النص المفهرس
صفحات 421-440
الأبدال كلهم يوصيني عند فراقه بترك صحبة الأحداث ، وقال بعضهم: ما سقط عبد من عين الله إلا ابتلاه بصحبة هؤلاء الأنتان . ثم النظر يولد المحبة ، فيكون علاقة ؛ لتعلق القلب بالمحبوب ، ثم صبابة ؛ لانصباب القلب إليه ، ثم غراما ؛ للزومه للقلب . كالغريم الملازم لغريمه، ثم عشقاً، إلى أن يصير تنيما ، والمتيم المعبد، وتيم الله عبد الله؛ فيبقى القلب عبداً لمن لا يصلح أن يكون أخا ولا خادما. وهذا إنما يبتلى به أهل الإعراض عن الإخلاص لله ، الذين فيهم نوع من الشرك، وإلا فأهل الإخلاص، كما قال الله تعالى فى حق يوسف عليه السلام : (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَآءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا اُلْمُخْلَصِينَ ) فامرأة العزيز كانت مشركة فوقعت مع تزوجها فيما وقعت فيه من السوء ، ويوسف عليه السلام مع عزوبته ، وحراودتها له ، واستعانتها عليه بالنسوة ، وعقوبتها له بالحبس على العفة : عصمه الله بإخلاصه لله، تحقيقاً لقوله : (لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّاعِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) قال تعالى: (إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُّ إِلََّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ) و ((الغي )) هو اتباع الهوى . وهذا الباب من أعظم أبواب اتباع الهوى ، ومن أمر بعشق الصور من المتفلسفة ـ كابن سينا وذويه ، أو من الفرس، كما يذكر ٤٢١ عن بعضهم من جهال المتصوفة - فإنهم أهل ضلال ، فهم مع مشاركة اليهود فى الغي ، والنصارى فى الضلال: زادوا على الأمتين فى ذلك ، فإن هذا وإن ظن أن فيه منفعة للعاشق كتلطيف نفسه، وتهذيب أخلاقه ، أو للمعشوق من السعي في مصالحه ، وتعليمه وتأديبه ، وغير ذلك ، فمضرة ذلك أضعاف منفعته ، وأين إثم ذلك من نفعه ؟ ! . وإنما هذا كما يقال : إن فى الزنا منفعة لكل منها بما يحصل له من اللذة والسرور ، ويحصل لها من الجمل وغير ذلك ، وكما يقال: إن فى شرب الخمر منافع بدنية ونفسية. وقال تعالى في الخمر والميسر: ( قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ) . وهذا قبل التحريم ، دع ما قاله عند التحريم وبعده ، فإن التعبد بهذه الصور هو من جنس الفواحش ، وباطنه من باطن الفواحش ، وهو من باطن الإثم. قال الله تعالى: (وَذَرُ واْظَهِرَ اْلْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ) وقال تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِيَ الْفَوَحِشَ مَاظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ) وقال تعالى : (وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيَّهَاءَ ابَآءَ نَا وَاللَّهُ أَمَنَا بِهَأْ قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَآءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ). وليس بين أئمة الدين نزاع فى أن هذا ليس بمستحب ، كما أنه ليس بواجب ، فمن جعله ممدوحا وأثنى عليه فقد خرج عن إجماع المسلمين ، واليهود والنصارى؛ بل وعما عليه عقلاء بني آدم من جميع الأمم ، وهو ٤٢٢ ممن اتبع هواه بغير هدى من اللّه (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ أَتََّعَ هَوَهُ بِغَيْرِ هُدَّى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَلَ يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) وقال تعالى: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْمَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِىَ الْمَأْوَى) وقال تعالى: (وَلَا تَنَِّعِ اَلْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ الهِنَّالَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُواْيَوْمَ اْحِسَابِ ) . وأما من نظر إلى المردان ظانا أنه ينظر إلى مظاهر الجمال الإلهي، وجعل هذا طريقا له إلى الله، كما يفعله طوائف من المدعين للمعرفة، فقوله هذا أعظم كفراً من قول عباد الأصنام ، ومن كفر قوم لوط . فهؤلاء من شر الزنادقة المرتدين ، الذين يجب قتلهم بإجماع كل أمة ، فإن عباد الأصنام قالوا : (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى). وهؤلاء يجعلون الله سبحانه موجوداً فى نفس الأصنام ، وحالا فيها ؛ فإنهم لا يريدون بظهوره وتجليه فى المخلوقات أنها أدلة عليه ، وآيات له ، بل يربدون أنه سبحانه ظهر فيها ، وتجلى فيها ، ويشبهون ذلك بظهور الماء فى الصوفة، والزبد في اللبن ، والزيت في الزيتون ، والدهن فى السمسم ، ونحو ذلك مما يقتضي حلول نفس ذاته في مخلوقاته ، أو اتحاده بها، فيقولون فى جميع المخلوقات: نظير ماقاله النصارى فى المسيح خاصة ، ثم يجعلون المردان مظاهر الجمال ، فيقرون هذا الشرك الأعظم طريقاً إلى استحلال الفواحش ، بل إلى استخلال كل محرم؛ كما قيل لأفضل ٤٢٣ مشايخهم التلمسانى : إذا كان قولكم بأن الوجود واحد هو الحق ، فما الفرق بين أمي وأختى وبنتى حتى يكون هذا حلال وهذا حرام ؟ قال: الجميع عندنا سواء ، لكن هؤلاء المحجوبون قالوا حرام فقلنا حرام عليكم . ومن هؤلاء الحلولية والاتحادية من يخص الحلول والاتحاد ببعض الأشخاص، إما ببعض الأنبياء كالمسيح ، أو ببعض الصحابة ، كقول الغالية فى علي ، أو ببعض الشيوخ، كالخلاجية ونحوم، أو ببعض الملوك، أو ببعض الصور ، كصور المردان . ويقول أحدم: إنما أنظر إلى صفات خالقي . وأشهدها في هذه الصورة، والكفر في هذا القول أبين من أن يخفى على من يؤمن بالله ورسوله . ولو قال مثل هذا الكلام في نى كريم لكان كافراً ، فكيف إذا قاله فى صى أمرد ؟! فقبح اللّه طائفة يكون معبودها من جنس موطونها !! . (وَلَا يَأْمُرَّكُمْ أَنْ تَنَّخِذُ واْلَئِكَةَ وَالنَِّنَ أَرْبَأَبْأَيَأْمُرُّكُم وقد قال تعالی : فاذا كان من اتخذ الملائكة بِالْكُفْرِبَعْدَ إِذْ أَنتُم مُسْلِمُونَ ) والنبيين أربابا مع اعترافهم بأنهم مخلوقون الله كفاراً فكيف بمن اتخذ بعض المخلوقات أربابا ؟ مع أن الله فيها، أو متحدبها، فوجوده وجودها، ونحو ذلك من المقالات . ٤٢٤ وأما ((الفائدة الثانية)) فى غض البصر: فهو نور القلب والفراسة، فالتعلق قال تعالى عن قوم لوط: (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِى سَّكْرَنْهِمْ يَعْمَهُونَ ) بالصور يوجب فساد العقل ، وعمى البصيرة، وسكر القلب ، بل جنونه ، كما قيل : سكران : سكر هوى ، وسكر مدامة فتى يفيق من به سكران ؟ ! وقيل أيضاً : قالوا جننت بمن تهوى فقلت لهم : العشق أعظم مما بالمجانين : العشق لا يستفيق الدهر صاحبه وإنما يصرع المجنون فى الحين ٤ وذكر الله سبحانه آية النور عقيب آيات غض البصر ، فقال : ( اللَّهُ نُورُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ) وكان شجاع بن شاه الكرماني لا تخطئ له فراسة ، وكان يقول : من عمر ظاهره باتباع السنة ، وباطنه بدوام ٤٢٥ المراقبة ، وغض بصره عن المحارم ، وكف نفسه عن الشهوات ، وذكر خصلة سادسة أظنه هو أكل الحلال : لم تخطئ له فراسة . والله تعالى يجزي العبد على عمله بما هو من جنس عمله ، فيطلق نور بصيرته ، ويفتح عليه باب العلم والمعرفة والكشوف ، ونحو ذلك مما ينال ببصيرة القلب . ((الفائدة الثالثة)) قوة القلب وثباته وشجاعته؛ فيجعل الله له سلطان البصيرة مع سلطان الحجة ، فإن فى الأثر: الذي يخالف هواء يفرق الشيطان من ظله ؛ ولهذا يوجد في المتبح هواه من ذل النفس وضعفها ومهانتها ماجعله الله لمن عصاه ، فإن الله جعل العزة لمن أطاعه ، والذلة لمن عصاه. قال تعالى: (يَقُولُونَ لَبِن رَّجَعْنَآ إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَرَ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ، وَلِلْمُؤْمِنِينَ ) وقال تعالى: (وَلَاتَهِنُواْ وَلَا تَّخْزَنُواْ وَأَنْتُمُ اُلْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ ) . ولهذا كان فى كلام الشيوخ : الناس يطلبون العز بأبواب الملوك ولا يجدونه إلا في طاعة الله. وكان الحسن البصرى يقول: وإن هملجت بهم البراذين ، وطقطقت بهم ذلل البغال ، فإن ذل المعصية فى رقابهم ، أبى الله إلا أن يذل من عصاه! ومن أطاع الله فقد والاه فيما أطاعه فيه ، ومن عصاه ففيه قسط من فعل من عاداه بمعاصيه، وفى دعاء القنوت: (( إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت)). ٤٢٦ ثم الصوفية المشهورون عند الأمة - الذين لهم لسان صدق فى الأمة - لم يكونوا يستحسنون مثل هذا ؛ بل ينهون عنه ، ولهم فى الكلام فى ذم صحبة الأحداث، وفى الرد على أهل الحلول ، وبيان مباينة الخالق : مالا يتسع هذا الموضع لذكره . وإنما استحسنه من تشبه بهم ممن هو عاص أو فاسق أو كافر ، فيتظاهر بدعوى الولاية لله ، وتحقيق الإيمان والعرفان ، وهو من شر أهل العداوة لله ، وأهل النفاق والبهتان . والله تعالى يجمع لأوليائه المتقين خير الدنيا والآخرة ، ويجعل لأعدائه الصفقة الخاسرة . والله سبحانه أعلم . ٤٢٧ سورة الفرقان قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى فصل أكبر الكبائر ثلاث: الكفر، ثم قتل النفس بغير الحق، ثم الزنا، كما رتبها الله فى قوله: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَاللَّهِ إِلَهَاءَ اخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَاللَّهُ وفى الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود إِلَّا بِالْحَقِّوَلَا يَزْنُونَ ) قال: (( قلت يارسول الله : أي الذنب أعظم ؟ قال : أن تجعل الله ند! وهو خلقك ، قلت : ثم أي ؟ قال : ثم أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك . قلت : ثم أي ؟ قال : أن تزانى بحليلة جارك)). ولهذا الترتيب وجه معقول ، وهو أن قوى الإنسان ثلاث: قوة العقل ، وقوة الغضب ، وقوة الشهوة . فأعلاها القوة العقلية - التى يختص بها الإنسان دون سائر الدواب ، وتشركه فيها الملائكة ، كما قال أبو بكر عبد العزيز من أصحابنا وغيره : خلق للملائكة عقول بلا شهوة ٤٢٨ وخلق للبهائم شهوة بلا عقل ، وخلق للإنسان عقل وشهوة، فمن غلب عقله شهوته فهو خير من الملائكة ، ومن غلبت شهوته عقله فالبهائم خير منه. ثم القوة الغضبية التى فيها دفع المضرة ، ثم القوة الشهوية التى فيها جلب المنفعة . ومن الطبائعيين من يقول: القوة الغضبية هي الحيوانية؛ لاختصاص الحيوان بها دون النبات . والقوة الشهوية هي النباتية لاشتراك الحيوان والنبات فيها . واختصاص النبات بها دون الجماد . لكن يقال: إن أراد أن نفس الشهوة مشتركة بين النبات والحيوان فليس كذلك ، فإن النبات ليس فيه حنين ولا حركة إرادية ، ولا شهوة ولا غضب . وإن أراد نفس النمو والاغتذاء فهذا تابع للشهوة وموجبها . وله نظير في الغضب . وهو أن موجب الغضب وتابعه هو الدفع والمنع ، وهذا معنى موجود فى سائر الأجسام الصلبة القوية ، فذات الشهوة والغضب مختص بالحي . وأما موجبها من الاعتداء والدفع فمشترك بينها وبين النبات القوى ، فقوة الدفع والمنع موجود فى النبات الصلب القوي ، دون اللين الرطب ، فتكون قوة الدفع مختصة ببعض النبات ؛ لكنه موجود فى سائر الأجسام الصلبة ، فبين الشهوة والغضب عموم وخصوص . ٤٢٩ وسبب ذلك : أن قوى الأفعال فى النفس إما جذب وإما دفع . فالقوة الجاذبة الجالبة للملائم هي الشهوة وجنسها: من المحبة والإرادة ونحو ذلك ، والقوة الدافعة المانعة للمنافى هى الغضب وجنسها : من البغض والكراهة ، وهذه القوة باعتبار القدر المشترك بين الإنسان والبهائم هي مطلق الشهوة والغضب ، وباعتبار ما يختص به الإنسان العقل والإيمان والقوى الروحانية المعترضة . فالكفر متعلق بالقوة العقلية الناطقة الإيمانية؛ ولهذا لا يوصف به من لا تمييز له ، والقتل ناشئ عن القوة الغضبية، وعدوان فيها. والزنا عن القوة الشهوانية . فالكفر اعتداء وفساد في القوة العقلية الإنسانية ، وقتل النفس اعتداء وفساد فى القوة الغضبية ، والزنا اعتداء وفساد فى القوة الشهوانية . ومن وجه آخر ظاهر : أن الخلق خلقهم الله لعبادته ، وقوام الشخص بجسده ، وقوام النوع بالنكاح والنسل، فالكفر فساد المقصود الذي له خلقوا ، وقتل النفس فساد النفوس الموجودة ، والزنا فساد فى المنتظر من النوع . فذاك إفساد الموجود ، وذاك إفساد لما لم يوجد بمنزلة من أفسد مالاً موجودا ، أو منع المنعقد أن يوجد ، وإعدام الموجود أعظم فسادا ؛ فلهذا كان الترتيب كذلك . ٤٣٠ ومن وجه ثالث أن الكفر فساد القلب والروح الذي هو ملك الجسد، والقتل إفساد للجسد الحامل له ، وإتلاف الموجود . وأما الزنا فهو فساد فى صفة الوجود لا فى أصله ، لكن هذا يختص بالزنا ، ومن هنا يتبين أن اللواط أعظم فسادا من الزنا . فصل وباعتبار القوى الثلاث انقسمت الأمم التى هي أفضل الجنس الإنساني ؛ وم العرب والروم، والفرس . فإن هذه الأمم هي التى ظهرت فيها الفضائل الإنسانية ، وم سكان وسط الأرض طولا وعرضا ، فأما من سوامٍ كالسودان والترك ونحوم فتبع . فغلب على العرب القوة العقلية النطقية ، واشتق اسمها من وصفها فقيل لهم : عرب: من الإعراب، وهو البيان والإظهار، وذلك خاصة القوة المنطقية . وغلب على الروم القوة الشهوية من الطعام والنكاح ونحوهما . واشتق اسمها من ذلك فقيل لهم الروم ، فإنه يقال : رمت هذا أرومه إذا طلبته واشتهيته . ٤٣١ وغلب على الفرس القوة الغضبية من الدفع والمنع والاستعلاء والرياسة ، واشتق اسمها من ذلك ، فقيل فرس ، كما يقال فرسه بفرسه إذا قهره وغلبه . ولهذا توجد هذه الصفات الثلاث غالبة على الأمم الثلاث حاضرتها وباديتها ؛ ولهذا كانت العرب أفضل الأمم ، وتليها الفرس لأن القوة الدفعية أرفع ، وتليها الروم . فصل وباعتبار هذه القوى كانت الفضائل ثلاثاً : فضيلة العقل ، والعلم ، والإيمان : التى هي كمال القوة المنطقية ، وفضيلة الشجاعة التي هي كمال القوة الغضبية ، وكمال الشجاعة هو الحلم ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ليس الشديد بالصرعة ، وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب))، والحلم والكرم ملزوزان فى قرن ، كما أن كمال القوة الشهوية العفة ، فإذا كان الكريم عفيفاً والسخى حليما اعتدل الأمر . وفضيلة السخاء والجود التى هي كمال القوة الطلبية الحبية ، فإن السخاء يصدر عن اللين والسهولة ورطوبة الخلق ، كما تصدر الشجاعة عن ٤٣٢ القوة والصعوبة ويبس الخلق ، فالقوة الغضبية هي قوة النصر ، والقوة الشهوية قوة الرزق ، وهما المذكوران فى قوله : ( الَّذِى أَطْعَمَهُم مِّن جُوِعِ وَءَامَنَهُمْ مِّنْ خَوْفٍ ) والرزق والنصر مقترنان فى الكتاب والسنة، وكلام الناس كثيراً . وأما الفضيلة الرابعة التى يقال لها العدالة فهى صفة منتظمة للثلاث وهو الاعتدال فيها ، وهذه الثلاث الأخيرات هي الأخلاق العملية ، كما جاء من حديث سعد لما قال فيه العبسى : إنه لا يقسم بالسوية ، ولا يعدل فى القضية ، ولا يخرج فى السرية . فصل ٠ وباعتبار القوى الثلاث كانت الأمم الثلاث : المسلمون واليهود والنصارى، فإن المسلمين فيهم العقل والعلم والاعتدال فى الأمور ، فإن معجزة نبيهم هي على الله وكلامه ؛ وم الأمة الوسط . وأما اليهود فأضعفت القوة الشهوية فيهم ، حتى حرم عليهم من المطاعم والملابس ما لم يحرم على غيرم ، وأمروا من الشدة والقوة بما أمروا به ، ومعاصيهم غالبها من باب القسوة والشدة لا من باب الشهوة ٤٣٣ والنصارى أضعفت فيهم القوة الغضبية فنهوا عن الانتقام والانتصار ، ولم تضعف فيهم القوة الشهوية ، فلم يحرم عليهم من المطاعم ما حرم على من قبلهم بل أحل لهم بعض الذي حرم عليهم ، وظهر فيهم من الأكل والشرب والشهوات ما لم يظهر فى اليهود ، وفيهم من الرقة والرأفة والرحمة ما ليس فى اليهود ، فغالب معاصيهم من باب الشهوات لا من باب الغضب ، وغالب طاعاتهم من باب النصر لا من باب الرزق. ولما كان في الصوفية والفقهاء عيسوية مشروعة أو منحرفة كان فيهم من الشهوات ووقع فيهم من الميل إلى النساء والصبيان والأصوات المطربة ما بذمون به ، ولما كان في الفقهاء موسوية مشروعة أو منحرفة كان فيهم من الغضب ووقع فيهم من القسوة والكبر ونحو ذلك ما يذمون به . فصل جنس القوة الشهوية الحب . وجنس القوة الغضبية البغض ، والغضب والبغض متفقان في الاشتقاق الأكبر ولهذا قال النبى صلى الله عليه وسلم: (( أوثق عرى الإيمان الحب في الله. والبغض في الله)) فإن هاتين القوتين هما الأصل، وقال: ((من أحب الله وأبغض لله ٤٣٤ وأعطى لله ومنع الله فقد استكمل الإيمان)) فالحب والبغض هما الأصل، والعطاء عن الحب وهو السخاء ، والمنع عن البغض ، وهو الشحاحة . فأما الغضب فقد يقال : هو خصوص فى البغض ، وهو الشدة التى تقوم فى النفس التى يقترن بها غليان دم القلب لطلب الانتقام ، وهذا هو الغضب الخاص ، ولهذا تعدل طائفة من المتكلمين عن مقابلة الشهوة بالغضب إلى مقابلتها بالنفرة ، ومن قابل الشهوة بالغضب فيجب أن لا يريد الغضب الخاص ، فإن نسبة هذا إلى النفرة نسبة الطمع إلى الشهوة ، فأما الغضب العام فهو القوة الدافعة البغضية المقابلة للقوة الجاذبة الحمية . فصل فعل المأمور به صادر عن القوة الإرادية الحمية الشهوية ، وترك المنهى عنه صادر عن القوة الكراهية البغضية الغضبية النفرية ، والأمر بالمعروف صادر عن المحبة والإرادة ، والنهي عن المنكر صادر عن البغض والكراهة ، وكذلك الترغيب فى المعروف والترهيب عن المنكر، والحض على هذا والزجر عن هذا ، ولهذا لا تكف النفوس عن الظلم إلا بالقوة الغضبية الدفعية . وبذلك يقوم العدل والقسط فى الحكم والقسم ٤٣٥ وغير ذلك ، كما أن الإحسان يقوم بالقوة الجذبية الشهوية ، فإن اندفاع المكروه بدون حصول المحبوب عدم ؛ إذ لا محبوب ولا مكروه ، وحصول المحبوب والمكروه وجود فاسد ، إذ قد حصلا معا وهما متقابلان فى الترجيح ، فربما يختار بعض النفوس هذا ويختار بعضها هذا وهذا عند التكافؤ ، وأما المكروه اليسير مع المحبوب الكثير فيترجح فيه الوجود ، كما أن المكروه الكثير مع المحبوب اليسير يترجح فيه العدم . لكن لما كان المقتضى لكل واحد من المحبوب والمكروه الذى هو الخير والشر موجوداً ؛ وبتقدير وجودهما يحصل النصر كالرزق مع الخوف ، صار يعظم فى الشرع والطبع دفع المكروه . أما فى الشرع فبالتقوى ، فإن اسمها فى الكتاب والسنة والإجماع عظيم ، والعاقبة لأهلها والثواب لهم . وأما فى الطبع فتعظيم النفوس لمن نصرم بدفع الضرر عنهم من عدو أو غيره ، فإن أهل الرزق معظمون لأهل النصر أكثر من تعظيم أهل النصر لأهل الرزق، وذاك - والله أعلم - لأن النصر بلا رزق ينفع ، فإن الأسباب الجالبة للرزق موجودة تعمل عملها ، وأما الرزق بلا نصر فلا ينفع ، فإن الأسباب الناصرة تابعة ، وفى هذا نظر فقد يقال : هما متقابلان فإن أهل النصر يحبون أهل الرزق أكثر مما يجب أهل الرزق لأهل النصر ، فإن الرزق محبوب والنصر معظم . ٤٣٦ وقد يقال : بل النصر أعظم كما تقدم ، فإن اندفاع المكروه محبوب أيضاً ، وهو لا يحصل إلا بقوة الدفع التى هي أقوى من قوة الجذب ، فاختص الناصر بالتعظيم لدفعه المعارض ، وأما الرازق فلا معارض له ، بل له موافق ، فالناصر محبوب معظم . وقد يقابل هذا بأن يقال : وفوات المحبوب مكروه أيضاً ، والمحبوب لا يحصل إلا بقوة الجذب ، ولا نسلم أن قوة الدفع أقوى ؛ بل قد يكون الجذب أقوى ؛ بل الجذب فى الأصل أقوى ؛ لأنه المقصود بالقصد الأول ، والدفع خادم تابع له ، وكما أن الدافع دفع المعارض فالجاذب حصل المقتضى . چے وترجيح المانع على المقتضى غير حق ؛ بل المقتضى أقوى بالقول المطلق ، فإنه لا بد منه فى الوجود . وأما المانع فإنما يحتاج إليه عند ثبوت المعارض ، وقد لا يكون معارض ، فالمقتضى والمحبة هو الأصل والعمدة فى الحق الموجود والحق المقصود ، وأما المانع والبغضة فهو الفرع والتابع . ولهذا كتب الله فى الكتاب الموضوع عنده فوق العرش: ((إن رحمتى تغلب غضى )) . ولهذا كان الخير فى أسماء الله وصفاته، وأما الشر ففى الأفعال، كقوله: ( نَبِّئْ عِبَادِىّ أَنِّ أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِ هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ) وقوله: (أَعْلَمُوْ أ ◌َنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّاللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) ٤٣٧ يبقى أن يقال : فلم عظمت التقوى ؟ فيقال : إنها هي تحفظ الفطرة وتمنع فسادها ، واحتاج العبد إلى رعايتها لأن المحبة الفطرية لا تحتاج إلى محرك ؛ ولهذا كان أعظم مادعت إليه الرسل الإخلاص والنهي عن الإشراك، لأن الإقرار الفطري حاصل لوجود مقتضيه، وإنما يحتاج إلى إخلاصه ودفع الشرك عنه ؛ ولهذا كانت حاجة الناس إلى السياسة الدافعة لظلم بعضهم عن بعض والجالبة لمنفعة بعضهم بعضاً ، كما أوجب الله الزكاة النافعة وحرم الربا الضار، وأصل الدين هو عبادة الله: الذي أصله الحب والإنابة والإعراض عما سواه ، وهو الفطرة التى فطر عليها الناس . وهذه المحبة التى هي أصل الدين : انحرف فيها فريق من منحرفة الموسوية من الفقهاء والمتكلمين حتى أنكروها ، وزعموا أن محبة الله ليست إلا إرادة عبادته، ثم كثير منهم تاركون للعمل بما أمروا به، فيأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم ، وهذا فاش فيهم ، وهو عدم المحبة والعمل ، وفريق من منحرفة العيسوية من الصوفية والمتعبدين ، خلطوها بمحبة ما يكرهه ، وأنكروا البغض والكراهية ، فلم ينكروا شيئاً ولم يكرهوه أو قصروا فى الكراهة والإنكار ، وأدخلوا فيها الصور والأصوات ومحبة الأنداد . ولهذا كان لغواة الأولين وصف الغضب واللعنة الناشئ عن ٤٣٨ البغض ، لأن فيهم البغض دون الحب ، وكان لضلال الآخرين وصف الضلال والغلو ، لأن فيهم محبة لغير معبود صحيح ، ففيهم طلب وإرادة ومحبة ، ولكن لا إلى مطلوب صحيح ، ولامراد صحيح ، ولا محبوب صحيح، بل قد خلطوا وغلوا وأشركوه ، ففيهم محبة الحق والباطل، وهو وجود المحبوب والمكروه ، كما فى الآخرين بغض الحق والباطل ، وهو دفع المحبوب والمكروه والله سبحانه يهدينا صراطه المستقيم . فيحمد من هؤلاء محبة الحق والاعتراف به ، ومن هؤلاء بغض الباطل وإنكار. ٤٣٩ سورة النمل قال شيخ الإسلام هذا تفسير آيات أشكلت حتى لا يوجد فى طائفة من كتب التفسير إلا ما هو خطأ [فيها ] . منها قوله تعالى: (مَنْ جَاءَبِالْحَسَنَةِ فَهُ خَيْرٌمِنْهَا ) الآية . المشهور عن السلف أن الحسنة : لا إله إلا الله ، وأن السيئة الشرك وعن السدي قال : ذلك عند الحساب ألغى بدل كل حسنة عشر سيئات ، فإن بقيت سيئة واحدة فجزاؤه النار إلا أن يغفر الله له . قلت : تضعيف الحسنة إلى عشر وإلى سبعمائة ثابت في الصحاح ، وأن السيئة مثلها ، وأن الهم بالحسنة حسنة ، والهم بالسيئة لا يكتب. فأهل القول الأول قالوه لأن أعمال البر داخلة في التوحيد ؛ فإن عبادة الله بما أمر به كما قال: (بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ) الآية. وقال تعالى: (أَلَمْ تَرَكَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً ) الآية . ٤٤٠