النص المفهرس

صفحات 1-20

مَهْوَ فَتَاوى
شيخ الإسلام أحمد بن تيميّة
((قَدَّسَ اللَّهَ رُوحَهُ))
جَمْع وَتَرَتیبُ
عبد الرّحمن بنْ مُحَمَّد بْقَاسْم (رَحَمَهُ الَّه)
وَسَاعَدَهُ ابْنُهُ مُحَمَّد ((وَفْقَهُ اللّه))
المجلّ السّادسَ عشر
طُبعَ بِأمْر
خَادِمْ الْهَيْنِ الشَّرِفَيْ الملك فهد بنْ عَبْدِ الْعَز ◌َلُون
أجْزَلِ اللَّه مَتُوبَتَه

طبعَت هذه الفتَاوى في
◌ُجَعَ الَلِ فَهْلِ لْطَبَّائَةِ المُصُنِِّ الشّريف
في المدينَةِ المنوّرة
تحت إشراف
وَزَارَة الشُُّؤُوْنِ الإِسْلَامِيَّةِ وَالأَوْقَافِ وَاللَّ تْوَمُ وَالأَرْشَادِ
بالمملَكَةِ العَرَبَيَّةِ السُّعُوديّةِ
عام ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤م
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، ١٤١٥ هـ.
فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية
ابن تيميه ، أحمد بن عبدالحليم
فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيميه .
٦٢٤ ص ؛ ١٧ × ٢٤ سم
ردمك ٦-٢٠-٧٧٠-٩٩٦٠ ( مجموعة)
٢-٣٦-٧٧٠-٩٩٦٠ (ج ١٦)
١ - الفتاوى الإسلامية ٢- الفقه الحنبلي ١ - العنوان
١٥/٢٠٠٩
دیوي ٢٥٨,٤
رقم الإيداع : ١٥/٢٠٠٩
ردمك : ٦-٢٠-٧٧٠ -٩٩٦٠ (مجموعة)
٢-٣٦-٧٧٠-٩٩٦٠ ( ج ١٦ )

کتاب
التفسير
الجزء الثالث
من سورة الزمر إلى سورة الإخلاص

بِسـ
3
3
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده
سورة الزمر
قال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية قدس الله روحه
فصل
( الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ) والمراد
قد قال تعالى :
بالقول القرآن، كما فسره بذلك سلف الأمة وأئمتها ، كما قال تعالى :
واللام لتعريف
( أَفَلَمْ يَّبَّرُواْقَوْلَ أَ جَآءَ هُمْمَالَيَأْتِ ءَابَآءَ هُمُ الْأَوَّلِينَ )
القول المعهود ؛ فإن السورة كلها إنما تضمنت مدح القرآن واستماعه ،
وقد بسطنا هذا في غير هذا الموضع ، وبينا فساد قول من استدل
بهذه على سماع الغناء وغيره ، وجعلها عامة ، وبينا أن تعميمها فى كل
قول باطل بإجماع المسلمين .
( يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ
وهنا سؤال مشهور وهو أنه قال :
٥

أَحْسَنَةُ ) فقد قسم القول إلى حسن وأحسن ، والقرآن كله متبع ،
وهذا حجتهم .
فيقال: الجواب من ثلاثة أوجه: إلزام وحل .
(وَأَتَّبِعُواْأَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْمِّن
(الأول )» أن هذا مثل قوله :
رَّبِّكُم ) ومثل قوله: (وَكَتَبْنَا لَهُ فِى الْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَىْءٍ مَّوْعِظَةً
وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَىْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُ وابِاَحْسَنِهَا )
فقد أمر
المؤمنين باتباع أحسن ما أنزل إليهم من ربهم ، وأمر بنى إسرائيل أن
يأخذوا بأحسن التوراة ، وهذا أبلغ من تلك الآية ؛ فإن تلك إنما
فيها مدح باتباع الأحسن ، ولا ريب أن القرآن فيه الخبر والأمر
بالحسن والأحسن ، واتباع القول إنما هو العمل بمقتضاه ، ومقتضاه فيه
حسن وأحسن ، ليس كله أحسن وإن كان القرآن فى نفسه أحسن
الحديث ؛ ففرق بين حسن الكلام بالنسبة إلى غيره من الكلام، وبين
حسنه بالنسبة إلى مقتضاه المأمور والمخبر عنه .
((الوجه الثانى)) أن يقال: إنه قال : :
(فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ، أُوْلَ الَّذِينَ هَدَ نَّهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَكَ
هُمْ أُوْلُواْأَلْيَبٍ) والقرآن تضمن خبراً وأمراً، فالخبر عن الأبرار
والمقربين ، وعن الكفار والفجار ؛ فلا ريب أن اتباع الصنفين حسن ،
٦

واتباع المقربين أحسن، والأمر يتضمن الأمر بالواجبات والمستحبات .
ولا ريب أن الاقتصار على فعل الواجبات حسن وفعل المستحبات معها
أحسن ، ومن اتبع الأحسن فاقتدى بالمقربين وتقرب إلى الله بالنوافل
بعد الفرائض كان أحق بالبشرى .
وعلى هذا فقوله: (وَأَتَّبِعُواْ أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُم) (وَأَمُرْ
قَوَّمَكَ يَأْخُذُواِاَحْسَنِهَا )
هو أيضاً أمر بذلك ؛ لكن الأمر يعم أمر
الإيجاب ، والاستحباب . فهم مأمورون بما فى ذلك من واجب أمر
إيجاب ، وبما فيه من مستحب أمر استحباب ، كما هم مأمورون مثل
ذلك في قوله: (إِنَّاللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَنِ وَ إِيتَآٍ ذِى الْقُرْبَىَ)
وقوله : (يَأَمُرُهُم بِالْمَعْرُوفٍ) والمعروف يتناول القسمين . وقوله:
(وَأَفْعَلُواْ الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) وهو بعم القسمين : وقوله:
( أَرْكَعُوا وَأَسْجُدُواْ) وأمثال ذلك .
٧

وقال رحمه الله
فصل
في السماع
أصل السماع الذى أمر الله به، هو سماع ماجاء به الرسول صلى
الله عليه وسلم: سماع فقه وقبول ؛ ولهذا انقسم الناس فيه أربعة
أصناف : صنف معرض ممتنع عن سماعه ، وصنف سمع الصوت ولم يفقه
المعنى ، وصنف فقهه ولكنه لم يقبله، والرابع الذي سمعه سماع
فقه وقبول .
فـ ((الأول)) كالذين قال فيهم: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُ وْلَا تَسْمَعُوْلِهَذَا الْقُرْءَانِ
وَالْغَوَّْفِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ) .
و ((الصنف الثانى)) من سمع الصوت بذلك لكن لم يفقه المعنى .
قال تعالى: (وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْكَمَثَلِ الَّذِى يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّدُعَاءُ وَنِدَآءَ صُمٌ
بُكْمّ عُمْىٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ) وقال تعالى: (وَمِنْهُم ◌َن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ
٨

أَكِتَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِيَاذَانِهِمْ وَقْرَأْ وَإِن يَرَوَاكُلَّ ءَايَةٍ لََّ يُؤْمِنُواْبِهِّ حََّإِذَا جَاءُ وَ يُجَدِ لُونَكَ يَقُولُ
الَّذِينَ كَفَرُوْ إِنْ هَذَآ إِلَّا أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ )
#
وقال تعالى: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَنْتَ تُسْمِعُ الضُّمَّ وَلَوْكَانُوْ لَا يَعْقِلُونَ
وَمِنْهُمْ مَن يَنْظُرُ إِلَيْكَّ أَفَنْتَ تَهْدِى الْعُمْىَ وَلَوْ كَانُواْ لَ يُبْصِرُونَ * إِنَّ اللَّهَ لَا
يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ )
وقال تعالى : ( وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ جَعَلْنَابَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِحِجَابًا
مَسْتُورًا * وَجَعَلْنَا عَلَ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِّمَاذَانِهِمْ وَقْرَأْ وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِ الْقُرْءَانِ
وَحْدَهُوَلَّوْ عَلَى أَدْبَرِهِمْ نُفُورًا * تَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِ إِذْيَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْهُ نَجْوَى إِذْ
يَقُولُ النَِّمُونَ إِن تَنَّبِعُونَ إِلَّرَجُلًا مَسْحُورًا)
وقال تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكْرَ بِثَايَتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِىَ مَاقَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا
عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِّءَاذَانِهِمْ وَقْرَاً وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَنْ يَهْتَدُواْ إِذَا
أَبَدًا ) .
وقوله : ( أَنْ يَفْقَهُوهُ ) يتناول من لم يفهم منه تفسير اللفظ كما يفهم
بمجرد العربية ، ومن فهم ذلك لكن لم يعلم نفس المراد فى الخارج، وهو :
((الأعيان)) و ((الأفعال)) و((الصفات)) المقصودة بالأمر والخبر؛ بحيث
يراها ولا يعلم أنها مدلول الخطاب : مثل من يعلم وصفا مذموما ويكون
هو متصفاً به ، أو بعضاً من جنسه ولا يعلم أنه داخل فيه. وقال تعالى:
٩

(إِنَّ شَرَّ اُلَّوَآتِ عِندَ اللَّهِ القُمُ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا
قال ذلك بعد قوله :
لَّأَسْمَعَهُمِّ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوَأُوَّهُمْ مُعْرِضُونَ )
(يَكَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْاللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَلَا تَوَلَّوْاْعَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ * وَلَا
تَكُونُواْ كَالَّذِينَ قَالُوَأْسَمِعْنَاوَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ) فقوله: (وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُفِهِمْ
خَبْرَّالَّأَسْمَعَهُمْ) لم يرد به مجرد إسماع الصوت لوجهين .
((أحدهما)) أن هذا السماع لابد منه ولا تقوم الحجة على المدعوين
إلا به . كما قال: (وَإِنْ أَحَدٌمِّنَ الْمُشْرِكِينَ أُسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَمَ
اللَّهِ ثُمَّأَبِلِغُهُ مَأْمَنَهُ ) وقال: ( لِأَنْذِرَّكُمْ بِهِ، وَمَنْ بَغَ) وقال: ( وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ
حَقَّ نَبْعَثَ رَسُولًا ).
و ((الثاني)) أنه وحده لا ينفع؛ فإنه قد حصل لجميع الكفار الذين
استمعوا القرآن وكفروا به كما تقدم ، بخلاف إسماع الفقه فإن ذلك هو
الذي يعطيه الله لمن فيه خير ، وهذا نظير مافى الصحيحين عن النبى صلى
الله عليه وسلم أنه قال: ((من يرد الله به خيراً يفقهه فى الدين))
وهذه الآية والحديث يدلان على أن من لم يحصل له السماع الذى يفقه
معه القول فإن اللّه لم يعلم فيه خيراً ولم يرد به خيراً، وأن من على
الله فيه خيراً أو أراد به خيراً فلا بد أن يسمعه ويفقهه ؛ إذ الحديث
قد بين أن كل من يرد الله به خيراً يفقهه: فالأول مستلزم للثاني ،
والصيغة عامة ، فمن لم يفقهه لم يكن داخلا فى العموم فلا يكون الله
١٠

أراد به خيراً ، وقد انتفى فى حقه اللازم فينتفي الملزوم .
وكذلك قوله: (وَلَوْ عَلِمَ اَلَّهُ فِيهِمْ خَيْرَّ لَّأَسْمَعَهُمْ) بين أن الأول
شرط للثانى : شرطا محويا ، وهو ملزوم وسبب ، فيقتضى أن كل من
على الله فيه خيراً أسمعه هذا الإسماع ، فمن لم يسمعه إياه لم يكن قد علم
فيه خيراً ، فتدبر كيف وجب هذا السماع ، وهذا الفقه ، وهذا حال
المؤمنين ، بخلاف الذين يقولون بسماع لا فقه معه، أو فقه لا سماع معه
أعنى هذا السماع .
وأما قوله: (وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوَأُوَّهُمْ مُعْرِضُونَ ) فقد يشكل على
كثير من الناس . لظنهم أن هذا السماع المشروط هو السماع المنفي في
الجملة الأولى، الذى كان يكون لو على فيهم خيراً ، وليس فى الآية ما
يقتضى ذلك ؛ بل ظاهرها وباطنها ينافي ذلك ؛ فإن الضمير فى قوله :
( ولو أسمعهم ) عائد إلى الضميرين فى قوله: (وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا
لَّأَسْمَعَهُمْ) وهؤلاء قد دل الكلام على أن الله لم يعلم فيهم خيراً ، فلم
يسمعهم إذ ((لو)) يدل على عدم الشرط دائماً: وإذا كان الله ما علم
فيهم خيراً فلو أسمعهم لتولوا وم معرضون بمنزلة اليهود الذين قالوا سمعنا
وعصينا، وهم ((الصنف الثالث)).
ودلت الآية على أنه ليس لكل من سمع وفقه يكون فيه خير ؛ بل
١١

قد يفقه ولا يعمل بعلمه فلا ينتفع به ، فلا يكون فيه خيراً ، ودلت
أيضاً على أن إسماع التفهيم إنما يطلب لمن فيه خير ، فإنه هو الذى ينتفع
به ، فأما من ليس ينتفع به فلا يطلب تفهيمه .
و ((الصنف الثالث)) من سمع الكلام وفقهه؛ لكنه لم يقبله ولم
يطع أمره : كاليهود الذين قال الله فيهم: (مِنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ
عَن قَّوَاضِعِهِ، وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأَسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَعِنَا لَيَّا بِاَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنَا
فِي الدِّينِ، وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأَسْمَعْ وَأَنْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًالَُّمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَّعَنَّهُمُ اللَّهُ
بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا )
وقال تعالى : (أَفَتَظْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُواْلَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَمَ اْللَّهِ
ثُمَّ يُحَرِفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ )
إلى قوله: (وَمِنْهُمْ أُمُِّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِنَبَ إِلَّ أَمَانِيَ ) أي تلاوة .
فهؤلاء من ((الصنف الأول)) الذين يسمعون ويقرءون ولا يفقهون،
ويعقلون . إلى قوله: (وَإِذْ أَخَذْ نَا مِيثَقَ بَنِىّ إِسْرَاءِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّ اللَّهَ
إلى قوله : (وَلَقَدْءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِنَبَ وَقَفَّيْنَا
وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَانًا )
مِنْ بَعْدِهِ، بِالرُّسُلِّ وَءَاتَيْنَا عِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ الْبَّيِّنَتِ وَأَيَّدْنَهُ بِرُوجِ الْقُدُسِّ أَفَكُلَّمَا جَاءَ كُمْ
رَسُولٌ بِمَا لَا نَهْوَ أَنفُسُكُمْ أَسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا نَقْئُلُون
قُلُوبُنَا غُلِّفُتْ بَل لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَّايُؤْمِنُونَ )
وَقَالُواْ
١٢

كما قال في تلك الآية: (وَلَكِنْ لَعَنَّهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَ يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلاً) وقال
فى النساء :
(فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِشَايَتِ اللَّهِ وَقَبْلِهِمُ الْأَنِيَاءَ بِغَيْرِحَقٍّ
وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلَّقُتْ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَ يُؤْمِنُونَ إِلََّ قَلِيلاً * وَبِكُفْرِهِمْ
وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَنَّا عَظِيمًا ) إلى آخر القصة ،
فأخبر بذنوبهم التى استحقوا بها ما استحقوه . ومنها قولهم :
(قُلُوبُنَا غُلّفُ ) .
فعلم أنهم كاذبون فى هذا القول قاصدون به الامتناع من الواجب ؛
ولهذا قال: (بَلِ لَّعَنَهُمُ اللَّهُ) و(طَبَعَ اَللَّهُ عَلَيْهَا بِكَفْرِهِمْ) فهي وإن سمعت
الخطاب وفقهته لا تقبله ولا تؤمن به ، لا تصديقا له ولا طاعة ، وإن
عرفوه كما قال: ( الَّذِينَءَاتَيْنَهُمُ الْكِتَبَ يَعْرِفُونَهُ, كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَ هُمُّ ) .
فـ (غلف) جمع أغلف. وأما ((غلف)) بالتحريك فجمع غلاف.
والقلب الأغلف بمنزلة الأقلف. فهم ادعوا ذلك وهم كاذبون فى ذلك ،
واللعنة الإبعاد عن الرحمة ، فلو عملوا به لرحموا ؛ ولكن لم يعملوا به ،
فكانوا مغضوبا عليهم ملعونين ، وهذا جزاء من عرف الحق ولم يتبعه ،
وفقه كلام الرسل ولم يكن موافقاً له بالإقرار تصديقاً وعملا .
و ((الصنف الرابع» الذين سمعوا سماع فقه وقبول ، فهذا هو
السماع المأمور به، كما قال تعالى: (وَإِذَا سَمِعُواْمَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىَ أَعْيُنَهُمْ
تَفِيضُ مِنَ الذَّمْعِ مِمَّاعَفُواْمِنَ الْحَقِّ ) وقال تعالى: (قُلْ أُوحِىَ إِلَ أَنَّهُ أُسْتَمَعَ
١٣

نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُواْ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانَا عَجَبًا * يَهْدِى إِلَى الرُّشْدِ فَا مَنَابِهِ، وَلَن نُشْرِكَ بِرِنَا أَحَدًا)
وقال تعالى: (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَّكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْءَانَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ
قَالُواْأَنْصِنُواْ فَلَمَّا قُضِىَ وَلَّوْ إِلَى قَوْمِهِم مُنذِرِينَ * قَالُواْيَقَوْمَنَآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَبًا
أَنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّ قًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِىّ إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِقٍ مُسْتَقِيمٍ * يَقَوْمَنَآَ
أَجِيبُواْدَاعِىَ اللَّهِ وَءَامِنُواْبِهِ ) الآيات.
وقال تعالى: (إِنَّالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ بَخِرُونَ لِلْأَذْفَانِ سُجَّدًا
وَيَقُولُونَ سُبْحَنَ رَبِنَّ إِنْ كَانَ وَعْدُرَيْنَا لَمَفْعُولًا ) الآية.
*
وقال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ
ءَتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَنَا)
وقال تعالى: (وَإِذَامَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ: إِيمَانًا فَمَّا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ فَزَادَ تْهُمْ إِيمَنَا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ قَرَضٌ
فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَا تُواْوَهُمْ كَفِرُونَ)
وقال تعالى: ( وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الَّلِينَ إِلَّا
خَسَارًا ) وكذلك قوله: (قُلْ هُوَّ ◌ِلَّذِينَءَامَنُواْ هُدَّى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ
لَ يُؤْمِنُونَ فِىّءَاذَانِهِمْ وَقْرٌوَهُوَ عَلَيْهِْ عَمَى ) ومثله قوله :
(هَذَابَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ) فالبيان بعم كل من فقهه والهدى
(هَذَا بَصَّبُ لِلنَّاسِ وَهُدَّى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ
والموعظة للمتقين . وقوله :
١٤

يُوقِنُونَ )
لِلْتَّقِينَ ).
ذَلِكَ الْكِتَبُ لَرَيْبَ فِيهِ هُدَى
وقوله : (الّ *
وهنا لطيفة تزيل إشكالا يفهم هنا ، وهو أنه ليس من شرط
هذا المتقى المؤمن أن يكون كان من المتقين المؤمنين قبل سماع القرآن
فإن هذا أولا ممتع ؛ إذ لا يكون مؤمناً متقياً من لم يسمع شيئا من
القرآن . وثانياً أن الشرط إنما يجب أن يقارن المشروط لا يجب
أن يتقدمه تقدما زمانياً ، كاستقبال القبلة فى الصلاة . وثالثاً أن المقصود
أن يبين شيئان :
((أحدهما)) أن الانتفاع به بالاهتداء والانعاظ والرحمة هو وإن
كان موجباً له ؛ لكن لابد مع الفاعل من القابل ، إذ الكلام لا يؤثر
فيمن لا يكون قابلا له ، وإن كان من شأنه أن يهدى ويعظ ويرحم
وهذا حال كل كلام .
((الثانى)) أن يبين أن المهتدين بهذا م المؤمنون المتقون،
ويستدل بعدم الاهتداء به على عدم الإيمان والتقوى ، كما يقال المتعلمون
لكتاب بقراط هم الأطباء ، وإن لم يكونوا أطباء قبل تعلمه ، بل بتعلمه
وكما يقال : كتاب سيبويه كتاب عظيم المنفعة للنحاة ، وإن كانوا إنما صاروا
نجاة بتعلمه ، وكما يقال : هذا مكان موافق للرماة والركاب .
١٥

قال شيخ الإسلام رحمه الله:
فصل
قال الله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءٌ فَسَلَكُهُ يَبِيَعَ فِي
اْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَنُمَ يَهِيجُ فَتَرَنَّهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ، حُطَمَأْ إِنَّ فِ
ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُوْلِ الْأَلْبَبِ ) .
فأخبر سبحانه أنه يسلك الماء النازل من السماء ينابيع ، والينابيع
جمع ينبوع وهو منبع الماء ، ، كالعين والبر ، فدل القرآن على أن ماء
السماء تنبع منه الأرض ، والاعتبار يدل على ذلك ، فإنه إذا كثر ماء
السماء كثرت الينابيع ، وإذا قل قلت .
وماء السماء ينزل من السحاب، والله ينشئه من الهواء الذى في
الجو ، وما يتصاعد من الأبخرة .
وليس فى القرآن أن جميع ما ينبح يكون من ماء السماء ، ولا
هذا أيضاً معلوما بالاعتبار ، فإن الماء قد ينبع من بطون الجبال ،
١٦

ويكون فيها أبخرة يخلق منها الماء ، والأبخرة وغيرها من الأهوية قد
تستحيل ، كما إذا أخذ إناء فوضع فيه ثلج ، فإنه يبقى ما أحاط به
ماء وهو هواء استحال ماء ، وليس ذلك من ماء السماء ، فعلم أنه ممكن
أن يكون فى الأرض ماء ليس من السماء ، فلا يجزم بأن جميع المياه
من ماء السماء ، وإن كان غالبها من ماء السماء . والله أعلم.
١٧

وقال شيخ الإسلام
تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن
تيمية الحرانى قدس الله روحه .
فصل
فى قوله تعالى: (قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَ فُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا نَقْنَ طُوا مِن
وَأَنِيبُوْ إِلَى رَبِّكُمْ
رَّحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُالذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُالرَّحِيمُ
وقد ذكرنا في غير موضع
وَأَسْلِمُوْلَهُ ) .
أن هذه الآية في حق التائبين، وأما آيتا النساء قوله: (إِنَّاللَّهَ
فلا يجوز أن
لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَادُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ)
تكون في حق التائبين ، كما يقوله من يقوله من المعتزلة ، فإن التائب
من الشرك يغفر له الشرك أيضاً بنصوص القرآن واتفاق المسلمين .
مے
وهذه الآية فيها تخصيص وتقييد ، وتلك الآية فيها تعميم وإطلاق ،
هذه خص فيها الشرك بأنه لا يغفره ، وما عداه لم يجزم بمغفرته ؛ بل
علقه بالمشيئة فقال: (وَيَغْفِرُ مَادُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ).
١٨

وقد ذكرنا في غير موضع أن هذه كما ترد على الوعيدية من
الخوارج والمعتزلة، فهي ترد أيضاً على المرجئة الواقفية ، الذين يقولون:
يجوز أن يعذب كل فاسق فلا يغفر لأحد ، ويجوز أن يغفر للجميع
فإنه قد قال: (وَيَغْفِرُ مَادُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ) فأثبت أن ما دون
ذلك هو مغفور لكن لمن يشاء ، فلو كان لا يغفره لأحد بطل قوله :
(وَيَغْفِرُ مَادُونَ ذَلِكَ) ولو كان يغفره لكل أحد بطل قوله: (لِمَن
يَشَآءُ ) فلما أثبت أنه يغفر ما دون ذلك وأن المغفرة هي لمن يشاء دل
ذلك على وقوع المغفرة العامة مما دون الشرك ؛ لكنها لبعض الناس .
وحينئذ فمن غفر له لم يعذب ، ومن لم يغفر له عذب ، وهذا
مذهب الصحابة والسلف والأئمة ، وهو القطع بأن بعض عصاة الأمة
يدخل النار وبعضهم يغفر له : لكن هل ذلك على وجه الموازنة والحكمة
أو لا اعتبار بالموازنة ؟ فيه قولان للمنتسبين إلى السنة من أصحابنا
وغيرهم ، بناء على أصل الأفعال الإلهية هل يعتبر فيها الحكمة والعدل.
وأيضاً فمسألة الجزاء فيها نصوص كثيرة دلت على الموازنة ، كما قد بسط
فى غير هذا الموضع .
والمقصود هنا أن قوله: (يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَ فُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا نَقْنَ طُوا مِن
فيه نهي عن القنوط من رحمة
رَّحْمَةِ اللَّه ◌ِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا )
الله تعالى ، وإن عظمت الذنوب وكثرت فلا يحل لأحد أن يقنط من
١٩

رحمة اللّه وإن عظمت ذنوبه، ولا أن يقنط الناس من رحمة الله. قال
بعض السلف إن الفقيه كل الفقيه الذى لا يؤيس الناس من رحمة الله،
ولا يجرئهم على معاصى الله .
والقنوط يكون بأن يعتقد أن الله لا يغفر له . إما لكونه إذا تاب
لا يقبل الله توبته ويغفر ذنوبه، وإما بأن يقول نفسه لا تطاوعه على
التوبة ؛ بل هو مغلوب معها ، والشيطان قد استحوذ عليه ، فهو بيأس
من توبة نفسه ، وإن كان يعلم أنه إذا تاب غفر الله له ، وهذا يعترى
كثيراً من الناس . والقنوط يحصل بهذا تارة وبهذا تارة : فالأول
كالراهب الذي أفتى قاتل تسعة وتسعين أن الله لا يغفر له فقتله وكمل
به مائة ، ثم دل على عالم فأنا فسأله فأفتاء بأن الله يقبل توبته.
والحديث فى الصحيحين . والثاني كالذى يرى للتوبة شروطاً كثيرة ،
ويقال له لها شروط كثيرة يتعذر عليه فعلها فييأس من أن يتوب.
وقد تنازع الناس فى العبد هل يصير فى حال تمتنع منه التوبة إذا
أرادها . والصواب الذى عليه أهل السنة والجمهور أن التوبة ممكنة من
كل ذنب ، وممكن أن الله يغفره ، وقد فرضوا فى ذلك من توسط
أرضاً مغصوبة ، ومن توسط جرحى فكيف ما تحرك قتل بعضهم. فقيل
هذا لا طريق له إلى التوبة . والصحيح أن هذا إذا تاب قبل اللّه توبته.
٢٠