النص المفهرس

صفحات 341-360

كَتَبَ فِ قُلُوبِهِمُ الْإِيمَنَ وَأَيَّدَهُم بِرُوجِ مِنْهُ ) الآية.
وكثير من الناس بل أكثرم كراهتهم للجهاد على المنكرات أعظم
من كراهتهم للمنكرات ، لاسيما إذا كثرت المنكرات وقويت فيها
الشبهات والشهوات فربما مالوا إليها تارة وعنها أخرى ، فتكون نفس
أحدهم لوامة بعد أن كانت أمارة ، ثم إذا ارتقى إلى الحال الأعلى فى
هجر السيئات ، وصارت نفسه مطمئنة تاركة للمنكرات والمكروهات ،
لا تحب الجهاد ومصابرة العدو على ذلك ، واحتمال ما يؤذيه من الأقوال
والأفعال: فإن هذا شىء آخر داخل فى قوله: (أَلَمْتَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ
كُفُواْأَيَدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ الصَّلَوْةَ وَءَاتُواْالزَّكَوَةَ فَلَمَا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْفِنَالُ إِذَا فَرِقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ
كَخَشْيَةِ اَللَّهِأَوْأَشَدَ خَشْيَةٌ ) الآيات
إلى قوله: (وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّشَىْءٍ مُّقِينًا)، والشفاعة الإعانة؛ إذ المعين
قد صار شفعاً للمعان ، فكل من أعان على بر أو تقوى كان له نصيب
منه ، ومن أعان على الإثم والعدوان كان له كفل منه ، وهذا حال
الناس فيما يفعلونه بقلوبهم وألسنتهم وأيديهم من الإعانة على البر والتقوى
والإعانة على الإثم والعدوان ، ومن ذلك الجهاد بالنفس والمال على ذلك
( يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ خُذُواْ
من الجانبين ، كما قال تعالى قبل ذلك :
حِذْرَكُمْ فَانِفِرُ واْ تُبَاتٍ أَوِ أَنِفِرُ واْجَمِيعًا ) إلى قوله (إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَنِ كَانَ
ضَعِيفًا ) .
٣٤١

ومن هنا يظهر الفرق فى السمع والبصر : من الإيمان وآثاره،
والكفر وآثاره ، والفرق بين المؤمن البر وبين الكافر والفاجر ؛ فإن
المؤمنين يسمعون أخبار أهل الإيمان فيشهدون رؤيتهم على وجه العلم
والمعرفة والمحبة والتعظيم لهم ولأخبارهم وآثارهم، كرؤية الصحابة التى
صلى الله عليه وسلم، وسمعهم لما بلغه عن الله ، والكافر والمنافق يسمع
ويرى على وجه البغض والجهل ، كما قال تعالى :
(وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوْ لَبُرْ لِقُونَكَ بِأَبْصَرِهِمْ لَمَّا سَمِعُوْالذِّكْرَ) وقال: (فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ
تُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِمْ قَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِىّ
عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ ) وقال: (مَاكَانُواْيَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ)
وقال: (فَعَمُواْ وَصَفُّواْ ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ)
وقال تعالى فى حق المؤمنين: (وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُ واْ بِتَايَتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُواْ
عَلَيْهَا صُمَّا وَعُمْيَانًا) وقال فى حق الكفار: (فَمَالَهُمْ عَنِ الَّذِكِرَةَمُعْرِضِينَ)
والآيات فى هذا كثيرة جداً .
وكذلك النظر إلى زينة الحياة الدنيا فتنة فقال تعالى (وَلَا تَمُدَّنَّ
عَيْنَيَّكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَجَامِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيَةٍ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى)
وفي التوبة (فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَلُهُمْ وَلَا أَوْلَدُهُمْ ) الآية ، وقال :
( قُل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَرِهِمْ ) الآية وقال :
(وَلَا تَعْدُ عَيْنَالَكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا )
وقال: (أَفَلاَ يَنْظُرُونَ
٣٤٢

وقال: (قُلِ أَنْظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ
إِلَى أُلْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ) الآيات .
وقال : (أَفَّيَرَوْإِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ
وَاْأَرْضِ )
وَاُلْأَرْضِ ) الآية، وكذلك قال الشيطان: (إِّ أَرَى مَالَا تَرَوْنَ)
وقال: ( فَلَمَّاتَرَّهَا الْجَمْعَانِ) الآيات وقال: (إِذْيُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِى مَنَامِكَ
قَلِيلًا ) الآية .
فالنظر إلى متاع الدنيا على وجه المحبة والتعظيم لها ولأهلها منهى
عنه ، والنظر إلى المخلوقات العلوية والسفلية على وجه التفكر والاعتبار
مأمور به مندوب إليه . وأما رؤية ذلك عند الجهاد والأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر لدفع شر أولئك وإزالته فأمور به، وكذلك رؤية
الاعتبار شرعا فى الجملة ، فالعين الواحدة ينظر إليها نظرا مأموراً به إما
للاعتبار ، وإما لبغض ذلك والنظر إليه لبغض الجهاد منهى عنه، وكذلك
الموالاة والمعاداة ؛ وقد يحصل للعبد فتنة بنظر منهى عنه وهو يظن أنه
نظر عبرة ، وقد يؤمر بالجهاد فيظن أن ذلك نظر فتنة ، كالذين قال
اللّه تعالى فيهم: (وَمِنْهُم مَنْ يَقُولُ أَثْذَن ◌ِِّ وَلَانَفْتِنِّى ) الآية، فإنها
نزلت فى الجد بن قيس لما أمره النبى صلى الله عليه وسلم أن يتجهز
لغزو الروم فقال : إنى مغرم بالنساء وأخاف الفتنة بنساء الروم
فائذن لي فى القعود قال تعالى : (أَلَا فِى اُلْفِتْنَةِ سَقَطُوْأُ وَإِنَّ جَهَنَّمَ
لَمُحِيطَةٌ بِالْكَفِرِينَ).
٣٤٣

فهذا ونحوه مما يكون باللسان من القول ، وأما ما يكون من الفعل
بالجوارح فكل عمل يتضمن محبة أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا
داخل فى هذا ؛ بل يكون عذابه أشد ، فإن الله قد توعد بالعذاب
على مجرد محبة أن تشيع الفاحشة بالعذاب الأليم فى الدنيا والآخرة ، وهذه
المحبة قد لا يقترن بها قول ولا فعل، فكيف إذا اقترن بها قول أو فعل ؟
بل على الإنسان أن يبغض ما أبغضه الله من فعل الفاحشة والقذف بها
وإشاعتها فى الذين آمنوا ، ومن رضى عمل قوم حشر معهم، كما حشرت
امرأة لوط معهم ولم تكن تعمل فاحشة اللواط ، فإن ذلك لا يقع من
المرأة ، لكنها لما رضيت فعلهم عمها العذاب معهم .
فمن هذا الباب قيل : من أعان على الفاحشة وإشاعتها مثل القواد
الذي يقود النساء والصبيان إلى الفاحشة لأجل ما يحصل له من رياسة
أو سحت بأ كله ، وكذلك أهل الصناعات التى تنفق بذلك : مثل
المغنين، وشربة الخمر ، وضمان الجهات السلطانية وغيرها، فإنهم يحبون
أن تشيع الفاحشة ليتمكنوا من دفع من ينكرها من المؤمنين ،
بخلاف ما إذا كانت قليلة خفيفة خفية ، ولا خلاف بين المسلمين أن
ما يدعو إلى معصية الله وينهى عن طاعته منهى عنه محرم، بخلاف عكسه
فإنه واجب، كما قال تعالى: (إِنَ الصَّلَوةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِّ
وَلَذِكْرُ اللَّهِأَكْبَرُ ) أي أن ما فيها من طاعة الله وذكره وامتثال
أمره أكبر من ذلك
٣٤٤

وقال فى الخمر والميسر: (وَيَصُدُّكُمْ عَن ذِكْرِاللَّهِ وَعَنِ الصَّلَوَةِ)
أي : يوقعهم ذلك فى معصيته التى هي العداوة والبغضاء . وهذا من
أعظم المنكرات التى تنهى عنه الصلاة ، والخمر تدعو إلى الفحشاء
والمنكر كما هو الواقع، فإن شارب الخمر تدعوه نفسه إلى الجماع حلالا
كان أو حراما، فالله تعالى لم يذكر الجماع، لأن المر لا تدعو إلى
الحرام بعينه من الجماع، فيأتى شارب الخمر ما يمكنه من الجماع ، سواء
كان حلالا أو حراماً ، والسكر يزيل العقل الذي كان يميز السكران
به بين الحلال والحرام ، والعقل الصحيح ينهى عن مواقعة الحرام ؛
ولهذا يكثر شارب الخمر من مواقعة الفواحش مالا يكثر من غيرها
حتى ربما يقع على ابنته وابنه ومحارمه ، وقد يستغنى بالحلال إذا أمكنه،
ويدعو شرب الخمر إلى أكل أموال الناس بالباطل : من سرقة ،
ومحاربة ، وغير ذلك؛ لأنه يحتاج إلى الخمر وما يستتبعه من مأكول
وغيره من فواحش وغناء .
وشرب الخمر يظهر أسرار الرجال حتى يتكلم شاربه بما فى باطنه ،
وكثير من الناس إذا أرادوا استفهام مافى قلوب الرجال من الأسرار
يسقونهم الخمر ، وربما بشربون معهم مالا يسكرون به .
وأيضاً فالخمر تصد الإنسان عن علمه وتدبيره ومصلحته فى معاشه
ومعاده وجميع أموره التى يدبرها برأيه وعقله ، فجميع الأمور التى تعد
٣٤٥

عنها الخمر من المصالح وتوقعها من المفاسد داخلة فى قوله تعالى :
(وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ الَّهِ وَعَنِ الصَّلَوَةِ)
وكذلك إيقاع العداوة والبغضاء هي منتهى قصد الشيطان ؛ ولهذا
قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((ألا أنبئكم بأفضل من درجة
الصلاة والصيام والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؟ قالوا :
بلى يارسول الله ! قال : إصلاح ذات البين ، فإن إفساد ذات البين هي
الحالقة ، لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين)).
وقد ذكرنا فى غير هذا الموضع أن الفواحش والظلم وغير ذلك
من الذنوب توقع العداوة والبغضاء ، وأن كل عداوة أو بغضاء فأصلها
من معصية الله ، والشيطان يأمر بالمعصية ليوقع فيما هو أعظم منها ، ولا
يرضى بغاية ما قدر على ذلك .
وأيضاً فالعداوة والبغضاء شر محض لا يحبها عاقل ؛ بخلاف المعاصي
فإن فيها لذة كالخمر والفواحش ؛ فإن النفوس تريد ذلك ، والشيطان
يدعو إليها النفوس حتى يوقعها فى شر لا تهواه ولا تريده، والله تعالى
قد بين ما يريده الشيطان بالخمر والميسر ولم يذكر ما يريده الإنسان،
ثم قال في سورة النور: (يَتُهَا الَّذِينَءَامَنُواْلَا تَشَّبِعُواْ خُطُوَتِ الشَّيْطَانِ وَمَنَّعْ
خُطُوَتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرِ )
٣٤٦

وقال فى سورة البقرة: (وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَتِ الشَّيْطَنَّ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ *
إِنَّمَايَأْمُرَّكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ )
فنهى عن اتباع خطواته - وهو اتباع أمره بالاقتداء والاتباع -
وأخبر أنه يأمر بالفحشاء والمنكر والسوء والقول على الله بلا علم، وقال
فيها : ( الشَّيْطَنُ يَعِدُ كُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُ كُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ
وَفَضْلًا ) فالشيطان يعد الفقر ويأمر بالفحشاء والمنكر والسوء ، والله
بعد المغفرة والفضل، ويأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى
عن الفحشاء والمنكر والبغي ، وقال عن نبيه: (يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ
وَيَنْهَنُهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَيِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ
إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَلَ اُلَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمْ) وقال عن أمته: ( يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ
وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ) .
وذكر مثل ذلك فى مواضع كثيرة. فتارة يخص اسم المنكر
بالنهي ، وتارة يقرنه بالفحشاء ، وتارة يقرن معها البغي ، وكذلك
المعروف: تارة يخصه بالأمر ، وتارة يقرن به غيره كما فى قوله تعالى:
(لَّا خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَدُهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَحِ بَيْنَ
وذلك لأن الأسماء قد يكون عمومها وخصوصا بحسب
النَّاسِ )
الإفراد والتركيب : كلفظ الفقير والمسكين ، فإن أحدهما إذا أفرد كان
عاماً لما يدلان عليه عند الاقتران ؛ بخلاف اقترانهما فإنه يكون معنى كل
٣٤٧

منها ليس هو معنى الآخر بل أخص من معناه عند الإفراد ، وأيضاً
فقد يعطف على الاسم العام بعض أنواعه على سبيل التخصيص ، ثم قد
قيل : إن ذلك المخصص يكون مذكوراً بالمعنى العام والخاص .
فإذا عرف هذا. فاسم ((المنكر)) يعم كل ماكرهه اللّه ونهى عنه
وهو المبغض، واسم (( المعروف)) يعم كل ما يحبه الله ويرضاه ويأمر
به ، حيث أفردا بالذكر فإنهما يعان كل محبوب فى الدين ومكروه ،
وإذا قرن المنكر بالفحشاء فإن الفحشاء مبناها على المحبة والشهوة ،
و ((المنكر)» هو الذي تنكره القلوب، فقد يظن أن ما فى الفاحشة
من المحبة يخرجها عن الدخول في المنكر ، وإن كانت مما تنكرها
القلوب فإنها تشتهيها النفوس، و ((المنكر)) قد يقال: إنه بعم معنى
الفحشاء ، وقد يقال : خصت لقوة المقتضى لما فيها من الشهوة ، وقد
يقال : قصد بالمنكر ما يفكر مطلقا والفحشاء لكونها تشتهى وتحب ،
وكذلك ((البغى)) قرن بها لأنه أبعد عن محبة النفوس.
ولهذا كان جنس عذاب صاحبه أعظم من جنس عذاب صاحب
الفحشاء ، ومنشؤه من قوة الغضب ، كما أن الفحشاء منشؤها عن قوة
الشهوة ، ولكل من النفوس لذة بحصول مطلوبها ، فالفواحش والبغي
مقرونان بالمنكر ، وأما الإشراك والقول على الله بلا على فإنه منكر
٣٤٨

محض ليس في النفوس ميل إليها ؛ بل إنما يكونان عن عناد وظلم ،
فها منكر وظلم محض بالفطرة.
فهذه الخصال فساد في القوة العلمية والعملية ، فالصلاة تنهى عن
الفحشاء والمنكر ، ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء
والمنكر ، سواء كان الضمير عائداً إلى الشيطان ، أو إلى من يتبع
خطوات الشيطان ، فإن من أتى الفحشاء والمنكر سواء ، فإن كان
الشيطان أمره فهو متبعه مطيعه عابد له ، وإن كان الآتى هو الآمر
فالأمر بالفعل أبلغ من فعله ، فمن أمر بها غيره رضيها لنفسه .
ومن الفحشاء والمنكر استماع العبد مزامير الشيطان ، والمغنى هو
مؤذنه الذي يدعو إلى طاعته ، فإن الغناء رقية الزنا، وكذلك من
(قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُ
اتباع خطوات الشيطان القول على الله بلا علم
بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ )
وهذه حال أهل البدع
والفجور ، وكثير ممن يستحل مؤاناة النساء والمردان وإحضارهم فى سماع
الغناء ، ودعوى محبة صورم الله وغير ذلك مما فتن به كثير من الناس
فصاروا ضالين مضلين .
ثم إنه سبحانه نهى المظلوم بالقذف أن يمنح ما ينبغي له فعله من
الإحسان إلى ذوي قرابته ، والمساكين ، وأهل التوبة ، وأمره بالعفو
٣٤٩

والصفح ؛ فإنهم كما يحبون أن يغفر الله لهم فليعفوا وليصفحوا وليغفروا،
ولا ريب أن صلة الأرحام واجبة، وإيتاء المساكين واجب ، وإعانة
المهاجرين واجب ، فلا يجوز ترك ما يجب من الإحسان للإنسان
بمجرد ظلمه وإساءته فى عرضه ، كما لا يمنع الرجل ميراثه وحقه من
الصدقات والفى بمجرد ذنب من الذنوب ، وقد يمنع من ذلك
لبعض الذنوب .
وفى الآية دلالة على وجوب الصلة والنفقة وغيرها لذوي الأرحام
- الذين لا يرتون بفرض ولا تعصيب - فإنه قد ثبت فى الصحيح
عن عائشة فى قصة الإفك أن أبا بكر الصديق حلف أن لا ينفق على
مسطح بن أثاثة ، وكان أحد الخائضين فى الإفك فى شأن عائشة ،
وكانت أم مسطح بنت خالة أبى بكر ، وقد جعله الله من ذوي القربى
الذين نهى عن ترك إيتائهم ، والنهي يقتضي التحريم ، فإذا لم يجز
الحلف على ترك الفعل كان الفعل واجباً ، لأن الحلف على ترك
الجائز جائز .
فصل
قال الله تعالى: (وَلَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّلَ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةٍ شُهَدَآءَ فَأَجْلِدُ وهُمْ
وقال فيها : (وَالَّذِينَ يَرَّمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ
ثَمَنِينَ جَلْدَةً )
٣٥٠

فاجلدوم ثمانين جلدة، وقال فيها : ( لَّوْلًا
لَمْ يَأْتُواْبِأَرْبَعَةٍ شُهَدََّءَ)
جَاءُوعَلَيْهِبِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ ) فذكر عدد الشهداء وأطلق صفتهم ، ولم
يقيدهم بكونهم منا ولا ممن ترضى ولا من ذوي العدل ، كما قيد صفة
الشهداء فى غير هذا الموضع .
ولهذا تنازع العلماء : هل شهادة الأربعة التى يجب بها الحد على
الزاني مثل شهادة أهل الفسوق والعصيان وغيرم هل تدرأ الحد عن
القاذف ؟ على قولين فى مذهب أحمد .
((أحدهما)) أنها تدرأ الحد عن القاذف وإن لم توجب حد الزنا
على المقذوف، كشهادة الزوج على امرأته أربع شهادات بالله ، فإن
ذلك يدرأ حد القذف ولا يجب الحد على امرأته لمجرد ذلك ؛ لأنها
تدفع العذاب منها بشهادتها أربع شهادات ، ولو لم تشهد فهل تحد أو
محبس حتى تقر أو تلاعن أو يخلى سبيلها ؟ فيه نزاع مشهور بين
العلماء ، فلا يلزم من درء الحد عن القاذف وجوب حد الزنا على
المقذوف ؛ فإن كلاهما حد ، والحدود تدرأ بالشبهات ، والأربع شهادات
للقاذف شبهة قوية ، ولو اعترف المقذوف مرة أو مرتين أو ثلاثاً
درئ الحد عن القاذف، ولم يجب الحد منها عند أكثر العلماء ، ولو
كان المقذوف غير محصن - مثل أن يكون مشهوراً بالفاحشة - لم
محد قاذفه حد القذف ، ولم يحد هو حد الزنا لمجرد الاستفاضة ،
٣٥١

وإن كان يعاقب كل منهما دون الحد ، وقد اعتبر نصاب حد الزنا
بأربعة شهداء .
وكذلك تعتبر صفاتهم فلا يقام حد الزنا على مسلم إلا بشهادة
مسلمين ، لكن يقال : لم يقيدم بأن يكونوا عدولا مرضيين كما قيدم
فى آية الدين بقوله: (مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ ) وقال فى آية الوصية:
وقال فى آية الرجعة ( وَأَشْهِدُ واْذَوَىْ عَدْلٍ مِنْكُ
(أَثْنَانِذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ )
فقد أمرنا الله سبحانه بأن تحمل الشهادة
وَأَقِيمُوْالشَّهَدَةَلِلَّهِ)
المحتاج إليها لأهل العدل والرضا ، وهؤلاء هم الممثلون ما أمر الله به
بقوله : (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّمِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ
اُلْوَلِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِنَّ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيْرًا فَاللَّهُ أَوَلَى بِهِمَّا فَلا تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُواْ )
الآية. وفى قوله: (وَإِذَا قُلْتُمْ فَأَعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى )
وقوله : (وَلَا تَكْتُمُواْ الشَّهَدَةَ) وقوله: (وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَآءُ إِذَا مَادُعُواْ )
وقوله : (وَالَّذِينَ هُ بِشَهَدَتِهِمْ قَايِعُونَ) فهم يقومون بالشهادة بالقسط لله فيحصل
مقصود الذي استشهده .
(( الوجه الثاني )) أن كون شهادتهم مقبولة مسموعة لأنهم أهل
العدل والرضى . فدل على وجوب ذلك في القبول والأداء ، وقد نهى
سبحانه عن قبول شهادة الفاسق بقوله : (إِن جَاءَ كُمْ فَاسِقٌ بِهَا فَتَبَيَّنُواْ)
الآية ، لكن هذا نص فى أن الفاسق الواحد يجب التبين فى خبره ،
٣٥٢

وأما الفاسقان فصاعداً فالدلالة عليه تحتاج إلى مقدمة أخرى ، وما
ذكروه من عدد الشهود لا يعتبر فى الحكم باتفاق العلماء في مواضع ،
وعند جمهورهم قد يحكم بلا شهود في مواضع عند النكول والرد ونحو
ذلك ، ويحكم بشاهد ويمين كما مضت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم
فإنه ((قضى بشاهد ويمين)) رواه أبو داود وغيره من حديث أبى
هريرة، ورواه مسلم من حديث ابن عباس: (( أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم قضى بشاهد ويمين )) ورواه غيرهما ، ويدل على هذا أن الله
لم يعتبر عند الأداء هذا القيد : لا فى آية الزنا ولا فى آية القذف. بل
قال : ( فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ ) وقال: (وَالَّذِينَ يَُّونَ الْمُحْصَنَتِ ثُمََّ
وإنما أمر بالتثبت عند خبر الفاسق الواحد ،
يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةٍ شُهَدَّءَ )
ولم يأمر به عند خبر الفاسقين ، فإن خبر الاثنين يوجب من الاعتقاد
ما لا يوجبه خبر الواحد ؛ ولهذا قال العلماء : إذا استراب الحاكم فى
الشهود فرقهم وسألهم عن مكان الشهادة وزمانها وصفتها وتحملها وغير
ذلك مما يتبين به اتفاقهم واختلافهم .
وقوله تعالى: (وَلَ نَقْبَلُوْلَمُمْ شَهَدَةً أَبَدًا) فهذا نص فى أن
هؤلاء القذفة لا تقبل لهم شهادة أبداً واحداً كانوا أو عدداً ؛ بل لفظ
الآية ينتظم العدد على سبيل الجمع والبدل ؛ لأن الآية نزلت في أهل
الإفك باتفاق أهل العلم والحديث والفقه والتفسير . وكان الذين قذفوا
٣٥٣

عائشة عدداً، ولم يكونوا واحداً لما رأوها قد قدمت صحبة صفوان بن
المعطل السلمي بعد قفول العسكر ، وكانت قد ذهبت تطلب قلادة لها
عدمت ، فرفع أصحاب الهودج هودجها معتقدين أنها فيه لخفتها ولم تكن
فيه ، فلما رجعت لم تجد أحداً من الجيش فمكثت مكانها ، وكان صفوان
قد تخلف وراء الجيش ، فلما رآها أعرض بوجهه عنها، وأناخ راحلته
حتى ركبتها ، ثم ذهب بها إلى العسكر ، فكانت خلوته بها للضرورة،
كما يجوز للمرأة أن تسافر بلا محرم للضرورة ، كسفر الهجرة : مثل
ما قدمت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط مهاجرة وقصة عائشة .
وقد دلت الآية على أن القاذفين لا تقبل شهادتهم مجتمعين
ولا متفرقين .
ودلت أيضاً على أن شهادتهم بعد التوبة مقبولة كما هو مذهب
الجمهور فإنه كان من جملتهم مسطح بن أثاثة وحسان بن ثابت كما فى
الصحيح عن عائشة ، وكان منهم حمنة بنت جحش وغيرها، ومعلوم أنه
لم يرد النبي صلى الله عليه وسلم ولا المسلمون بعده شهادة أحد منهم،
لأنهم كلهم تابوا لما نزل القرآن ببراءتها ، ومن لم يتب حينئذ فإنه كافر
مكذب بالقرآن ، وهؤلاء مازالوا مسلمين ، وقد نهى الله عن قطع
صلتهم ولو ردت شهادتهم بعد التوبة لاستفاض ذلك كما استفاض رد عمر
شهادة أبى بكرة ، وقصة عائشة كانت أعظم من قمة المغيرة ؛ لكن من
٣٥٤

رد شهادة القاذف بعد التوبة قد يقول : أرد شهادة من حد فى القذف
وهؤلاء لم يحدوا ، والأولون يجيبون بأجوبة .
( أحدها ) أنه قد روى فى السنن أن النبى صلى الله عليه وسلم
حد أولئك .
و (الثانى ) أن هذا الشرط غير معتبر فى ظاهر القرآن، وهم
لا يقولون به كما هو مقرر فى موضعه .
و ( الثالث ) أن الذين اعتبروا الحد اعتبروه ، وقالوا : قد يكون
القاذف صادقا وقد يكون كاذبا ، فإعراض المقذوف عن طلب حد
القذف قد يكون لصدق القاذف ، فإذا طلب الحد ولم يأت القاذف
بأربعة شهداء ظهر كذبه ، ومعلوم أن الذين قذفوا عائشة ظهر كذبهم
أعظم من ظهور كذب كل أحد ؛ فإن الله هو الذي برأها بكلامه الذي
أنزله من فوق سبع سموات يتلى ، فإذا كانت شهادتهم بعد توبتهم مقبولة
فشهادة غيرهم ممن شهد على غيرها بالقذف أولى بالقبول ، وقصة عمربن
الخطاب التى حكم فيها بين المهاجرين والأنصار فى شأن المغيرة لما شهد
عليه ثلاثة بالزنا وتوقف الرابع عن الشهادة جلد أولئك الثلاثة ورد
شهادتهم دليل على الفصلين جميعاً ، كما دلت قصة عائشة على قبول
شهادتهم بعد التوبة والجلد ؛ لأن اثنين من الثلاثة تابا فقبل عمر
٣٥٥

والمسلمون شهادتهما ، والثالث وهو أبو بكرة مع كونه من أفضلهم لم
يتب ، فلما لم يتب لم يقبل المسلمون شهادته ، وكان من صالحي المسلمين،
وقد قال عمر تب أقبل شهادتك ؛ لكن إذا كان القرآن قد بين أن
القذفة إن لم يأتوا بأربعة شهداء لم تقبل شهادتهم أبداً ، ثم قال بعد
فمعلوم أن قوله :
ذلك: (وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ)
(وَأُوْلَكَ هُمُ الْفَسِقُونَ ) وصف ذم لهم زائد على ما ذكره من
رد شهادتهم .
وأما تفسير ((العدالة)) المشروطة فى هؤلاء الشهداء: فإنها الصلاح
فى الدين والمروءة ، والصلاح في أداء الواجبات ، وترك الكبيرة ،
والإصرار على الصغيرة. و ((الصلاح فى المروءة)) استعمال ما يجمله ويزينه
واجتناب ما يدنسه ويشينه ، فإذا وجد هذا فى شخص كان عدلا فى
شهادته ، وكان من الصالحين الأبرار . وأما أنه لا يستشهد أحد فى
وصية أو رجعة في جميع الأمكنة والأزمنة حتى يكون بهذه الصفة فليس
فى كتاب الله وسنة رسوله ما يدل على ذلك ؛ بل هذا صفة المؤمن
الذي أكمل إيمانه بأداء الواجبات وإن كان المستحبات لم يكملها ، ومن
كان كذلك كان من أولياء الله المتقين.
ثم إن القائلين بهذا قد يفسرون الواجبات بالصلوات الخمس ونحوها ؛
بل قد يجب على الإنسان من حقوق الله وحقوق عباده ما لا يحصيه
٣٥٦

إلا الله تعالى مما يكون تركه أعظم إنما من شرب الخمر والزنا، ومع ذلك
لم يجعلوه قادما فى عدالته؛ إما لعدم استشعار كثرة الواجبات، وإما لالتفاتهم
إلى ترك السيئات دون فعل الواجبات ، وليس الأمر كذلك فى الشريعة،
وبالجملة هذا معتبر فى باب الثواب والعقاب، والمدح والذم، والموالاة والمعاداة
وهذا أمر عظيم.
وأما قول من يقول : الأصل فى المسلمين العدالة فهو باطل ؛ بل
الأصل في بنى آدم الظلم والجهل، كما قال تعالى: ( وَحَلَهَا الْإِنسَنِّإِنَّهُ.
كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ) .
ومجرد التكلم بالشهادتين لا يوجب انتقال
الإنسان عن الظلم والجهل إلى العدل .
و ( باب الشهادة ) مداره على أن يكون الشهيد مرضياً أو يكون
ذا عدل يتحرى القسط والعدل فى أقواله وأفعاله والصدق فى شهادته
وخبره ، وكثيراً ما يوجد هذا مع الإخلال بكثير من تلك الصفات :
كما أن الصفات التى اعتبروها كثيراً ما توجد بدون هذا ، كما قد رأينا
كل واحد من الصنفين كثيراً ؛ لكن يقال : إن ذلك مظنة الصدق
والعدل والمقصود من الشهادة ودليل عليها وعلامة لها ؛ فإن النبى صلى
الله عليه وسلم قال فى الحديث المتفق على صحته: ((عليكم بالصدق ؛ فإن
الصدق يهدي إلى البر، والبر يهدى إلى الجنة )) الحديث إلى آخره .
٣٥٧

فالصدق مستلزم للبر كما أن الكذب مستلزم للفجور، فإذا وجد
الملزوم وهو تحرى الصدق وجد اللازم وهو البر ، وإذا انتفى اللازم
وهو البر انتفى الملزوم وهو الصدق ، وإذا وجد الكذب وهو الملزوم
وجد الفجور وهو اللازم ، وإذا انتفى اللازم وهو الفجور انتفى الملزوم
وهو الكذب ؛ فلهذا استدل بعدم بر الرجل على كذبه ، وبعدم فجوره
على صدقه .
فالعدل الذي ذكره الفقهاء من انتفى فجوره ، وهو إتيان الكبيرة
والإصرار على الصغيرة ، وإذا انتفى ذلك فيه انتفى كذبه الذي يدعوه
إلى هذا الفجور ، والفاسق هو من عدم بره ، وإذا عدم بره عدم صدقه
ودلالة هذا الحديث مبنية على أن الداعى إلى البر يستلزم البر ، والداعى
إلى الفجور يستلزم الفجور . فالخطأ كالنسيان ، والعمد كالكذب .
والله أعلم
٣٥٨

وقال شيخ الإسلام رحمه الله
في قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَتِ الْغَفِلَتِ الْمُؤْمِنَتِ لُعِنُواْ فِي
- فى طرده الكلام على
الدُّنْيَاوَاُلْأَخِرَةِ وَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ )
ما يتعلق بهذه الآية وغيرها فقال - وأما الجواب المفصل فمن
ثلاثة أوجه .
((أحدها)) أن هذه الآية فى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم خاصة
في قول كثير من أهل العلم ، فروى هشيم عن العوام بن حوشب ،
تنا شيخ من بني كاهل، قال فسر ابن عباس ((سورة النور)) فلما
أتى على هذه الآية: (إِنَّ الَّذِينَ يَزْمُونَ الْمُحْصَنَتِ الْغَافِلَتِ الْمُؤْمِنَتِ)
إلى آخر الآية قال : هذه في شأن عائشة وأزواج النبى صلى الله عليه
وسلم خاصة ، وهي مبهمة ليس فيها توبة ، ومن قذف امرأة مؤمنة فقد
جعل الله له توبة، ثم قرأ: (وَالَّذِينَ يَرِمُونَ الْمُحْصَنَتِ ثُمَّ يَأْتُواْبِأَرْبَعَةٍ شُهَدَّءَ)
فجعل
(إِلَّا الَّذِينَ تَبُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ )
إلى قوله :
لهؤلاء توبة ولم يجعل لأولئك توبة ، قال : فهم رجل أن يقوم فيقبل
رأسه من حسن ما فسره .
٣٥٩

وقال أبو سعيد الأشج: حدثنا عبد الله بن خراش ، عن العوام .
(إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَتِ
عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس :
اُلْغَفِلَتِ ) نزلت فى عائشة خاصة . واللعنة في المنافقين عامة ، فقد بين
ابن عباس أن هذه الآية إنما نزلت فيمن يقذف عائشة وأمهات المؤمنين ؛
لما فى قذفهن من الطعن على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعيبه، فإن
قذف المرأة أذى لزوجها . كما هو أذى لابنها ، لأنه نسبة له إلى الديانة
وإظهار لفساد فراشه ، فإن زنا امرأته يؤذيه أذى عظيماً . ولهذا جوز
له الشارع أن يقذفها إذا زنت ، ودرا الحد عنه باللعان . ولم يبح لغيره
أن يقذف امرأة بحال ، ولعل ما يلحق بعض الناس من العار والخزي
يقذف أهله أعظم مما يلحقه لو كان هو المقذوف .
ولهذا ذهب الإمام أحمد في إحدى الروايتين المنصوصتين عنه إلى
أن من قذف امرأة محصنة كالأمة والذمية ولها زوج أو ولد محصن
حد لقذفها ، لما ألحقه من العار بولدها وزوجها المحصين . والرواية
الأخرى عنه وهي قول الأكثرين أنه لاحد عليه؛ لأنه أذى لهما لا قذف
لهما ، والحد التام إنما يجب بالقذف ، وفى جانب النبى صلى الله عليه وسلم
أذى ، كقذفه ، ومن يقصد عيب النبى صلى الله عليه وسلم بعيب
أزواجه فهو منافق ، وهذا معنى قول ابن عباس اللعنة فى المنافقين عامة .
وقد وافق ابن عباس جماعة . فروى الإمام أحمد والأشج عن خصيف
٣٦٠