النص المفهرس
صفحات 101-120
وإنه فى السماء فوق كل شيء )) لا يقولون إن هناك شيئا يحويه أو يحصره ، أو يكون محلا له أو ظرفا ووعاء - سبحانه وتعالى عن ذلك بل هو فوق كل شيء ، وهو مستغن عن كل شيء وكل شيء مفتقر إليه. وهو عال على كل شيء، وهو الحامل للعرش ولحملة العرش بقوته وقدرته . وكل مخلوق مفتقر إليه ، وهو غنى عن العرش وعن كل مخلوق . وما فى الكتاب والسنة من قوله (ءَأَمِنْثُمْ مَنْ فِ السَّمَاءِ ) ونحو ذلك قد يفهم منه بعضهم أن ((السماء)) هي نفس المخلوق العالي - العرش فما دونه . فيقولون: قوله (فى السماء) بمعنى (( على السماء))، وَلَأَصَلِيَنَّكُمْ فِي ◌ُذُوعِ النَّخْلِ ) أي ((على جذوع النخل)) كما قال : ( وكما قال: (فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ) أي ((على الأرض)). ولا حاجة إلى هذا، بل ((السماء)) اسم جنس للعالي - لا يخص شيئا. فقوله ( في السماء) أي ((في العلو دون السفل)). وهو العلي الأعلى، فله أعلى العلو ، وهو ما فوق العرش وليس هناك غيره - العلي الأعلى سبحانه وتعالى . والقائلون بأنه فى كل مكان هو عندم فى المخلوقات السفلية القذرة الخبيثة ، كما هو في المخلوقات العالية . وغلاة هؤلاء الاتحادية الذين يقولون ((الوجود واحد))، كابن عربى الطائى صاحب ((فصوص ١٠١ الحكم))، و((الفتوحات المكية))، يقولون ((الموجود الواجب القديم هو الموجود المحدث الممكن )) . ولهذا قال ابن عربى فى («فصوص الحكم)): ((ومن أسمائه الحسنى ((العلى)). على من، وما تم إلا هو؟ وعن ماذا ، وما هو إلا هو ؟ فعلوه لنفسه ، وهو من حيث الوجود عين الموجودات، فالمسمى ((محدثات)) هي العلية لذاتها وليست إلا هو. إلى أن قال : ((فالعلى لنفسه هو الذي يكون له جميع الأوصاف الوجودية والنسب العدمية ، سواء كانت محمودة عرفا وعقلا وشرعا ، أو مذمومة عرفا وعقلا وشرعا . وليس ذلك إلا المسمى الله)). فهو عنده الموصوف بكل ذم ، كما هو الموصوف بكل مدح . وهؤلاء يفضلون عليه بعض المخلوقات ، فإن فى المخلوقات ما يوصف بالعلو دون السفول كالسماوات . وما كان موصوفا بالعلو دون السفول كان أفضل مما لا يوصف بالعلو ، أو يوصف بالعلو والسفول . وقد قال فرعون: ( أَنَاْرَتَّكُمُ الْأَعْلَى ). قال ابن عربى: ١٠٢ ((ولما كان فرعون فى منصب التحكم والخليفة بالسيف جاز في العرف الناموسي أن قال ( أَثَارَتِكُم ◌ْأَى ) . أي، وإن كان أن الكل أربابا بنسبة ما فأنا الأعلى منهم بما أعطيته من الحكم فيكم. ولما علمت السحرة صدقه فيما قال لم ينكروه ، بل أقروا له بذلك وقالوا له : فالدولة لك . ، ( فَأَقْضِ مَآ أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا نَقْضِى هَذِهِ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَاً فصح قول فرعون: ( أَنَارَتُّكُمُ الْأَعْلَى ). ) ، فيهذا وأمثاله يصححون قول فرعون: ( أَنَارَتُّكُمُ الْأَعْلَ وينكرون أن يكون الله عاليا، فضلا عن أن يكون هو الأعلى، ويقولون: (( على من يكون أعلى ، أو عما ذا يكون أعلى؟)). وهكذا سائر الجهمية يصفون بالعلو - على وجه المدح - ما هو عال من المخلوقات ، كالسماء ، والجنة ، والكواكب ، ونحو ذلك ، ويعلمون أن العالي أفضل من السافل ، وهم لا يصفون ربهم بأنه الأعلى ، ولا العلي ، بل يجعلونه فى السافلات كما هو في العاليات . والجهمية الذين يقولون (« ليس هو داخل العالم ولا خارجه ، ولا يشار إليه ألبتة ، ثم أقرب إلى التعطيل والعدم، كما أن أولئك أقرب إلى الحلول والاتحاد بالمخلوقات . فهؤلاء يثبتون موجوداً لكنه في الحقيقة المخلوق لا الخالق ؛ وأولئك ينفون فلا يثبتون وجوداً ألبتة ، لكنهم ١٠٣ يثبتون وجود المخلوقات ويقولون: إنهم يثبتون وجود الخالق . وإذا قالوا: نحن نقول: ((هو عال بالقدرة أو بالقدر))، قيل : هذا فرع ثبوت ذاته وأنتم لم تثبتوا موجوداً يعرف وجوده فضلا عن أن يكون قادراً أو عظيم القدر . وإذا قالوا : كان الله قبل خلق الأمكنة والمخلوقات موجوداً ، وهو الآن على ما عليه كان لم يتغير ، ولم يكن هناك فوق شىء، ولا عالياً على شىء، فكذلك هو الآن ، قيل : هذا غلط ، ويظهر فساده بالمعارضة ثم بالحل وبيان فساده . أما ((الأول))، فيلزمهم أن لا يكون الآن عالياً بالقدرة ولا بالقدر كما كان في الأزل . فإنه إذا قدر وجوده وحده فليس هناك موجود يكون قادراً عليه، ولا قاهراً له ولا مستولياً عليه، ولا موجودا يكون هو أعظم قدراً منه . فإن كان مع وجود المخلوقات لم يتجدد له علو عليها كما زعموا ، فيجب أن يكون بعدها ليس قاهراً لشىء، ولا مستولياً عليه ، ولا قاهراً لعباده، ولا قدره أعظم من قدرها. وإذا كانوا يقولون ثم وجميع العقلاء: إنه مع وجود المخلوق يوصف بأمور إضافية لا يوصف ١٠٤ بها إذا قدر موجوداً وحده على أن التسوية بين الحالين خطأ منهم : وقد اتفق العقلاء على جواز تجدد النسب والإضافات مثل المعية ، وإنما النزاع في تجدد ما يقوم بذاته من الأمور الاختيارية . وقد بين في غير هذا الموضع أن النسب والإضافات مستلزمة الأمور ثبوتية ، وأن وجودها بدون الأمور الثبوتية ممتنع . والإنسان إذا كان جالساً فتحول المتحول عن يمينه بعد أن كان عن شماله قيل ((إنه عن شماله)) . فقد تجدد من هذا فعل به تغيرت النسبة والإضافة . وكذلك من كان تحت السطح فصار فوقه فإن النسبة بالتحتية والفوقية تجدد لما تجدد فعل هذا . وإذا قيل (( نفس السقف لم يتغير ))، قيل قد يمنع هذا ويقال : ليس حكمه إذا لم يكن فوقه شىء كمكمه إذا كان فوقه شىء . وإذا قيل عن الجالس (( إنه لم يتغير))، قيل : قد يمنع هذا ويقال : ليس حكمه إذا كان الشخص عن يساره ككمه إذا كان عن يمينه، فإنه يحجب هذا الجانب، ويوجب من التفات الشخص وغير ذلك ما لم يكن قبل ذلك. وكذلك من تجدد له أخ أو ابن أخ بإبلاد أبيه أو أخيه قد وجد هنا أمورٌ ثبوتية . وهذا الشخص بصير فيه من العطف والحنو على هذا الولد المتجدد ما لم يكن قبل ذلك ، وهي الرحم والقرابة . ١٠٥ وبهذا يظهر الجواب الثاني ، وهو أن يقال : العلو والسفول ونحو ذلك من الصفات المستلزمة للإضافة ، وكذلك الاستواء ، والربوبية ، والخالقية ، ونحو ذلك . فإذا كان غيره موجوداً فإما أن يكون عالياً عليه، وإما أن لا يكون ، كما يقولون م : إما أن يكون عالياً عليه بالقهر، أو بالقدر أو لا يكون ، خلاف ما إذا قدر وحده، فإنهم لا يقولون إنه حينئذ قاهر، (أو قادر ٠] أو مستول عليه، فلا يقال إنه عال عليه. وإن قالوا: ((إنه قادر وقاهر)) كان ذلك مشروطاً بالغير ، وكذلك علو القدر ، قيل : وكذلك علو ذاته ما زال عالياً بذاته لكن ظهور ذلك مشروط بوجود الغير . والإلزامات مفحمة لهم . وحقيقة قولهم إنه لم يكن قادراً فى الأزل ثم صار قادراً . يقولون لم يزل قادراً مع امتناع المقدور ، وإنه لم يكن الفعل ممكناً فصار ممكنا . فيجمعون بين النقيضين . فصل وأما الذين يصفونه بالعلو والسفول فالذين يقولون : هو فوق العرش وهو أيضاً في كل مكان، والذين يقولون: إذا نزل كل ليلة فإنه ١٠٦ يخلو منه العرش ، أو غيره من المخلوقات أكبر منه، ويقولون: لا يمتنع أن يكون الخالق أصغر من المخلوق ، كما يقول شيوخهم: إنه لا يمتنع أن يكون الخالق أسفل من المخلوق ، فهؤلاء لا يصفونه بأنه أكبر من كل شىء، بل ولا هو - على قولهم - الكبير المتعال ، ولا هو العلى العظيم . وقد بسط الرد على هؤلاء في ((مسألة النزول)) لما ذكر قول أئمة السنة مثل حماد بن زيد، وإسحق بن راهويه، وغيرها: «إنه ينزل ولا يخلو منه العرش)) ذكر قول من أنكر ذلك من المتأخرين المنتسبين إلى الحديث والسنة ، وبين فساد قولهم شرعا وعقلاً . وهؤلاء فى مقابلة الذين ينفون النزول . وإذا قيل : حديث النزول ونحوه ظاهره ليس [ يحتمل التأويل ] فهذا صحيح إذا أريد بالظاهر ما يظهر لهؤلاء ونحوم [ من أنه ينزل إلى أسفل ] فيصير تحت العرش، كما ينزل الإنسان من سطح داره إلى أسفل . وعلى قول هؤلاء ولا يبقى حينئذ العلي ولا الأعلى، بل يكون تارة أعلى وتارة أسفل - تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً . وكذلك ماورد من نزوله يوم القيامة في ظلل من الغمام . ومن نزوله ١٠٧ إلى الأرض لما خلقها ، ومن نزوله لتكليم موسى ، وغير ذلك ، كله من باب واحد، كقوله تعالى: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِى ظُلَلٍ مِّنَ الْغَهَامِ ) وقوله: ( وَجَءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفَّاصَفًا)، وقوله: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلََّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَئِكَةُ أَوْ يَأْتِىَ رَبُّكَ أَوْيَأْتِىَ بَعْضُءَايَتِ رَبِّكَ) والنفاة المعطلة ينفون المجيء والإتيان بالكلية ويقولون : ما ثم إلا ما يحدث فى المخلوقات ، والحلولية يقولون : إنه يأتي ومجيء بحيث يخلو منه مكان وبشغل آخر ، فيخلو منه ما فوق العرش ويصير بعض المخلوقات فوقه . فإذا أتى وجاء لم يصر على قولهم العلي الأعلى، ولا كان هو العلي العظيم ، لا سيما إذا قالوا : إنه بحويه بعض المخلوقات فتكون أكبر منه - سبحانه وتعالى عما يقول هؤلاء وهؤلاء علواً عظيما . وكذلك قوله: (مَأَمِنْثُ مَّنْ فِ السَّمَاءِ ) إن كان قد قال أحد : إنه فى جوف السماء فهو شر قولا من هؤلاء ، ولكن هذا ما علمت به قائلاً معيناً منسوبا إلى علم حتى أحكيه قولا . ومن قال: ((إنه فى السماء)) فمراده أنه في العلو ، ليس مراده أنه في جوف الأفلاك ، إلا [ أن بعض ] الجهال يتوم ذلك . وقد ظن طائفة أن هذا ظاهر اللفظ . ١٠٨ (الظاهر) ولا ريب أنه محمول على خلاف هذا بالاتفاق ؛ لكن هذا هو الذي يظهر لعامة المسلمين الذين يطلقون هذا القول ويسمعونه ، أو هو مدلول اللفظ فى اللغة ، هو مما لا يسلم لهم كما قد يبسط فى مواضع . وقد قال تعالى: ( قُل لََّ يَعْلَمُ مَنْ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّ اللَّهُ) فاستثنى نفسه، والعالم ((من فى السموات والأرض)). ولا يجوز أن يقال هذا استثناء منقطع ، لأن المستثنى مرفوع ، ولو كان منقطعاً لكان منصوبا . والمرفوع على البدل، والعامل فيه هو العامل فى المبدل منه وهو بمنزلة المفرغ، كأنه قال ((لا يعلم الغيب إلا الله)). فيلزم أنه داخل في (( من فى السموات والأرض )). وقد قدمنا أن لفظ ((السماء)» يتناول كل ما سما، ويدخل فيه السموات ، والكرسي ، والعرش ، وما فوق ذلك . لأن هذا فى جانب النفى، وهو لم يقل هنا: ((السموات السبع بل عم بلفظ ((السموات)). وإذا كان لفظ (( السماء)) قد يراد به السحاب ، ويراد به الفلك ، ويراد به ما فوق العالم، ويراد به العلو مطلقاً، فـ ((السموات)) جمع ((سماء)) وكل من فيما يسمى ((سماء)) وكل من فيما يسمى ((أرضا)) لا يعلم الغيب إلا الله. ١٠٩ وهو سبحانه قال ((قُل لَّا يَعْلَمُ مَن)) ولم يقل ((ما))، فإنه لما اجتمع ما يعقل، وما لا يعقل غلب ما يعقل وعبر عنه بـ ((من)) لتكون أبلغ ، فإنهم مع كونهم من أهل العلم والمعرفة لا يعلم أحد منهم الغيب إلا الله . وهذا هو الغيب المطلق عن [ جميع المخلوقين ] الذي قال فيه فَلَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا ). [ والغيب المقيد ما علمه ] بعض المخلوقات ) من الملائكة، أو الجن، أو الإنس وشهدوه ، فإنما هو غيب عمن غاب عنه، ليس هو غيباً عمن شهده . والناس كلهم قد يغيب عن هذا ما يشهده هذا ، فيكون غيباً مقيداً - أي غيباً عمن غاب عنه من المخلوقين ، لا عمن شهده ، ليس غيباً مطلقاً غاب عن المخلوقين قاطبة . وقوله: (عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ ) أي عالم ما غاب عن العباد مطلقاً ومعيناً وما شهدوه ، فهو سبحانه يعلم ذلك كله . والنفاة للعلو ونحوه من الصفات معترفون بأنه ليس مستندم خبر الأنبياء - لا الكتاب ، ولا السنة، ولا أقوال السلف - ولا مستندم فطرة العقل وضرورته ، ولكن يقولون: معنا النظر العقلي . وأما أهل السنة المثبتون للعلو فيقولون: إن ذلك ثابت بالكتاب والسنة والاجماع ، مع فطرة الله التى فطر العباد عليها، وضرورة العقل ، ومع نظر العقل واستدلاله . ١١٠ لكن الذين يقولون بأنه ينزل ولا يبقى فوق العرش ، وأنه يكون فى جوف المخلوقات ، ونحو هؤلاء ، قد يقولون إن مستندم فى ذلك السمع ، وهو ما فهموه من القرآن ، أو من الأحاديث الصحيحة ، أو غير الصحيحة، أو من أقوال السلف، وم أخطأوا من حيث نظروا - اقتصروا على فهمه من نص واحد ، كفهمهم من حديث النزول - ولم يتدبروا ما فى الكتاب والسنة مما يصفه بالعلو والعظمة ونحو ذلك مما ينافى أن يكون شيء أعلى منه أو أكبر منه. و[لم](4)يتدبروا أيضاً دلالة النص، مثل نزوله إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر بأن الليل يختلف ، فيكون ليل أهل المشرق ونصفه وثلثه الآخر قبل ذلك فى المغرب بقريب من يوم . فيلزم على قولهم أنه لا يزال تحت العرش ، وهو قد أخبر أنه استوى على العرش بعد خلق السموات والأرض . وما ذكروه ينافى استواءه على العرش ، وأنه ليس فوق العرش ، كما قد بسط فى مواضع . فصل ((الأعلى)) على وزن أفعل التفضيل، مثل الأكرم، والأكبر . والأجل . ولهذا قال النبى صلى الله عليه وسلم لما قال أبو سفيان (١) أضيفت حسب مفهوم السياق ١١١ (( اعل هبل! اعل هبل!)) فقال النبى صلى الله عليه وسلم ((ألا يجيبونه؟ )) قالوا: وما نقول؟ قال: قولوا: الله أعلى وأجل!)). وهو مذكور بأداة التعريف ((الأعلى)) مثل (وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ) ، بخلاف ما إذا قيل ((الله أكبر)) فإنه مُنَكَّر. ولهذا معنى يخصه يتميز به ، ولهذا معنى يخصه يتميز به ، كما بين العلو، والكبرياء ، والعظمة . فإن هذه الصفات وإن كانت متقاربة، بل متلازمة ، فيينها فروق لطيفة ؛ ولهذا قال النبى صلى الله عليه وسلم فيما يروى عن ربه تعالى: ((العظمة إزاري والكبرياء ردائى، فمن نازغنى واحداً منها عذبته)). فجعل الكبرياء بمنزلة الرداء، وهو أعلى من الإزار . ولهذا كان شعائر الصلاة ، والأذان ، والأعياد والأماكن العالية ، هو التكبير . وهو أحد الكلمات التى هى أفضل الكلام بعد القرآن - سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، كما ثبت ذلك في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم . ولم يجئ فى شيء من الأثر بدل قول ((الله أكبر)) ((اللّه أعظم)). ولهذا كان جمهور الفقهاء على أن الصلاة لا تنعقد إلا بلفظ التكبير . فلو قال: ((اللّه أعظم)) لم تنعقد به الصلاة لقول النبى صلى الله عليه وسلم ((مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم)) . وهذا ١١٢ قول مالك ، والشافعي ، وأحمد ، وأبى يوسف ، وداود ، وغيرهم . ولو أتى بغير ذلك من الأذكار - مثل سبحان الله، والحمد لله - لم تنعقد به الصلاة . ولأن التكبير مختص بالذكر فى حال الارتفاع ، كما أن التسبيح مختص بحال الانخفاض ، كما في السنن عن جابر بن عبد الله قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا علونا كبرنا وإذا هبطنا سبحنا ، فوضعت الصلاة على ذلك . قال : اجعلوها فى (فَسَيِخْ بِأَسْمِ رَبِّكَ اَلْعَظِيمِ) ولما نزل قوله : قال: ((اجعلوها في (سَبِ أَسْمَرَبِّكَ الْأَعْلَى) رکوعکم )»، ولما نزل سجودكم)). وثبت عنه أنه كان يقول فى ركوعه ((سبحان ربي العظيم)) وفي سجوده ((سبحان ربي الأعلى)) ولم يكن بكبر فى الركوع والسجود . لكن قد كان يقرن بالتسبيح التحميد والتهليل ، كما ثبت فى الصحيحين عن عائشة أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول فى ركوعه وسجوده (( سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي )) يتأول القرآن - أي يتأول قوله: (فَسَبِّحْ بِحَمْدِرَبِّكَ وَاُسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا). فكان يجمع بين التسبيح والتحميد . ١١٣ وكذلك قد كان يقرن بالتسبيح فى الركوع والسجود التهليل ، كما فى صحيح مسلم عن عائشة قالت : افتقدت النى صلى الله عليه وسلم ذات ليلة ، فظننت أنه ذهب إلى بعض نسائه ، فتحسست ثم رجعت، فإذا هو راكع أو ساجد يقول (( سبحانك وبحمدك، لا إله إلا أنت)). فقلت : بأبي أنت وأمي ! إنى لفى شأن وإنك لفى شأن . ففى هذه الأحاديث كلها أنه كان يسبح فى الركوع والسجود ، لكن قد يقرن بالتسبيح التحميد والتهليل، وقد يقرن به الدعاء . ولم ينقل أنه كبر في الركوع والسجود . وأما قراءة القرآن فيها فقد ثبت عنه أنه قال: ((إنى نهيت أن أقرأ القرآن راكعاً وساجداً)) - رواه مسلم من حديث علي ، ومن حديث ابن عباس. وذلك أن القرآن كلام الله فلا يتلى إلا فى حال الارتفاع والتكبير أيضاً محله حال الارتفاع . وجمهور العلماء على أنه بشرع التسبيح في الركوع والسجود ، وروي عن مالك أنه كره المداومة على ذلك لئلا يظن وجوبه. ثم اختلفوا في وجوبه . فالمشهور عن أحمد ، وإسحق ، وداود ، وغيرهم وجوبه. وعن أبى حنيفة ، والشافعي ، استحبابه . والقائلون بالوجوب، منهم من يقول: يتعين ((سبحان ربي العظيم)) ١١٤ و ((سبحان ربي الأعلى)) للأمر بها، وهو قول كثير من أصحاب أحمد: ومنهم من يقول : بل يذكر بعض الأذكار المأثورة . والأقوى أنه يتعين التسبيح، إما بلفظ ((سبحان))، وإما بلفظ ((سبحانك))، ونحو ذلك. وذلك أن القرآن سماها ((تسبيحاً)) فدل على وجوب التسبيح فيها، وقد بينت السنة أن محل ذلك الركوع والسجود، كما سماها الله ((قرآناً)) وقد بينت السنة أن محل ذلك القيام. وسماها ((قياماً)) و((سجوداً)) و((ركوعا)) وبينت السنة علمة ذلك ومحله . وكذلك التسبيح - يسبح فى الركوع والسجود . وقد نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول ((سبحان ربي العظيم)) و ((سبحان ربى الأعلى))؛ وأنه كان يقول ((سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي))، و ((سبحانك وبحمدك، لا إله إلا أنت)). وفى بعض روايات أبى داود ((سبحان ربي العظيم وبحمده )) . وفى استحباب هذه الزيادة عن أحمد روايتان . وفى صحيح مسلم عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول فى ركوعه وسجوده ((سبوح قدوس رب الملائكة والروح)). وفي السنن أنه كان يقول ((سبحان ذي الجبروت، والملكوت، والكبرياء، والعظمة)). فهذه كلها تسبيحات . ١١٥ والمنقول عن مالك أنه [ كان يكره المداومة على ذلك . فإن ] كان كراهة المداومة على ((سبحان ربي الأعلى والعظيم)) فله وجه ، وإن كان كراهة المداومة على جنس التسبيح فلا وجه له ، وأظنه الأول . وكذلك المنقول عنه إنما هو كراهة المداومة على ((سبحان ربي العظيم)) لئلا يظن أنها فرض ؛ وهذا يقتضى أن مالكا أنكر أن تكون فرضاً واجباً . وهذا قوي ظاهر ، بخلاف جنس التسبيح ، فإن أدلة وجوبه فى الكتاب والسنة كثيرة جداً . وقد علم أنه صلى الله عليه وسلم كان يداوم على التسبيح بألفاظ متنوعة . وقوله (( اجعلوها في ركوعكم وفي سجودكم )) يقتضى أن هذا محل لامتثال هذا الأمر ، لا يقتضى أنه لا يقال إلا هي مع ما قد ثبت أنه كان يقول غيرها . والجمع بين صيغتى تسبيح بعيد ، بخلاف الجمع بين التسبيح ، والتحميد ، والتهليل والدعاء . فإن هذه أنواع ، والتسبيح نوع واحد فلا يجمع فيه بين صيغتين . وأيضاً قد ثبت فى الصحيح أنه قال: ((أفضل الكلام بعد القرآن ١١٦ أربع وهن من القرآن - سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله والله أكبر)). فهذا يقتضي أن هذه الكلمات أفضل من غيرها . فإن جعل التسبيح نوعا واحداً فـ ((سبحان الله)) و((سبحان ربي الأعلى)) سواء، وإن جعل متفاضلا فـ((سبحان الله)) أفضل بهذا الحديث . و(فَسَيِّحْ بِأَسْمِ رَبِّكَ اَلْعَظِيمِ ) (سَبِحِ أَسْمَرَبِّكَ الْأَعْلَى) وأيضاً فقوله : أمر بتسبيح ربه ، ليس أمراً بصيغة معينة. فإذا قال ((سبحان الله وبحمده)) ((سبحانك اللهم وبحمدك، فقد سبح ربه الأعلى والعظيم. فإن الله هو الأعلى، وهو العظيم، واسمه ((الله)) يتناول معاني سائر الأسماء بطريق التضمن ، وإن كان التصريح بالعلو والعظمة ليس هو فيه. ففى اسمه ((الله)) التصريح بالإلهية، واسمه ((الله)) أعظم من اسمه ((الرب)) . وفى صحيح مسلم عن أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل : أي الكلام أفضل ؟ فقال : ما اصطفى الله لملائكته أو لعباده - ((سبحان الله وبحمده)). فالقيام ، فيه التحميد [و] فى الاعتدال من الركوع ، وفي الركوع والسجود التسبيح ، وفى الانتقال التكبير ، وفى القعود التشهد وفيه التوحيد . فصارت الأنواع الأربعة في الصلاة . ١١٧ والفاتحة أيضاً فيها التحميد والتوحيد . فالتحميد والتوحيد ركن يجب في القراءة: والتكبير ركن فى الافتاح ؛ والتشهد الآخر ركن في [القعود كما هو ] المشهور عن أحمد ، وهو مذهب الشافعي ، وفيه التشهد المتضمن للتوحيد . يبقى التسبيح، وأحمد يوجبه فى الركوع والسجود ، وروي عنه أنه ركن، وهو قوي لثبوت الأمر به فى القرآن والسنة . فكيف يوجب الصلاة على النبى صلى الله عليه وسلم ولم يجئ أمر بها في الصلاة خصوصاً ولا يوجب التسبيح مع الأمر به فى الصلاة ، ومع كون الصلاة تسمى ((تسبيحاً))؟ وكل ما سميت به الصلاة من أبعاضها فهو ركن فيها، كما سميت ((قياماً))، و((ركوعا)) و((سجوداً))، ((وقراءة))، وسميت أيضاً ((تسبيحاً)). ولم يأت عن النبي صلى الله عليه وسلم ما ينفي وجوبه فى حال السهو كما ورد فى التشهد الأول أنه لما تركه سجد للسهو ؛ لكن قد يقال: لما لم يأمر به المسيء فى صلاته دل على أنه واجب ليس بركن. وبسط هذه المسائل له موضع آخر . والمقصود هنا أن التسبيح قد خص به حال الانخفاض ، كما خص حال الارتفاع بالتكبير . فذكر العبد فى حال انخفاضه وذله ما يتصف به ١١٨ الرب [مقابل] ذلك. فيقول فى السجود («سبحان ربي الأعلى))، وفي الركوع (( سبحان ربي العظيم)). و «الأعلى)) يجمع معاني العلو جميعها، وأنه الأعلى بجميع معانى العلو . وقد اتفق الناس على أنه علي على كل شيء بمعنى أنه قاهر له ، قادر عليه، متصرف فيه، كما قال: (إِذَا لَّذَهَبَ كُلّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَعَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىبَعْضٍ ) وعلى أنه عال عن كل عيب ونقص ، فهو عال عن ذلك ، منزه عنه ، كما قال تعالى: (وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ءَاخَرَ فَتُلْقَى فِ جَهَنََّ مَلُومَا مَّدْ حُورًا * أَفَأَ صْفَتَكُتْرَبُّكُمْ بِلْبَنِينَ وَأَتَّخَذَ مِنَ الْمَلَئِكَةِإِنَّا إِنَّكُمْلَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا * وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْءَانِ لِيَذْكَرُواْ وَمَا يَزِيدُ هُمْ إِلََّنُفُورًا * قُل لَّوَكَانَ مَعَهُن ◌َالِمَّةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذَا لََّ بَنَّغَواْ إِلَى ذِى اُلْعَشْرِ سَبِيلًا * سُبْحَنَهُ وَتَعَلَى عَمَّ يَقُولُونَ عُلُؤَا كَبِيرًا ) فقرن تعاليه عن ذلك بالتسبيح . وقال تعالى: (مَاتَّخَذَ اُلَهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلٍَّ إِذَا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهِ يِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضِّ سُبْحَنَ اَللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * عَلِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ فَتَعَلَى عَمَّايُشْرِكُونَ) وقالت الجن: (وَأَنَّهُ تَعَلَى جَُّّ رَبِنَامَاتَّخَذَ صَحِبَةٌ وَلَا وَلَدًّا) ١١٩ وفى دعاء الاستفتاح: ((سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك ، وتعالى جدك)). وفي الصحيحين أنه كان يقول فى آخر استفتاحه : ((تباركت وتعاليت ، أستغفرك وأتوب إليك )) فقد بين سبحانه أنه تعالى عما يقول المبطلون وعما يشركون . فهو متعال عن الشركاء والأولاد ، كما أنه مسبح عن ذلك . وتعاليه سبحانه عن الشريك هو تعاليه عن السمي ، والند، والمثل فلا يكون شيء مثله . وقد ذكروا من معاني العلو الفضيلة ، كما يقال : الذهب أعلى من الفضة . ونفى المثل عنه يقتضى أنه أعلى من كل شيء فلا شيء مثله. وهو يتضمن أنه أفضل وخير من كل شيء ، كما أنه أكبر من كل شيء. وفى القرآن: (قُلِ اَلْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَمُّ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ أَصْطَفَىَّءَاللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ). ويقول: (أَفَمَّنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَّا يَخْلُقُّ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ) ويقول: (أَفَمَنْ يَهْدِىّ إِلَى اَلْحَقِّ أَحَقُّأَن يُنَّبَعَ أَمَّن ◌ََّ يَهِدّىَ إِلَّ أَنْ يُهْدَى) وقالت السحرة: (وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى) وهو سبحانه يبين أن المعبودين دونه ليسوا مثله فى مواضع ، كقوله: (قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَمَن يُعْجُ الْحَىَّ ١٢٠