النص المفهرس
صفحات 121-140
مِنَ الْمَيْتِ وَيُخِرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَّ وَمَن يُدَبِرُالْأَمْرَّ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا نَنَّقُونَ * فَالِكُمُاللهُ ◌َبُّكُمُالْمَنُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِ إِلَّا الضَّلَئِلُّ فَنَّ تُصْرَفُونَ * كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُواْ أَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * قُلْ هَلْ مِن شُرَكَبِكُ مَّنْ يَبْدَوُ اْ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِدُّمْعُلِ اللّهُيَسْدَوُاْ الْخَلْقَ ثُمَّيُعِيدٌ مٌفَ تُؤْفَكُونَ * قُلْ هَلْ مِنْ شُركَا بِكُمَن يَهْدِىّ إِلَى الْحَقّ قُلِ اللَّهُيَهْدِى لِلْحَقّ ◌َفَمَنِ يَهْدِىَّ إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَبَعَ آَمَنْ لََّهِدِىّإِلَّا أَنْ يُهْدَىّ ◌َلَكُكَيْفَ تَحْكُمُونَ * وَمَا يَبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّ ظَنَّ إِنَّالَّنَ لَ يُغْنِ مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّاللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ). وقال تعالى: (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ * وَإِن تَعُدُّ وأَنِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ * وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ * وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ * أَمْوَتُّ غَيْرُ أَخْيَاٌ ◌ٍوَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ) وكذلك قوله في أثناء السورة (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَّمْلُوكًا لََّ يَقْدِرُ عَلَى شَىْءٍ وَمَن رَزَقْنَهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّاً وَجَهْرَاْ هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا زَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَىْءٍ وَهُوَ كَلُّ عَلَى مَوْلَنْهُ أَيْنَمَا يُوَجِهَةُ لَا يَأْتِ بِخَيٍ هَلْ يَسْتَوِى هُوَوَ مَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ) فهو سبحانه يبين أنه هو المستحق للعبادة دون ما يعبد من دونه ، ١٢١ وأنه لا مثل له . ويبين ما اختص به من صفات الكمال وانتفائها عما يعبد من دونه . ويبين أنه يتعالى عما يشركون وعما يقولون من إثبات الأولاد والشركاء له . وقال: (قُل لَوْكَانَ مَعَدُرْ ءَ الِهَةٌ كَمَايَقُولُونَ إِذَا لَّا بَنَغَوْ إِلَى ذِى الْعَرْبِسَبِيلًا) وهم كانوا يقولون إنهم يشفعون لهم ، ويتقربون بهم . لكن كانوا يثبتون الشفاعة بدون إذنه ، فيجعلون المخلوق يملك الشفاعة ، وهذا نوع من الشرك . فلهذا قال تعالى: ( وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَعَةَ) فالشفاعة لا يملكها أحد غير الله . كما روى ابن أبى حاتم عن السدي في قوله: (إِذَا لََّ بَغَوْ إِلَى ذِى الْعَِّ سَبِيلًا)، يقول: لا بتغت الحوائج من اللّه. وعن معمر ، عن قتادة : (لََّ بَنَغَوْإلَى ذِى الْعَشْرِ سَبِيلًا) لا بتغوا التقرب إليه مع أنه ليس كما يقولون. وعن سعيد، عن قتادة: (لَوْكَانَ مَعَهُرْ ءَالِهَةٌ كَمَايَقُولُونَ) ، يقول : لو كان معه آلهة إذا لعرفوا له فضله ومزيته عليهم ولا بتغوا إليه ما يقربهم إليه . وروي عن سفيان الثوري : لتعاطوا سلطانه . وعن أبى بكر الهذلي ، عن سعيد بن جبير : سبيلا إلى أن يزيلوا ملكه . والهذلي ضعيف . ١٢٢ فقد تضمن العلو الذي ينعت به نفسه فى كتابه أنه متعال عما لا يليق به من الشركاء والأولاد ، فليس كمثله شيء . وهذا يقتضي ثبوت صفات الكمال له دون ما سواه . وأنه لا يماثله غيره فى شىء من صفات الكمال ، بل هو متعال عن أن يماثله شيء . وتضمن أنه عال على كل ما سواه ، قاهر له ، قادر عليه ، نافذة مشيئته فيه، وأنه عال على الجميع فوق عرشه . فهذه ثلاثة أمور في اسمه ((العلى)). وإثبات علوه - علوه على ما سواه ، وقدرته عليه وقهره - يقتضي ربوبيته له ، وخلقه له ، وذلك يستلزم ثبوت الكمال . وعلوه عن الأمثال يقتضى أنه لا مثل له فى صفات الكمال . وهذا وهذا يقتضى جميع ما يوصف به في الإثبات والنفي . ففي الإثبات يوصف بصفات الكمال ، وفى النفي ينزه عن النقص المناقض للكمال ، وينزه عن أن يكون له مثل فى صفات الكمال . كما قد دلت على هذا وهذا سورة الإخلاص - (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدَّ * اَللَّهُ الصََّمَدُ). وتعاليه عن الشركاء يقتضى اختصاصه بالإلهية ، وأنه لا يستحق ١٢٣ العبادة إلا هو وحده، كما قال: (قُل لَّوْكَانَ مَعَهُرْ ءَالِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذَا لَّاَ بَنَغَوْ إِلَى ذِى اُلْعَشْرِ سَبِيلًا ) أي وإن كانوا - كما يقولون - يشفعون عنده بغير إذنه ويقربونكم إليه بغير إذنه فهو الرب والإله دونهم، وكانوا يبتغون إليه سبيلا بالعبادة له والتقرب إليه . هذا أصح القولين . كما قال: (إِنَّ هَذِهِ نَّذْكِرَةٌ فَمَن شَآءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً * وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّ أَنْ يَشَآءَ اللَّهُ): وقال (إِنَّهُ تَذْكِرَةُ * فَمَنْ شَآءَ ذَكَرَهُ) وقال: (أُوْلَكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُهُمْ أَقْرَبُ ) فتعالى عن أن (سُبْحَنَهُ، وَتَعَلَى عَمَّ يَقُولُونَ عُلُوَّا كَبِيرًا ) ثم قال : يكون معه إله غيره ، أو أحد يشفع عنده إلا بإذنه ، أو يتقرب إليه أحد إلا بإذنه . فهذا هو الذي كانوا يقولون . ولم يكونوا يقولون إن آلهتهم تقدر أن تمانعه أو تغالبه . بل هذا يلزم من فرض إله آخر يخلق كما يخلق، وإن كانوا م لم يقولوا ذلك، كما قال : ( مَا أَتَّخَذَاللّهُ مِن وَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلٍَّ إِذَا لَذَهَبَ كُلَّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ) فقد تبين أن اسمه («الأعلى )) يتضمن انصافه بجميع صفات الكمال ، وتنزيهه عما ينافيها من صفات النقص ، وعن أن يكون له مثل، وأنه لا إله إلا هو ولا رب سواه . ١٢٤ فصل والأمر بتسبيحه يقتضي أيضاً تنزيهه عن كل عيب وسوء وإثبات صفات الكمال له . فإن [ التسبيح] يقتضي التنزيه والتعظيم، والتعظيم يستلزم إثبات المحامد التى يحمد عليها . فيقتضى ذلك تنزيهه، ومحميده ، وتكبيره ، وتوحيده . قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبى ، ثنا ابن نفيل الحرانى ، ثنا النصر ابن عربي، قال: سأل رجل ميمون بن مهران عن ((سبحان الله)). فقال: ((اسم يعظم الله به ويحاشى به من السوء)). وقال : حدثنا أبو سعيد الأشج ، ثنا حفص بن غياث ، عن حجاج عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس قال ((سبحان))، قال : تنزيه الله نفسه من السوء. وعن الضحاك عن ابن عباس فى قوله: (سُبْحَانَ الَّذِى أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا) قال عجب. وعن أبى الأشهب، عن الحسن قال: ((سبحان)) اسم لا يستطيع الناس أن ينتحلو . . وقد جاء عن غير واحد من السلف مثل قول ابن عباس : أنه ١٢٥ تنزيه نفسه من السوء )» وروي فى ذلك حديث مرسل . وهو يقتضي تنزيه نفسه من فعل السيئات ، كما يقتضي تنزيه عن الصفات المذمومة . ونفي النقائص يقتضي ثبوت صفات الكمال ، وفيها التعظيم كما قال ميمون بن مهران (( اسم يعظم الله به ويحاشى به من السوء)). وروى عبد بن حميد: حدثنا أبو نعيم ، ثنا سفيان ، عن عثمان بن عبد الله ابن موهب ، عن موسى بن طلحة قال : سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن التسبيح، فقال: ((إنزاهه عن السوء)). وقال حدثنا الضحاك ابن مخلد، عن شبيب عن عكرمة، عن ابن عباس: ((سبحان الله)) قال : تنزيهه . حدثنا كثير بن هشام ، ثنا جعفر بن برقان ، ثنا يزيد بن الأصم قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: ((لا إله إلا الله)) نعرفها أنه لا إله غيره، و((الحمد لله)) نعرفها أن النعم كلها منه وهو المحمود عليها، و((الله أكبر)) نعرفها أنه لاشيء أكبر منه، فما (( سبحان اللّه))؟ فقال ابن عباس: وما ينكر منها ؟ هي كلمة رضيها الله لنفسه، وأمر بها ملائكته ، وفزع إليها الأخيار من خلقه . ١٢٦ فصل . العطف ( الَّذِىِ خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِى قَدَّرَفَهَدَى ) قوله : يقتضي اشتراك المعطوف والمعطوف عليه فيما ذكر وأن بينهما مغايرة إما فى الذات وإما في الصفات . وهو فى الذات كثير، كقوله: (إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّنِْينَ وَالنَّصَرَى وَالْمَجُوْسَ وَالَّذِينَ أَشْرَعُواْ). وأما فى الصفات فمثل هذه الآية . فإن الذي خلق فسوى هو الذي قدر فهدى ؛ لكن هذا الاسم والصفة ليس هو ذاك الاسم والصفة . ومثله قوله : (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالَّهِرُ وَالْبَاطِنُ) ومثله - إلى قوله - قوله : (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبٍ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ). وقوله: (لَّكِنِ الرَّسِخُونَ فِ اٌلْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَآَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَّ وَالْمُقِيِمِينَ الصَّلَوَةُ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَّوْمِ الْآَخِ) وقوله : ( قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِ صَلَائِهِمْ خَشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ) وقوله: ( إِلَّا الْمُصَلِينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَائِهِمْ دَآئِعُونَ * وَالَّذِينَ فِىّ ١٢٧ أَوَهِمْ حَقٌ مَعَلُومُ - الآيات ) . وقوله: (إِنَّالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ - الآيات) فإنه [ من صدق و] صبر ولم يسلم ولم يؤمن لم يكن ممن أعد الله لهم مغفرة وأجراً عظيما . وكثيراً ما تأتي الصفات بلا عطف، كقوله: (هُوَ اَللَّهُ الَّذِى لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ)، وقوله: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ). وقد تجيء خبراً بعد خبر، كقوله: (وَهُوَالْغَفُورُالْوَدُودُ * ذُوالْعَرْشِ الْمَحِيدُ * فَقَالٌ لِمَايُرِيدُ). ولو كان ((فعال)) صفة لكان معرفا بل هو خبر بعد خبر. وقوله: (هُوَالْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ ) خبر بعد خبر، لكن بالعطف بكل من الصفات . وأخبار المبتدأ قد تجيء بعطف وبغير عطف. وإذا ذكر بالعطف كان كل اسم مستقلا بالذكر ، وبلا عطف بكون الثاني من تمام الأول بمعنى . ومع العطف لا تكون الصفات إلا للمدح والثناء، أو للمدح ، وأما بلا عطف فهو فى النكرات للتمييز ، وفى المعارف قد يكون للتوضيح. ١٢٨ و (الَّذِى خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِى قَدَّرَ فَهَدَى * وَالَّذِىّ أَخْرَجَالمَرْعَى)، وصف بكل صفة من هذه الصفات ، ومدح بها ، وأثني عليه بها . وكانت كل صفة من هذه الصفات مستوجبة لذلك . فصل . فأطلق الخلق والتسوية ولم ( اُلَّذِىِ خَقَ فَسَوَّى) قال تعالى : ( وَاُلَّذِى قَدَّرَفَهَدَى) يخص بذلك الإنسان ، كما أطلق قوله بعد لم يقيده . فكان هذا المطلق لا يمنع شموله لشيء من المخلوقات . وقد بين موسى عليه السلام شموله في قوله: (رَبُّنَا الَّذِىّ أَعْطَى كُلّ شَىْءٍ خَلْقَهُ، ثُمَّ هَدَى ) . وقد ذكر المقيد بالإنسان فى قوله: (يَأَيُّهَ آلْإِنسَنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ اَلْكَرِيِ * الَّذِى خَلَقَكَ فَسَوَّنِكَ فَعَدَلَكَ ) . وقد ذكر المطلق والمقيد فى أول ما نزل من القرآن ، وهو قوله : ( أَقْرَأْ بِأَسْوِرَبِّكَ الَّذِىِ خَقَ * خَلَقَ الْإِنسَنَ مِنْ عَقِ * أُقْرَأْوَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِى عَلََّبِالْقَمِ * عَلَّ الْإِنسَنَ مَا لَمْيَعْلَمْ). وفى جميع هذه الآيات - مطلقها ومقيدها والجامع بين المطلق والمقيد - قد ذكر خلقه ، وذكر هدايته وتعليمه بعد الخلق ، كما قال فى هذه السورة: (الَّذِى خَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِى قَّدَّرَفَهَدَى). ١٢٩ لأن جميع المخلوقات خلقت لغاية مقصودة بها ، فلا بد أن تهدى إلى تلك الغاية التى خلقت لها . فلا تتم مصلحتها وما أربدت له إلا بهدايتها لغاياتها . وهذا مما يبين أن الله خلق الأشياء لحكمة وغاية تصل إليها، كما قال ذلك السلف وجمهور المسلمين وجمهور العقلاء . وقالت طائفة - كبهم وأتباعه - إنه لم يخلق شيئاً لشيء ، ووافقه أبو الحسن الأشعري ومن اتبعه من الفقهاء - أتباع الأئمة . وم يثبتون أنه حريد ، وينكرون أن تكون له حكمة يريدها . وطائفة من المتفلسفة يثبتون عنايته وحكمته ، وينكرون إرادته . وكلاهما تناقض . وقد بسط الكلام على فساد قول هؤلاء فى غير هذا الموضع ، وأن منتهام جحد الحقائق . فإن هذا يقول: (( لو كان له حكمة يفعل لأجلها لكان يجب [أن يريد ] الحكمة وينتفع بها، وهو منزه عن ذلك)). وذاك يقول: (( لو كان له إرادة لكان يفعل لجر منفعة؛ فإن الإرادة لا تعقل إلا كذلك)). وأرسطو وأتباعه يقولون: ((لو فعل شيئاً لكان الفعل لغرض، وهو منزه عن ذلك)). ١٣٠ فيقال لهؤلاء : هذه الحوادث المشهودة ألها محدث أم لا ؟ فإن قالوا (( لا)) فهو غاية المكابرة . وإذا جوزوا حدوث الحوادث بلا محدث فتجويزها بمحدث لا إرادة له أولى . وإن قالوا (( لها محدث)) ثبت الفاعل. وإذا ثبت الخالق المحدث فإما أن يفعل بإرادة أو بغير إرادة. فإن قالوا (( يفعل بغير إرادة)) كان ذلك أيضاً مكابرة . فإن كل حركة فى العالم إنما صدرت عن إرادة . فإن الحركات إما طبعية ، وإما قسرية ، وإما إرادية . لأن مبدأ الحركة إما أن يكون من المتحرك ، أو من سبب خارج . وما كان منها فإما أن يكون مع الشعور ، أو بدون الشعور . فما كان سببه من خارج فهو القسري ، وما كان سببه منها بلا شعور فهو الطبعي ، وما كان مع الشعور فهو الإرادي . فالقسرى تابع للقاسر ، والذي يتحرك بطبعه . كالماء والهواء والأرض ، هو ساكن فى مركزه : لكن إذا خرج عن مركزه قسراً طلب العود إلى مركزه، فأصل حركته القسر . ولم تبق حركة أصلية إلا الإرادية . فكل حركة فى العالم فهي عن إرادة . فكيف تكون جميع الحوادث والحركات بلا إرادة؟. وأيضاً ، فإذا جوزوا أن تحدث الحوادث العظيمة عن فاعل غير مريد فجواز ذلك عن فاعل مريد أولى . ١٣١ وإذا ثبت أنه مريد قيل: إما أن يكون أرادها لحكمة ، وإما أن يكون أرادها لغير حكمة. [ فإن قالوا ((لغير حكمة)) كان ] مكابرة. فإن الإرادة لا تعقل إلا إذا كان المريد قد فعل لحكمة يقصدها بالفعل . وأيضاً ، فإذا جوزوا أن يكون فاعلا مريداً بلا حكمة فكونه فاعلا مريداً لحكمة أولى بالجواز . وأما قولهم: (( هذا لا يعقل إلا فى حق من ينتفع ، وذلك يوجب الحاجة، والله منزه عن ذلك)). فإن أرادوا أنه يوجب احتياجه إلى غيره أو شيء من مخلوقاته فهو ممنوع وباطل ؛ فإن كل ما سواء محتاج إليه من كل وجه . وهو الصمد الغني عن كل ما سواء وكل ما سواه محتاج إليه ، وهو القيوم القائم بنفسه المقيم لكل ما سواه . فكيف يكون محتاجاً إلى غيره ؟ وإن أرادوا أنه تحصل له بالخلق حكمة هي أيضاً حاصلة بمشيئته فهذا لا محذور فيه ، بل هو الحق . وإذا قالوا ((الحكمة هي اللذة))، قيل: لفظ ((اللذة)) لم يرد به الشرع، وهو موم وجمل. لكن جاء الشرع بأنه ((يحب)) و ((يرضى)) ١٣٢ و «يفرح بتوبة التائبين)) ونحو ذلك. فإذا أريد ما دل عليه الشرع والعقل فهو حق . وإن قالوا: ((الحكمة إما أن تراد لنفسها أو لحكمة))، قيل: المرادات نوعان - ما يراد لنفسه ، وما يراد لغيره . وقد يكون الشيء غاية وحكمة بالنسبة إلى مخلوق وهو مخلوق لحكمة أخرى . فلا بد أن ينتهي الأمر إلى حكمة يريدها الفاعل لذاتها . والمعتزلة ومن وافقهم ، كابن عقيل وغيره ، تثبت حكمة لا تعود إلى ذاته . وأما السلف فإنهم يثبتون حكمة تعود إليه ، كما قد بين في غير هذا الموضع . والمقصود هنا ذكر قوله تعالى: (الَّذِى خَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِى قَذَّرَفَهَدَى). والتسوية : جعل الشيئين سواء كما قال: (وَمَا يَسْتَوِى الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ)، وقوله تعالى: (تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ) و(سواء ) وسط ، لأنه معتدل بين الجوانب . وذلك أنه لا بد فى الخلق والأمر من العدل . فلابد من التسوية بين المتماثلين ، فإذا فضل أحدهما فسد المصنوع ، كما فى مصنوعات العباد إذا بنوا بنياناً فلا بد من التسوية بين الحيطان ، إذ لو رفع حائط على ١٣٣ حائط رفعاً كثيراً فسد . ولا بد من التسوية بين جذوع السقف ، فلو كان بعض الجذوع قصيراً عن الغاية. وبعضها فوق الغاية فسد . وكذلك إذا بنى صف فوق صف لابد من التسوية بين الصفوف، وكذلك الدرج المبنية. وكذلك إذا صنع لسقى الماء جداول ومساكب فلا بد من العدل والتسوية فيها. وكذلك اذا صنعت ملابس للآدميين فلا بد من أن تكون مقدرة على أبدانهم لا تزيد ولا تنقص. وكذلك ما يصنع من الطعام لا بد أن تكون أخلاطه على وجه الاعتدال ، والنار التى تطبخه كذلك . وكذلك السفن المصنوعة . ) ، أي لا تدق المسمار ولهذا قال اللّه لداود: (وَقَدِّرْ فِ السَّرْدِ فيقلق ، ولا تغلظه فيفصم ، واجعله بقدر . فإذا كان هذا في مصنوعات العباد - وهي جزء من مصنوعات الرب - فكيف بمخلوقاته العظيمة التى لا صنع فيها للعباد . كلق الإنسان، وسائر البهائم، وخلق النبات، وخلق السموات والأرض والملائكة. فالفلك الذى خلقه، وجعله مستديراً ما له من فروج، كما قال تعالى: ) الَّذِى خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَتٍ ◌ِبَاقًا مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَوقِ فَارْجِعِ الْبَصَرَهَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ * ثُمَّرْجِعِ الْصَرَكَرَنِ يَقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِنَّاوَهُوَ حَسِيرٌ ) . وقال تعالى: ( وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ ) وقال : ١٣٤ أَفَلَمْ يَنْظُرُ وَإِإِلَى السَّمَاءِ فَوقَهُمْ كَيْفَ بَيْنَهَا وَزَيَّنَهَا وَمَالَهَا مِنْ فُرُوج ) ) فهو سبحانه سواها كما سوى الشمس والقمر وغير ذلك من المخلوقات ، فعدل بين أجزائها . ولو كان أحد جانبي السماء داخلا أو خارجاً لكان فيها فروج ، وهي الفتوق والشقوق ، ولم يكن سواها ، كمن بنى قبة ولم بسوها . وكذلك لو جعل أحد جانبيها أطول أو أنقص ، ونحو ذلك . فالعدل والتسوية لازم لجميع المخلوقات والمصنوعات . فمتى لم تصنع بالعدل والتسوية بين المتماثلين وقع فيها الفساد . وهو سبحانه ( الَّذِى خَلَقَ فَسَوَّى ). قال أبو العالية فى قوله : خَلَقَ فَسَوَّى)، قال: سوى خلقهن وهذا كما قال تعالى: (فَقَضَنُهُنَّ ) سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِى يَوْمَيْنِ ) . فصل ثم إذا خلق المخلوق فسوى ، فإن لم يهده إلى تمام الحكمة التى خلق لها فسد . فلا بد أن يهدى بعد ذلك الى ما خلق له . ١٣٥ وتلك الغاية لا بد أن تكون معلومة للخالق ، فإن العلة الغائية هي أول فى العلم والإرادة ، وهي آخر فى الوجود والحصول . ولهذا كان الخالق لا بد أن يعلم ما خلق . فإنه قد أراده ، وأراد الغابة التى خلقه لها ، والإرادة مستلزمة للعلم . فيمتنع أن يريد الحي ما لا شعور له به . والصانع إذا أراد أن يصنع شيئاً فقد علمه وأراده ، وقدر فى نفسه ما يصنعه ، والغاية التى ينتهى إليها ، وما الذي يوصله إلى تلك الغاية . والله سبحانه قدر وكتب مقادير الخلائق قبل أن يخلقهم ، كما ثبت فى صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو ، عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((قدر الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء )). وفى البخاري عن عمران بن حصين ، عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((كان اللّه ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، وكتب فى الذكر كل شىء، وخلق السموات والأرض)) - وفى رواية (( ثم خلق السموات والأرض )) . ١٣٦ فقد قدر سبحانه ما يريد أن يخلقه من هذا العالم حين كان عرشه على الماء إلى يوم القيامة ، كما فى السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((أول ماخلق اللّه القلم، فقال: اكتب. فقال ما أكتب؟ فقال: اكتب ما يكون إلى يوم القيامة)). وأحاديث تقديره سبحانه وكتابته لما يريد أن يخلقه كثيرة جداً . روى ابن [أبي] حاتم عن الضحاك أنه سئل عن قوله: ( إِنَّاكُلّشَىْءٍ خَلَقْتَهُيُقَدَرٍ ) ، فقال، قال ابن عباس: إن الله قدر المقادير بقدرته ودبر الأمور بحكمته، وعلم ما العباد صائرون إليه، وما هو خالق وكائن من خلقه ، خلق الله لذلك جنة وناراً، فجعل الجنة لأوليائه وعرفهم وأحبهم وتولام، ووفقهم، وعصمهم، وترك أهل النار استحوذ عليهم إبليس وأضلهم وأزلهم . فحلق لكل شيء ما يشا كله في خلقه - ما يصلحه من رزقه في بر أو فى بحر . فجعل للبعير خلقاً لا يصلح شيء من خلقه على غيره من الدواب . وكذلك كل دابة خلق الله له منها ما يشا كلها فى خلقها، خلقه مؤتلف لما خلقه له غير مختلف . قال ابن أبي حاتم : ثنا أبى . ثنا يحيى بن زكريا بن مهران القزاز ٠٠ ١٣٧ نا حبان بن عبيد الله قال: سألت الضحاك عن هذه الآية ( إِنَّا كُلَّشَىْءٍ قال الضحاك ، قال ابن عباس ، فذكره . خَلَقْتَهُ بِقَدَرٍ ) . وقال : حدثنا أبو سعيد الأشج ، تنا طلحة بن سنان ، عن عاصم عن الحسن قال : من كذب بالقدر فقد كذب بالحق . خلق الله خلقاً، وأجل أجلا ، وقدر رزقا، وقدر مصيبة ، وقدر بلاء ، وقدر عافية . فمن كفر بالقدر فقد كفر بالقرآن . وقال حدثنا الحسن بن عرفة ، ثنا مروان بن شجاع الجزري ، عن عبد الملك بن جريح ، عن عطاء بن أبي رباح قال: أتيت ابن عباس وهو ينزع من زمزم وقد ابتلت أسافل ثيابه ، فقلت له : قد تكلم فى القدر. فقال: أو [ قد ] فعلوها ؟ قلت : نعم . قال : فو الله ما نزلت هذه الآية إلا فيهم: ( ذُوقُوْمَسََّ سَقَ * إِنََّكُلَّ شَىْءٍ خَلَقْتَهُبِقَدَرٍ ( أولئك شرار هذه الأمة ، فلا تعودوا مرضاه ، ولا تصلوا على موتاهم . إن رأيت أحداً منهم فقأت عينيه بأصبعي هاتين . وقال أيضاً : حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد (١)، حدثنا سهل الخياط، ثنا أبو صالح الحداني، ناحبان بن عبيد الله قال: سألت (١) فى الأصل ((الحسد)) و((الحداني)). ١٣٨ الضحاك عن قوله: (مَاأَصَابَ مِن ◌ْمُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِىّ أَنْفُسِكُمْإِلَّا فِىِ قال ، قال ابن عباس : إن الله كِتَةٍ مِّن قَبْلِ أَن تَّبْرَأَهَا). خلق العرش فاستوى عليه ، ثم خلق القلم فأمره ليجري بإذنه - وعظم القلم كقدر ما بين السماء والأرض - فقال القلم: بم ، يارب ! أجرى؟ فقال. (( بما أنا خالق وكائن فى خلقى من قطر أو نبات أو نفس أو أثر - يعنى به العمل - أو رزق أو أجل)). نجرى القلم بما هو كلْن إلى يوم القيامة. فأثبته الله في الكتاب المكنون عنده تحت العرش . فصل فقوله سبحانه: ( وَالَّذِى قَدَرَفَهَدَى ) يتضمن أنه قدر ما سيكون للمخلوقات . وهداها إليه. علم ما يحتاج إليه الناس والدواب من الرزق ، مخلق ذلك الرزق وسواه ، وخلق الحيوان وسواه وهداه إلى ذلك الرزق . وهدى غيره من الأحياء أن يسوق إليه ذلك الرزق . وخلق الأرض، وقدر حاجتها إلى المطر ، وقدر السحاب وما يحمله من المطر. وخلق ملائكة هدام ليسوقوا ذلك السحاب إلى تلك الأرض ١٣٩ فيمطر المطر الذي قدره . وقدر ما نبت بها من الرزق ، وقدر حاجة العباد إلى ذلك الرزق . وهدامٍ إلى ذلك الرزق ، وهدى من يسوق ذلك الرزق إليهم . وقد ذكر المفسرون أنواعا من تقديره وهدايته : فروی ابن جرير ، وابن أبي حاتم ، وغيرهما ، بالإسناد الثابت عن مجاهد في قوله: ( قَدَّرَ فَهَدَى ) ، قال: الإنسان للشقاوة والسعادة، وهدى الأنعام لمراتعها . وكذلك رواه عبد بن حميد فى تفسيره ، قال: هدى الإنسان للسعادة والشقاوة ، وهدى الأنعام لمراتعها . وقال حدثنا يونس، عن شيبان عن قتادة: (قَدَّرَفَهَدَى )، قال: ((لا والله! ما أكره الله عبداً على معصية قط ولا على ضلالة، ولا رضيها له ولا أمره، ولكن رضي لكم الطاعة فأمركم بها، ونهاكم عن معصيته)). ( قلت ): قتادة ذكر هذا عند هذه الآية ليبين أن الله قدر ما قدره من السعادة والشقاوة، كما قال الحسن وقتادة ، وغيرهما من أئمة المسلمين . فإنهم لم يكونوا متنازعين. فما سبق من سبق تقدير الله ، وإنما كان نزاع بعضهم في الإرادة وخلق الأفعال . ١٤٠