النص المفهرس

صفحات 41-60

ضربوه لا النصارى .
فإن ((المثل)) يقال على الأصل وعلى الفرع، ((والمثل)) يقال على المفرد
ويقال على الجملة التى هي القياس ، كما قد ذكرت فيما تقدم أن ضرب
المثل هو القياس ، إما قياس التمثيل فيكون المثل هو المفرد ، وإما
قياس الشمول فيكون تسميته ضرب مثل كتسميته قياساً ، كما بينته فى
غير هذا الموضع ، من جهة مطابقة المعاني الذهنية للأعيان الخارجية
ومماثلتها لها ، ومن جهة مطابقة ذلك المفرد المعين للمعنى العام الشامل
للأفراد ، ولسائر الأفراد ؛ فإن الذهن يرتسم فيه معنى عام يماثل الفرد
المعين ، وكل فرد يماثل الآخر ، فصار هذا المعنى يماثل هذا ، وكل
منها يماثل المعنى العام الشامل لهما .
وبهذا والله أعلم سمى ضرب مثل وسمى قياساً، فإن الضرب الجمع ،
والجمع فى القلب واللسان وهو العموم والشمول، فالجمع والضرب
والعموم والشمول في النفس معنى ولفظاً ، فإذا ضرب مثلا فقد صيغ
عموماً مطابقاً ، أو صيغ مفرداً مشابهاً ؛ فتدبر هذا فإنه حسن إن
شاء الله.
ولك أن تقول : كل إخبار بمثل صوره المخبر فى النفس فهو ضرب
٤١

مثل ؛ لأن المتكلم جمع مثلا فى نفسه ونفس المستمع بالخبر المطابق
للمخبر ، فيكون المثل هو الخبر وهو الوصف كقوله: (مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِى
وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ) وقوله: ( ضُرِبَ مَثَلٌ فَأَسْتَمِعُواْلَهُ ) .
وبسط هذا اللفظ واشتماله على محاسن الأحكام والأدلة قد ذكرته
فى غير هذا الموضع .
٤٢

سورة الأحقاف
سأل رجل آخر
عن قوله تعالى: (وَمِن قَبْلِهِ، كِنَبُ مُوسَىّ إِمَامًا وَرَحْمَةٌ) فقال:
ما سمعنا بنص القرآن والحديث أن ما قبل كتابنا إلا الإنجيل ، فقال
الآخر : عيسى إنما كان تبعاً لموسى ، والإنجيل إنما فيه توسع في الأحكام
تيسير مما فى التوراة ، فأنكر عليه رجل وقال : كان لعيسى شرع غير
شرع موسى، واحتج بقوله : ( لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا )
(وَإِذْقَالَ عِيسَى أَبْنُ مَنْيَ يَبَنِيّ إِسْرَِّ يلَ إِنِّى رَسُولُ اللهِ
قال : فما الحكم فى قوله :
إِلَيْكُ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ النَّوْرَثَةِ ) ؟ فقال: ليست هذه حجة .
فأجاب شيخ الإسلام رحمه الله :
قد أخبر الله فى القرآن أن عيسى قال لهم : (وَلِأُحِلَّلَكُمْ بَعْضَ
الَّذِى حُرِّمَ عَلَيْكُمْ) فعلم أنه أحل البعض دون الجميع ، وأخبر عن
المسيح أنه علمه التوراة والإنجيل بقوله: (وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَبَ وَاُلْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَنَةَ
وَالْإِنِيلَ) ومن المعلوم أنه لولا أنه متبع لبعض ما فى التوراة لم يكن تعلمها
٤٣

له منة ، ألا ترى أنا نحن لم نؤمر بحفظ التوراة والإنجيل ، وإن كان
كثير من شرائح الكتابين يوافق شريعة القرآن ، فهذا وغيره يبين
ما ذكره علماء المسلمين من أن الإنجيل ليس فيه إلا أحكام قليلة ،
وأكثر الأحكام يتبع فيها ما فى التوراة ؛ وبهذا يحصل التغاير
بين الشرعتين .
ولهذا كان النصارى متفقين على حفظ التوراة وتلاوتها، كما
يحفظون الإنجيل؛ ولهذا لما سمع النجاشي القرآن ، قال : إن هذا
والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة ، وكذلك ورقة بن
نوفل ، قال للنبي صلى الله عليه وسلم - لما ذكر له النبى صلى الله
عليه وسلم ما يأتيه قال - هذا هو الناموس الذي كان يأتى موسى.
وكذلك قالت الجن: ( إِنَّا سَمِعْنَا كِتَبًا أُنزِلَ مِنْ بَعْدِمُوسَى ) وقال
تعالى: (فَلَمَّاجَآءَ هُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ لَوْلَا أُوتِىَ مِثْلَ مَا أُوْنِى مُوسَىَّ أَوَلَمْ
يَكْفُرُواْبِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِن قَبْلُ )
( قالوا ساحران تظاهرا )
أي موسى ومحمد، وفى القراءة الأخرى: (سِحْرَانِ تَظَهَرَا ) أي
التوراة والقرآن .
وكذلك قال: (وَمَا قَدَرُواْاللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْقَالُواْ مَا أَنزَلَ اَللَّهُ عَلَى بَشَرِ مِّنْ شَىْءٍ
قُلْ مَنْ أَنْزَلَ اُلْكِتَبَ الَّذِى جَآءَ بِهِ، مُوسَى نُورًا وَهُدَّى لِلنَّاسِ )
٤٤

إلى قوله : (وَهَذَا كِتَبُّ أَنْزَلْنَهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ اُلَّذِىِبَيْنَيَدَيْهِ )
فهذا وما أشبهه مما فيه اقتران التوراة بالقرآن وتخصيصها بالذ کر یبین ما
ذكروه من أن التوراة هي الأصل، والإنجيل تبع لها فى كثير من
الأحكام ، وإن كان مغايراً لبعضها .
فلهذا يذكر الإنجيل مع التوراة والقرآن فى مثل قوله: ( نَزَّلَ
عَلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَنَةَ وَاَلْإِنِيلَ * مِن قَبْلُ هُدَّى لِلنَّاسِ
وَأَنَزَّلَ اُلْفُرْقَانَ )
(وَعْدَّا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَنةِ
وقال :
وَأَلِّنِيلِ وَالْقُرْءَانِ ) فيذكر الثلاثة نارة، ويذكر القرآن مع التوراة
وحدها تارة، لسر: [ وهو ] أن الإنجيل من وجه أصل ، ومن وجه
تبع؛ بخلاف القرآن مع التوراة ، فإنه أصل من كل وجه ، بل هو
مهيمن على ما بين يديه من الكتاب ، وإن كان موافقاً للتوراة فى أصول
الدين ، وكتبه من الشرائح ، والله أعلم .
٤٥

سورة ق
سئل رحم الله
عن قوله: (يَوْمَنَقُولُ لِجَهَنَّمَ عَلِ آَمْتَلَأْتِ وَتَّقُولُ هَلْ مِن ◌َّزِيدٍ )
ما المزيد ؟
فأجاب :
قد قيل إنها نقول: (هَلْ مِنْفَزِيدٍ ) أي ليس فيّ محتمل
للزيادة . والصحيح أنها تقول: ( هَلْ مِن ◌َّزِيدٍ ) على سبيل الطلب
أي هل من زيادة تزاد فىّ، والمزيد ما يزيده الله فيها من الجن
والإنس ، كما فى الصحيحين عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم
أنه قال: (( لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول : هل من مزيد ، حتى
يضع رب العزة فيها قدمه)) ويروى «عليها قدمه فينزوي بعضها إلى
بعض وتقول : قط قط )) .
فإذا قالت حسبى حسبى كانت قد اكتفت بما ألقى فيها ، ولم تقل
بعد ذلك هل من مزيد ، بل تمتلئ بما فيها لانزواء بعضها إلى بعض ؛
فإن الله يضيقها على من فيها لسعتها، فإنه قد وعدها ليملأنها
٤٦

من الجنة والناس أجمعين ، وهي واسعة فلا تمتلئ حتى بضيقها على
من فيها .
قال: (( وأما الجنة فإن الله ينشئ لها خلقاً فيدخلهم الجنة . فبين
أن الجنة لا يضيقها سبحانه ، بل ينشئ لها خلقاً فيدخلهم الجنة ، لأن
الله يدخل الجنة من لم يعمل خيراً؛ لأن ذلك من باب الإحسان .
وأما العذاب بالنار فلا يكون إلا لمن عصى، فلا يعذب أحداً بغير
ذنب . والله أعلم .
٤٧

سورة المجادلة
وقال شيخ الإسلام رحمه الله
فصل
(يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ
قوله تعالى :
دَرَجَاتٍ ) خص سبحانه رفعه بالأقدار والدرجات الذين أوتوا العلم
والإيمان، وهم الذين استشهد بهم فى قوله تعالى: (شَهِدَ اللهُ أَنَّهُلَا
إِلَهَإِلََّّ هُوَ وَالْمَلَئِكَةُ وَأُوْلُواْالْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ )
وأخبر أنهم هم الذين يرون ما أنزل إلى الرسول ، هو الحق
بقوله تعالى: (وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُواْ ◌ٌلْعِلْمَ الَّذِىّ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ)
فدل على أن تعلم الحجة والقيام بها يرفع درجات من يرفعها ، كما قال
تعالى: (نَرْفَعُ دَرَحَتٍ مَّن نَّشَاءُ )
قال زيد بن أسلم : بالعلم. فرفع الدرجات والأقدار على قدر
معاملة القلوب بالعلم والإيمان ، فكم ممن يختم القرآن فى اليوم مرة
أو مرتين، وآخر لا ينام الليل، وآخر لا يفطر ، وغيرهم أقل عبادة
٤٨

منهم ، وأرفع قدراً في قلوب الأمة ، فهذا كرز بن وبرة ، وكهمس ،
وابن طارق ، يختمون القرآن في الشهر تسعين مرة ، وحال ابن المسيب
وابن سيرين والحسن وغيرم فى القلوب أرفع .
وكذلك ترى كثيراً ممن لبس الصوف ، ويهجر الشهوات ، ويتقشف ،
وغيره ممن لا يدانيه فى ذلك من أهل العلم والإيمان أعظم فى القلوب ،
وأحلى عند النفوس ، وما ذاك إلا لقوة المعاملة الباطنة وصفائها،
وخلوصها من شهوات النفوس وأكدار البشرية ، وطهارتها من القلوب
التى تكدر معاملة أولئك ، وإنما نالوا ذلك بقوة يقينهم بما جاء به
الرسول وكمال تصديقه في قلوبهم ، ووده ومحبته ، وأن يكون الدين كله
لله ، فإن أرفع درجات القلوب فرحها التام بما جاء به الرسول صلى الله
عليه وسلم، وابتهاجها وسرورها، كما قال تعالى: (وَالَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ
الْكِتَبَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ)، وقال تعالى: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ،
فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ ) الآية. ففضل الله ورحمته القرآن والإيمان، من
فرح به فقد فرح بأعظم مفروح به ، ومن فرح بغيره فقد ظلم نفسه
ووضع الفرح فى غير موضعه .
فإذا استقر فى القلب ، وتمكن فيه العلم بكفايته لعبده ورحمته له
وحلمه عنده ، وبره به ، وإحسانه إليه على الدوام ، أوجب له الفرح
والسرور أعظم من فرح كل محب بكل محبوب سواه ، فلا يزال مترقيا
٤٩

في درجات العلو والارتفاع بحسب رقيه فى هذه المعارف .
هذا فى ((باب معرفة الأسماء والصفات)) وأما فى ((باب فهم
القرآن)) فهو دائم التفكر فى معانيه، والتدبر لألفاظه واستغنائه بمعانى
القرآن وحكمه عن غيره من كلام الناس ، وإذا سمع شيئاً من كلام
الناس وعلومهم عرضه على القرآن ، فإن شهد له بالتزكية قبله وإلا
رده ، وإن لم يشهد له بقبول ولا رد وقفه ، وهمته عاكفة على مراد
ربه من كلامه .
ولا يجعل همته فيما حجب به أكثر الناس من العلوم عن حقائق
القرآن ، إما بالوسوسة فى خروج حروفه ، وترقيقها ، وتفخيمها ،
وإمالتها ، والنطق بالمد الطويل ، والقصير ، والمتوسط ، وغير ذلك .
فإن هذا حائل للقلوب قاطع لها عن فهم مراد الرب من كلامه ،
وكذلك شغل النطق بـ ( أأنذرتهم ) ، وضم الميم من ( عليهم ) ووصلها
بالواو ، وكسر الهاء أو ضمها ونحو ذلك . وكذلك مراعاة النغم
وتحسين الصوت .
وكذلك تتبع وجوه الإعراب واستخراج التأويلات المستكرهة ،
التى هي بالألغاز والأحاجي أشبه منها بالبيان .
٥٠

وكذلك صرف الذهن إلى حكاية أقوال الناس، ونتائج أفكارم.
وكذلك تأويل القرآن على قول من قاد دينه أو مذهبه ، فهو
يتعسف بكل طريق حتى يجعل القرآن تبعاً لمذهبه وتقوية لقول إمامه،
وكل محجوبون بما لديهم عن فهم مراد الله من كلامه في كثير من
ذلك أو أكثره .
وكذلك يظن من لم يقدر القرآن حق قدره أنه غير كاف فى معرفة
التوحيد ، والأسماء والصفات، وما يجب لله وينزه عنه؛ بل الكافى
فى ذلك عقول الحيارى والمتهوكين الذين كل منهم قد خالف صريح
القرآن مخالفة ظاهرة . وهؤلاء أغلظ الناس حجابا عن فهم كتاب الله
تعالى ، والله سبحانه وتعالى أعلم .
٥١

سورة الطلاق
وقال :
فصل
(وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا
وأما قوله :
يَحْتَسِبُ ) فقد بين فيها أن المتقي يدفع الله عنه المضرة بما يجعله له من
المخرج ، ويجلب له من المنفعة بما بيسره له من الرزق ، والرزق اسم
لكل ما يغتذى به الإنسان ؛ وذلك بعم رزق الدنيا ورزق الآخرة . وقد
قال بعضهم : ما افتقر تقى قط ، قالوا: ولم ؟ قال : لأن الله يقول :
(وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ, مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَايَحْنَسِبُ ).
وقول القائل : قد نرى من يتقي وهو محروم . ومن هو بخلاف
ذلك ، وهو مرزوق .
فجوابه: أن الآية اقتضت أن المتقي يرزق من حيث لا يحتسب ،
ولم تدل على أن غير المتقى لا يرزق ؛ بل لابد لكل مخلوق من الرزق،
قال الله تعالى :
حتى
(وَمَا مِن دَآبَةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا)
٥٢

إن ما يتناوله العبد من الحرام هو داخل في هذا الرزق ، فالكفار قد
يرزقون بأسباب محرمة ، ويرزقون رزقا حسناً ، وقد لا يرزقون إلا
بتكلف ، وأهل التقوى يرزقهم الله من حيث لا يحتسبون ، ولا يكون
رزقهم بأسباب محرمة ، ولا يكون خبيناً، والتقى لا يحرم ما يحتاج إليه
من الرزق ، وإنما يحمى من فضول الدنيا رحمة به وإحساناً إليه ؛ فإن
توسيع الرزق قد يكون مضرة على صاحبه ، وتقديره يكون رحمة لصاحبه .
قال تعالى: (فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا أَبْئَلَنْهُ رَبُّهُ،فَأَ كْرَمَهُ, وَنَعَّمَهُ، فَيَقُولُ رَبَِّ أَكْرَمَنِ
وَأَمَّا إِذَا مَا أَبْنَئُهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ، فَيَقُولُ رَبِّ أَهَنَنِ * كَلََّ)
*
أي : ليس الأمر كذلك ، فليس كل من وسع عليه رزقه
يكون مكرما ، ولا [ كل ] من قدر عليه رزقه يكون مهاناً؛ بل قد
يوسع عليه رزقه إملاء واستدراجا ، وقد يقدر عليه رزقه حماية وصيانة
له ، وضيق الرزق على عبد من أهل الدين قد يكون لما له من ذنوب
وخطايا ، كما قال بعض السلف : إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه،
وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((من أكثر الاستغفار
جعل الله له من كل هم فرجا، ومن كل ضيق مخرجا ، ورزقه من
حيث لا يحتسب )).
وقد أخبر الله تعالى أن الحسنات يذهبن السيئات ، والاستغفار
سبب للرزق والنعمة، وأن المعاصى سبب للمصائب والشدة، فقال تعالى:
٥٣

إلى قوله :
(الَرَكِتَبُّ أُخْكِمَتْءَتُهُ ثُمَّفُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ )
ج
(وَيُؤْتِ كُلَّ ذِى فَضْلٍ فَضْلَهُ) وقال تعالى: (أُسْتَغْفِرُ واْرَبَّكُمْ إِنَّهُكَانَ
وقال
(وَيَجْعَل ◌َّكُجَنَّتٍ وَتَجْعَل ◌َّكُ أَنْهَرًا)
غَفَّارًا ) إلى قوله :
تعالى: ( وَأَلَّوٍ أَسْتَقَدّمُواْ عَلَى الطّرِيقَةِلَأَسْقَيْنَهُم ◌َّءَ غَدَقًا * لِنَفْئِنَهُمْ فِيهِ )
وقال تعالى: (وَلَوْأَنَّ أَهْلَ الْقُرَىّ ءَامَنُواْ وَأَتَّقَوْ لَفَنَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَّكَتٍ مِّنَ السَّمَآءِ
وَاَلْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُواْ فَأَ خَذْنَهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ )
وقال تعالى:
( وَلَوَْهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَنَةَ وَاَلْإِنِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّيْهِمْ لَأَكَلُواْمِن فَوْقِهِمْوَمِنْ
تَحْتِ أَرُْلِهِم )
(وَمَآ أَضَبَكُمْ مِّن قُصِيبَةٍ
وقال تعالى :
فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيَكُمْ وَيَعْفُواْ عَنْ كَثِيرٍ ) وقال تعالى: (وَلَيْنْ أَذَقْنَا الْإِنسَنَ
مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَهَا مِنْهُ إِنَّهُ، لَيَّتُوسُ كَفُورٌ) وقال تعالى: (مَآ أَصَابَكَ
وقال تعالى :
مِنْ حَسَنَةٍ فَنَ اللَّهِوَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةِ فَن ◌َّفْسِكَ )
(فَأَخَذْ نَهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرِّلَعَلَّهُمْ بَضَرَّعُونَ * فَلَوْلَا إِذْجَآءَ هُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَكِن
قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطِنُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).
وقد أخبر الله تعالى في كتابه أنه يبتلي عباده بالحسنات والسيئات ؛
فالحسنات هي النعم ، والسيئات هي المصائب ؛ ليكون العبد مباراً
شكوراً. وفى الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال :
(( والذي نفسي بيده! لا يقضي اللّه للمؤمن قضاء إلا كان خيراً له ،
وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن ، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له ،
وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له )).
٥٤

وقال أيضاً
فصل
قال الله تعالى:
(وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا*
وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبْ وَمَنْ يَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّاللَّهَ بَلِغُ أَمْرِهِ، قَدْ جَعَلَ اللَّهُ
قد روى عن أبى ذر عن النبى صلى الله
لِكُلِّ شَىْءٍ قَدْرًا )
عليه وسلم أنه قال: ((لو أخذ الناس كلهم بهذه الآية لكفتهم ، وقوله:
( مخرجا ) عن بعض السلف: أي من كل ما ضاق على الناس ، وهذه
الآية مطابقة لقوله: (إِيَّاكَ نَعْبُهُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) الجامعة لعلم الكتب
الإلهية كلها ؛ وذلك أن التقوى هي العبادة المأمور بها ، فإن تقوى الله
وعبادته وطاعته أسماء متقاربة متكافئة متلازمة ، والتوكل عليه هو الاستعانة
به ، فمن يتقى الله مثال: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ): ومن يتوكل على الله مثال
( إِيَّاكَ نَسْتَعِيُ) كما قال: (فَأَعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ) وقال: (عَلَيْكَ
تَوَنَا وَ إِلَيْكَ أَنَبْنَا) وقال: (عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِأُنِيبُ ) .
ثم جعل للتقوى فائدتين : أن يجعل له مخرجا ، وأن يرزقه من
٥٥

حيث لا يحتسب . والمخرج هو موضع الخروج . وهو الخروج، وإنما
يطلب الخروج من الضيق والشدة ، وهذا هو الفرج والنصر والرزق
فبين أن فيها النصر والرزق، كما قال: (أَطْعَمَهُم ◌ِّن جُوعِ وَءَامَنَهُم
مِّنْ خَوْفٍ )؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((وهل تنصرون
وترزقون إلا بضعفائكم ؟ بدعائهم ، وصلاتهم، واستغفارم )» هذا لجلب
المنفعة ، وهذا لدفع المضرة .
وأما التوكل فبين أن الله حسبه أي كافيه ، وفى هذا بيان التوكل
على اللّه من حيث أن اللّه يكفي المتوكل عليه، كما قال: (أَلَيْسَ اللَّهُ
بِكَافٍ عَبْدَهُ ) ؟ خلافا لمن قال : ليس فى التوكل إلا التفويض والرضا.
ثم إن الله بالغ أمره، ليس هو كالعاجز. (قَدْ جَعَلَ اَللَّهُ لِكُلِّ شَىْءٍ
قَدْرًا ) وقد فسروا الآية بالمخرج من ضيق الشبهات بالشاهد الصحيح ،
والعلم الصريح ، والذوق . كما قالوا يعلمه من غير تعليم بشر ، ويفطنه
من غير تجربة؛ ذكره أبو طالب المكي ، كما قالوا فى قوله : ( إن
تَتَّقُواْ اللََّيَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا) أنه نور يفرق به بين الحق والباطل ،
كما قالوا : بصراً ، والآية نعم المخرج من الضيق الظاهر والضيق الباطن
قال تعالى: (فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَ مُلْإِسْلَمِّ وَ مَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ.
وتعم ذوق
يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّغَدُ فِى السَّمَآءِ)
الأجساد وذوق القلوب ، من العلم والإيمان، كما قيل مثل ذلك فى قوله:
(وَمَّارَزَقْهُمْ يُفِقُونَ) وكما قال: ( أَنَزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءَ) وهو القرآن والإيمان .
٥٦

سورة التحريم
وسئل رحمه الله
عن قوله تعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ تُوبُواْ إِلَى اللَّهِ تَوْبَةٌ نَّصُوحًا)
هل هذا اسم رجل كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم أم لا ؟
وإيش معنى قوله (نصوحا ) ؟
فأجاب : الحمد لله ، قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -
وغيره من الصحابة والتابعين - رضي الله عنهم - : التوبة النصوح:
أن يتوب من الذنب ثم لا يعود إليه، و((نصوح)) هي صفة للتوبة ،
وهي مشتقة من النصح والنصيحة .
وأصل ذلك هو الخلوص . يقال : فلان ينصح لفلان إذا كان
يريد له الخير إرادة خالصة لا غش فيها ، وفلان يغشه إذا كان باطنه
يريد السوء، وهو يظهر إرادة الخير كالدرم المغشوش ، ومنه قوله
(لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَآءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَاَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ
تعالى :
أي أخلصوا اللّه ورسوله
مَا يُنفِقُونَ حَرَجُ إِذَا نَصَحُو ◌ْلِلّهِ وَرَسُولِهِ،)
قصدهم وحبهم . ومنه قوله صلى الله عليه وسلم فى الحديث الصحيح
٥٧

((الدين النصيحة، ثلاثا)) قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: ((لله،
ولكتابه ، ولرسوله ، ولأئمة المسلمين ، وعامتهم ،
فإن أصل الدين هو حسن النية ، وإخلاص القصد ؛ ولهذا قال
صلى الله عليه وسلم: (( ثلاث لايغل عليهن قلب مسلم ، إخلاص العمل
لله، ومناصحة ولاة الأمور، ولزوم جماعة المسلمين ، فإن دعوتهم
تحيط من ورائهم)) أي هذه الخصال الثلاث لا يحقد عليها قلب مسلم
بل يحبها ويرضاها .
فالتوبة النصوح هي الخالصة من كل غش ، وإذا كانت كذلك
كائنة فإن العبد إنما يعود إلى الذنب لبقايا فى نفسه ، فمن خرج من قلبه
الشبهة والشهوة لم يعد إلى الذنب ، فهذه التوبة النصوح ، وهي واجبة
بما أمر اللّه تعالى؛ ولو تاب العبد ثم عاد إلى الذنب قبل الله توبته
الأولى ، ثم إذا عاد استحق العقوبة ، فإن تاب تاب الله عليه أيضاً .
ولا يجوز للمسلم إذا تاب ثم عاد أن يصر ؛ بل بتوب ولو عاد في
اليوم مائة مرة ، فقد روى الإمام أحمد فى مسنده عن علي عن النبى صلى
الله عليه وسلم أنه قال: ((إن الله يحب العبد المفتن التواب)) وفى حديث
آخر: ((لا صغيرة مع إصرار ، ولا كبيرة مع استغفار)» وفى حديث
آخر: ((ما أصر من استغفر ولو عاد في اليوم مائة مرة)»
٥٨

ومن قال من الجهال: إن ((نصوح)) اسم رجل كان على عهد
النبى صلى الله عليه وسلم أمر الناس أن يتوبوا كتوبته: فهذا رجل مفتر
كذاب ، جاهل بالحديث والتفسير ، جاهل باللغة ومعانى القرآن ؛ فإن
هذا امرؤ لم يخلقه الله تعالى، ولا كان فى المتقدمين أحد اسمه نصوح
ولا ذكر هذه القصة أحد من أهل العلم ، ولو كان كما زعم الجاهل
لقيل توبوا إلى الله توبة نصوح ، وإنما قال: ( توبة نصوحا ) والنصوح
هو التائب . ومن قال : إن المراد بهذه الآية رجل أو امرأة اسمه
نصوح ، وإن كان على عهد عيسى أو غيره فإنه كاذب ، يجب أن
يتوب من هذه ، فإن لم يتب وجبت عقوبته بإجماع المسلمين .
والله أعلم .
٥٩

سورة الملك
وقال رحم الله تعالى
دلت على
( أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَاللَّطِيفُ الْخَبِيرُ )
قوله تعالى :
علمه بالأشياء من وجوه تضمنت البراهين المذكورة لأهل النظر العقلي:
((أحدها)) أنه خالق لها ، والخلق هو الإبداع بتقدير ، فتضمن
تقديرها فى العلم قبل تكوينها .
((الثاني)) أنه مستلزم للإرادة والمشيئة؛ فيلزم تصور المراد، وهذه
الطريقة المشهورة عند أكثر أهل الكلام .
((الثالث)) أنها صادرة عنه، وهو سيبها التام، والعلم بالأصل
يوجب العلم بالفرع ، فعلمه بنفسه يستلزم علم كل ما يصدر عنه .
((الرابع)) أنه لطيف يدرك الدقيق، خبير بدرك الخفي ،
وهذا هو المقتضى للعلم بالأشياء ، فيجب وجود المقتضي لوجود
السبب التام .
٦٠