النص المفهرس

صفحات 321-340

فهو أبعد لك )) لأنها إذا زنت قد تتوب ؛ لكن زناها يبيح له إعضالها
حتى تفتدى منه نفسها إن اختارت فراقه أو تتوب .
وفى الغالب أن الرجل لا يزنى بغير امرأته إلا إذا أعجبه ذلك
الغير ، فلا يزال يزنى بما يعجبه فتبقى امرأته بمنزلة المعلقة التى لا هي أيم
ولا ذات زوج ، فيدعوها ذلك إلى الزنا ، ويكون الباعث لها على ذلك
مقابلة زوجها على وجه القصاص مكايدة له ومغايظة ؛ فإنه ما لم يحفظ غيها لم
يحفظ غيبه ، ولها فى بضعه حق كماله فى بضعها حق، فإذا كان من العادين
لخروجه عما أباح الله له لم يكن قد أحصن نفسه ، وأيضاً فإن داعية
الزانى تشتغل بما يختاره من البغايا ، فلا تبقى داعيته إلى الحلال تامة ،
ولا غيرته كافية في إحصانه المرأة ، فتكون عنده كالزانية المتخذة خدناً .
وهذه معان شريفة لا ينبغي إهمالها .
وعلى هذا فالمرأة المساحقة زانية كما جاء فى الحديث («زنا النساء
سحاقهن)) والرجل الذي يعمل عمل قوم لوط بمملوك أو غيره هو زان
والمرأة الناكمة له زانية ، فلا تنكحه إلا زانية أو مشركة ، ولهذا يكثر
فى نساء اللوطية من تزنى بغير زوجها ، وربما زنت بمن يتلوط هو به
مراغمة له وقضاء لوطرها ، وكذلك المرأة المزوجة بمخنث ينكح كما تنكح
هي متزوجة بزان ، بل هو أسوأ الشخصين حالا ، فإنه مع الزنا صار
مخنثاً ملعوناً على نفسه للتخنيث غير اللعنة التى تصيبه بعمل قوم لوط ،
٣٢١

فإن النبي صلى الله عليه وسلم لعن من يعمل عمل قوم لوط ، وثبت
عنه فى الصحيح أنه لعن المخنثين من الرجال والمترجلات من النساء ،
وقال (( أخرجوم من بيوتكم))
وكيف يجوز للمرأة أن تتزوج بمخنث قد انتقلت شهوته إلى دبره؟
فهو يؤتى كما تؤتى المرأة ، وتضعف داعيته من أمامه كما تضعف داعية
الزانى بغير امرأته عنها ، فإذا لم تكن له غيرة على نفسه ضعفت غيرته
على امرأته وغيرها ؛ ولهذا يوجد من كان مخنثاً ليس له كبير غيرة على
ولده ومملوكه ومن يكفله، والمرأة إذا رضيت بالمخنث واللوطي كانت على
دينه فتكون زانية وأبلغ ، فإن تمكين المرأة من نفسها أسهل من تمكين
الرجل من نفسه ، فإذا رضيت ذلك من زوجها رضيته من نفسها .
ولفظ هذه الآية وهو قوله تعالى: ( الَّانِ لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً)
الآية يتناول هذا كله إما بطريق عموم اللفظ ، أو بطريق التنبيه وفحوى
الخطاب الذي هو أقوى من مدلول اللفظ ، وأدنى ذلك أن يكون
بطريق القياس كما قد بيناه فى حد اللوطي ونحوه والله أعلم .
وقوله تعالى : (الْخَبِيثَتُ لِلْخَبِيثِنَ وَالْخَبِيِثُونَ لِلْخَبِشَتِّ وَالطَّيِّبَتُ لِلطَّيِّبِينَ
فأخبر تعالى أن النساء الخبيثات للرجال
وَالطَّيِّبُونَ لِلطَِّبَتِ )
الخبيثين ، فلا تكون خبيثة لطيب ، فإن ذلك خلاف الحصر ، فلا
٣٢٢

تنكح الزانية الخبيثة إلا زانياً خبيثاً ، وأخبر أن الطيبين للطيبات فلا
يكون الطيب لامرأة خبيئة فإن ذلك خلاف الحصر ؛ إذ قد ذكر أن
جميع الخبيثات للخبيثين فلا تبقى خبيثة لطيب ولا طيب لخبيثة . وأخبر
أن جميع الطيبات للطيبين فلا تبقى طيبة لحبيث ، فجاء الحصر من
الجانبين موافقاً لقوله : ( الزَِّ لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةٌ أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّنِيَّةُ لَا يَنْكِحُهَاَ
إِلَّازَانٍ أَوْ مُشْرٌِ وَحُرِمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ)
ولهذا قال من قال من السلف: ما بغت امرأة فى قط ، فإن هذه
السورة نزل صدرها بسبب أهل الإفك وما قالوه في عائشة ، ولهذا لما
قيل فيها ما قيل وصارت شبهة استشار النبى صلى الله عليه وسلم من
استشاره فى طلاقها قبل أن تنزل براءتها ؛ إذ لا يصلح له أن تكون
امرأته غير طيبة، وقد روى ((أنه لا يدخل الجنة ديوث)) والديوث
الذي يقر السوء في أهله .
ولهذا كانت الغيرة على الزنا مما يحبها اللّه وأمر بها، حتى قال
النبى صلى الله عليه وسلم: ((أتعجبون من غيرة سعد؟ لأنا أغير منه ،
والله أغير مني ؛ من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن)):
ولهذا أذن الله القاذف إذا كان زوجها أن بلاعن: فيشهد أربع شهادات
باللّه إنه لمن الصادقين، وجعل ذلك يدفع عنه حد القذف، كما لو أقام
على ذلك أربعة شهود، لأنه محتاج إلى قذفها لأجل ما أمر الله به من
٣٢٣

الغيرة ، ولأنها ظلمته بإفساد فراشه ، وإن كانت قد حبلت من
الزنا فعليه اللعان لينفى عنه النسب الباطل لئلا يلحق به
ما ليس منه.
وقد مضت سنة النبي صلى الله عليه وسلم بالتفريق بين المتلاعنين،
سواء حصلت الفرقة بتلاعنها أو احتاجت إلى تفريق الحاكم أو حصلت
عند انقضاء لعان الزوج؛ لأن أحدهما ملعون أو خبيث، فاقترانها بعد
ذلك يقتضي مقارنة الخبيث الملعون للطيب ، وفي صحيح مسلم عن عمران
ابن حصين (( حديث المرأة التى لعنت ناقة لها فأمر النبى صلى الله عليه
وسلم فأخذ ما عليها وأرسلت ؛ وقال: لا تصحبنا ناقة ملعونة)). وفى
الصحيحين عنه أنه لما اجتاز بديار ثمود قال: ((لا تدخلوا على هؤلاء
المعذبين إلا أن تكونوا باكين ؛ فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم
لئلا بصيكم ما أصابهم)» فنهى عن عبور ديارهم إلا على وجه الخوف المانع
من العذاب .
وهكذا السنة في مقارنة الظالمين والزناة وأهل البدع والفجور
وسائر المعاصي : لا ينبغي لأحد أن يقارنهم ولا يخالطهم إلا على وجه يسلم
به من عذاب الله عز وجل، وأقل ذلك أن يكون منكراً لظلمهم ، ماقتا
لهم، شانئًا مام فيه بحسب الإمكان، كما فى الحديث: (( من رأى
منكم منكراً فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع
٣٢٤

فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)) وقال تعالى: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ
ءَامَنُواْأَمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ ) الآية. وكذلك ماذكره عن يوسف الصديق وعمله
على خزائن الأرض لصاحب مصر لقوم كفار .
وذلك أن مقارنة الفجار إنما يفعلها المؤمن فى موضعين : أحدهما أن
يكون مكرهاً عليها ، والثانى : أن يكون ذلك في مصلحة دينية راجحة
على مفسدة المقارنة ، أو أن يكون فى تركها مفسدة راجحة فى دينه ،
فيدفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما ، وتحصل المصلحة الراجحة باحتمال
المفسدة المرجوحة ، وفى الحقيقة فالمكره هو من يدفع الفساد الحاصل
باحتمال أدناهما وهو الأمر الذي أكره عليه، قال تعالى: (إِلََّ مَنْ
أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُظْمَيِنٌّ بِآلْإِيمَانِ )، وقال تعالى: (وَلَا تُكْرِهُوا فَتِكُمْ عَلَى
اَلْبِغَاءِ ) ثم قال: (وَمَن يُكْرِهِهُنَّ فَإِنَّاللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ)
وقال تعالى: (إِنَّالَّذِينَ تَوَّهُمُ الْمَتِكَةُّ ظَالِىَّ أَنفُسِهِمْ قَالُواْ فِيَ كُمْ قَالُوا كُنَا
مُسْتَضْعَفِينَ فِ الْأَرْضِّ قَالُواْأَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَنُهُمْ جَهَنَّمُ
وَسَآَمَتْ مَصِيرًا * إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَنِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً
وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا * فَأُوْلَكَ عَسَى اَللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا )
وقال :
( وَمَا لَكُمْلَا تُقَائِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ )
الآية .
٣٢٥

فقد دلت هذه الآية على النهي عن مناكمة الزاني ، والمناكمة نوع
خاص من المعاشرة والمزاوجة والمقارنة والمصاحبة ، ولهذا سمي كل منهما
زوجا وصاحباً وقريناً ومشيراً للآخر ، والمناكمة فى أصل اللغة المجامعة
والمضامة ، فقلوبهما تجتمع إذا عقد العقد بينها، ويصير بينهما من التعاطف
والتراحم مالم يكن قبل ذلك ، حتى تثبت بذلك حرمة المصاهرة فى غير
الربيبة لمجرد ذلك والتوارث وعدة الوفاة وغير ذلك : وأوسط ذلك
اجتماعها خاليين في مكان واحد ، وهو المعاشرة المقررة للصداق ، كما
قضى به الخلفاء ، وآخر ذلك اجتماع المباضعة ، وهذا وإن اجتمع
بدون عقد نكاح فهو اجتماع ضعيف ؛ بل اجتماع القلوب أعظم من مجرد
اجتماع البدنين بالسفاح .
ودل قوله : (وَالطَِّبَتُ لِلَّبِينَ ) على ذلك من جهة المعنى ، ومن
جهة اللفظ ، ودل أيضاً على النهى عن مقارنة الفجار ومزاوجتهم ، كما
دل على هذا غير ذلك من النصوص: مثل قوله: (أَحْشُرُواْالَّذِينَ
ظَلَمُوْ وَأَزْوَجَهُمْ) أي: وأشباههم ونظراءهم، والزوج أعم من النكاح
المعروف قال تعالى: ( يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَئًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاءُ الذُّكُورَ * أَوْيُزَوِّجُهُمْ
ذُكْرَانَّا وَإِنَاثًا) وقال: (وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ) وقال: ( مِن كُلِّ زَوْيِ بَهِيجٍ)
و (كَرِيمٍ ) وقال: (وَمِن كُلِّ شَىْءٍ خَفْنَا زَوْجَيْنِ ) وقال: (جَعَلَ فِيَهَا زَوْجَيْنِ
أَثْنَيْنِ ) وقال: (وَخَلَقْنَكُمْأَزْوَجَا) وقال: (أُحِلْ فِيهَا مِن كُلٍ زَوْجَيْنِ
٣٢٦

أَثْنَيْنِ ) وقال: (إِنَ مِنْ أَزْوَجِكُمْ وَأَوْلَدِكُمْ ).
وإن كان في الآية نص في الزوجة التى هي الصاحبة وفى الولد منها
فمعنى ذلك فى كل مشابه ومقارن ومشارك ، وفى كل فرع وتابع فـ (الْحَمْدُ
لِلَّهِالَّذِى لَوْيَتَّخِذْ وَلَّاوَيَّكُنْ لَّهُشَرِكٌ فِ الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِّمِّنَ الذُّلِّ )
الَّذِى لَهُ,مُلُ
و (تَبَارَكَ الَّذِى نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ، لِيَكُونَ لِلْعَلَمِينَ نَذِيرًا
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَنَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيٌِ فِ الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ فَقَدَرَهُ.
نَقْدِيرًاً ).
فالمصاحبة والمصاهرة والمؤاخاة لا يجوز إلا مع أهل طاعة الله تعالى على
مراد الله، ويدل على ذلك الحديث الذي فى السنن: ((لاتصاحب إلا مؤمناً،
ولا يأكل طعامك إلا تقي)) وفيها: ((المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من
يخالل)» وفى الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه
قال: (( إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحد ، ثم إن زنت فليجلدها الحد ،
ثم إن زنت فليبعها ولو بضفير)) و((الضفير)» الحبل ، وشك الراوي
هل أخر ببيعها فى الثالثة أو الرابعة. وهذا أمر من النبى صلى الله عليه
وسلم ببيع الأمة بعد إقامة الحد عليها مرتين أو ثلاثا ولو بأدنى مال ،
قال الإمام أحمد : إن لم يبعها كان تاركا لأمر النبي صلى الله
عليه وسلم .
٣٢٧

والإماء اللاتي يفعلن هذا تكون عامتهن للخدمة لا للتمتع ، فكيف
بأمة التمتع ؟ وإذا وجب إخراج الأمة الزانية عن ملكه فكيف بالزوجة
الزانية ، والعبد والمملوك نظير الأمة ، ويدل على ذلك كله ما رواه
مسلم فى صحيحه عن علي بن أبى طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم :
(( أنه لعن من أحدث حدثاً أو آوى محدثا)) فهذا يوجب لعنة كل
من آوى محدثا سواء كان إحداثه بالزنا أو السرقة أو غير ذلك، وسواء
كان الإيواء بملك يمين أو نكاح أو غير ذلك ، لأن أقل ما في ذلك
تركه إنكار المنكر .
فصل
والمؤمن محتاج إلى امتحان من يريد أن يصاحبه ويقارنه بنكاح
( إِذَا جَآءَ حِكُمُ الْمُؤْمِنَتُ مُهَجَِتٍ فَانْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ
وغيره ، قال تعالى :
بِمَنِهِنَّ) الآية . وكذلك المرأة التى زنى بها الرجل، فإنه لا يتزوج بها
إلا بعد التوبة في أصح القولين ، كما دل عليه الكتاب والسنة والآثار ؛
لكن إذا أراد أن يمتحنها هل هي صحيحة التوبة أم لا ؟ فقال عبد الله
ابن عمر وهو المنصوص عن أحمد : أنه يراودها عن نفسها ، فإن أجابته
لم تصح توبتها ، وإن لم يجبه فقد نابت . وقالت طائفة : هذا الامتحان
٣٢٨

فيه طلب الفاحشة منها، وقد تنقض التوبة ، وقد تأمره نفسه بتحقيق
فعل الفاحشة ويزين لهما الشيطان ذلك ، ولاسيما إن كان يحبها ومحبه،
وقد تقدم له معها فعل الفاحشة مرات وذاقته وذاقها ، فقد تنقض التوبة
ولا تخالفه فيما أراده منها .
ومن قال بالأول قال : الأمر الذي يقصد به امتحانها لا يقصد به
نفس الفعل ، فلا يكون أمراً بما نهى الله عنه ، ويمكنه أن لا يطلب
الفاحشة ؛ بل بعرض بها وينوى شيئاً آخر ، والتعريض للحاجة جاثر:
بل واجب في مواضع كثيرة . وأما نقضها توبتها فإذا جاز أن تنقض
التوبة معه جاز أن تنقضها مع غيره ، والمقصود أن تكون ممتعة ممن
يراودها ، فإذا لم تكن ممتنعة منه لم تكن ممتنعة من غيره .
وأما تزيين الشيطان له الفعل فهذا داخل فى كل أمر يفعله
الإنسان من الخير يجد فيه محبته ، فإذا أراد الإنسان أن يصاحب
المؤمن ، أو أراد المؤمن أن يصاحب أحداً وقد ذكر عنه الفجور
وقيل إنه تاب منه ، أو كان ذلك مقولا عنه سواء كان ذلك القول
صدقا أوكذبا : فإنه يمتحنه بما يظهر به بره أو فجوره وصدقه أو كذبه،
وكذلك إذا أراد أن يولي أحداً ولاية امتحنه ؛ كما أمر عمر بن عبد
العزيز غلامه أن يمتحن ابن أبى موسى لما أعجبه سمته ، فقال له : قد
علمت مكاني عند أمير المؤمنين فكم تعطيني إذا أشرت عليه بولايتك ؟
٣٢٩

فبذل له مالا عظيما ، فعلم عمر أنه ليس ممن يصلح للولاية ، وكذلك في
المعاملات ، وكذلك الصبيان والماليك الذين عرفوا أو قيل عنهم الفجور
وأراد الرجل أن يشتريه بأنه يمتحنه ، فإن المخنث كالبغي ، وتوبته
كتوبتها . ومعرفة أحوال الناس تارة تكون بشهادات الناس ، وتارة
تكون بالجرح والتعديل ، وتارة تكون بالاختبار والامتحان .
فصل
وكما عظم الله الفاحشة عظم ذكرها بالباطل وهو القذف ، فقال
بعد ذلك: ( وَلَّذِينَ يَمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَ لَمْيَأْتُواْ بِأَزْبَعَةِ شُهَءَ فَجْلِدُ وهُمْثَمَنِينَ جَلْدَةً ).
ثم ذكر رمي الرجل امرأته ، وما أمر فيه من
التلاعن، ثم ذكر قصة أهل الإفك ، وبين ما في ذلك من الخير
للمقذوف المكذوب عليه ، وما فيه من الإثم للقاذف ، وما يجب على
المؤمنين إذا سمعوا ذلك أن يظنوا بإخوانهم من المؤمنين الخير ، ويقولون:
هذا إفك مبين : لأن دليله كذب ظاهر ، ثم أخبر أنه قول بلا حجة
فقال: (لَّوْلَا جَآءُ وعَيْهِبِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءً فَإِذْلَمْ يَأْتُواْبِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَكَ عِنْدَ اللَّهِ
ثم أخبر أنه لو لا فضله عليهم ورحمته
هُمُ اُلْكَذِبُونَ )،
لعذبهم بما تكلموا به .
٣٣٠

وقوله: (إِذْتَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَ هِكُمَّالَيْسَ لَكُم بِهِ، عِلْمٌ )
فهذا بيان لسبب العذاب ، وهو تلقى الباطل بالألسنة والقول
بالأفواه ، وهما نوعان محرمان : القول بالباطل ، والقول بلا علم . ثم
قال سبحانه: (وَلَوْلَآ إِذْسَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ تَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَكَ
هَذَابُهْتَنُ عَظِيمٌ ) .
فالأول تحضيض على الظن الحسن ،
وهذا نهى لهم عن التكلم بالقذف. ففي الأول قوله: (أَجْتِوأْ كَثِيرًا مِنَ
الَّنِيإِنَ بَعْضَ الَّنِ إِنٌَّ) ويقول النبى صلى الله عليه وسلم: ((إياكم
والظن ! فإن الظن أكذب الحديث)). وكذا قوله تعالى (ظَنَّ
اَلْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا )
دليل على حسن مثل هذا الظن
الذي أمر الله به، وقد ثبت في الصحيح أن النبى صلى الله عليه
وسلم قال لعائشة: (( ما أظن فلانا وفلانا يدريان من أمرنا هذا شيئاً)).
فهذا يقتضي جواز بعض الظن كما احتج البخاري بذلك؛ لكن مع العلم
بما عليه المرء المسلم من الإيمان الوازع له عن فعل الفاحشة يجب أن يظن
به الخير دون الشر .
وفى الآية نهى عن تلقي مثل هذا باللسان ، ونهى عن أن يقول
الإنسان ما ليس له به على لقوله تعالى: (وَلَنَقْفُ مَالَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ )
والله تعالى جعل فى فعل الفاحشة والقذف من العقوبة ما لم يجعله فى
شيء من المعاصي ؛ لأنه جعل فيها الرجم ، وقد رجم هو تعالى قوم
٣٣١

لوط إذ كانوا هم أول من فعل فاحشة اللواط ، وجعل العقوبة على
القذف بها ثمانين جلدة ، والرمى بغيرها فيه الاجتهاد ، ويجوز عند
بعض العلماء أن يبلغ الثمانين عند كثير منهم، كما قال علي: ((لا أوتى
بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفترى )). وكما قال
عبد الرحمن بن عوف : إذا شرب هذى ، وإذا هذى افترى ، وحد
الشرب ثمانون وحد المفترى ثمانون .
وقوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَحِشَةُ فِى الَّذِينَ ءَامَنُوْلَهُمْ
عَذَابٌ أَلِيمٌ فِ الذُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ ) الآية .
وهذا ذم لمن يحب
ذلك ، وذلك يكون بالقلب فقط ويكون مع ذلك باللسان والجوارح ،
وهو ذم لمن يتكلم بالفاحشة أو يخبر بها محبة لوقوعها فى المؤمنين : إما
حسداً أو بغضاً ، وإما محبة للفاحشة وإرادة لها ، وكلاهما محبة للفاحشة
وبغضاً للذين آمنوا ، فكل من أحب فعلها ذكرها .
وكره العلماء الغزل من الشعر الذي يرغب فيها ، وكذلك ذكرها
غيبة محرمة ، سواء كان بنظم أو نثر ، وكذلك التشبه بمن يفعلها منهى
عنه : مثل الأمر بها ؛ فإن الفعل يطلب بالأمر تارة ، وبالإخبار تارة ،
فهذان الأمران للفجرة الزناة اللوطية : مثل ذكر قصص الأنبياء
والصالحين للمؤمنين، أولئك يعتبرون من الغيرة بهم، وهؤلاء يعتبرون من
الاغترار ؛ فإن أهل الكفر والفسوق والعصيان يذكرون من قصص
٣٣٢

أشباههم ما يكون به لهم فيهم قدوة وأسوة ، ومن ذلك قوله تعالى :
(وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَالْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَاهُزُوًّا)
قيل : أراد الغناء ، وقيل أراد قصص الملوك من الكفار من
الفرس .
وبالجملة كل ما رغب النفوس فى طاعة الله ونهاها عن معصيته من
خبر أو أمر فهو من طاعته ، وكل ما رغبها فى معصيته ونهى عن طاعته
فهو من معصيته ، فأما ذكر الفاحشة وأهلها بما يجب أو يستحب فى
الشريعة : مثل النهي عنها وعنهم ، والنم لها ولهم ، وذكر ما يبغضها
وينفر عنها ، وذكر أهلها مطلقاً حيث يسوغ ذلك ، وما يشرع لهم
من النم في وجوههم ومغيهم : فهذا كله حسن يجب تارة ، ويستحب
أخرى ، وكذلك ما يدخل فيها من وصفها ووصف أهلها من العشق
على الوجه المشروع الذي يوجب الانتهاء عما نهى الله عنه، والبغض
لما يبغضه .
وهذا كما أن الله قص علينا في القرآن قصص الأنبياء والمؤمنين
والمتقين، وقصص الفجار والكفار: لنعتبر بالأمرين : فنحب الأولين
وسبيلهم ونقتدي بهم ، ونبغض الآخرين وسبيلهم وتجتذب فعالهم .
وقد ذكر الله عن أنبيائه وعباده الصالحين من ذكر الفاحشة
٣٣٣

(وَلُوطًا إِذْ قَالَ
وعلائقها على وجه النم ما فيه عبرة ، قال تعالى :
إلى آخر
لِقَوْمِهِ، أَتَأْتُونَ الْفَحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍمِنَ الْعَلَمِينَ )
القصة فى مواضع من كتابه . فهذا لوط خاطب أهل الفاحشة - وهو
رسول الله - بتقريعهم بها بقوله: (أَتَأْتُونَ الْفَحِشَةَ ) وهذا استفهام
إنكار ونهى ، إنكار ذم ، ونهي ، كالرجل يقول للرجل : أتفعل
كذا وكذا ؟ أما تتقى الله؟ ثم قال: (أَبِتَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن
دُونِ النِّسَآءِ ) وهذا استفهام ثان فيه من الذم والتوبيخ ما فيه ،
وليس هذا من باب القذف واللمز .
وكذلك قوله: (كَذَّبَتْ قَوْمُلُوطِ الْمُرْسَلِينَ) إلى آخر القصة،
فقد واجهم بذمهم وتوبيخهم على فعل الفاحشة ، ثم إن أهل الفاحشة
توعدوهم وتهددوم بإخراجهم من القرية ، وهذا حال أهل الفجور إذا
كان بينهم من ينهاهم طلبوا نفيه وإخراجه ، وقد عاقب الله أهل الفاحشة
اللوطية بما أرادوا أن يقصدوا به أهل التقوى ؛ حيث أمر بنفي الزاني
ونفي المخنث ، فمضت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفي هذا
وهذا ، وهو سبحانه أخرج المتقين من بينهم عند نزول العذاب .
وكذلك ما ذكره تعالى في قصة يوسف (وَرَوَدَتْهُ الَّتِى هُوَ فِى بَيْتِهَا
ج
عَنِنَّفْسِهِ )
إلى قوله : (فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَ هُنَّإِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ )
وما ذكره بعد ذلك فمن كلام يوسف من قوله: ( مَابَالُ
٣٣٤

وهذا من باب الاعتبار الذي يوجب
النِّسْوَةِ الَّتِى قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ )
انتهار النفوس عن معصية الله والتمسك بالتقوى، وكذلك ما بينه في آخر
السورة بقوله: (لَقَدْكَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأَوْلِ الْأَلْبَبِ ) .
ومع هذا فمن الناس والنساء من يحب سماع هذه السورة لما فيها
من ذكر العشق وما يتعلق به ؛ لمحبته لذلك ورغبته في الفاحشة حتى إن
من الناس من يقصد إسماعها للنساء وغيرهن لمحبتهم للسوء ، ويعطفون
على ذلك ، ولا يختارون أن يسمعوا ما فى سورة النور من العقوبة
والنهي عن ذلك ، حتى قال بعض السلف : كلما حصلته في سورة يوسف
أنفقته فى سورة النور. وقد قال تعالى: ( وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَاءٌ
ثم قال: (وَلَيَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّ خَسَارًا ) وقال
وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ )
(وَإِذَامَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهٍِ إِيمَنَا فَأَمَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ
فَزَادَ تْهُمْ إِيمَنَا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ
فكل أحد يحب
رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَا تُوْوَهُمْ كَفِرُونَ).
سماع ذلك لتحريك المحبة المذمومة ، ويبغض سماع ذلك إعراضاً عن دفع
هذه المحبة وإزالتها : فهو مذموم .
ومن هذا الباب ذكر أحوال الكفار والفجار وغير ذلك مما فيه
ترغيب في معصية الله وصد عن سبيل الله .
٣٣٥

ومن هذا الباب سماع كلام أهل البدع والنظر فى كتبهم لمن يضره
ذلك ويدعوه إلى سبيلهم وإلى معصية الله فهذا الباب تجتمع فيه الشبهات
والشهوات ، والله تعالى ذم هؤلاء فى مثل قوله: (يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَى
وفى مثل قوله: (وَالشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُ هُمُ الْغَاوُونَ )
بَعْضِ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا )
وما بعدها،
ومثل قوله: (هَلْ أَنِبِئُكُمْ عَلَى مَن تَغَزَّلُ الشَّيَاطِينُ) الآية،
ومثل قوله : (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ
وَيَتَّخِذَهَاهُزُوًا ) وقوله: ( مُسْتَكْبِنَ بِهِ سَِرًا تَهْجُرُونَ )
ومثل قوله: (وَإِن يَرَوْأْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْ سَبِيلَ الْغَّ
يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ) ومثل قوله: (وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِى الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن
سَبِيلِ اللَّهِ ) الآية.
ومثل هذا كثير فى القرآن ، فأهل المعاصى كثيرون في العالم ؛ بل هم
(وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِى الْأَرْضِ يُضِلُّكَ عَنْ
أ کثر ، كما قال تعالى :
وفى النفوس من الشبهات المذمومة والشهوات
سَبِيلِ اللَّهِ ) الآية.
قولا وعملا ما لا يعلمه إلا الله، وأهلها يدعون الناس إليها ، ويقهرون
من بعصيهم ، ويزينونها لمن يطيعهم . فهم أعداء الرسل وأنداده ، فرسل
الله يدعون الناس إلى طاعة الله ويأمرونهم بها بالرغبة والرهبة ،
ويجاهدون عليها ، وينهونهم عن معاصي الله، ويحذرونهم منها بالرغبة
والرهبة ، ويجاهدون من يفعلها . وهؤلاء يدعون الناس إلى معصية الله
٣٣٦

ويأمرونهم بها بالرغبة والرهبة قولا وفعلا ، ويجاهدون على ذلك قال
تعالى: (الْمُنَفِقُونَ وَالْمُنَفِقَتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضِ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ
وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيَّدِ يَهُمْ نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَفِقِينَ
هُمُ الْفَسِقُونَ ) ثم قال: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضِّ
يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِّ وَيُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَيُؤْثُونَ الزَّكَوَةَ
وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ, أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ) وقال تعالى: ( الَّذِينَ ءَامَنُواْ
يُقَائِلُونَ فِى سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَائِلُونَ فِ سَبِيلِ اَلَّغُوتِ ).
ومثل هذا فى القرآن كثير ، والله سبحانه قد أمرنا بالأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر ، والأمر بالشيء مسبوق بمعرفته ، فمن لا يعلم المعروف
لا يمكنه الأمر به ، والنهي عن المنكر مسبوق بمعرفته ، فمن لا يعلمه
لا يمكنه النهي عنه، وقد أوجب الله علينا فعل المعروف وترك المنكر،
فإن حب الشيء وفعله وبغض ذلك وتركه لا يكون إلا بعد العلم بها ،
حتى يصح القصد إلى فعل المعروف وترك المنكر ، فإن ذلك مسبوق
بعلمه ، فمن لم يعلم الشيء لم يتصور منه حب له ولا بغض ولا فعل ولا
ترك ؛ لكن فعل الشيء والأمر به يقتضي أن يعلم علماً مفصلا يمكن معه
فعله والأمر به إذا أمر به مفصلا .
ولهذا أوجب الله على الإنسان معرفة ما أمر به من الواجبات:
مثل صفة الصلاة ، والصيام ، والحج ، والجهاد ، والأمر بالمعروف
٣٣٧

والنهي عن المنكر ، إذا أمر بأوصاف فلا بد من العلم بثبوتها ، فكما
أنا لا نكون مطيعين إذا علمنا عدم الطاعة فلا تكون مطيعين إلا إذا
لم نعلم وجودها؛ بل الجهل بوجودها كالعلم بعدمها. وكون كل منها
معصية ، فإن الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل فى بيع الأموال الربوية
بعضها بجنسه ؛ فإن لم نعلم المائلة كان كما لو علمنا المفاضلة. وأما معرفة
ما يتركه وينهى عنه فقد يكتفى بمعرفته فى بعض المواضع مجملاً، فالإنسان
يحتاج إلى معرفة المنكر وإنكاره ، وقد يحتاج إلى الحجج المبينة لذلك،
وإلى الجواب عما يعارض به أصحابها من الحجج ، وإلى دفع أهوائهم
وإراداتهم وذلك يحتاج إلى إرادة جازمة وقدرة على ذلك ، وذلك
لا يكون إلا بالصبر كما قال تعالى: ( وَالْعَصْرِ * إِنَّالْإِنسَنَ لَفِى خُسْرٍ * إِلَّا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ وَتَوَاصَوْاْ بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْبِالصَّبْرِ ).
وأول ذلك أن نذكر الأقوال والأفعال على وجه النم لها والنهي
عنها وبيان ما فيها من الفساد ، فإن الإنكار بالقلب واللسان قبل الإنكار
باليد ، وهذه طريقة القرآن فيما يذكره تعالى عن الكفار والفساق والعصاة
من أقوالهم وأفعالهم ؛ يذكر ذلك على وجه النم والبغض لها ولأهلها
وبيان فسادها وضدها والتحذير منها ، كما أن فيما يذكره عن أهل العلم
والإيمان . ومن فيهم من أنبيائه وأولياته على وجه المدح والحب، وبيان
صلاحه ومنفعته ، والترغيب فيه، وذلك نحو قوله تعالى: (وَقَالُواْ اتَّخَذَ
٣٣٨

(وَقَالُواْاتَّخَذَ اُلَّحْمَنُ وَلَدًا
الرَّحْمَنُ وَلَدَّأُسُبْحَتَهْ، بَلْ عِبَادٌ مُكَرَمُونَ)
تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ
*
لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِذًّا
وَمَا يَتْبَغِى لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا
أَنْ دَعَوْاْ لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا
٠
وَخِرُ الْجِبَالُ هَذَّا
لَّقَدْأَحْصَهُمْ
إِن كُلُّ مَنْ فِىِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ إِلَّءَاتِى الرَّحْمَنِ عَبْدًا
وَكُلُهُمْ ءَاتِهِ يَوْمَ الْقِيَمَةِ فَرْدًا )، (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ
وَعَدَّهُمْ عَدَّا
*
أَبْنُ اُللَّهِ ) الآيات .
وهذا كثير جداً ، فالذي يحب أقوالهم وأفعالهم هو منهم: إما كافر
وإما فاجر بحسب قوله وفعله ، وليس منهم من هو بعكسه ، وليس عليه
عذاب في تركه ؛ لكنه لا يثاب على مجرد عدم ذلك ، وإنما يثاب على
قصده لترك ذلك وإرادته ، وذلك مسبوق بالعلم بقبح ذلك وبغضه لله ،
وهذا العلم والقصد والبغض هو من الإيمان الذي يثاب عليه، وهو أدنى
الإيمان: كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((من رأى منكم منكراً
فليغيره بيده )) إلى آخره، وتغيير القلب يكون بالبغض لذلك وكراهته
وذلك لا يكون إلا بعد العلم به وبقبحه، ثم بعد ذلك يكون الإنكار
باللسان، ثم يكون باليد، والنبي صلى الله عليه وسلم قال ((وذلك
أضعف الإيمان)» فيمن رأى المنكر.
فأما إذا رآه فلم يعلم أنه منكر ولم يكرهه لم يكن هذا
الإيمان موجوداً في القلب في حال وجوده ورؤيته : بحيث يجب بغضه
٣٣٩

وكراهته ، والعلم بقبحه يوجب جهاد الكفار والمنافقين إذا وجدوا ، وإذا
لم يكن المنكر موجوداً لم يجب ذلك ، ويثاب من أنكره عند وجوده
ولا يثاب من لم يوجد عنده حتى ينكره ، وكذلك ما يدخل فى ذلك من
الأقوال والأفعال المنكرات قد يعرض عنها كثير من الناس إعراضهم
عن جهاد الكفار والمنافقين وعن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ،
فهؤلاء وإن كانوا من المهاجرين الذين هجروا السيئات ، فليسوا من
المجاهدين الذين يجاهدون فى إزالتها ، حتى لا تكون فتنة ويكون الدين
كله لله .
فتدبر هذا ، فإنه كثيراً ما يجتمع في كثير من الناس هذان الأمران
بغض الكفر وأهله ، وبغض الفجور وأهله ، وبغض نهيهم وجهاده، كما
يحب المعروف وأهله ولا يجب أن يأمر به ولا يجاهد عليه بالنفس
والمال؛ وقد قال تعالى: ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْبِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ
وَجَهَدُواْ بِأَمَّوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الضَدِقُونَ)
وقال تعالى: (قُلْ إِن كَانَ ءَ ابَآؤُّكُمْ وَأَبْنَاؤُ كُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَجُّكُ وَعَشِيَتٍُ وَأَمْوَالُ
اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَرَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَ إِلَيْكُمْ مِنَ اللّهِ
وَرَسُولِهِ، وَجِهَادٍ فِى سَبِيلِهِ، فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِى اللَّهُ بِأَمْرِ، وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ
اَلْفَسِقِينَ ) وقوله (لَّا تَجِدُ قَوْمَايُؤْمِنُونَ بِالَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِرِيُوَآَذُونَ مَنْ
حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَلَوْكَانُوْءَابَآءَ هُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَنَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ
٣٤٠