النص المفهرس
صفحات 141-160
وإنما نازع فى التقدير السابق والكتاب أولئك الذين تبرأ منهم الصحابة كابن عمر ، وابن عباس ، وغيرهما . وذكر قتادة أن الله لم يكره أحداً على معصية. وهذا صحيح ، فإن أهل السنة المثبتين للقدر متفقون على أن الله لا يكره أحداً على معصية كما يكره الوالي والقاضي وغيرهما للمخلوق على خلاف مراده - يكرهونه بالعقوبة والوعيد. بل هو سبحانه يخلق إرادة العبد للعمل وقدرته وعمله، وهو خالق كل شيء . وهذا الذي قاله قتادة قد يظن فيه أنه من قول القدرية ، وأنه لسبب مثل هذا اتهم قتادة بالقدر ، حتى قيل : إن مالكاكره لمعمر أن يروى عنه التفسير لكونه اتهم بالقدر . وهذا القول حق، ولم يعرف أحد من السلف قال ((إن الله أكره أحداً على معصية )). بل أبلغ من ذلك أن لفظ ((الجبر)) منعوا من إطلاقه ، كالأوزاعى، والثوري ، والزبيدي ، وعبد الرحمن بن مهدي ، وأحمد بن حنبل، وغيرهم. نهوا عن أن يقال ((إن الله جبر العباد))، وقالوا : إن هذا بدعة فى الشرع ، وهو مفهم للمعنى الفاسد . ١٤١ قال الأوزاعى وغيره: إن السنة جاءت بـ (( جبل)) ولم نأت ٠٠ بـ ((جبر)) فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأشج عبد القيس: ((إن فيك لخلقين يحبها الله - الحلم والأناة)). فقال: أ خلقين تخلقت بها أم خلقين جبلت عليها؟ فقال: ((بل خلقين جبلت عليهما )). قال : الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبها الله. وقال الزبيدي وغيره : إنما يجبر العاجز - يعنى الجبر الذي هو بمعنى الإكراه - كما تجبر المرأة على النكاح، والله أجل وأعظم من أن يجبر أحداً - يعنى أنه يخلق إرادة العبد فلا يحتاج إلى إجباره. فالزبيدي وطائفة نفوا ((الجبر )) وكان مفهومه عنده هذا . وأما الأوزاعى، وأحمد بن حنبل ، وغيرهما ، فكرهوا أن يقال ((جبر)) وأن يقال ((لم يجبر))، لأن ((الجبر)) قد يراد به الإكراه. والله لا يكره أحداً. وقد يراد به أنه خالق الإرادة، كما قال محمد بن كعب: ((الجبار هو الذي جبر العباد على ما أراد)). و((الجبر)) بهذا المعنى صحيح. وقول مجاهد فى قوله: ( قَدَّرَفَهَدَى): ((هدى الإنسان للسعادة والشقاوة)) يبين أن هذا عنده مما دخل فى قوله: ( قَدَّرَ فَهَدَى ). ١٤٢ أي هدى السعداء إلى السعادة التى قدرها ، وهدى الأشقياء إلى الشقاء الذي قدره . وهكذا قال مجاهد فى قوله: ( إِنَّاهَدَيْنَهُ السَّبِيلَ ) ، قال : السعادة والشقاوة . وقال عكرمة: سبيل الهدى . رواهما عبد بن حميد . وكذلك روى ابن أبي حاتم عن مجاهد فى قوله: (وَهَدَيْنَهُ النَّجْدَيْنِ ) قال : الشقاوة والسعادة . وقد قال هو وجماهير السلف: (وَهَدَيْنَهُ النَّجْدَيْنِ ) : أي الخير والشر . رواه ابن أبي حاتم عن ابن مسعود . ثم قال : وروي عن علي ابن أبى طالب ، وابن عباس فى إحدى (١)، وشقيق بن سلمة، وأبي صالح ، ومجاهد ، والحسن ، ومحمد بن كعب ، وعكرمة ، وشرحبيل بن سعيد، وابن سنان الرازي ، والضحاك ، وعطاء الخراسانى، وعمرو بن قيس الملائى ، نحو ذلك . وروي عن محمد بن كعب القرظى قال : الحق والباطل . (١) بياض بالأصل ١٤٣ وهذا كلام تجمل فيه ما هو متفق عليه ، وهو أنه يبين للناس ما أرسله من الرسل ، ونصبه من الدلائل والآيات ، وأعطام من العقول - طريق الخير والشر - كما في قوله: (وَأَمَّا تَمُودُ فَهَدَيْنَهُمْ). وأما إدخال الهدى الذى هو الإلهام في ذلك ، بمعنى أنه هدى المؤمن إلى أن يؤمن ويعمل صالحاً إلى أن يسعد بذلك ، وهدى الكافر إلى ما يعمله إلى أن يشقى بذلك ، فهذا منهم من يدخله فى الآية ، كمجاهد وغيره ويدخله فى قوله : ( إِنَّاهَدَيْنَهُ السَّبِيلَ). وعكرمة وغيره يخرجون ذلك عن معنى هذه الآية وإن كانوا مقرين بالقدر . ومن قال: ((هدى)) بمعنى بين فقط، فقد هدى كل عبد إلى نجد الخير والشر جميعاً ، أي بين له طريق الخير والشر. ومن أدخل فى ذلك السعادة والشقاوة يقول : في هذا تقسيم ، أي هذه الهداية عامة مشتركة، وخص المؤمن بهداية إلى مجد الخير . وخص الكافر بهداية إلى بجد الشر . ومن لم يدخل ذلك فى الآية قد يحتجون بحديث من مراسيل الحسن قال : ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: ((يا أيها الناس: إنما هما النجدان - تجد الخير، ويجد الشر. فما يجعل نجد الشر أحب إليكم من نجد الخير؟)). ١٤٤ ويحتجون بأن إلهام الفاجر طريق الفجور لم يسمه هدى ، بل سماه ضلالا ، والله امتن بأنه هدى . وقد يجيب الآخر بأن يقول : هو لا يدخل فى الهدى المطلق ، لكن يدخل فى الهدى المقيد، كقوله: ( فَأَهْدُ وهُمْإِلَى صِرَّطِ الْجَحِيمِ ( وكما في لفظ البشارة، قال: (فَبَشِّرُهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ)ــ ولفظ الإيمان، فقال: ( يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ). وهذان القولان في قوله: ( فَأَلْهَمَهَا تُوْرَهَا وَتَقْوَتُهَا ) قيل : هو البيان العام، وقيل: بل ألهم الفاجر الفجور، والتقي التقوى . وهذا فى تلك الآية أظهر ، لأن الإلهام استعماله مشهور فى إلهام القلوب ، لا في التبيين الظاهر الذي تقوم به الحجة . وقد على النبى صلى الله عليه وسلم حصيناً الخزاعى لما أسلم أن يقول: ((اللهم! ألهمني رشدي، وقني شر نفسي)). ولو كان الإلهام بمعنى البيان الظاهر لكان هذا حاصلا للمسلم والكافر . قال ابن عطية : و ( سوى ) معناه عدل وأنقن حتى صارت الأمور مستوية ، دالة على قدرته ووحدانيته . وقرأ جمهور القراء ( قدر ) بتشديد الدال . فيحتمل أن يكون ١٤٥ من القدر والقضاء ، ويحتمل أن يكون من التقدير والموازنة بين الأشياء . قلت : هما متلازمان ، لأن التقدير الأول يسمى تقديراً ؛ لأن ما يجري بعد ذلك يجري على قدره ، فهو موازن له ومعادل له . قال : وقرأ الكسائي وحده تخفيف الدال ، فيحتمل أن يكون بمعنى القدرة، ويحتمل أن يكون من التقدير والموازنة)). قلت : وهذا قول الأكثرين أنها بمعنى واحد . قال ابن عطية : وقوله ( فهدى ) عام لوجوه الهدايات فى الانسان والحيوان . وقد خصص بعض المفسرين أشياء من الهدايات ، فقال الفراء : معناه هدى وأضل ، واكتفى بالواحد لدلالتها على الأخرى . قال ، وقال مقاتل، والكلى: هدى إلى وطء الذكور للإناث . وقيل هدى المولود عند وضعه إلى مص الثدي . وقال مجاهد : هدى الناس للخير والشر، والبهائم للمرائع. قال ابن عطية: ((وهذه الأقوال مثالات، والعموم فى الآية أصوب فى كل تقدير وفى كل هداية )) . وقد ذكر أبو الفرج بن الجوزى هذه الأقوال وغيرها ، فذكر ١٤٦ سبعة أقوال : قدر السعادة والشقاوة ، وهدى الرشد والضلالة ، قاله مجاهد . وقيل : جعل لكل دابة ما يصلحها وهداها إليه . قاله عطاء . وقيل : قدر مدة الجنين فى الرحم، ثم هداه للخروج ، قاله السدى . وقيل: قدرم ذكراناً وإناثاً، وهدى الذكور الإتيان الإناث. قاله مقاتل. وقيل: قدر فهدى وأضل، فحذف ((وأضل)) لأن فى الكلام ما يدل عليه، حكاه الزجاج . وقيل : قدر الأرزاق وهدى إلى طلبها ؛ وقيل، قدر الذنوب فهدى إلى التوبة . حكاها التعلى . قلت : القول الذي حكاه الزجاج هو قول الفراء ، وهو من جنس قوله: ((إن نفعت وإن لم تنفع)). ومن جنس قوله ((سرابيل تقيكم الحر والبرد )). وقد تقدم ضعف مثل هذا، ولهذا لم يقله أحد من المفسرين . والأقوال الصحيحة هي من باب المثالات ، كما قال ابن عطية . وهكذا كثير من تفسير السلف - يذكرون من النوع مثالا لينبهوا به على غيره، أو لحاجة المستمع إلى معرفته، أو لكونه هو الذي يعرفه، كما يذكرون مثل ذلك في مواضع كثيرة. كقوله: (سَتُدْعَوْنَ ) . وقوله: (وَءَاخَرِينَ مِنْهُمْ) وقوله: (فَوْفَ إِلَى قَوْمٍ أَوْلِ بَأْسِ شَدِيدٍ ، وقوله: (فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ، وَمِنْهُم يَأْتِ اللّهُ بِقَوْمِ يُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ) ٠٬٠٠٨ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَتِ ) ١٤٧ وكذلك تفسير: ( وَالشَّفْعِ وَالْوَثْرِ ) و (وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ ) وغير ذلك، وقوله: (وَفِ أَفْسِكُمْ أَفَلَا تْصِرُونَ ) وأمثال ذلك كثير من تفسيرهم هو من باب المثال . ومن ذلك قولهم: إن ((هذه الآية نزلت فى فلان وفلان)) فبهذا يمثل بمن نزلت فيه - نزلت فيه أولا وكان سبب نزولها - لايريدون به أنها آية مختصة به ، كآبة اللعان ، وآية القذف، وآية المحاربة ، ونحو ذلك . لا يقول مسلم إنها مختصة بمن كان نزولها بسببه . واللفظ العام وإن قال طائفة إنه يقصر على سببه فراده على النوع الذي هو سببه - لم يريدوا بذلك أنه يقتصر على شخص واحد من ذلك النوع . فلا يقول مسلم إن آية الظهار لم يدخل فيها إلا أوس بن الصامت ، وآية اللعان لم يدخل فيها إلا عاصم بن عدي ، أو هلال بن أمية : وأن ذم الكفار لم يدخل فيه إلا كفار قريش ؛ ونحو ذلك ، مما لا يقوله مسلم ولا عاقل . فإن محمداً صلى الله عليه وسلم قد عرف بالاضطرار من دينه أنه مبعوث إلى جميع الإنس والجن، والله تعالى خاطب بالقرآن جميع ١٤٨ الثقلين، كما قال: (لِأُنْذِرَّكُمْ بِهِ، وَمَنْ يَغُ) . فكل من بلغه القرآن من إنسي وجني فقد أنذره الرسول به . والإنذار هو الإعلام بالمخوف، والمخوف - هو العذاب - ينزل بمن عصى أمره ونهيه. فقد أعلم كل من وصل إليه القرآن أنه إن لم يطعه وإلا عذبه الله تعالى ، وأنه إن أطاعه أكرمه الله تعالى . وهو قد مات ، فإنما طاعته باتباع ما في القرآن مما أوجبه الله وحرمه ، وكذلك ما أوجبه الرسول وحرمه بسنته. فإن القرآن قد بین وجوب طاعته ، وبين أن الله أنزل عليه الكتاب والحكمة، وقال لأزواج نبيه (وَأَذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِىِ بُيُوتِ كُنَّمِنْ ءَايَتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ) فصل ثم قال: ( وَاُلَّذِىَّ أَخْرَ المَرْعَى * فَجَعَلَهُ غُنَّةَ أَحْوَى ) هو سبحانه لما ذكر قوله: (قَدَّرَفَهَدَى ) دخل فى ذلك ما قدره من أرزاق العباد ( والبهائم ) وهدام إليها ، فهدى من يأتي بها إليهم . وذلك من تمام إنعامه على عباده، كما جاء فى الأثر: إن الله يقول: ١٤٩ إنى والجن والإنس لفي نبا عظيم - أخلق ويعبدون غيري ، وأرزق ويشكرون سواي )» وهذا المعنى قد روي فى قوله : ( وَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ( أي تجعلون شكركم وشكر ربكم التكذيب بإنعام الله، وإضافة الرزق إلى غيره كالأنواء ، كما ثبت فى الصحيح عن ابن عباس قال : مطر الناس على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبى صلى الله عليه وسلم ((أصبح من الناس شاكر، ومنهم كافر - قالوا: هذه رحمة الله، وقال بعضهم: لقد صدق نوء كذا وكذا )) قال : فنزلت هذه الآية ( فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَقِعِ النُّجُومِ . حتى بلغ - وَتْعَلُونَ رِزْقَّكُمْأَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ) وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( ما أنزل الله من السماء من بركة إلا أصبح فريق من الناس بها كافرين - ينزل الله الغيث فيقولون: الكوكب كذا وكذا ــ وفي رواية ((بكوكب كذا وكذا)). وروى ابن المنذر فى تفسيره : ثنا محمد بن علي - يعني الصائغ، ثنا سعيد هو ابن منصور ، ثنا هشيم، عن أبى بشر، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس أنه كان يقرأ ([ وتجعلون] شكركم أنكم تكذبون) ١٥٠ يعنى الأنواء . وما مطر قوم إلا أصبح بعضهم كافرا ، وكانوا يقولون : مطرنا بنوء كذا وكذا، فأنزل الله (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَّكُمْ أَنَّكُمْتُكَذِّبُونَ ) وروى ابن أبى حاتم ، عن عطاء الخراسانى ، عن عكرمة ، فى قول ) قال : تجعلون رزقكم من عند الله: ( وَجْعَلُونَ رِزْقَّكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ غير الله تكذيباً، وشكرا [لغيره]. لكن قوله: ( وَاُلَّىَ أَخْرَجَ الْعَى ) خص به إخراج المرعى ، وهو ما ترعاه الدواب ، وذكر أنه جعله غثاء أحوى . وهذا فيه ذكر أقوات البهائم ، لكن أقوات الآدميين أجل من ذلك ، وقد دخلت هي وأقوات البهائم فى قوله ( قَذَّرَفَهَدَى ). وأيضاً ، فالذي يصير غناء أحوى لم تقتت به البهائم ، وإنما نقتات به قبل ذلك . فهو - والله أعلم - خص هذا بالذكر لأنه مثل الحياة الدنيا. إذا كانت هذه السورة تضمنت أصول الإيمان - الإيمان بالله واليوم الآخر ، والإيمان بالرسل والكتب التى جاءوا بها، وذلك يتضمن الإيمان بالملائكة . وفيها العمل الصالح الذي ينفع فى الآخرة ، والفاسد الذي يضر فيها . ١٥١ فذكر سبحانه المرعى عقب ماذكره من الخلق والهدى ليبين مآل بعض المخلوقات ، وأن الدنيا هذا مثلها . وقد ذكر الله ذلك فى الكهف ، ويونس ، والحديد . قال تعالى: (وَأَضْرِبْ لَهُ مَّثَلَ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَ كُمَاءِ أَنْزَلْنَهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ، نَبَاتُ اُلْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمَانَذْرُوُ الْرِّيَحْ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍمُقْنَدِرًا) وقال تعالى: ( إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَوْةِ الدُّنْيَاكَمَاءِ أَنَزَلْنَهُ مِنَ السَّمَاءِفَاخْتَلَطَبِهِ، نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَابَأْكُلُّ النَّاسُ وَالْأَنْعَمُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِالْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَأَزَّيَّنَتْ وَظَرَ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَدِرُونَ عَلَيْهَا أَتَنْهَا أَمْرُ نَا لَيْلَا أَوْنَهَارًا فَجَعَلْنَهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِّ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * وَاللَّهُ يَدْعُواْ إِلَى دَارِ السَّلَمِ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَطِ مُسْنَقِيم وقال تعالى: ( أُعْلَمُوْاْأَنَّمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَمْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَّكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِى الْأَمْوَلِ وَاَلْأَوْلَدِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَانُهُ ثُمَ يَهِيجُ فَرَنَّهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَمًّا وَفِ اَلَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَنْ وَمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَآ إِلَّا مَنَعُ الْغُرُورِ ) وقد جعل إهلاك المهلكين حصادا لهم، فقال: ( ذَلِكَ مِنْ أَنْبَآءِ ١٥٢ اٌلْقُرَى نَقُضُهُ عَلَيْكٌ مِنْهَا قَآئِهٌ وَحَصِيدٌ ) وقال: (لَقَدْ خَلَقْنَا ◌ُلْإِنسَنَ فِ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّرَدَدْتَهُ أَسْفَلَ سَفِلِينَ * إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرٌ عَمَنُونٍ) هو مثل فقوله: ( وَالَّذِىّ أَخْرَجَ المَرْعَى * فَجَعَلَهُ غُثَّةُ أَحْوَى ) للحياة الدنيا ، وعاقبة الكفار ، ومن اغتر بالدنيا ، فإنهم يكونون فى نعيم وزينة وسعادة ، ثم يصيرون إلى شقاء فى الدنيا والآخرة ، كالمرعى الذي جعله غثاء أُحوى . فصل قوله: (فَذَكِّرْإِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى * سَيَذَّكَُّ مَنْ يَخْشَى * وَيَنَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى * الَّذِى يَصْلَى النَّارَ الكُتْرَى) إِن تَّفَعَتِ الذِّكْرَى ) كقوله: ( فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ فقوله : ( الْمُؤْمِنِينَ ). وقوله: ( إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى) و((إن)) هي الشرطية. ١٥٣ وحكى الماوردي أنها بمعنى ((ما)). وهذه تكون ((ما)) المصدرية، وهي بمعنى الظرف ، أي: ذكر ما نفعت ، ما دامت تنفع . ومعناها قريب من معنى الشرطية . وأما إن ظن ظان أنها نافية فهذا غلط بين . فإن الله لاينفى نفع الذكرى مطلقاً وهو القائل (فَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِعَلُومٍ * وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَفَعُ)، ثم قال (الْمُؤْمِنِينَ)(١) وعن (٢) (فَذَكِّرْإِ نَّفَعَتِ الذِّكْرَى ): إن قبلت الذكرى . وعن مقاتل : فذكر وقد نفعت الذكرى . وقيل: ذكر إن نفعت الذكرى وإن لم تنفع . قاله طائفة ، أولهم الفراء ، واتبعه جماعة ، منهم النحاس ، والزهراوي ، والواحدي ، والبغوي ولم يذكر غيره . قالوا: وإنما لم يذكر الحال الثانية كقوله: (سَرَبِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ) وأراد الحر والبرد. وإنما قالوا هذا لأنهم قد علموا أنه يجب عليه تبليغ جميع الخلق وتذكيرهم سواء آمنوا أو كفروا . فلم يكن وجوب التذكير مختصاً بمن (١) بياض بالأصل. (٢) هنا بقية البياض السابق . ١٥٤ تنفعه الذكرى ، كما قال فى الآية الأخرى: (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ* أَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ ) وقال: (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُشْشَلُونَ ) وقال: (وَيَقُولُونَ إِنَّهُ مَجْنُونٌ * وَمَاهُوَ الَّذِكْ لِلْعَلَمِينَ) وقال: (لِيَكُونَ لِلْعَلَمِينَ نَذِيرًا). وهذا الذي قالوه [له] معنى صحيح، وهو قول الفراء وأمثاله، [لكن] لم يقله أحد من مفسري السلف. ولهذا كان أحمد بن حنبل ينكر على الفراء وأمثاله ما ينكره ، ويقول : كنت أحسب الفراء رجلا صالحاً حتى رأيت كتابه فى معاني القرآن . وهذا المعنى الذي قالوه مدلول عليه بآيات آخر . وهو معلوم بالاضطرار من أمر الرسول ، فإن الله بعثه مبلغاً ومذكرا لجميع الثقلين الإنس والجن . لكن ليس هو معنى هذه الآية . بل معنی هذه يشبه قوله : (فَذَكِّرْ بِالْقُرْءَانِ مَن يَخَافُ وَعِيدٍ ) وقوله : ( إِنَّمَاأَنْتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَنُهَا)، وقوله: (إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ أَتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِىَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ) وقوله: (إِنْ هُوَ إِلَّاذِكْ لِلْعَلَمِينَ * لِمَن شَآءَمِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ ) فالقرآن جاء بالعام والخاص . وهذا كقوله: (هُدًى لِلَّْقِينَ ) ونحو ذلك . ١٥٥ وسبب ذلك أن التعليم والتذكير والإنذار والهدى ونحو ذلك له فاعل ، وله قابل . فالمعلم المذكر يعلم غيره ، ثم ذلك الغير قد يتعلم ويتذكر ، وقد لا يتعلم ولا يتذكر . فإن تعلم وتذكر فقد تم التعليم والتذكير، وإن لم يتعلم ولم يتذكر فقد وجد أحد طرفيه ، وهو الفاعل ، دون المحل القابل . فيقال في مثل هذا : علمته فما تعلم ، وذكرته فما تذكر ، وأمرته فما أطاع . وقد يقال (( ما علمته وما ذكرته)) لأنه لم يحصل تاماً ولم يحصل مقصوده ، فينفى لانتفاء كماله وتمامه . وانتفاء فائدته بالنسبة إلى المخاطب السامع وإن كانت الفائدة حاصلة للمتكلم القائل المخاطب . حيث خص بالتذكير والإنذار ونحوه المؤمنون فهم مخصوصون بالتام النافع الذي سعدوا به . وحيث عمم فالجميع مشتركون في الإنذار الذي قامت به الحجة على الخلق سواء قبلوا أو لم يقبلوا . وهذا هو الهدى المذكور في قوله: (وَأَمَّا تَمُودُ فَهَدَيْنَهُمْ فَاسْتَحَبُّواْ الْعَمَ عَلَى الْهُدَى ) فالهدى هنا هو البيان والدلالة والإرشاد العام المشترك . وهو كالإنذار العام والتذكير العام . وهنا قد هدى المتقين وغيرهم، كما قال: (وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ) وأما قوله: (أَهْدِنَا الصِّرَطَ الْمُسْتَقِيمَ) فالمطلوب الهدى الخاص ١٥٦ التام الذي يحصل معه الاهتداء ، كقوله: ( هُدًى لِّلْنَّقِينَ ) ، وقوله : (فَرِيقًا هَدَى وَفَرِ يقًاحَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَلَةُ)، وقوله: (فَإِنَّ اللَّهَ لَيَهْدِى مَن يُضِلُّ) وقوله: (يَهْدِى بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَمِ) وهذا كثير فى القرآن . وكذلك الإنذار، قد قال: (فَإِنَّمَا يَسَّرْنَهُ بِلِسَانِكَ لِتُّبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًّا لَّدًّا) وقال تعالى: (أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَاً إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنَذِرِ النَّاسَ وَبَشْرِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ) وقال في الخاص: (إِنَّمَأَنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشَنْهَا)، (إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ أَتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِىَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ ) فهذا الإنذار الخاص ، وهو التام النافع الذي انتفع به المنذر . والإنذار هو الإعلام بالخوف ، فعلم الخوف فاف ، فآ من وأطاع وكذلك التذكير عام وخاص . فالعام هو تبليغ الرسالة إلى كل أحد ، وهذا يحصل بإبلاغهم ما أرسل به من الرسالة . قال تعالى: (قُلّ مَآ أَسْتَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرِوَمَا أَنْمِن ◌ْتُ كَلِفِينَ * إِنْ هُوَ إِلََّ ذِكْرٌ لِلْعَلَمِينَ). وقال تعالى: (وَمَاهِىَ إِلََّ ذِكْرَى لِلْبَشَرِ). وقال تعالى: (إِنْ هُوَ إِلَّاذِكْرٌ لِلْعَلَمِينَ). ثم قال: (لِمَن شَآءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ ) فذكر العام والخاص . ١٥٧ والتذكر هو الذكر التام الذي يذكره المذكر به وينتفع به . (مَا يَأْنِهِم مِّن ذِكْرٍمِّن رَّبِّهِم وغير هؤلاء قال تعالى فيهم : تُحْدَثٍ إِلَّا أَسْتَمَعُوهُوَهُمْ يَلْعَبُونَ * لَاهِيَةٌ قُلُوبُهُمُّ ) وقال تعالى : ( وَمَا يَأْنِهِم مِنِ ذِكْرِمِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّ كَنُواْ عَنْهُ مُعْرِضِينَ) فقد أنّامٍ وقامت به الحجة . ولكن لم يصغوا إليه بقلوبهم فلم يفهموه ، أو فهموه فلم يعملوا به ، كما قال: (وَلَوْ عَلِمَ اَللَّهُ فِيهِمْ خَالَّأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَوأُوَّهُم مُعْرِضُونَ ) والخاص هو التام النافع . وهو الذي حصل معه تذكر لمدكر ، فإن هذا ذكرى كما قال: (فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى * سَيَذَّكَُّ مَن يَخْشَى وَيَنَجَنَّهُها الْأَشْقَى )، أي يجنب الذكرى ، وهو إنما جنب الذكرى الخاصة . وأما المشترك الذي تقوم به الحجة فقد ذكر هو وغيره بذلك وقامت الحجة عليهم. وقد قال تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا ). وقال: (لِئَلَايَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ )، وقال عن أهل (كُلَّمَا أُلْفِى فِيهَا فَوْجٌ سَأَمْ خَهَا أَ يَأْتُِّنَذِيْرٌ * قَالُواأَ قَدْ جَاءَنَا النار : نَذِيٌِّ فَكَّبْنَا وَقُلْنَ مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَىْءٍ)، وقال تعالى: (يَمَعْشَرَ الجِنّ وَالْإِنسِ أَلَّيَأْتِّكُمْ رُسُلٌ مِّنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْهِكُمْ ءَايَِ وَيُنذِرُونَّكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَّا ١٥٨ قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا ). وأما تمثيلهم ذلك بقوله (سَرَبِيلَ تَفِيكُمُ الْحَرَّ) أي وتقيكم البرد ، فعنه جوابان : أحدهما : أنه ليس هناك حرف شرط علق به الحكم بخلاف هذا الموضع . فإنه إذا علق الأمر بشرط وكان مأموراً به فى حال وجود الشرط كما هو مأمور به فى حال عدمه كان ذكر الشرط تطويلا للكلام تقليلا للفائدة وإضلالا للسامع . وجمهور الناس على أن مفهوم الشرط حجة ، ومن نازع فيه يقول: سكت عن غير المعلق ، لا يقول: إن اللفظ دل على المسكوت كما دل على المنطوق. فهذا لا يقوله أحد . الثاني: أن قوله (تَقِيكُمُ الْحَرَّ ) على بابه، وليس فى الآية ذكر البرد. وإنما يقول (( إن المعطوف محذوف)) هو الفراء وأمثاله ممن أنكر عليهم الأئمة حيث يفسرون القرآن بمجرد ظنهم وفهمهم لنوع من علم العربية عندهم ، وكثيراً لا يكون ما فسروا به مطابقاً . وليس في الكلام ما يدل على ذكر البرد ، ولكن اللّه ذكر فى ١٥٩ هذه السورة إنعامه على عباده، وتسمى ((سورة النعم)). فذكر فى أولها أصول النعم التى لابد منها ولا تقوم الحياة إلا بها ، وذكر فى أثنائها تمام النعم . وكان ما يقي البرد من أصول النعم ، فذكر فى أول السورة في قوله (وَالْأَنْعَمَ خَلَقَهَأُ لَكُمْ فِيهَارِفْءٌ وَمَنَفِعُ ) . فالدفء ما يدفع ويدفع البرد . والبرد الشديد يوجب الموت بخلاف الحر . فقد مات خلق من البرد بخلاف الحر ، فإن الموت منه غير معتاد . ولهذا قال بعض العرب البرد بؤس ، والحر أذى . فلما ذكر فى أثنائها تمام النعم ذكر الظلال وما يقيى الحر، وذكر الأسلحة وما يقى القتل، فقال: (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّمَّا خَلَقَ ظِلَلًا وَ جَعَلَ لَكُم مِّنَ الْجِبَالِ أَكْتَنَا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَبِلَ تَفِيكُمُ الْحَزَّوَسَرَبِيلَ تَقِيكُمْ بَأَسَكُمْ كَذَلِكَ يُنُِّّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ ). فذكر أنه يتم نعمته كما بين ذلك فى هذه الآيات ، فقال: ( كَذَلِكَ يُتِمُ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ). وفرق بين الظلال والأكتان ؛ فإن الظلال يكون بالشجر ١٦٠