكير إذا كانت المصلحة راجحة ، وهو أن تحصل به منفعة راجحة
على المضرة . وهذا يدل على الوجه الأول والثانى . فحيث كان الضرر
واجحا فهو منهى عما يجلب ضرراً راجحا .
والنفع أعم فى قبول جميعهم ، فقبول بعضهم نفع. وقيام الحجة على
من لم يقبل نفع ، وظهور كلامه حتى يبلغ البعيد نفع ، وبقاؤه عند من
سمعه حتى بلغه إلى من لم يسمعه نفع . فهو صلى الله عليه وسلم ما ذكر
قط إلا ذكرى نافعة، لم يذكر ذكرى قط يكون ضررها راجحا.
وهذا مذهب جمهور المسلمين من السلف والخلف أن ما أمر الله
به لا بد أن تكون مصلحته راجحة ومنفعته راجحة . وأما ما كانت
مضرته راجحة فإن الله لا يأمر به .
وأما جهم ومن وافقه من الجبرية فيقولون : إن الله قد يأمر بما
ليس فيه منفعة ولا مصلحة ألبتة ، بل يكون ضرراً محضا إذا فعله
١٦٥

المأمور به ، وقد وافقهم على ذلك طائفة من متأخري أتباع الأئمة ممن
سلك مسلك المتكلمين - أبى الحسن [الأشعري وغيره - فى] مسائل
.القدر ، فنصر مذهب جهم والجبرية .
الوجه الثالث : أن قوله: (الذكرى ) يتناول التذكر والتذكير .
فإنه قال: (فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى ).
فلابد أن يتناول
ذلك تذكيره.
والذي يتجنبه
ثم قال: (سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى * وَيَنَجَنَُّهَ اَلْأَشْقَى ).
الأشقى هو الذي فعله من يخشى ، وهو التذكر . فضمير الذكرى هنا
يتناول التذكر، وإلا فمجرد التذكير الذي قامت به الحجة لم يتجنبه أحد .
لكن قد يراد بتجنبها أنه لم يستمع إليها ولم يصغ ، كما قال: (لَا
تَسْمَعُواْلِهَذَا الْقُرْءَانِ وَالْغَوْافِيهِ ) .
والحجة قامت بوجود الرسول المبلغ
وتمكنهم من الاستماع والتدبر ، لا بنفس الاستماع . ففي الكفار من
تجنب سماع القرآن واختار غيره ، كما يتجنب كثير من المسلمين سماع
أقوال أهل الكتاب وغيرهم ، وإنما ينتفعون إذا ذكروا فتذكروا، كما
قال: ( سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى).
فقد يراد بالذكرى نفس
(فَذَكِّرْ إِ نَّفَعَتِ الذِّكْرَى )
فلما قال :
١٦٦

تذكيره - تذكر أو لم يتذكر. وتذكيره نافع لا محالة كما نقدم ،
وهذا يناسب الوجه الأول .
وقد ذكر بعضهم أن هذا يراد به توبيخ من لم يتذكر من قريش
قال ابن عطية : اختلف الناس فى معنى قوله: (فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى )
فقال الفراء، والنحاس، والزهراوي: معناه ((وإن لم تنفع))، فاقتصر
على الاسم الواحد لدلالته على الثانى .
(إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى)
قال ، وقال بعض الحذاق : قوله :
اعتراض بين الكلامين على جهة التوبيخ لقريش . أي ، إن نفعت
الذكرى فى هؤلاء الطغاة العتاة . وهذا كنحو قول الشاعر :
لقد أسمعت لو ناديت حيا ، ولكن لا حياة لمن تنادى
وهذا كله كما تقول لرجل: ((قل لفلان واعذله إن سمعك))، إنما
هو توبيخ للمشار إليه .
( قلت ) : هذا القائل هو الزمخشري ، وهذا القول فيه بعض
الحق . لكنه أضعف من ذاك القول من وجه آخر ، فإن مضمون هذا
القول أنه مأمور بتذكير من لا يقبل ولا ينتفع بالذكرى دون من
يقبل، كما قال: ((إن نفعت الذكرى في هؤلاء الطغاة العتاة))، وكما
أنشده فى البيت .
١٦٧

ثم البيت الذى أنشده خبر عن شخص خاطب آخر . فيقول :
لقد أسمعت لو كان من تناديه حيا . وهذا كقوله: (إِنَّالَّذِينَ كَفَرُواْ
سَوَاءُ عَلَيْهِمْ ءَأَنْذَرْتَّهُمْ أَمْلَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ) وقوله: (فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ
اَلْمَوْنَ وَلَا تُسْمِعُ الضَُّّ الدُّعَ إِذَا وَلَّا مُدْبِنَ) وقوله: (قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُم
بِالْوَحِي وَلَا يَسْمَعُ الصُّةُّ الدُّعَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ ) .
فهذا يناسب معنى
البيت ، وهو خبر خاص .
وأما الأمر بالإنذار فهو مطلق عام . وإن كان مخصوصا فالمؤمنون
أحق بالتخصيص، كما قال: (فَذَكِّرْ بِالْقُرْءَانِ مَن يَخَافُ وَعِيدٍ )، وقال:
ليس الأمر مختصا بمن
(وَذَّكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنَفَعُ اَلْمُؤْمِنِينَ ).
لا يسمع .
( سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى * وَيَنَجَنَُّهَا الْأَشْقَى )
كيف وقد قال بعد ذلك:
فهذا الذي يخشى هو ممن أمره بتذكيره ، وهو ينتفع بالذكرى.
فكيف لا يكون لهذا الشرط فائدة إلا ذم من لم يسمع ؟
وأما قول القائل ((قل لفلان واعذله إن سمعك))، فهذا وأمثاله
يقوله الناس لمن يظنون أنه لا يقبل ولكن يرجون قبوله . فهم يقصدون
توبيخه على تقدير الرد، لا على تقدير القبول. فيقولون: ((قل له
إن كان يسمع منك))، و((قل له إن كان يقبل))، و((انصحه إن
١٦٨

كان يقبل النصيحة))، وهو كله من هذا الباب . فهو أمر بالنصيحة
التامة المقبولة إن كان يقبلها ، وأمر بأصل النصح وإن رده ، وذم له
على هذا التقدير .
أمر بتذكير كل
(فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى )
وكذلك قوله :
أحد ، فإن انتفع كان تذكره تاما نافعا، وإلا حصل أصل التذكير
الذي قامت به الحجة ، ودل ذلك على ذمه واستحقاقه التوبيخ .
مع أنه سبحانه إنما قال: (إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى)، ولم يقل ((ذكر
من تنفعه الذكرى فقط))، كما فى قوله: (فَذَكِّرْ بِالْقُرْءَانِ مَن يَخَافُ وَعِيدٍ )،
فهناك الأمر بالتذكير خاص .
وقد جاء عاما وخاصاً كخطاب القرآن بـ ( يَأَيُّهَا النَّاسُ) وهو عام
وبـ (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ) خاص لمن آمن بالقرآن.
فهناك قال: (فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ اُلْمُؤْمِنِينَ)، وهنا قال: (سَيَذَّكْرُ مَنْ يَخْشَى»
ولم يقل ((سينتفع من يخشى)). فإن النفع
وَيَنَجَنَبُهَا الْأَشْقَى ) .
الحاصل بالتذكير أعم من تذكر من يخشى .
فإنه إذا ذكر قامت الحجة على الجميع . والأشقى الذي تجنبها
حصل بتذكيره قيام الحجة عليه واستحقاقه لعذاب الدنيا والآخرة .
١٦٩

وفي ذلك لله حكم ومنافع هي نعم على عباده. فكل ما يقضيه الله
تعالى هو من نعمته على عباده ؛ ولهذا يقول عقب تعديد ما يذكره:
(فَبِأَتِّ ءَالَآءِ رَبَّكُمَاتُكَّذِّبَانِ )
ولما ذكر ما ذكره فى سورة النجم وذكر إهلاك مكذبى الرسل
قال: (فَبِأَتِّءَالَِّرَيّكَ نَتَمَارَى) فإهلاكهم من آلاء ربنا. وآلاؤه
نعمه التى تدل على رحمته ، وعلى حكمته ، وعلى مشيئته ، وقدرته ،
وربوبيته - سبحانه وتعالى .
ومن نفع تذكير الذي يتجنبها أنه لما قامت عليه الحجة واستحق
العذاب خف بذلك شر عن المؤمنين ، فإن الله يهلكهم بعذاب من
عنده أو بأيديهم . وبهلاكه ينتصر الإيمان وينتشر، ويعتبر به غيره،
وذلك نفع عظيم .
وهو أيضاً يتعجل موته فيكون أقل لكفره. فإن الله أرسل محمداً
رحمة للعالمين ، فبه تصل الرحمة إلى كل أحد بحسب الإمكان .
وأيضاً ، فإن الذي يتجنبها بتجنبه استحق هذا الوعيد المذكور ،
فصار ذلك تحذيراً لغيره من أن يفعل مثل فعله . قال تعالى: ( ◌َجَعَلْنَهَا
نَكَلًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَاخَلْفَهَا ) وقال تعالى عن فرعون: (فَجَعَلْنَهُمْ
١٧٠

سَلَفَّا وَ مَثَلًا لِلْآَخِرِينَ)، وقال تعالى: (لَقَدْ كَانَ فِ قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِ
الْأَلْبَبِ )
فصل
وقوله: (سَيَذَكَّرُ مَن يَخْشَى) يقتضى أن كل من يخشى يتذكر.
والخشية قد تحصل عقب الذكر ، وقد محصل قبل الذكر ، وقوله :
(مَنْ يَخْشَى ) مطلق .
ومن الناس من يظن أن ذلك يقتضى أنه لا بد أن يكون قد
خشي أولا حتى يذكر ، وليس كذلك. بل هذا كقوله: ( هُدَى
وقوله : ( فَذَكِّرْ
( إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَتَهَا)
لِلْتَّقِينَ ) وقوله :
بِالْقُرْءَانِ مَن يَخَافُ وَعِيدٍ )، وقوله: (إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِىَ الرَّحْمَنَ
بِالْغَيْبٍ )
وهو إنما خاف الوعيد بعد أن سمعه ، لم يكن وعيد قبل سماع
القرآن وكذلك قوله : (إِنَّمَا نُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِىَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ )،
وهو إنما اتبع الذكر وخشى الرحمن بعد أن أنذره الرسول .
وقد لا يكونون خافوها قبل الإنذار ولا كانوا متقين قبل سماع
١٧١

القرآن ، بل به صاروا متقين .
وهذا كما يقول القائل : ما يسمع هذا إلا سعيد ، وإلا مفلح ،
وإلا من رضي الله عنه. وما يدخل في الإسلام إلا من هداه الله،
ونحو ذلك . وإن كانت هذه الحسنات والنعم تحصل بعد الإسلام
وسماع القرآن .
ومثل هذا قوله: ( هَذَا بَصَّبِرُ لِلنَّاسِ وَهُدِّى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ)
وقد قال في نظيره ( وَيَنَجَنَُّهَا الْأَشْقَى ) وإنما يشقى بتجنبها .
وهذا كما يقال : إنما يحذر من يقبل ، وإنما ينتفع بالعلم من عمل به .
فمن استمع القرآن فآمن به وعمل به صار من المتقين الذين
هو هدى لهم. ومن لم يؤمن به ولم يعمل به لم يكن من المتقين ؛ ولم
يكن ممن اهتدى به .
بل هو كما قال الله تعالى: (قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدَّى وَشِفَاءٌ
ولم يرد
وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِىَّاذَانِهِمْ وَقْرٌوَهُوَ عَلَيْهِمْعَمَى )
أنهم كانوا مؤمنين ، فلما سمعوه صار هدى وشفاء ؛ بل إذا سمعه الكافر
فآمن به صار فى حقه هدى وشفاء ، وكان من المؤمنين به بعد سماعه .
١٧٢

وهذا كقوله فى النوع المذموم: (يُضِلُّ بِهِ، كَثِيرًا وَيَهْدِى بِهِ، كَثِيرًاً
وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَسِقِينَ * الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدٍ مِيثَقِهِ، وَيَقْطَعُونَ
مَآ أَمَرَ اللهُ بِهِ عَن يُوصَلَ)
ولا يجب أن يكونوا فاسقين قبل
ضلالهم ؛ بل من سمعه فكذب به صار فاسقاً وضل .
وسعد بن أبى وقاص وغيره أدخلوا فى هذه الآية أهل الأهواء
كالخوارج. وكان سعد يقول: ثم من (اُلْفَسِقِينَ * الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ
اللَّهِ مِنْ بَعْدٍ مِيثَقِهِ، وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ مَن يُوصَلَ ) ولم يكن علي ، وسعد ،
وغيرهما من الصحابة يكفرونهم .
وسعد أدخلهم فى هذه الآية لقوله: (وَمَا يُضِلُّ بِهِإِلَّا الْفَسِقِينَ ).
وثم ضلوا به بسبب تحريفهم الكلم عن مواضعه وتأويله على غير
ما أراد الله. فتمسكوا بمتشابهه، وأعرضوا عن محكمه وعن السنة الثابتة
التى تبين مراد الله بكتابه . خالفوا السنة وإجماع الصحابة مع ما خالفوه
من محكم كتاب الله تعالى.
ولهذا أدخلهم كثير من السلف في الذين ( سبعون ما تشابه منه
ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ) ( الَّذِينَ فَرَّقُواْدِينَهُمْ وَكَانُواْشِيَعًا ) وبسط هذا له
موضع آخر .
والمقصود الآية ، وقد دلت على أن كل من يخشى فلا بد أن
١٧٣

يتذكر . فقد يتذكر فتحصل له بالتذكر خشية ، وقد يخشى فتدعوه
الخشية إلى التذكر .
وهذا المعنى ذكره قتادة : فقال : والله ما خشى الله عبد قط
إلا ذكره .
(وَيَنَجَنَُّهَا الْأَشْقَى)، قال قتادة: فلا والله لا يتكب عبد هذا
الذكر زهداً فيه وبغضاً له ولأهله إلا شقياً بين الشقاء.
والخشية فى القرآن مطلقة تتناول خشية الله وخشية عذابه فى
الدنيا والآخرة .
قال الله تعالى: (يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَانَ مُرُّسَهَا * فِيمَ أَنْتَ مِن ذِكْرَنَهَاَ* إِلَى رَبِّكَ
مُنْتَهَهَا * إِنَّمَا أَنَتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَنْهَا)
وقال تعالى: (فَذَكِّرْ بِالْقُرْءَانِ مَن يَخَافُ وَعِيدٍ )
وقال تعالى: (اللَّهُ الَّذِىَ أَنْزَلَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ
قَرِيبٌ * يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَاْ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ
أَنَّهَا الْحَقُّ )
وقال: (قَالُواْإِنَّاكُنَّاقَبْلُ فِى أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللّهُ عَلَيْنَا وَوَقَنْنَا عَذَابَ
السَّمُومِ)
١٧٤

فصل
- الكلام على قوله (مَّنْ خَشِىَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ ) ــ
وفى هذه الآية قال: (سَيَذَّكْرُ مَن يَخْشَى)
وقال فى قصة فرعون: ( فَقُولَا لَهُ قَوْلاَ لَّيْنَا لَّعَلَّهُ يَتَذَّكَّرُ أَوْيَخْشَى) فعطف
الخشية على التذكر .
وقال: (لِّمَنْ أَرَادَأَنْ يَذَّكَّرَ أَوْأَرَادَ شُكُورًا )
وفى قصة الرجل الصالح المؤمن الأعمى قال: (وَمَا يُدْرِكَ لَعَلَّهُ يَزََّى
* أَوْ يَذَكَّرْ فَنَفَعَهُ الذِّكْرَةَ )
وقال فى (حَم ) المؤمن: (ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ، إِذَا دُعِىَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمٌ وَإِنِ
يُشْرَكْ بِهِ، ثُؤْمِنُواْ فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِىِ الْكَبِيرِ * هُوَالَّذِى يُرِكُمْءَايَتِهِ، وَيُنَزِّكُ
لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقَاً وَمَا يَنَّذَ كَّرُ إِلَّ مَن يُنِيبُ)، فقال (وَمَايَتَذَكَّرُ
إِلَّامَن يُنِيبُ )
١٧٥

والإنابة جعلها مع الخشية في قوله: (هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ
* مَّنْ خَشِىَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ * أَدْ خُلُوهَا بِسَلٍَ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ )
وذلك لأن الذي يخشى الله لا بد أن يرجوه ويطمع في رحمته ،
فينيب إليه ويحبه ، ويحب عبادته وطاعته . فإن ذلك هو الذي ينجيه
مما يخشاه ، ويحصل به ما يحبه .
والخشية لا تكون ممن قطع بأنه معذب : فإن هذا قطع بالعذاب
يكون معه القنوط ، واليأس ، والإبلاس . ليس هذا خشية وخوفا .
وإنما يكون الخشية والخوف مع رجاء السلامة. ولهذا قال: (تَرَى
الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّاكَسَبُواْ وَهُوَ وَاقِعُ بِهِمْ)
فصاحب الخشية لله ينيب إلى الله، كما قال: (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ
لِلْمُنَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِىَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَآءَ بِقَلْبٍ
مُنِيبٍ * أَدْخُلُوهَا بِسَلَمٍ ذَلِكَ يَوْمُ اْخُلُودِ )
وهذا يكون مع تمام الخشية والخوف .
فأما فى مباديها فقد يحصل للإنسان خوف من العذاب والذنب
١٧٦

الذي يقتضيه ، فيشتغل بطلب النجاة والسلام ، ويعرض عن طلب
الرحمة والجنة .
وقد يفعل مع سيئاته حسنات توازيها وتقابلها ، فينجو بذلك من
النار ولا يستحق الجنة ، بل يكون من أصحاب الأعراف . وإن كان
مآ لهم إلى الجنة فليسوا ممن أزلفت لهم الجنة - أى قربت لهم -
إذ كانوا لم يأتوا بخشية الله والإنابة إليه. واستجمل بعد ذلك.
فصل
وأما قوله فى قصة فرعون: ( لَعَلَّهُ يَتَذَّكَّرُ أَوْ يَخْشَى) وقوله: ( وَمَا يُدْرِيكَ
لَعَلَّهُ يَزََّّى * أَوْ يَذَكَّرُ فَنَفَعَهُ الذِّكْرَى) فلا يناقض هذه الآية . لأنه لم يقل
فى هذه الآية ((سيخشى من يذكر »
بل ذكر أن كل من خشى فإنه يتذكر - إما أن يتذكر
فيخشى ، وإن كان غيره يتذكر فلا يخشى ؛ وإما أن ندعوه الخشية
إلى التذكر . فالخشية مستلزمة للتذكر . فكل خاش متذكر .
كما قال تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَوَأْ) فلا يخشاه إلا
١٧٧

عالم ، فكل خاش للّه فهو عالم . هذا منطوق الآية .
وقال السلف وأكثر العلماء إنها تدل على أن كل عالم فإنه يخشى
الله، كما دل غيرها على أن كل من عصى الله فهو جاهل.
كما قال أبو العالية : سألت أصحاب محمد عن قوله: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى
اُللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَلَةٍ)، فقالوا لي: ((كل من عصى الله
فهو جاهل)). وكذلك قال مجاهد، والحسن البصرى ، وغيرهم من العلماء
التابعين ومن بعدهم .
وذلك أن الحصر فى معنى الاستثناء ، والاستثناء من النفي إثبات
عند جمهور العلماء. فنفى الخشية عمن ليس من العلماء ؛ وهم العلماء به
الذين يؤمنون بما جاءت به الرسل ، يخافونه.
قال تعالى: (أَمَّنْ هُوَ قَنِتُّ ءَانَآءَ الَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمَا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ
رَبِّهِ، قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ )
وأثبتها للعلماء.
فكل عالم يخشاه . فمن لم يخش الله فليس من العلماء ، بل من
الجهال ، كما قال عبد الله بن مسعود: ((كفى بخشية الله علماً، وكفى
١٧٨

بالاغترار بالله جهلا)). وقال رجل للشعبى ((أيها العالم!)) فقال:
((إنما العالم من يخشى الله!))
فكذلك قوله: (سَيَذَكَرُمَن يَخْشَى ) يقتضى أن كل من يخشاء
فلا بد أن يكون ممن تذكر .
وقد ذكر أن الأشقى يتجنب الذكرى ، فصار الذي يخشى ضد
الأشقى. فلذلك يقال ((كل من تذكر خشى)).
والتحقيق أن التذكر سبب الخشية، فإن كان تاماً أوجب الخشية؛
كما أن العلم سبب الخشية ، فإن كان تاماً أوجب الخشية .
وعلى هذا فقوله في قصة فرعون (لَّعَلَّهُ يَتَّذَّكَّرُ أَوْيَخْشَى ) جعل
ذلك نوعين لما فى ذلك من الفوائد .
أحدها : أنه إذا تذكر أنه مخلوق وأن الله خالقه ، وليس هو
إلهاً ورباكما ذكر، وذكر إحسان الله إليه . فهذا التذكر يدعوه إلى
اعترافه بربوبية الله وتوحيده وإنعامه عليه. فيقتضى الإيمان والشكر،
وإن قدر أن الله لا يعذبه .
فإن مجرد كون الشيء حقاً ونافعاً يقتضي طلبه وإن لم يخف ضرراً
١٧٩

بعدمه . كما يسارع المؤمنون إلى فعل التطوعات والنوافل لما فيها من
النفع وإن كان لا عقوبة في تركها . كما يحب الإنسان علوما نافعة وإن
لم يتضرر بتركها . وكما قد يحب محاسن الأخلاق ومعالي الأمور
لما فيها من المنفعة واللذة في الدنيا والآخرة وإن لم يخف
ضرراً بتركها .
فهو إذا تذكر آلاء الله وتذكر إحسانه إليه فهذا قد يوجب اعترافه
بحق الله وتوحيده وإحسانه إليه ويقتضي شكره لله وتسليم قوم موسى
إليه ، وإن لم يخف عذابا . فهذا قد حصل بمجرد التذكر .
قال ( أو يخشى ) . ونفس الخشية إذا ذكر له موسى ما توعده
الله به من عذاب الدنيا والآخرة فإن هذا الخوف قد يحمله على الطاعة
والانقياد ولو لم يتذكر .
وقد يحصل تذكر بلا خشية ، وقد يحصل خشية بلا تذكر ،
وقد يحصلان جميعا، وهو الأغلب. قال تعالى: (لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ
أَوْيَخْشَى ) .
وأيضاً فذكر الإنسان يحصل بما عرفه من العلوم قبل هذا فيحصل
بمجرد عقله، وخشيته تكون بما سمعه من الوعيد . فبالأول يكون ممن له
قلب يعقل به ، والثانى يكون ممن له أذن يسمع بها .
١٨٠