النص المفهرس

صفحات 61-80

سورة القلم
وقال شيخ الإسلام رحمه الله
فصل
سورة ( ن) هي سورة ((الخلق)) الذي هو جماع الدين الذي
بعث الله به محمداً صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى فيها: (وَإِنَّكَ
◌َعَلَ خُلُقٍ عَظِيمٍ ) قال ابن عباس : على دين عظيم . وقاله ابن عيينة،
وأخذه أحمد عن ابن عيينة . فإن الدين والعادة والخلق ألفاظ
متقاربة المعنى في الذات وإن تنوعت فى الصفات ، كما قيل فى
لفظ الدين :
فهذا دينه أبداً ودنى .
وجمع بعض الزنادقة بينهما فى قوله :
ما فيه من مدح ولا ذم
ما الأمر إلا نسق واحد
والطبع والشارع بالحكم
وإنما العادة قد خصصت
٦١

( نّ) أقسم سبحانه بالقلم وما يسطرون ؛ فإن القلم به يكون الكتاب
الساطر للكلام : المتضمن للأمر والنهي والإرادة ، والعلم المحيط بكل
شيء ؛ فالإقسام وقع بقلم التقدير ومسطوره ، فتضمن أمرين عظيمين
تناسب المقسم عليه .
((أحدهما)) الإحاطة بالحوادث قبل كونها ، وأن من علم بالشيء
قبل كونه أبلغ ممن علمه بعد كونه ، فإخباره عنه أحكم وأصدق .
((الثاني)) أن حصوله فى الكتابة والتقدير بتضمن حصوله فى الكلام
والقول والعلم من غير عكس؛ فإقسامه بآخر المراتب العلمية يتضمن أولها
من غير عكس ؛ وذلك غاية المعرفة واستقرار العلم إذا صار مكتوبا .
فليس كل معلوم مقولا ، ولاكل مقول مكتوبا ، وهذا يبين لك حكمة
الإخبار عن القدر السابق بالكتاب دون الكلام فقط ، أو دون
العلم فقط .
والمقسم عليه ثلاث جمل: (مَآ أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ) (وَإِنَّ
لَكَ لَأَجْرًّا غَيْرَ مَمْنُونٍ ) (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) سلب عنه النقص
الذي يقدح فيه ، وأثبت له الكمال المطلوب فى الدنيا والآخرة ، وذلك
أن الذي أتى به إما أن يكون حقاً أو باطلاً ، وإذا كان باطلا فإما أن
يكون مع العقل أو عدمه ، فهذه الأقسام الممكنة فى نظائر هذا .
٦٢

((الأول)) أن يكون باطلا ولا عقل له ، فهذا مجنون لا نم
عليه ولا يتبع .
((الثاني)) أن يكون باطلا وله عقل، فهذا يستحق الذم والعقاب.
((الثالث)) أن يكون حقاً مع العقل، فنفى عنه الجنون أولا،
ثم أثبت له الأجر الدائم الذي هو ضد العقاب، ثم بين أنه على
خلق عظيم ؛ وذلك يبين عظم الحق الذي هو عليه بعد أن نفى
عنه البطلان.
وأيضاً : فالناس نوعان: إما معذب ، وإما سليم منه . والسليم
ثلاثة أقسام: إما غير مكلف ، وإما مكلف قد عمل صالحاً : مقتصداً،
وإما سابق بالخيرات . فجعل القسم مرتباً على الأحوال الثلاثة ليبين أنه
أفضل قسم السعداء ، وهذا غاية كمال السابقين بالخيرات، وهذا تركيب
بديع فى غاية الإحكام .
( فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ ) الآيات ؛ فتضمن أصلين :
قال
((أحدهما)) أنه نهاه عن طاعة هذين الضربين، فكان
فيه فوائد :
((منها)) أن النهي عن طاعة المرء نهي عن التشبه به بالأولى . فلا
٦٣

يطاع المكذب والخلاف ، ولا يعمل بمثل عملها، كقوله: ( وَلَا تُطِع
اُلْكَفِرِينَ وَالْمُنَفِقِينَ ) وأمثاله فإن النهي عن قبول قول من يأمر بالخلق
الناقص أبلغ فى الزجر من النهي عن التخلق به .
((ومنها)) أن ذلك أبلغ فى الإكرام . والاحترام ، فإن قوله :
لا تكذب ، ولا يحلف ، ولا تشتم ، ولا تهمز : ليس هو مثل
قوله لا تطع من يكون متلبساً بهذه الأخلاق ؛ لما فيه من
تشريفه وبراءته .
((ومنها )) أن الأخلاق مكتسبة بالمعاشرة ؛ ففيه محذير عن
اكتساب شيء من أخلاقهم بالمخالطة لهم ؛ فليأخذ حذره ، فإنه محتاج
إلى مخالطتهم لأجل دعوتهم إلى الله تعالى .
((ومنها)) أنهم يبدون مصالح فيما يأمرون به ، فلا تطع من كان
هكذا ولو أبداها ، فإن الباعث لهم على ما يأمرون به هو ما فى
نفوسهم من الجهل والظلم ، وإذا كان الأصل المقتضي للأمر فاسداً لم
يقبل من الآمر ، فإن الأمر مداره على العلم بالمصلحة وإرادتها ، فإذا
كان جاهلا لم يعلم المصلحة ، وإذا كان الخلق فاسداً لم يردها ؛ وهذا
معنى بليغ .
٦٤

((الأصل الثانى)» أنه ذكر قسمين: المكذبين، وذوي الأخلاق
الفاسدة ، وذلك لوجوه :
((أحدها)) أن المأمور به هو الإيمان والعمل الصالح ، فضده
التكذيب والعمل الفاسد .
و ((الثانى)) أن المؤمنين مأمورون بالتواصي بالحق، والتواصي
بالصبر ، فكما أنا مأمورون بقبول هذه الوصية والإيصاء بها فقد نهينا
عن قبول ضدها . وهو التكذيب بالحق والترك للصبر ، فإن هذه
الأخلاق إنما تحصل لعدم الصبر ، والصبر ضابط الأخلاق المأمور بها ؛
ولهذا ختم السورة به ، وقال: (وَمَا يُلَقَّنِهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا ) فكان
فى سورة العصر ما بين هنا . فنهاه عن طاعة الذي فى خسر ، ضد
الذي للمؤمنين الآمرين بالحق والصبر ، والذي في خسر هو الكذاب
المهين ، فهو تارك للحق والصبر .
((الأصل الثالث)) أن صلاح الإنسان في العلم النافع والعمل
الصالح ، وهو الكلم الطيب الذي يصعد إلى الله، والعمل الصالح
جماع العدل ، وجماع ما نهى الله عنه الناس : هو الظلم ، كما قرر فى
غير هذا. قال تعالى: (وَحَلَهَا الْإِنسَنَّ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوْمَاجَهُولًا )،
والتكذيب بالحق صادر إما عن جهل ، وإما عن ظام وهو الجاحد
٦٥

المعاند ، وصاحب الأخلاق الفاسدة إنما يوقعه فيها أحد أمرين : إما
الجهل بما فيها وما فى ضدها فهذا جاهل ، وإما الميل والعدوان وهو
الظلم ، فلا يفعل السيئات إلا جاهل بها ، أو محتاج إليها متلذذ بها
وهو الظالم . فنهاه عن طاعة الجاهلين والظالمين .
وقوله: (وَدُوْ لَوْنُدْهِنُ ) الآية أخبر أنهم يحبون إدهانه
ليدهنوا ، فهم لا يأمرونه نصحاً ؛ بل يريدون منه الإدهان ويتوسلون
بإدهانه إلى إدهانهم ، ويستعملونه لأغراضهم فى صورة الناصح ؛ وذلك
لما نشأ من تكذيبهم بالحق ، فإنه لم يبق فى قلوبهم غاية ينتهون إليها
من الحق ؛ لا فى الحق المقصود ولا الحق الموجود ، لا خبراً عنه ، ولا
أمراً به ، ولا اعتقاداً ، ولا اقتصاداً .
ثم قال: (وَلَا تُطِعْ كُلَّ خَلَافٍ مَّهِينٍ) إلخ. ذكر أربع آيات
كل آبتين جمعت نوعاً من الأخلاق الفاسدة المذمومة ، وجمع فى كل
آية بين النوع المتشابه خبراً وطلباً ، فالخلاف مقرون بالمهين ؛ لأن
الخلاف هو كثير الحلف ، وإنما يكون على الخبر أو الطلب، فهو إما
تصديق أو تكذيب ، أو حض أو منع ؛ وإنما يكثر الرجل ذلك فى
خبره إذا احتاج أن يصدق ويوثق بخبره . ومن كان كثير الحلف كان
كثير الكذب فى العهد محتاجاً إلى الناس، فهو من أذل الناس (حَلَافٍ
مَّهِينٍ ) حلاف فى أقواله ، مهين فى أفعاله .
٦٦

وأما الهماز المشاء بنميم : فالهمز أقوى من اللمز وأشد ــ سواء
كان همز الصوت أو همز حركة - ومنه ((الهَمْزةُ)) وهى نبرة من
الحلق مثل التهوع ، ومنه الهمز بالعقب ، كما فى حديث زمزم: ((أنه
همز جبريل بعقبه)). والفعال: مبالغة فى الفاعل . فالهماز المبالغ فى
العيب نوعا وقدراً . القدرة من صورة اللفظ ، وهو الفعال . والنوع
من مادة اللفظ وهو الهمزة . والمشاء بنميم هو من العيب ، ولكنه
عيب في القفا . فهو عيب الضعيف العاجز . فذكر العياب بالقوة ،
والعياب بالضعف ، والعياب في مشهد . والعياب فى مغيب .
وأما (مَّنَّاعِلِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيرٍ ) فإن الظلم نوعان : ترك الواجب
وهو منع الخير ، وتعد على الغير وهو المعتدي . وأما الأثيم مع
المعتدي فكقوله: (وَلَا نَعَاوَنُواْ عَلَى الْإِثْمِ وَاُلْعُدْوَنِ ).
وأما العتل الزنيم : فهو الجبار الفظ الغليظ الذي قد صار من
شدة مجبره وغلظه معروفا بالشر ، مشهوراً به ، له زيمة كزيمة الشاة .
ويشبه - والله أعلم - أن يكون الخلاف المهين الهاز المشاء بذميم
من جنس واحد ، وهو فى الأقوال وما يتبعها من الأفعال ، والمناع
المعتدي الأثيم العتل الزنيم من جنس، وهو فى الأفعال وما يتبعها من
الأقوال . فالأول الغالب على جانب الأعراض ، والثانى الغالب على
٦٧

جانب الحقوق فى الأحوال والمنافع ونحو ذلك. ووصفه بالظلم والبخل
والكبر ، كما فى قوله : ( إِنَّاللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا * الَّذِينَ
يَبْخَلُونَ ) الآية .
وقوله: (سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُطُورِ) فيه إطلاق يتضمن الوسم فى
الآخرة وفي الدنيا أيضاً ، فإن الله جعل للصالحين سيما ، وجعل للفاجرين
سيما . قال تعالى: (سِيمَاهُمْ فِ وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ) وقال يظهر :
(وَلَوْنَشَآءُ لَأَرَبِنَكَهُمْ فَلَعَرَفْنَهُمْ بِسِيمَهُمْ ) الآية. فجعل الإرادة والتعريف
بالسيما الذي يدرك بالبصر معلقاً على المشيئة ، وأقسم على التعريف فى
لحن القول ، وهو الصوت الذي يدرك بالسمع . فدل على أن المنافقين
لا بد أن يعرفوا في أصواتهم وكلامهم الذي يظهر فيه لحن قولهم ،
وهذا ظاهر بين لمن تأمله في الناس ، من أهل الفراسة في الأقوال
وغيرها مما يظهر فيها من النواقض والفحش وغير ذلك .
وأما ظهور ما فى قلوبهم على وجوههم فقد يكون وقد لا يكون،
ودل على أن ظهور ما فى باطن الإنسان على فلتات لسانه أقوى من
ظهوره على صفحات وجهه ؛ لأن اللسان ترجمان القلب ، فإظهاره لما
أكنه أوكد ؛ ولأن دلالة اللسان قالية ، ودلالة الوجه حالية . والقول
أجمع وأوسع للمعانى التى فى القلب من الحال ؛ ولهذا فضل من فضل
- كابن قتيبة وغيره - السمع على البصر.
٦٨

والتحقيق : أن السمع أوسع ، والبصر أخص وأرفع ، وإن كان
إدراك السمع أكثر فإدراك البصر أكمل ؛ ولهذا أقسم أنه لا بد أن
يدركهم بسمعه، وأما إدراكه إيام بالبصر بسيام فقد يكون وقد
لا يكون . فأخبر سبحانه أنه لا بد أن يسم صاحب هذه الأخلاق
الخبيثة على خرطومه ، وهو أنفه الذي هو عضوه البارز ، الذي يسبق
البصر إليه عند مشاهدته ؛ لتكون السيما ظاهرة من أول ما يرى ،
وهذا ظاهر فى الفجرة الظلمة ، الذين ودعهم الناس إنقاء شرم وحمشهم
فإن لهم سيما من شر يعرفون بها . وكذلك الفسقة وأهل الريب .
وقوله: ( إِنَّبَوْتَهُمْ ) إلخ. فيه بيان حال البخلاء، وما يعاقبون
به فى الدنيا قبل الآخرة من تلف الأموال ، إما إغراقا وإما إحراقا ،
وإما نهباً وإما مصادرة ، وإما فى شهوات الغي وإما في غير ذلك مما
يعاقب به البخلاء ، الذين يمنعون الحق . وليس إقدام فى صنابع
المعروف، وهو قوله: (مَنَّاِ لِلْغَيرِ ) وهو أحد نوعي الظلم، كما أخبروا
به عن نفوسهم فى قولهم: (يََّإِنَّ كُنََِّينَ ) وكما قال صلى الله
عليه وسلم: ((مطل الغنى ظلم)).
وتضمن عقوبة الظالم المانع للحق ، أو متعدي الحق ، كما يعاقب
الله مانع الزكاة وهو مناع الخير ، وآكل الربا والميسر : الذي هو
أكل المال بالباطل ، وكل منها أخبر الله فى كتابه أنه يعاقبه بنقيض
٦٩

قصده، فهنا أخبر بعقوبة تارك الحقوق ، وفى البقرة بعقوبة المرابى ،
وهذه العقوبة تتناول من يترك هذا الواجب ، وفعل هذا المحرم من
المحتالين ، كما أخبر فى هذه السورة، وكما هو المشاهد في أهل منح
الحقوق المالية ، والحيل الربوية ، من العقوبات والمثلات .
فإنه سبحانه إذا أنعم على عبد بباب من الخير وأمره بالإنفاق فيه
فبخل عاقبه بباب من الشر ، يذهب فيه أضعاف ما يخل به ، وعقوبته
فى الآخرة مدخرة ، ثم أتبع ذلك بعقوبة المتكبر الذي هو من نوع
العتل الزنيم ، الذي يدعى إلى السجود والطاعة فيأبى ؛ ففيها عقوبة
تارك الصلاة ، وتارك الزكاة . فتارك الصلاة هو المعتدي الأثيم ، العتل
الزنيم . وتارك الزكاة الظالم البخيل .
وختمها بالأمر بالصبر الذي هو جماع الخلق العظيم فى قوله :
( فَأَصْبِر ◌ِكْرِرَيِكَ ) وذلك نص في الصبر على ما يناله من أذى الخلق
وعلى المصائب السماوية . والصبر على الأول أشد ، وصاحب الحوت
ذهب مغاضبا لربه لأجل الأمر السماوي ولهذا قال: (وَإِن يَكَادُالَّذِينَ كَفَرُوا
إلخ فآخرها منعطف على أول ما في قوله :
لَيْ لِقُونَكَ بِأَبْصَرِهِ )
(مَآأَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ )
وقوله: (وَيَقُولُونَ إِنَّهُ مَجْنُونٌ)
والإزلاق بالبصر هو الغاية فى البغض ، والغضب ، والأذى . فالصبر
٧٠

على ذلك نوع من الحلم ، وهو احتمال أذى الخلق ، وفى ذلك ما يدفع
كيدم وشرم .
وما ذكره فى قصة أهل الجنة من أمر السخاء والجود ، وماذكره
هنا من الحلم والصبر : هو جماع الخلق الحسن ، كما جمع بينها فى قوله :
( اُلَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِى السََّآءِ وَالضَّرَّآءِ ) الآية، كما قيل :
بحلم وبذل ساد فى قومه الفتى
وكونك إياه عليك بسير
فالإحسان إلى الناس بالمال والمنفعة واحتمال أذام، كالسخاء المحمود ،
كما جمع بينها فى قوله: (خُذِالْعَفْوَوَأْمُنْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضِ عَنِ الْجَهِلِينَ )
ففي أخذه العفو من أخلاقهم احتمال أذام ، وهو نوعان :
ترك مالك من الحق عليهم ، فأخذ العفو أن لا تطلب ما تركوه من
حقك ، وأن لاتهام فيما تعدوا فيه الحد فيك ، وإذا لم تأمرهم ولم تنهم
فيما يتعلق (١)
(١) آخر ما وجد منها .
٧١

وقال :
هذا تفسير آيات أشكلت حتى لا يوجد فى طائفة من كتب التفسير
إلا ما هو خطأ [ فيها ] .
منها قوله : (بِأَيَتِّكُمُ الْمَفْتُونُ ) حار فيها كثير ، والصواب المأثور
عن السلف . قال مجاهد : الشيطان. وقال الحسن : ثم أولى بالشيطان
من نبى الله. فبين المراد ، فإنه يتكلم على اللفظ كعادة السلف في الاختصار
مع البلاغة وفهم المعنى . وقال الضحاك: المجنون . فإن من كان به الشيطان
ففيه الجنون. وعن الحسن : الضال . وذلك أنهم لم يريدوا بالمجنون الذي
يخرق ثيابه ويهذى ؛ بل لأن النبي صلى الله عليه وسلم خالف أهل العقل
فى نظرهم ، كما يقال ما لفلان عقل .
ومثل هذا رموا به أتباع الأنبياء كقوله: (وَإِذَارَأَوْهُمْ قَالُواْإِنَّهَؤُلَاءِ
لَضَاَلُونَ ) ومثله فى هذه الأمة كثير يسخرون من المؤمنين، ويرمونهم
بالجنون والعظائم التى ثم أولى بها منهم. قال الحسن لقد رأيت رجالا لو
رأيتموم لقلتم مجانين، ولو رأوكم لقالوا هؤلاء شياطين، ولو رأوا خياركم
لقالوا هؤلاء لاخلاق لهم ، ولو رأوا شراركم لقالوا هؤلاء قوم لا يؤمنون
٧٢

بيوم الحساب . وهذا كثير فى كلام السلف ؛ يصفون أهل زمانهم وما هم
عليه من مخالفة من تقدم ، فما الظن بأهل زماننا .
والذين لم يفهموا هذا . قالوا الباء زائدة ، قاله ابن قتيبة وغيره .
وهذا كثير كقوله: (سَيَعْلَمُونَ غَدَّا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَثِرُ) (هَلْ أُنَبِّئُكُمْ
عَلَى مَنْ تَغَزَّلُ الشَّيَاطِينُ) الآيات. (إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّانَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ *
فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيِهِ عَذَابٌ ) الآية .
٧٣

وقال :
فصل
ولجماعة من الفضلاء كلام فى قوله تعالى: ( يَوْمَ يَفِرُ الْرَهُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ،
وَأَبِيِهِ )
لم ابتدأ بالأخ ومن عادة العرب أن يبدأ بالأمم؟ فلما سئلت
عن هذا قلت : إن الابتداء يكون فى كل مقام بما يناسبه ، فتارة يقتضي
الابتداء بالأعلى، وتارة بالأدنى، وهنا المناسبة تقتضى الابتداء بالأدنى لأن
المقصود بيان فراره عن أقاربه مفصلا شيئاً بعدشيء، فلو ذكر الأقرب
أولا لم يكن فى ذكر الأبعد فائدة طائلة، فإنه يعلم أنه إذا فر من الأقرب
فر من الأبعد ، ولما حصل للمستمع استشعار الشدة مفصلة ، فابتدئ
بنفي الأبعد منتقلاً منه إلى الأقرب، فقيل أولا. (يَقُّالْرَهُ مِنْ أَخِيهِ)
فعلم أن ثم شدة توجب ذلك. وقد يجوز أن يفر من غيره ، ويجوز أن
لا يفر. فقيل (وَأُمِّهِ وَأَبِهِ ) فعلم أن الشدة أكبر من ذلك، بحيث توجب
الفرار من الأبوين .
ثم قيل (وَصَحِبَتِهِ، وَيَلِيهِ ) فعلم أنها طامة بحيث توجب الفرار
٧٤

مما لا يفر منهم إلا فى غاية الشدة وهي الزوجة والبنون ، ولفظ صاحبته
أحسن من زوجته .
قلت : فهذا فى الخبر ونظيره في الأمر، قوله : (فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ
وقوله : (فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةٍ مَسَكِينَ مِنْ أَوْسَطِ
أَوْصَدَقَةٍ أَوْنُسُكٍ )
مَاتُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوَكِسْوَتُهُمْ ) فإن الواجبات نوعان على الترتيب.
فيقدم فيه الأعلى فالأعلى ، كما فى كفارة الظهار والقتل واليمين ، وعلى
التخيير فابتدأ فيها بأخفها ليبين أنه كان مجزيا لا نقص فيه ، وإن ذكر
الأعلى بعده للترغيب فيه لا للإيجاب ، فانتقال القلب من العمل الأدنى
إلى الأعلى أولى من أن يؤمر بالأعلى ثم يذكر له الأدنى
فيزدريه القلب .
ولهذا لما ذكر فى جزاء الصيد الأعلى ابتداء كان لنا فى ترتيبه
روايتان، وإذا نصرنا المشهور قلنا قدم فيه الأعلى ، لأن
الأدنى بقدرته فى قوله: ( أَوَكَفَّرَةٌ طَعَامُ مَسَكِينَ أَوْعَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا ).
ولهذا لما ابتدأ بالأتقل فى حدود المحاربين لم يكن عندنا على التخيير،
ولا على الترتيب ؛ بل بحسب الجرائم ، وليس فى لفظ الآية ما يقتضى
التخيير كما يتوهمه طائفة من الناس ، فإنه لم يقل الواجب أو الجزاء هذا
٧٥

أو هذا أو هذا، كما قال: فكفارته هذا أو هذا أو هذا، وكما قال: (فَفِدْيَةٌ
مِنْ صِيَامٍ أَوْصَدَقَةٍ أَوْنُكِ ) وإنما قال : إنما جزاؤه هذا أو هذا أو هذا.
فالكلام فيه نفي وإثبات : تقديره : ما جزاؤم إلا أحد الثلاثة ، كما قال
أي ما هي
فى آية الصدقات: ( إِذَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَكِينِ )
إلا لهؤلاء.
وقد تقرر أن مثل هذا الخطاب يثبت للمذكور ما نفاه عن غيره،
فلما نفى الجواز لغير الأصناف أثبت الجواز لا الوجوب ولا الاستحقاق .
كما فهمه من اعتقد وجوب الاستيعاب من ظاهر الخطاب ، وهنا نفى أن
يكون ما سوى أحد هذه جزاء ، فأثبت أن يكون جزاء المحارب أحد
هذه العقوبات . والمحاربون جملة ليسوا واحداً ، فظهر الفرق بين هذه
الآية وبين الآيتين من وجوه :
((أحدها)) أن المحاربين ذكروا باسم الجمع، ومقابلة الجمع بالجمع
تقتضي توزيع الأفراد على الأفراد ، فلو قيل : جزاء المعتدين إما القتل
وإما القطع ، وإما الجلد ، وإما الصلب ، وإما الحبس : لم يقتض هذا
التخيير فى كل معتد بين هذه العقوبات ، بل توزيع العقوبات على أنواعهم ،
كذلك إذا قيل : جزاء المحاربين كذا ، أوكذا ، أو كذا ، أوكذا ،
بخلاف قوله: (فَكَفَّارَتُهُ ) وقوله: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ فَرِيضًا
أَوْعَلَىسَفٍَفَعِذَّةٌ )
٧٦

((الثاني)) أن المقصود نفي جواز ما سوى [ذلك](١) وإثبات ضده، وهي
جواز المذكور فى الجملة، وذلك أعم من أن يكون مخيراً أو معيناً ،
بخلاف ما إذا لم يكن المقصود إلا مجرد الإثبات؛ فإن إثباته بصيغة التخيير
يدل عليه . وهذا معروف في مواد الإثبات المحض ، أو مواد الحصر ،
كما قال صلى الله عليه وسلم للخصم المدعي: ((شاهداك أو يمينه))
وفى لفظ: ((ليس لك منه إلا ذلك)) فمصر طريق الحق ، وليس
الغرض التخيير .
وكذلك يقال: الواجب فى القتل القصاص أو الدية ، ولا تصح
الصلاة إلا بوضوء أو تيمم ، ولا بد يوم الجمعة من الظهر أو الجمعة ،
ولا يترك فى دار الإسلام إلا مسلم أو معاهد ، وسبب ذلك أنه إذا
كان بعض المقصود الذي دل عليه اللفظ نفس ما سوى الأمور المذكورة،
كان مدلوله إثباتا يقتضى النفي ، وهو الوجود المشترك من هذه
الأمور ، والقدر المشترك بينها أعم من أن يكون معينا أو مخيراً ، وأما
إذا أثبتت ابتداء فلو لم تكن مخيرة بل معينة ، ولم يدل اللفظ عليه
كان تلبيسا .
((الوجه الثالث)) وهو لطيف أن يقال: مفهوم ( أو ) إثبات
التقسيم المطلق ، كما قلنا : إن الواو مفهومها التشريك المطلق بين
المعطوف والمعطوف عليه ، فأما الترتيب : فلا ينفيه ولا يثبته ؛ إذ الدال
(١) أضيفت حسب مفهوم السياق
٧٧

على مجرد المشترك لا يدل على المميز ، فكذلك ( أو ) هي للتقسيم
المطلق ، وهو ثبوت أحد الأمرين مطلقا، وذلك أعم من أن يثبت على
سبيل التخيير بينه وبين الآخر ، أو على سبيل الترتيب ، أو على سبيل
التوزيع ، وهو ثبوت هذا فى حال ، وهذا في حال ، كما أنهم قالوا :
هي فى الطلب يراد بها الإباحة تارة ، كقولهم : تعلم النحو أو الفقه ،
والتخيير أخرى . كقولهم : كل السمك أو اللبن، وأرادوا بالإباحة جواز
الجمع ، وهي فى نفسها تثبت القدر المشترك ، وهو أحد الاثنين . إما
مع إباحة الآخر أو حظره ، فلا تدل عليه بنفسها ، بل من جهة المادة
الخاصة ؛ ولهذا جمعنا بين القتل والصلب ، وبينه وبين القطع على رواية
فإن ( أو ) لا تنفى ذلك ، فإذا كان حرف أو يدل على مجرد إثبات أحد
المذكورات ، فهنا مسلكان :
((أحدهما )) أن يقال: إذا كانت فى مادة الإيجاب أفادت التخيير،
وإذا كانت في مادة الجواز أفادت القدر المشترك ، كما هو مشهور عن
النحاة المتكلمين فى معاني الحروف أنهم يقولون : يراد بها تارة الإذن
فى أحد الشيئين مع حظر الآخر ، وتارة الإذن في أحدهما وإن ضم إليه
الآخر ، كما ذكروه من الأمثلة .
وحينئذ فهذه الآية فى مادة الجواز ، لأن المنفى هو الجواز . فيكون
٧٨

المثبت هو الجواز كما ذكرناه فى آبة الصدقات . بخلاف آية الكفارة ؛
فإنها فى مادة الوجوب .
((المسلك الثانى)» أن يقال: لا فرق بين المادتين . الجواز والوجوب؛
بل وفى الوجوب قد يباح الجمع. كما لو كفر بالجميع مع الغنى ؛ لكن
يقال : دلالتها فى الجميع على التفريق المطلق ضد دلالة ( الواو ) .
ثم إن لم يدل دليل على ترتيب ولا تعيين جاز فعل كل واحد من
الخصال ، لعدم ما يدل على التعيين والترتيب ، لا للدليل المنافى لذلك،
كما في قوله: ( فَتَحْرِيرُرَقَبَةٍ ) فإن الرقبة المعينة يجزي عتقها: كثبوت
القدر المشترك فيها، وعدم ما يوجب المعين ، لا لدليل دل على نفس المعين ؛
وإن دل دليل على التعيين، والترتيب: قلنا به ، كما نقول بتقييد المطلق ،
وليس تقييد المطلق رفعاً لظاهر اللفظ ، بل ضم حكم آخر إليه ، وهذا
مسلك حسن في هذا الموضع ونظائره ؛ فإنه يجب الفرق بين ما يثبته،
اللفظ وبين ما ينفيه ، فإذا قلنا في المحاربين بالتعيين لدليل خبري، أو
قياسي كان كالقول بالترتيب فى الوضوء ، والإيمان فى الرقبة ونحوهما .
٧٩

سورة التكوير
وقال شيخ الإسلام
فصل
قوله: (وَإِذَا الْمَوْءُردَةُ سُئِلَتْ * بِأَِّ ذَنْبٍ قُئِلَتْ ) دليل على أنه
لا يجوز قتل النفس إلا بذنب منها ، فلا يجوز قتل الصبي والمجنون؛
لأن القلم مرفوع عنها ، فلا ذنب لهما ، وهذه العلة لا ينبغي أن يشك
فيها فى النهي عن قتل صبيان أهل الحرب ، وأما العلمة المشتركة بينهم
وبين النساء فكونهم ليسوا من أهل القتال على الصحيح الذي هو
قول الجمهور ، أوكونهم يصيرون للمسلمين .
فأما التعليل بهذا وحده فى الصبى فلا ، والآية تقتضي ذم قتل
كل من لا ذنب له من صغير وكبير ، وسؤالها توبيخ قائلها ، وقوله في
إلى قوله: (وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَنٍ
السورة: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍكَرِيمٍ )
تَّحِيمٍ ) هو جبريل ، وهو نظير ما فى سورة الشعراء أنه تنزلت به
الملائكة لا الشياطين ؛ بخلاف الإفك ونحوه، فإنه تنزل به الشياطين ،
فوقع الفرق بين النبى صلى الله عليه وسلم والأفاك والشاعر والكاهن،
وبين الملك والشيطان ، والعلماء ورثة الأنبياء .
٨٠