النص المفهرس

صفحات 401-420

إليه الكفر والفسوق والعصيان حتى يعوض عن شهوات الغي بحب الله
ورسوله وما يتبع ذلك، وعن الشهوات والشبهات بالنور والهدى ، وأعطاه
الله من القوة والقدرة ما أيده به : حيث دفع بالعلم الجهل ، وبإرادة
الحسنات إرادة السيئات ، وبالقوة على الخير القوة على الشر فى نفسه
فقط ، والمجاهد فى سبيل الله يطلب فعل ذلك فى نفسه وغيره أيضاً ،
حتى يدفع جهله بالظلم ، وإرادته السيئات بإرادة الحسنات ونحو ذلك .
والجهاد تمام الإيمان وسنام العمل، كما قال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ
الَّذِينَ ءَامَنُواْبِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ وَحَهَدُواْ بِأَمَّوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
ج
(كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ
وقال :
أُوْلَئِكَ هُمُ الضَدِقُونَ)
لِلنَّاسِ ) الآية وقال (أَجَعَلْتُ سِقَائَةَ الْحَجّ ) الآية، فكذلك يكون هذا
الجزاء فى حق المجاهدين، كما قال تعالى: (وَلَّذِينَ جَهَدُ واْفِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ
سُبُلَنَا ) فهذا في العلم والنور، وقال: (وَلَوْأَنَّا كُنَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنْ أَقْتُلُواْ
أَنْفُسَكُمْ ) إلى قوله: (صِرَطًا مُسْتَقِيمًا ) فقتل النفوس هو قتل بعضهم
بعضاً ، وهو من الجهاد، والخروج من ديارهم هو الهجرة، ثم أخبر أنهم إذا
فعلوا ما يوعظون به من الهجرة والجهاد كان خيراً لهم وأشد تثبيتاً ،
ففى الآية أربعة أمور : الخير المطلق، والتثبيت المتضمن للقوة والمكنة،
والأجر العظيم، وهداية الصراط المستقيم. وقال تعالى: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ
وقال : (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ
ءَمَنُوْ إِن تَنصُرُواْ اللَّهَ يَنَصُرْكُمْ وَيُنَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ )
٤٠١

مَن يَنصُرُهُ ) إلى قوله: (عَقِبَةُ الْأُمُورِ ) وقال: ( يُجَهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ
وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَآيِعٍ ) .
وأما أهل الفواحش الذين لا يغضون أبصارهم ولا يحفظون فروجهم
فقد وصفهم اللّه بضد ذلك: من السكرة، والعمه ، والجهالة ، وعدم
العقل، وعدم الرشد، والبغض ، وطمس الأبصار ، هذا مع ما وصفهم به
من الخبث ، والفسوق ، والعدوان ، والإسراف ، والسوء، والفحش،
(بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ )
والفساد ، والإجرام ، فقال عن قوم لوط :
فوصفهم بالجهل، وقال: (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِى سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ )
وقال
وقال: ( فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ ) وقال: (بَلْ
(أَلَيْسَ مِنْكُمْرَجُلٌ رَشِيدٌ )
أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ) وقال: (فَأَنْظُرْكَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ) وقال:
(إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمَسَوْءٍ فَسِقِينَ )
(أَبِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ
وقال :
وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِ نَادِيَكُمُ الْمُنكَرَ) إلى قوله: (أَنصُرْنِي عَلَى
الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ ) إلى قوله: (بِمَا كَانُواْيَفْسُقُونَ) وقوله: (مُسَوَّمَةً
عِندَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ).
٤٠٢

فصل
(وَتُوبُواْ إِلَى اللَّهِ جَميعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ
فى قوله فى آخر الآية :
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) فوائد جليلة: منها أن أمره لجميع المؤمنين بالتوبة فى
هذا السياق تنبيه على أنه لا يخلو مؤمن من بعض هذه الذنوب التى هى :
ترك غض البصر وحفظ الفرج وترك إبداء الزينة وما يتبع ذلك.
فمستقل ومستكثر، كما فى الحديث: (( ما من أحد من بنى آدم إلا
أخطأ أو ثم بخطيئة إلا يحيى بن زكريا )) وذلك لا يكون إلا عن نظر،
وفي السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال (( كل بني آدم
خطاء ، وخير الخطائين التوابون )» وفى الصحيح عن أبي ذر عن النبي
صلى الله عليه وسلم: (( يقول الله تعالى: يا عبادي إنكم تخطئون بالليل
والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعاً ولا أبالي ، فاستغفرونى أغفر لكم،
وفي الصحيحين عن ابن عباس قال: (( ما رأيت شيئاً أشبه بالهم
مما قال أبو هريرة: ((إن النبى صلى الله عليه وسلم قال: إن الله
كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة ، فزنا العينين
النظر، وزنا اللسان النطق)) الحديث إلى آخره. وفيه: ((والنفس
٤٠٣

تتمنى ذلك وتشتهي ، والفرج بصدق ذلك أو يكذبه )) أخرجه البخاري
تعليقاً من حديث طاووس عن أبي هريرة . ورواه مسلم من حديث
سهيل بن أبى صالح ، عن أبيه ، عن أبى هريرة ، عن النبى صلى الله
عليه وسلم قال: ((كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا يدرك ذلك
لا محالة : العينان زناهما النظر ، والأذنان زناهما الاستماع ، واللسان زناه
الكلام ، واليدان زناهما البطش ، والرجلان زناهما الخطا ، والقلب
يهوى ويتمنى، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه )) وقد روى الترمذي
حديثاً واستغربه عن ابن عباس فى قوله (إلا اللهم): (( قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم : إن تغفر اللهم تغفر جما ، وأي عبد لك لا ألما ))
ومنها أن أهل الفواحش الذين لم يغضوا أبصارهم ولم يحفظوا
فروجهم مأمورون بالتوبة ، وإنما أمروا بها لتقبل منهم ، فالتوبة مقبولة
منهم ومن سائرُ المذنبين، كما قال تعالى: (أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّاللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ
وقال تعالى: (وَهُوَ الَّذِى يَقْبَُ النَّوْبَةَ
عَنْ عِبَادِهِ، وَيَأْخُذُ الصَّدَقَتِ )
وسواء
عَنْ عِبَادِهِ، وَيَعْفُواْ عَنِ السَّةِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا نَفْعَلُونَ )
كانت الفواحش مغلظة لشدتها وكثرتها - كانيان ذوات المحارم ،
وعمل قوم لوط أو غير ذلك - وسواء تاب الفاعل أو المفعول به
فمن تاب تاب الله عليه، بخلاف ما عليه طائفة من الناس فإنهم إذا رأوا
من عمل من هذه الفواحش شيئاً أبسوه من رحمة الله ، حتى يقول
٤٠٤

أحدهم : من عمل من ذلك شيئاً لا يفلح أبداً، ولا يرجون له قبول
توبة ، ويروى عن على أنه قال : منا كذا ومنا كذا والمعفوج ليس منا
ويقولون: إن هذا لا يعود صالحاً ولو تاب مع كونه مسلماً مقراً
بتحريم ما فعل.
ويدخلون في ذلك من استكره على فعل شيء من هذه الفواحش
ويقولون : لو كان لهذا عند الله خير ما سلط عليه من فعل به مثل
هذا واستكرهه ، كما يفعل بكثير من الماليك طوعاً وكرهاً، وكما يفعل
بأجراء أهل الصناعات طوعاً وكرهاً ، وكذلك من فى معنام من صبيان
الكتاتيب وغيرهم ، ونسوا قوله تعالى :.
( وَلَا تُكْرِهُوا فَيَتِّكُمْ عَلَى الْبِغَاِ إِنْ أَرَدَنَ تَحَصُّنَّ ◌ِبَغُوْ عَرَضَتْحَيَّوَةِ الدُّنْيَا وَمَن يُكْرِهِهُنَّ فَإِنَّ
اَللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَهِ هِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ )
وهؤلاء قد لا يعلمون صورة
التوبة ، وقد يكون هذا حالا وعملا لأحدهم ، وقد يكون اعتقاداً ،
فهذا من أعظم الضلال والغي ؛ فإن القنوط من رحمة الله بمنزلة الأمن
من مكر الله تعالى ، وحالهم مقابل لحال مستحلي الفواحش ؛ فإن هذا
أمن مكر الله بأهلها ، وذاك قنط أهلها من رحمة الله، والفقيه كل
الفقيه هو الذي لا يؤيس الناس من رحمة الله، ولا يجرثهم على معاصي الله.
وهذا فى أصل الذنوب الإرادية نظير ما عليه أهل الأهواء والبدع
٤٠٥

فإن أحدهم يعتقد ذلك السيئات حسنات فيأمن مكر الله ، وكثير من
الناس يعتقد أن توبة المبتدع لا تقبل، وقد قال تعالى: (إِنَّاللَّهَ يَغْفِرُ
وفى الصحيحين عن أبي موسى
الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ).
الأشعري قال: (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمي لنا نفسه
أسماء، فقال: أنا محمد، وأنا أحمد ، والمقفي ، والحاشر ، ونى التوبة
ونبى الرحمة)) وفى حديث آخر: (( أنا نبى الرحمة وأنا نى الملحمة))
وذلك أنه بعث بالملحمة ، وهي : المقتلة لمن عصاه ، وبالتوبة لمن أطاعه ،
وبالرحمة لمن صدقه واتبعه ، وهو رحمة للعالمين ، وكان من قبله من
الأنبياء لا يؤمر بقتال .
وكان الواحد من أمهم إذا أصاب بعض الذنوب يحتاج مع التوبة
إلى عقوبات شديدة ، كما قال تعالى: (وَإِذْقَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَقَوْمِ إِنَّكُمْ
ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِتِخَاذِ كُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِيَّكُمْ فَاقْتُلُواْأَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌلَّكُمْ
عِندَ بَارِبِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ )
وقد روي
عن أبى العالية وغيره : أن أحدم كان إذا أصاب ذنباً أصبحت الخطيئة
والكفارة مكتوبة على بابه ، فأنزل الله في حق هذه الأمة : ( وَالَّذِينَ
إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْظَلَمُوْ اْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ)
إلى قوله : (وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَمِلِينَ ) فحص الفاحشة بالذكر مع قوله
(ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ) والظلم يتناول الفاحشة وغيرها تحقيقاً لما ذكرناه
٤٠٦

من قبول التوبة من الفواحش مطلقاً : من اللذين بأتيانها من الرجال
والنساء جميعاً .
وفى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله يبسط
يده بالليل ليتوب مسيء النهار ، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل
حتى تطلع الشمس من مغربها)) وفي الصحيح عنه، أنه قال: (( من
تاب قبل طلوع الشمس من مغربها تاب الله عليه )) وفى السنن عنه
أيضاً أنه قال: (( لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة ولا تنقطع التوبة
حتى تطلع الشمس من مغربها)) وعنه صلى الله عليه وسلم قال: ((قال
الشيطان وعزتك يا رب لا أبرح أغوي بني آدم ما دامت أرواحهم في
أجسادهم ، فقال الرب تعالى : وعزتي وجلالي وارتفاع مكاني لا أزال
أغفر لهم ما استغفروني)) وعن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: (( يقول الله يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك
على ما كان منك ولا أبالي ، ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم
استغفرتنى غفرت لك ولا أبالي ، ابن آدم لو لقيتنى بقراب الأرض خطيئة
ثم لقيتنى لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة)
والذي يمنع توبة أحد هؤلاء إما بحاله وإما بقاله ، ولا يخلو من
أحد أمرين : أن يقول : إذا تاب أحدهم لم تقبل توبته ، وإما أن
٤٠٧

يقول أحدم : لا يتوب الله علي أبداً ، أما الأول فباطل بكتاب الله
وسنة نبيه وإجماع المسلمين ، وإن كان قد تكلم بعض العلماء فى توبة
القاتل وتوبة الداعي إلى البدع ، وفي ذلك نزاع فى مذهب أحمد ،
وفى مذهب مالك أيضاً نزاع ذكره صاحب التمثيل والبيان في (( الجامع))
وغيره ، وتكلموا أيضاً فى توبة الزنديق ، ونحو ذلك .
فهم قد يتنازعون فى كون التوبة في الظاهر تدفع العقوبة : إما
لعدم العلم بصحتها ، وإما لكونها لا تمنع ما وجب من الحد ، ولم يقل
أحد من الفقهاء : إن الزنديق ونحوه إذا تاب فيما بينه وبين الله توبة
صحيحة لم يتقبلها الله منه ، وأما القاتل والمضل فذاك لأجل تعلق حق
الغير به ، والتوبة من حقوق العباد لها حال آخر ، وليس هذا موضع
الكلام فيها وفى تفصيلها ، وإنما الغرض أن الله يقبل التوبة من كل
ذنب ، كما دل عليه الكتاب والسنة . والفواحش خصوصاً ما علمت
أحداً نازع فى التوبة منها ، والزاني والمزني به مشتركان فى ذلك إن تابا
تاب الله عليها ، ويبين التوبة خصوصاً من عمل قوم لوط من الجانبين
ما ذكره الله فى قصة قوم لوط ؛ فإنهم كانوا يفعلون الفاحشة بعضهم
ببعض ، ومع هذا فقد دعام جميعهم إلى تقوى الله والتوبة منها ، فلو
كانت توبة المفعول به أو غيره لا تقبل لم يأمرم بمالا يقبل ، قال
تعالى: (كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ * إِذْقَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطُ أَلَّقُونَ * إِنِّ لَكُمْ
٤٠٨

فأمرهم بتقوى الله المتضمنة
فَأَنَّقُواْاللَّهَ وَأَطِيعُونِ )
*
رَسُولُ آَمِينٌ
لتوبتهم من هذه الفاحشة ، والخطاب وإن كان للفاعل فإنه إنما خص به
لأنه صاحب الشهوة والطلب في العادة ؛ بخلاف المفعول به ؛ فإنه لم
تخلق فيه شهوة لذلك في الأصل ؛ وإن كانت قد تعرض له لمرض
طارئ ، أو أجر يأخذه من الفاعل ، أو لغرض آخر . والله سبحانه
وتعالى أعلم .
٤٠٩

سئل شيخ الإسلام
عن قوله تعالى: (قُل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَرِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ
وَقُل لِلْمُؤْمِنَتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَرِ هِنَّ
ذَلِكَ أَزَكَى لَهُّإِنَّاللَّهَ خَبِيْرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ
وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَاظَهَرَمِنْهَا) الآية .
والحديث عن النبى صلى الله عليه وسلم فى ذكر
((زنا الأعضاء كلها))، وماذا على الرجل إذا مس يد الصبى الأمرد.
فهل هو من جنس النساء ينقض الوضوء أم لا ؟ وما على الرجل إذا
جاءت إلى عنده المردان ، ومد يده إلى هذا وهذا ويتلذذ بذلك ، وما
جاء فى التحريم من النظر إلى وجه الأمرد الحسن ؟ وهل هذا الحديث
المروي: ((إن النظر إلى الوجه المليح عبادة)) [صحيح] أم لا؟ وإذا
قال أحد : أنا ما أنظر إلى المليح الأمرد لأجل شيء ؛ ولكني إذا رأيته
قلت : سبحان الله! تبارك الله أحسن الخالقين! فهل هذا القول
صواب أم لا ؟ أفتونا مأجورين .
فأجاب : قدس الله روحه ، ونور ضريحه ، ورحمه ورضي عنه،
ونفع بعلومه وحشرنا في زمرته .
٤١٠

الحمد لله. إذا مس الأمرد لشهوة ففيه قولان في مذهب
أحمد وغيره :
((أحدهما)) أنه كمس النساء لشهوة ينقض الوضوء ، وهو المشهور
في مذهب مالك ، وذكره القاضي أبو يعلى فى شرح المذهب ، وهو
أحد الوجهين فى مذهب الشافعي .
((والثانى)) أنه لا ينقض ، وهو المشهور من مذهب الشافعي.
والقول الأول أظهر ، فإن الوطء فى الدبر يفسد العبادات التى تفسد
بالوطء فى القبل ، كالصيام والإحرام والاعتكاف ، ويوجب الغسل كما
يوجبه هذا ؛ فتكون مقدمات هذا فى باب العبادات كمقدمات هذا ،
فلو مس الأمرد لشهوة وهو محرم فعليه دم ، كما عليه لو مس أجنبية
لشهوة ؛ وكذلك إذا مس الأمرد لشهوة وجب أن يكون كما لومس
المرأة لشهوة فى نقض الوضوء .
والذي لا ينقض الوضوء بمسه يقول : إنه لم يخلق محلاً لذلك.
فيقال : لا ريب أنه لم يخلق لذلك ، وأن الفاحشة اللوطية من
أعظم المحرمات ؛ لكن هذا القدر لم يعتبر فى بعض الوطء ، فلو وطئ
فى الدبر تعلق به ما ذكر من الأحكام ، وإن كان الدبر لم يخلق محلا
٤١١

للوطه ، مع أن نفرة الطباع عن الوطء في الدبر أعظم من نفرتها
عن الملامسة ، ونقض الوضوء باللمس يراعى فيه حقيقة الحكمة ، وهو
أن يكون المس لشهوة عند الأكثرين - كمالك وأحمد وغيرهما -
يراعى كما يراعى مثل ذلك فى الإحرام والاعتكاف وغير ذلك .
وعلى هذا القول فحيث وجد اللمس لشهوة تعلق به الحكم ، حتى
لومس بنته وأخته وأمه لشهوة انتقض وضوؤه ؛ فكذلك من الأمرد.
وأما الشافعي وأحمد في رواية فيعتبر المظنة ، وهو أن النساء
مظنة الشهوة ، فينقض الوضوء سواء كان بشهوة أو بغير شهوة ؛ ولهذا
لا ينقض مس المحارم ؛ لكن لومس ذوات محارمه لشهوة فقد وجدت
حقيقة الحكمة . وكذلك إذا مس الأمرد لشهوة ، والتلذذ بمس الأمرد
- كمصافته ونحو ذلك - حرام بإجماع المسلمين ، كما يحرم التلذذ
بمس ذوات المحارم والمرأة الأجنبية ، كما أن الجمهور على أن عقوبة اللوطي
أعظم من عقوبة الزنا بالأجنبية ، فيجب قتل الفاعل والمفعول به ،
سواء كان أحدهما محصناً أو لم يكن. وسواء كان أحدهما مملوكاً للآخر
أو لم يكن ، كما جاء ذلك فى السنن عن النبى صلى الله عليه وسلم
وعمل به أصحابه من غير نزاع يعرف بينهم، وقتله بالرجم، كما قتل الله
قوم لوط ؛ وبذلك جاءت الشريعة في قتل الزانى أنه بالرجم ؛ فرجم
النبى صلى الله عليه وسلم ماعز بن مالك ، والغامدية ، واليهودبين ،
٤١٢

والمرأة التى أرسل إليها أنيسا، وقال: ((اذهب إلى امرأة هذا فإن
اعترفت فارجمها )) فرجها .
والنظر إلى وجه الأمرد بشهوة كالنظر إلى وجه ذوات المحارم ،
والمرأة الأجنبية بالشهوة ، سواء كانت الشهوة شهوة الوطء أو كانت شهوة
التلذذ بالنظر ، كما يتلذذ بالنظر إلى وجه المرأة الأجنبية كان معلوماً
لكل أحد أن هذا حرام ، فكذلك النظر إلى وجه الأمرد
باتفاق الأئمة .
وقول القائل : إن النظر إلى وجه الأمرد عبادة ، كقوله: إن النظر
إلى وجوه النساء [الأجانب] والنظر إلى محارم الرجل كبنت الرجل وأمه
وأخته عبادة. ومعلوم أن من جعل هذا النظر المحرم عبادة فهو بمنزلة من
جعل الفواحش عبادة. قال الله تعالى: (وَإِذَا فَعَلُواْ فَحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا
عَلَيْهَاَ ءَابَآءَ نَا وَاللّهُ أَمَنَا بِهَأْقُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِاَلْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اَللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ).
ومعلوم أنه قد يكون فى صور النساء الأجنبيات وذوات المحارم من
الاعتبار والدلالة على الخالق من جنس ما فى صور المردان ، فهل يقول
مسلم: إن للإنسان أن ينظر على هذا الوجه إلى صور النساء نساء العالمين
وصور محارمه ، ويقول : إن ذلك عبادة ؛ بل من جعل مثل هذا
٤١٣

النظر عبادة فإنه كافر مرتد ، يجب أن يستتاب فإن تاب وإلا قتل .
وهو بمنزلة من جعل إعانة طالب الفاحشة عبادة ، أو جعل تناول
يسير الخمر عبادة ، أو جعل السكر من الحشيشة عبادة ؛ فمن جعل
المعاونة بقيادة أو غيرها عبادة ، أو جعل شيئاً من المحرمات التى يعلم
تحريمها فى دين الإسلام عبادة : فإنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل . وهو
مضاه به للمشركين (وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْوَجَدْنَا عَلَيْهَاءَ ابَآءَنَا وَاللَّهُ أَمَ نَا بِهَأَقُلْ
إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ )
وفاحشة أولئك إنما كانت طوافهم بالبيت عراة ،
وكانوا يقولون: لا نطوف فى الثياب التى عصينا الله فيها، فهؤلاء إنما
كانوا يطوفون عراة على وجه اجتناب ثياب المعصية . وقد ذكر الله
عنهم ما ذكر ، فكيف بمن جعل جنس الفاحشة المتعلقة بالشهوة عبادة ؟!
والله سبحانه قد أمر فى كتابه بغض البصر. وهو نوعان : غض
البصر عن العورة . وغضه عن محل الشهوة .
فالأول: كغض الرجل بصره عن عورة غيره ، كما قال النبي صلى
اللّه عليه وسلم: (( لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى
عورة المرأة)) ويجب على الإنسان أن يستر عورته ، كما قال لمعاوية بن
حيدة: ((احفظ عورتك إلا من زوجتك، أو ما ملكت يمينك))
٤١٤

قلت: فإذا كان أحدنا مع قومه قال: (( إن استطعت أن لا تريها
أحداً فلا يرينها)) قلت: فإذا كان أحدنا خالياً؟ قال: (( فالله أحق
أن يستحيا منه من الناس)).
ويجوز كشفها بقدر الحاجة ، كما تكشف عند التخلى ، وكذلك إذا
اغتسل الرجل وحده - بحيث يجد ما يستره - فله أن يغتسل
عرياناً ، كما اغتسل موسى عرياناً ، وأيوب ، وكما فى اغتسال النبى صلى
اللّه عليه وسلم يوم الفتح ، واغتساله في حديث ميمونة .
وأما النوع الثانى من النظر - كالنظر إلى الزينة الباطنة من المرأة
الأجنبية - فهذا أشد من الأول، كما أن الخمر أشد من الميتة والدم
ولحم الخنزير ، وعلى صاحبها الحد ، وتلك المحرمات إذا تناولها مستحلا
لها كان عليه التعزير ؛ لأن هذه المحرمات لا تشتهيها النفوس كما تشتهي
الخمر . وكذلك النظر إلى عورة [الرجل ] لا يشتهى كما يشتهى النظر إلى
النساء ويحوهن . وكذلك النظر إلى الأمرد بشهوة هو من هذا الباب ،
وقد اتفق العلماء على تحريم ذلك ، كما اتفقوا على تحريم النظر إلى الأجنبية
وذوات المحارم بشهوة .
والخالق سبحانه يسبح عند رؤية مخلوقاته كلها ، وليس خلق الأمرد
بأعجب فى قدرته من خلق ذي اللحية ؛ ولا خلق النساء بأعجب فى
٤١٥

قدرته من خلق الرجال ؛ فتخصيص الإنسان بالتسبيح بحال نظره الى
الأمرد دون غيره كنخصيصه بالتسبيح بالنظر إلى المرأة دون الرجل ؛
وما ذاك لأنه أدل على عظمة الخالق عنده ؛ ولكن لأن الجمال يغير قلبه
وعقله ، وقد يذهله ما رآه ، فيكون تسبيحه لما حصل في نفسه من
الهوى، كما أن النسوة لما رأين يوسف (أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَشَ
لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًّا إِنْ هَذَآ إِلَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ ) .
وقد ثبت فى الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :
((إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم))
فإذا كان الله لا ينظر إلى الصور والأموال؛ وإنما ينظر إلى القلوب
والأعمال ، فكيف يفضل الشخص بما لم يفضله الله به . وقد قال تعالى:
(وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيَّكَ إِلَى مَا مَتَعْنَابِهِ: أَزْوَجَّامِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَوَ الذُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ )
وقال في المنافقين: ( وَإِذَارَأَنْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمَّ وَإِنِ يَقُولُو ◌ْنَسْمَعْ
لِقَوْلِ كَهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمَّ هُالْعَدُوُ فَأَحْذَرْهُمْ فَلَهُ لَهُ) .
فإذا كان هؤلاء المنافقون الذين تعجب الناظر أجسامهم ، لما فيهم
من البهاء والرواء ، والزينة الظاهرة ، وليسوا ممن ينظر إليه لشهوة ،
قد ذكر الله عنهم ما ذكر ، فكيف بمن ينظر إليه لشهوة ؟ !
٤١٦

وذلك أن الإنسان قد ينظر إليه لما فيه من الإيمان والتقوى . وهنا
الاعتبار بقلبه وعمله لا بصورته ، وقد ينظر إليه لما فيه من الصورة
الدالة على المصور فهذا حسن . وقد ينظر إليه من جهة استحسان خلقه ،
كما ينظر إلى الخيل والبهائم، وكما ينظر إلى الأشجار والأنهار والأزهار:
فهذا أيضاً إذا كان على وجه استحسان الدنيا والرئاسة والمال فهو مذموم
بقوله : (وَلَا تَمُدَّنَ عَيْنَيَّكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَابِهِ، أَزْوَجَامِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَوِ الدُّنْيَاَ لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ) .
وأما إن كان على وجه لا ينقص الدين ، وإنما فيه راحة النفس
فقط : كالنظر إلى الأزهار ، فهذا من الباطل الذي لا يستعان به
على الحق .
وكل قسم من هذه الأقسام متى كان معه شهوة كان حراماً بلا
ريب ، سواء كانت شهوة تمتع بالنظر أو كان نظرا بشهوة الوطء ،
وفرق بين ما يجده الإنسان عند نظره إلى الأشجار والأزهار ، وما
يجده عند نظره إلى النسوان والمردان .
فلهذا الفرقان افترق الحكم الشرعى ، فصار النظر إلى المردان
ثلاثة أقسام :
((أحدها)) ما تقترن به الشهوة . فهو محرم بالاتفاق.
٤١٧

و ((الثاني)) ما يجزم أنه لا شهوة معه. كنظر الرجل الورع إلى
ابنه الحسن ، وابنته الحسنة ، وأمه الحسنة ، فهذا لا يقترن به شهوة إلا
أن يكون الرجل من أفجر الناس ، ومتى اقترنت به الشهوة حرم . وعلى
هذا نظر من لا يميل قلبه إلى المردان ، كما كان الصحابة وكالأمم الذين لا
يعرفون هذه الفاحشة ، فإن الواحد من هؤلاء لا يفرق من هذا الوجه
بين نظره إلى ابنه وابن جاره وصى أجنبي ، لا يخطر بقلبه شيء من
الشهوة ؛ لأنه لم يعتد ذلك ، وهو سليم القلب من قبل ذلك ، وقد
كانت الإماء على عهد الصحابة يمشين فى الطرقات مكشفات الرؤوس ،
ويخدمن الرجال مع سلامة القلوب ، فلو أراد الرجل أن يترك الإماء
التركيات الحسان يمشين بين الناس فى مثل هذه البلاد والأوقات كما كان
أولئك الإماء يمشين كان هذا من باب الفساد .
وكذلك المردان الحسان . لايصلح أن يخرجوا فى الأمكنة والأزقة
التى يخاف فيها الفتنة بهم إلا بقدر الحاجة ، فلا يمكن الأمرد الحسن من
التبرج ، ولا من الجلوس فى الحمام بين الأجانب ؛ ولا من رقصه بين
الرجال ، ونحو ذلك مما فيه فتنة للناس ، والنظر إليه كذلك .
وإنما وقع النزاع بين العلماء فى ((القسم الثالث)) من النظر، وهو
النظر إليه بغير شهوة ؛ لكن مع خوف ثورانها ، ففيه وجهان فى
٤١٨

مذهب أحمد ، أمحهما وهو المحكى عن نص الشافعى وغيره أنه
لا يجوز .
و((الثانى)) يجوز؛ لأن الأصل عدم ثورانها؛ فلا يحرم بالشك
بل قد يكره . والأول هو الراجح ، كما أن الراجح فى مذهب الشافعي
وأحمد أن النظر إلى وجه الأجنبية من غير حاجة لا يجوز، وإن كانت
الشهوة منتفية ؛ لكن لأنه يخاف ثورانها ؛ ولهذا حرم الخلوة بالأجنبية ؛
لأنه مظنة الفتنة . والأصل أن كل ما كان سبباً للفتنة فإنه لا يجوز ، فإن
الذريعة إلى الفساد سدها إذا لم يعارضها مصلحة راجحة .
ولهذا كان النظر الذي قد يفضي إلى الفتنة محرما ، إلا إذا كان
لحاجة راجحة ، مثل نظر الخاطب والطبيب وغيرهما ، فإنه يباح النظر
للحاجة مع عدم الشهوة. وأما النظر لغير حاجة إلى محل الفتنة فلا يجوز .
ومن كرر النظر إلى الأمرد ونحوه وأدامه ، وقال : إنى لا أنظر لشهوة
كذب فى ذلك، فإنه إذا لم يكن له داع يحتاج معه إلى النظر لم يكن النظر
إلا لما يحصل فى القلب من اللذة بذلك .
وأما نظر الفجأة فهو عفو إذا صرف بصره ، كما ثبت في الصحاح
عن جرير ، قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظر الفجأة،
قال: ((اصرف بصرك)) وفى السنن أنه قال لعلى رضى الله عنه:
٤١٩

(( يا علي! لا تتبع النظرة النظرة، فإنما لك الأولى وليست لك الثانية)»
وفى الحديث الذي في المسند وغيره: (( النظر سهم مسموم من سهام
إبليس)) وفيه: ((من نظر إلى محاسن امرأة ثم غض بصره عنها أورث
الله قلبه حلاوة عبادة يجدها إلى يوم القيامة)) أو كما قال.
ولهذا يقال : إن غض البصر عن الصورة التى ينهى عن النظر
إليها : كالمرأة، والأمرد الحسن يورث ذلك ثلاث فوائد
جليلة القدر .
((أحدها )) حلاوة الإيمان ولذته التى هي أحلى وأطيب مما تركه
لله، فإن من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه، والنفس تحب النظر
إلى هذه الصور ، لاسيما نفوس أهل الرياضة والصفا ؛ فإنه يبقى فيها
رقة تنجذب بسببها إلى الصور، حتى تبقى الصورة تخطف أحدم وتصرعه ،
كما يصرعه السبع .
ولهذا قال بعض التابعين: ما أنا على الشاب التائب من سبع يجلس
إليه بأخوف عليه من حدث جميل يجلس إليه . وقال بعضهم : اتقوا
النظر إلى أولاد الملوك، فإن فتنتهم كفتة العذارى. وما زال أئمة العلم
والدين - كأئمة الهدى وشيوخ الطريق - يوصون بترك صحبة
الأحداث ، حتى يروى عن فتح الموصلي أنه قال : صحبت ثلاثين من
٤٢٠