النص المفهرس

صفحات 301-320

أن يتوب ، وليس ذلك محدوداً بقدر ولا صفة إلا مايكون زاجراً له
داعياً إلى حصول المقصود وهو توبته وصلاحه ، وقد علقه تعالى على هذين
الأمرين: التوبة ، والإصلاح . فإذا لم يوجدا فلا يجوز أن يكون الأمر
بالإعراض موجوداً فيؤذى ، والآية دلت على وجوب الإبذاء للذين
يأتيان الفاحشة منا ، ودلت على وجوب الإعراض عن الأذى فى حق
من تاب وأصلح، فأما من تاب بترك فعل الفاحشة ولم يصلح فقد
تنازع الفقهاء هل يشترط في قبول التوبة صلاح العمل ؟ على قولين فى
مذهب أحمد وغيره .
(فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُوُ اْلْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ
وهذه تشبه قوله تعالی :
حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ) إلى قوله (فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتَواْ الزَّكَوَةَ فَخَلُّواْ
سَبِيلَهُمْ) فأمر بقتالهم ، ثم علق بخلية سبيلهم على التوبة والعمل الصالح :
وهو إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، مع أنهم إذا تكلموا بالشهادتين وجب
الكف عنهم ، ثم إن صلوا وزكوا وإلا عوقبوا بعد ذلك على ترك الفعل ؛
لأن الشارع فى التوبة شرع الكف عن أذاه، ويكون الأمر فيه موقوفا
على التمام ، وكذلك التائب من الفاحشة يشرع الكف عن أذاه إلى أن
يصلح فإن أصلح وجب الإعراض عن أذاه، وإن لم يصلح لم يجب الكف
عن أذاه ، بل يجوز أو يجب أذاه .
وهذه الآية مما يستدل بها على التعزير بالأذى ، والأذى وإن كان
٣٠١

يستعمل كثيراً فى الكلام فى مرتكب الفاحشة فليس هو مختصاً به ، كما
قال النبى صلى الله عليه وسلم لمن بصق فى القبلة: ((إنك قد آذيت الله
ورسوله)). وكذلك قال فى حق فاطمة ابنته ((يريبني ما رابها ويؤذبني
ما آذاها)) وكذلك قال لمن أكل الثوم والبصل: ((إن الملائكة تتأذى
مما يتأذى منه بنو آدم)) وقال لصاحب السهام: ((خذ بنصالها لئلا
تؤذى أحداً من المسلمين)) وقد قال تعالى: (فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَأَنْنَشِرُ واْوَلَا
مُسْتَشْنِسِينَ ◌ِحَدِيثٍ إِنَّ ◌َلِكُمْ كَانَ يُؤْذِى النَّبِىَ).
وقوله تعالى: (فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا) هل يكون من توبته اعترافه
بالذنب فإذا ثبت الذنب بإقراره فيحد إقراره وكذب الشهود على إقراره
أو ثبت بشهادة شهود هل يعد بذلك تائباً ؟ فيه نزاع ، فذكر الإمام
أحمد أنه لا توبة لمن جحد ، وإنما التوبة لمن أقر وتاب، واستدل بقصة
على بن أبي طالب أنه أتى بجماعة ممن شهد عليهم بالزندقة فاعترف منهم
ناس فتابوا فقبل توبتهم ، وجحد منهم جماعة فقتلهم ، وقد قال النبي
صلى الله عليه وسلم لعائشة (( إن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله
وتوبي إليه ، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه))
رواه البخاري .
فمن أذنب سراً فليتب سراً ، وليس عليه أن يظهر ذنبه ، كما فى
الحديث: ((من ابتلى بشىء من هذه القاذورات فليستتر بستر الله،
٣٠٢

فإنه من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله))، وفى الصحيح: ((كل
أمتى معافى إلا المجاهرين ، وإن من المجاهرة أن يبيت الرجل على الذنب
قد ستره الله عليه فيكشف ستر الله عنه)) فإذا ظهر من العبد الذنب
فلا بد من ظهور التوبة ، ومع الجحود لا تظهر التوبة ، فإن الجاحد
يزعم أنه غير مذنب ؛ ولهذا كان السلف يستعملون ذلك فيمن أظهر
بدعة أو فجوراً ، فإن هذا أظهر حال الضالين ، وهذا أظهر حال
المغضوب عليهم ، ومن أذاه منعه - مع القدرة- من الإمامة، والحكم،
والفتيا ، والرواية ، والشهادة ، وأما بدون القدرة فليفعل المقدور عليه .
وقوله: (وَالَّذَانِ يَأْتِيَنِهَا مِنكُمْ فَشَاذُوهُمَا) فأمر بإيذائها ولم يعلق
ذلك على استشهاد أربعة كما علق ذلك فى حق النساء وإمساكهن فى
البيوت ، ولم يأمر به هنا كما أمر به هناك ؛ وليس هذا من باب حمل
المطلق على المقيد ، لأن ذلك لا بد أن يكون الحكم واحداً مثل
الإعتاق ، فإذا كان الحكم متفقاً في الجنس دون النوع كإطلاق الأيدي
فى التيمم وتقييدها في الوضوء إلى المرافق ، وإطلاق ستين مسكيناً في
الإطعام وتقييد الإعتاق بالإيمان ، مع أن كلاهما عبادة مالية يراد بها
نفع الخلق ، وفى ذلك نزاع بين العلماء .
ولم يحمل المسلمون من الصحابة والتابعين المطلق على المقيد في
قوله : (وَأُمَّهَتُ نِسَابِكُمْ وَرَبَِّبُكُمُ الَّتِ فِ حُجُورِ كُمْ مِّن نِسَابِكُمُ
٣٠٣

الَّتِى دَخَلْتُمْ بِهِنَ ) الآية: وقوله تعالى: (وَلَا نَكِحُواْ مَانَكَحَ
ءَابَآ ؤُكُمْ مِنَ الْنِسَآءِ إِلَّا مَاقَدْ سَلَفَ) قال الصحابة والتابعون وسائر أئمة
الدين : الشرط فى الربائب خاصة ، وقالوا: أبهموا ما أبهم الله،
والمبهم هو المطلق ، والمشروط فيه هو المؤقت المقيد ، فأمهات النساء
وحلائل الآباء والأبناء يحرمن بالعقد ، والربائب لا يحرمن إلا إذا دخل
بأمهاتهن ؛ لكن تنازعوا هل الموت كالدخول ؟ على قولين في مذهب
أحمد ، وذلك لأن الحكم مختلف ، والقيد ليس متساوياً في الأعيان؛
فإن تحريم جنس ليس مثل تحريم جنس آخر يخالفه، كما أن تحريم
الدم والميتة ولحم الخنزير لما كان أجناساً فليس تقييد الدم بكونه مسفوحا
يوجب تقييد الميتة والخنزير أن يكون مسفوحا ، وهنا القيد كون
الربيبة مدخولا بأمها ، والدخول بالأم لا يوجد مثله فى الحليلتين وأم
المرأة ؛ إذ الدخول فى الحليلة بها نفسها ، وفي أم المرأة بينتها .
وكذلك المسلمون لم يحملوا المطلق على المقيد فى نصب الشهادة ؛
بل لما ذكر الله فى آية الدين رجلين أو رجلا واحر أنين وفي
الرجعة رجلين أقروا كلا منها على حاله؛ لأن سبب الحكم مختلف
وهو المال والبضع ، واختلاف السبب يؤثر في نصاب الشهادة، وكما فى
إقامة الحد فى الفاحشة وفى القذف بها اعتبر فيه أربعة شهداء فلا يقاس
بذلك عقود الإيمان والإبضاع ، وذكر فى حد القذف ثلاثة أحكام :
٣٠٤

جلد ثمانين، وترك قبول شهادتهم أبداً، وإنهم فاسقون (إِلَّا الّذِينَ
وأن التوبة لا ترفع
تَبُوْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّاللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ )
الجلد إذا طلبه المقذوف ، وترفع الفسق بلا تردد ، وهل ترفع المنح
من قبول الشهادة ؟ فأكثر العلماء قالوا ترفعه .
وإذا اشتهر عن شخص الفاحشة بين الناس لم يرجم ؛ لما ثبت فى
الصحيح عن ابن عباس أنه لما ذكر حديث الملاعنة وقول النبي صلى
اللّه عليه وسلم: (( إن جاءت به يشبه الزوج فقد كذب عليها، وإن
جاءت به يشبه الرجل الذي رماها به فقد صدق عليها )) فجاءت به على
النعت المكروه ، فقال النبى صلى الله عليه وسلم: ((لولا الأيمان لكان
لي ولها شأن)) فقيل لابن عباس: أهذه التى قال فيها رسول الله
صلى الله عليه وسلم (( لو كنت راجماً أحداً بغير بينة لرجمتها))؟ فقال:
لا ، تلك امرأة كانت تعلن السوء في الإسلام: فقد أخبر أنه لا يرجم
أحداً إلا ببينة ولو ظهر عن الشخص السوء .
ودل هذا الحديث على أن الشبه له تأثير فى ذلك وإن لم يكن
بينة ، وكذلك ثبت عنه أنه لما مر عليه بتلك الجنازة فأثنوا عليها خيراً
إلى آخره قال: ((أنتم شهداء اللّه فى أرضه)) وفى المسند عنه أنه قال
( يوشك أن تعلموا أهل الجنة من أهل النار ، قيل: يا رسول الله!
وبم ذلك ؟ قال: بالثناء الحسن ، والثناء السىء )). فقد جعل الاستفاضة
٣٠٥

حجة وبينة فى هذه الأحكام ولم يجعلها حجة في الرجم . وكذلك تقبل
شهادة أهل الكتاب على المسلمين فى الوصية فى السفر عند أحمد ،
وكذلك شهادة الصبيان في الجراح إذا أدوها قبل التفرق فى إحدى
الروايتين ، وإذا شهد شاهد أنه رأى الرجل والمرأة والصى فى لحاف
أو فى بيت مرحاض ، أو رآهما مجردين ، أو محلولي السراويل ويوجد
مع ذلك ما يدل على ذلك . من وجود اللحاف قد خرج عن العادة
إلى مكانها ، أو يكون مع أحدهما أو معها ضوء قد أظهره فرآه
فأطفأه ، فإن إطفاءه دليل على استخفائه بما يفعل ، فإذا لم يكن
ما يستخفى به إلا ما شهد به الشاهد كان ذلك من أعظم البيان
على ما شهد به .
فهذا الباب باب عظيم النفع فى الدين ، وهو مما جاءت به الشريعة
التى أهملها كثير من القضاة والمتفقهة زاعمين أنه لا يعاقب أحد إلا
بشهود عاينوا ، أو إقرار مسموع ، وهذا خلاف ما تواترت به السنة
وسنة الخلفاء الراشدين . وخلاف ما فطرت عليه القلوب التى تعرف
المعروف ونكر المنكر ، ويعلم العقلاء أن مثل هذا لا تأباه سياسة عادلة ؛
فضلا عن الشريعة الكاملة، ويدل عليه قوله تعالى: (يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُوْ إِن جَاءَ كُمْ فَاسِقٌ بِذَبَإٍ فَتَبَيَّنُواْ أَنْ تُصِيبُواْ قَوْمًا بِجَهَلَةٍ ).
ففي الآية دلالات .
٣٠٦

فأحر بالتبين عند
أحدها قوله : (إِن جَاءَ كُمْ فَاسِقٌ بِذَبٍَ فَتَبَيَّنُواْ)
مجيء كل فاسق بكل نبأ : بل من الأنباء ما ينهى فيه عن التبين .
ومنها ما يباح فيه ترك التبين ، ومن الأنباء ما يتضمن العقوبة لبعض
الناس ؛ لأنه علل الأمر بأنه إذا جاءنا فاسق بنبأ خشية أن نصيب قوما
بجهالة ، فلو كان كل من أصيب بنبأ كذلك لم يحصل الفرق بين العدل
والفاسق ، بل هذه دلالة واضحة على أن الإصابة بنبأ العدل الواحد
لا ينهى عنها مطلقاً ، وذلك يدل على قبول شهادة العدل الواحد فى
جنس العقوبات ، فإن سبب نزول الآية يدل على ذلك ، فإنها نزلت
في إخبار واحد بأن قوماً قد حاربوا بالردة أو نقض العهد .
وفيه أيضاً أنه متى اقترن بخبر الفاسق دليل آخر يدل على صدقه
فقد استبان الأمر وزال الأمر بالثبت ، فتجوز إصابة القوم وعقوبتهم
بخبر الفاسق مع قرينة إذا تبين بهما الأمور ، فكيف خبر الواحد العدل
مع دلالة أخرى ؛ ولهذا كان أصح القولين أن مثل هذا لوث فى باب
القسامة ، فإذا انضاف إيمان المقسمين صار ذلك بينة تبيح دم المقسم
عليه. وقوله: (أَنْ تُصِيبُواْ قَوْمًا بِجَهَلَةٍ ) فجعل المحذور هو الإصابة
لقوم بلا علم ، فمتى أصيبوا بعلم زال المحذور ، وهذا هو المناط الذي دل
عليه القرآن، كما قال: (إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) وقال: (وَلَا
نَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمُ ) .
٣٠٧

وأيضاً فإنه علل ذلك بخوف الندم ، والندم إنما يحصل على عقوبة
البرئ من الذنب، كما فى سنن أبى داود: ((ادرؤوا الحدود بالشبهات ،
فإن الإمام إن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة )) فإذا
دار الأمر بين أن يخطئ فيعاقب بريئاً أو يخطئ فيعفو عن مذنب ،
كان هذا الخطأ خير الخطأين . أما إذا حصل عنده علم أنه لم يعاقب إلا
مذنباً فإنه لا يندم ، ولا يكون فيه خطأ والله أعلم .
وقد ذكر الشافعى وأحمد أن التغريب جاء فى السنة فى موضعين
((أحدهما )) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فى الزانى إذا لم يحصن:
((جلد مائة وتغريب عام)) والثانى نفي المختتين فيما روته أم سلمة (( أن
النبى صلى الله عليه وسلم دخل عليها وعندها مخنث ، وهو يقول العبد
اللّه أخيها: إن فتح الله لك الطائف غداً أدلك على ابنة غيلان ، فإنها
تقبل بأربع وتدبر بثمان . فقال النبى صلى الله عليه وسلم : أخرجوهم من
بيوتكم)) رواه الجماعة إلا الترمذي. وفي رواية في الصحيح ((لايدخلن
هؤلاء عليكم)) وفى رواية ((أرى هذا يعرف مثل هذا لا يدخلن عليكم
بعد اليوم)).
قال ابن جريج : المخنث هو هيت ، وهكذا ذكره غيره . وقد
قيل : إنه هنب ، وزعم بعضهم أنه ماتع ، وقيل هوان . وروى الجماعة
إلا مسلماً (( أن النبى صلى الله عليه وسلم لعن المخنثين من الرجال ،
٣٠٨

والمترجلات من النساء ، وقال : أخرجوم من بيوتكم ، وأخرجوا فلاناً
وفلاناً: يعنى المخنتين )) وقد ذكر بعضهم أنهم كانوا ثلاثة : - بهم
وهيت وماتع - على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يكونوا
يرمون بالفاحشة الكبرى إنما كان تخنيتهم وتأنيثهم ليناً فى القول، وخضابا
في الأيدي والأرجل ، كضاب النساء ولعباً كلعبهن .
وفى سنن أبى داود عن أبى يسار القرشي عن أبى هاشم عن أبى
هريرة. (( أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بمخنث وقد خضب رجليه
ويديه بالحناء ، فقال : ما بال هذا ؟ فقيل : يا رسول الله يتشبه بالنساء
فأمر به فنفي إلى النقيع ، فقيل : يا رسول الله ألا نقتله فقال: إنى
نهيت عن قتل المصلين )) قال أبو أسامة حماد بن أسامة :
والنقيح ناحية عن المدينة ، وليس بالبقيع ، وقيل : إنه الذي حماه النبى
صلى الله عليه وسلم لإِ بل الصدقة ، ثم حماه عمر ، وهو على عشرين
فرسخاً من المدينة ، وقيل : عشرين ميلا . ونقيع الخضات موضع آخر
قرب المدينة ، وقيل : هو الذي حماه عمر . والنقيع موضع يستنقع
فيه الماء، كما فى الحديث: ((أول جمعة جمعت بالمدينة في نقيع الخضمات)).
فإذا كان النبى صلى الله عليه وسلم قد أمر بإخراج مثل هؤلاء من
البيوت فمعلوم أن الذي يمكن الرجال من نفسه ، والاستمتاع به ، وبما
يشاهدونه من محاسنه ، وفعل الفاحشة الكبرى به شر من هؤلاء ، وهو
٣٠٩

أحق بالنفى من بين أظهر المسلمين وإخراجه عنهم : فإن المخنث فيه إفساد
للرجال والنساء ؛ لأنه إذا تشبه بالنساء فقد تعاشره النساء، ويتعلمن منه
وهو رجل فيفسدهن . ولأن الرجال إذا مالوا إليه فقد يعرضون عن
النساء ؛ ولأن المرأة إذا رأت الرجل يتخنث فقد تترجل هي ونتشبه
بالرجال فتعاشر الصنفين ، وقد تختار هي مجامعة النساء كما يختار هو
مجامعة الرجال .
وأما إفساده للرجال فهو أن يمكنهم من الفعل به - كما يفعل
بالنساء - بمشاهدته ومباشرته وعشقه ، فإذا أخرج من بين الناس
وسافر إلى بلد آخر ساكن فيه الناس ، ووجد هناك من يفعل به
الفاحشة ، فهنا يكون نفيه بحبسه فى مكان واحد ليس معه فيه غيره ،
وإن خيف خروجه فإنه يقيد إذ هذا هو معنى نفيه وإخراجه من
بين الناس .
ولهذا تتنازع العلماء فى نفى المحارب من الأرض ، هل هو طرده
بحيث لا يأوى فى بلد ، أو حبسه ، أو بحسب ما يراه الإمام من هذا
وهذا ، ففى مذهب أحمد ثلاث روايات الثالثة أعدل وأحسن ، فإن نفيه
بحيث لا يأوى فى بلد لا يمكن لتفرق الرعية واختلاف هممهم ؛ بل قد
يكون بطرده يقطع الطريق ، وحبسه قد لا يمكن؛ لأنه يحتاج إلى
مؤنة إلى طعام وشراب وحارس ؛ ولا ريب أن النفي أسهل إن أمكن.
٣١٠

وقد روي «أن هيتاً لما اشتكى الجوع أمره النبى صلى الله عليه وسلم
أن يدخل المدينة من الجمعة إلى الجمعة يسأل ما يقيته إلى الجمعة الأخرى)»
ومعلوم أن قوله: (أَوْيُنفَوْ مِنَ الْأَرْضِ) لا يتضمن نفيه من
جميع الأرض، وإنما هو نفيه من بين الناس ، وهذا حاصل
بطرده وحبسه .
وهذا الذي جاءت به الشريعة من النفى هو نوع من الهجرة أي
هجره ، وليس هذا كنفى الثلاثة الذين خلفوا ، ولا هجره كهجرم ، فإنه
منع الناس من مخالطتهم ومخاطبتهم حتى أزواجهم، ولم يمنعهم من مشاهدة
الناس وحضور مجامعهم في الصلاة وغيرها، وهذا دون النفى المشروع.
فإن النفى المشروع مجموع من الأمرين، وذلك أن الله خلق الآدميين
محتاجين إلى معاونة بعضهم بعضاً على مصلحة دينهم ودنياهم ، فمن كان
بمخالطته للناس لا يحصل منه عون على الدين ، بل يفسدهم ويضرم فى
دينهم ودنيام استحق الإخراج من بينهم ، وذلك أنه مضرة بلا مصلحة :
فإن مخالطته لهم فيها فسادهم وفساد أولادهم ؛ فإن الصبى إذا رأى
صبياً مثله يفعل شيئاً تشبه به ، وسار بسيرته مع الفساق، فإن الاجتماع
بالزناة واللوطيين فيه أعظم الفساد والضرر على النساء والصبيان والرجال
فيجب أن يعاقب اللوطي والزانى بما فيه تفريقه وإبعاده .
وجماع الهجرة هي حجرة السيئات وأهلها ، وكذلك هجران الدعاة إلى
٣١١

البدع، وهجران الفساق ، وهجران من يخالط هؤلاء كلهم أو يعاونهم، وكذلك
من يترك الجهاد الذي لا مصلحة لهم بدونه ، فإنه يعاقب بهجرم له لما لم يعاونهم
على البر والتقوى ، فالزناة واللوطية وتارك الجهاد وأهل البدع وشربة
الخمر هؤلاء كلهم ومخالطتهم مضرة على دين الإسلام، وليس فيهم معاونة
لا على بر ولا تقوى ، فمن لم يهجرم كان تاركا للمأمور فاعلا للمحظور ،
فهذا ترك المأمور من الاجتماع ، وذلك فعل المحظور منه ، فعوقب كل
منها بما يناسب جرمه ، فإن العقوبة إنما تكون على ترك مأمور أو فعل
محظور ، كما قال الفقهاء : إنما يشرع التعزير فى معصية ليس فيها حد،
فإن كان فيها كفارة فعلى قولين في مذهب أحمد وغيره .
قال : وما جاءت به الشريعة من المأمورات والعقوبات والكفارات
وغير ذلك فإنه يفعل منه بحسب الاستطاعة ، فإذا لم يقدر المسلم على
جهاد جميع المشركين ، فإنه يجاهد من يقدر على جهاده ، وكذلك إذا
لم يقدر على عقوبة جميع المعتدين فإنه يعاقب من يقدر على عقوبته ،
فإذا لم يمكن التفي والحبس عن جميع الناس كان النفي والحبس على
حسب القدرة ، مثل أن يحبس بدار لا يباشر إلا أهلها لا يخرج منها،
أو أن لا يباشر إلا شخصاً أو شخصين ، فهذا هو الممكن ؛ فيكون
هو المأمور به ، وإن أمكن أن يجعل فى مكان قد قل فيه القبيح
ولا يعدم بالكلية كان ذلك هو المأمور به . فإن الشريعة جاءت بتحصيل
٣١٢

المصالح وتكميلها ، وتعطيل المفاسد وتقليلها ، فالقليل من الخير خير من
تركه ، ودفع بعض الشر خير من تركه كله ، وكذلك المرأة المتشبهة
بالرجال بحبس شبيها بحالها إذا زنت ، سواء كانت بكراً أو ثيباً ، فإن
جنس الحبس مما شرع فى جنس الفاحشة .
ومما يدخل فى هذا أن عمر بن الخطاب نفى نصر بن حجاج من
المدينة ومن وطنه إلى البصرة لما سمع تشبيب النساء به وتشبهه بهن
وكان أولاً قد أمر بأخذ شعره ؛ ليزيل جماله الذي كان يفتن به النساء
فلما رآه بعد ذلك من أحسن الناس وجنتين غمه ذلك فنفاه إلى البصرة
فهذا لم يصدر منه ذنب ولا فاحشة يعاقب عليها ؛ لكن كان فى النساء
من يفتتن به فأمر بإزالة جماله الفاتن ، فإن انتقاله عن وطنه مما يضعف
همته وبدنه ، ويعلم أنه معاقب ، وهذا من باب التفريق بين الذين يخاف
عليهم الفاحشة والعشق قبل وقوعه ، وليس من باب المعاقبة ، وقد كان
عمر بنفى فى الحمر إلى خيبر زيادة فى عقوبة شاربها .
ومن أقوى ما يهيج الفاحشة إنشاد أشعار الذين فى قلوبهم مرض
من العشق ، ومحبة الفواحش، ومقدماتها بالأصوات المطربة ، فإن المغنى
إذا غنى بذلك حرك القلوب المريضة إلى محبة الفواحش ، فعندها يهيج
مرضه ويقوى بلاؤه ، وإن كان القلب فى عافية من ذلك جعل فيه مرضاً ،
كما قال بعض السلف : الغناء رقية الزنا .
٣١٣

ورقية الحية هي ما تستخرج بها الحية من جحرها ، ورقية العين
والحمة هي ما تستخرج به العافية ، ورقية الزنا هو ما يدعو إلى الزنا ،
ويخرج من الرجل هذا الأمر القبيح ، والفعل الخبيث ، كما أن الخمر
أم الخبائث، قال ابن مسعود: (( الغناء ينبت النفاق فى القلب كما ينبت
( وَأَسْتَغْزِزْ مَنِ اُسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ
الماء البقل )) وقال تعالى لإبليس :
واستفزازه
وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَحِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِ اَلْأَمْوَلِ وَاُلْأَوْلَدِ )
إياهم بصوته يكون بالغناء - كما قال من قال من السلف - وبغيره من
الأصوات كالنياحة وغير ذلك، فإن هذه الأصوات كلها توجب ازعاج
القلب والنفس الخبيثة إلى ذلك وتوجب حركتها السريعة ، واضطرابها
حتى يبقى الشيطان يلعب بهؤلاء أعظم من لعب الصبيان بالكرة ،
والنفس متحركة ؛ فإن سكنت فبإذن الله، وإلا فهى لا تزال متحركة.
وشبهها بعضهم بكرة على مستوى أملس لا تزال تتحرك عليه ،
وفي الحديث المرفوع: (( القلب أشد تقلباً من القدر إذا استجمعت
غليانا)) وفى الحديث الآخر: ((مثل القلب مثل ريشة بفلاة من الأرض
تحركها الربح)) وفي صحيح البخاري عن سالم عن ابن عمر قال :
((كانت يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ومقلب القلوب)) وفى
صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم
يقول: ((اللهم مصرف القلوب اصرف قلوبنا إلى طاعتك)) وفى الترمذي
٣١٤

عن أبى سفيان (( قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن
يقول : يا مقلب القلوب ثبت قلى على دينك . قال فقلت : يارسول
الله ! آمنا بك وبما جئت به ، فهل نخاف علينا ؟ قال : نعم . القلوب
بين إصبعين من أصابع الله يقلبها كيف يشاء )).
وقوله تعالى: (الزِّ لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةُ وَالزَِّيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلََّزَانٍ
لما أمر الله
أَوْمُشْرِقٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ )
تعالى بعقوبة الزانيين حرم منا كتها على المؤمنين حجراً لهما ، ولما معهما
من الذنوب والسيئات . كما قال تعالى: (وَالرُّْزَفَاهْجُزْ) وجعل مجالس
وهو زوج له
فاعل ذلك المنكر مثله بقوله تعالى: (إِنَّكُمْ إِذَا مِثْلُهُمْ)
أي عشراءهم
(أَحْتُرُواْلَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَجَهُمْ )
وقد قال تعالى :
وقرناءم وأشباههم ونظراءهم ، ولهذا يقال المستمع شريك المغتاب .
ورفع إلى عمربن عبد العزيز قوم بشربون الخمر وكان فيهم جليس لهم
صائم فقال : ابدؤا به فى الجلد، ألم تسمع اللّه يقول (فَلَا نَقْعُدُواْ
مَعَهُمْ ) ؟ فإذا كان هذا في المجالسة والعشرة العارضة حين فعلهم للمنكر
يكون مجالسهم مثلا لهم فكيف بالعشرة الدائمة .
والزوج يقال له العشير ، كما فى الحديث من حديث ابن عباس
عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((رأيت النار فإذا أكثر أهلها النساء
٣١٥

يكفرن ، قيل : يكفرن بالله ؟ قال : يكفرن العشير ويكفرن الإحسان)»
فأخبر أنه لا يفعل ذلك إلا زان أو مشرك .
أما المشرك فلا إيمان له يزجره عن الفواحش ومجامعة أهلها . وأما
الزانى ففجوره يدعوه إلى ذلك وإن لم يكن مشركا .
وفى الآية دليل على أن الزاني ليس بمؤمن مطلق الإيمان وإن لم
يكن كافراً مشركا، كما فى الصحيح: (( لا يزني الزانى حين يزنى وهو
مؤمن)) وذلك أنه أخبر أنه لا ينكح إلا زانية أو مشركة ، ثم قال
تعالى: (وَحُرِعَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ) فعلم أن الإيمان يمنع من ذلك
ويزجر ، وأن فاعله إما مشرك وإما زان ليس من المؤمنين الذين يمنعهم
إيمانهم من ذلك ، وذلك أن الزانية فيها إفساد فراش الرجل ، وفى
منا كتها معاشرة الفاجرة دائماً ، ومصاحبتها ، والله قد أمر بهجر السوء
وأهله ما داموا عليه ، وهذا المعنى موجود فى الزانى ، فإن الزانى إن لم
يفسد فراش امرأته كان قرين سوء لها، كما قال الشعبي : من زوج
كريمته من فاسق فقد قطع رحمها .
وهذا مما يدخل به على المرأة ضرر فى دينها ودنياها ، فنكاح
الزانية أشد من جهة الفراش ، ونكاح الزانى أشد من جهة أنه السيد
المالك الحاكم على المرأة ، فتبقى المرأة الحرة العفيفة فى أسر الفاجر الزانى
٣١٦

الذي يقصر فى حقوقها ويتعدى عليها .
ولهذا اتفق الفقهاء على اعتبار الكفاءة فى الدين ، وعلى ثبوت
الفسخ بفوات هذه الكفاءة ، واختلفوا فى صحة النكاح بدون ذلك ،
وهما قولان مشهوران فى مذهب أحمد وغيره ، فإن من نكح زانية
مع أنها تزنى فقد رضى بأن يشترك هو وغيره فيها ، ورضي لنفسه
بالقيادة والديانة ، ومن نكحت زان وهو يزنى بغيرها فهو لا يصون
ماءه حتى يضعه فيها ؛ بل يرميه فيها وفى غيرها من البغايا ، فهي بمنزلة
الزانية المتخذة خدناً ، فإن مقصود النكاح حفظ الماء فى المرأة ، وهذا
الرجل لا يحفظ ماءه ، والله سبحانه شرط فى الرجال أن يكونوا
محصنين غير مسافين، فقال: (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَآءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُواْ
بِأَمْوَالِكُمْ تُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَفِحِينَ ) وهذا المعنى مما لا ينبغي إغفاله ؛
فان القرآن قد نصه وبينه بياناً مفروضاً، كما قال تعالى: ( سُورَةُ
أَنزَلْنَهَا وَفَرَضْنَهَا ) .
فأما تحريم نكاح الزانية فقد تكلم فيه الفقهاء من أصحاب أحمد
وغيرهم ، وفيه آثار عن السلف ، وإن كان الفقهاء قد تنازعوا فيه ،
وليس مع من أباحه ما يعتمد عليه .
وقد ادعى بعضهم أن هذه الآبة منسوخة بقوله (وَالْمُحْصَنَتُ)،
٣١٧

وزعموا أن البغى من المحصنات ، وتلك الآيات حجة عليهم ، فإن أقل
ما فى الإحصان العفة . وإذا اشترط فيه الحرية فذاك تكميل للعفة
والإحصان ، ومن حرم نكاح الأمة لئلا يرق ولده كيف يبيح البغي
التى تلحق به من ليس بولده ، وأين فساد فراشه من رق ولده ؟!
وكذلك من زعم أن النكاح هنا هو الوطء ، والمعنى أن الزانى لا يطأ
إلا زانية أو مشركة والزانية لا يطأها إلا زان أو مشرك ، وهذا أبلغ
فى الحجة عليهم ، فمن وطئ زانية أو مشركة بنكاح فهو زان ،
وكذلك من وطئها زان ، فإن ذم الزاني بفعله الذي هو الزنا حتى لو
استكرهها أو استدخلت ذكره وهو نائم كانت العقوبة للزانى دون قرينه
وهذه المسألة مبسوطة فى كتب الفقه .
فإن هذا
( اٌلَِّ لَا يَنْكِحُ إِلََّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً )
والمقصود قوله
يدل على أن الزاني لا يتزوج إلا زانية أو مشركة ، وإن ذلك حرام
على المؤمنين ، وليس هذا لمجرد كونه فاجراً ، بل لخصوص كونه زانيا :
وكذلك فى المرأة ليس لمجرد فجورها بل لخصوص زنلها ، بدليل أنه
جعل المرأة زانية إذا تزوجت زانياً كما جعل الزوج زانياً إذا تزوج
زانية ، هذا إذا كانا مسلمين يعتقدان تحريم الزنا ، وإذا كانا مشركين ،
فينبغي أن يعلم ذلك . ومضمونه أن الرجل الزانى لا يجوز نكاحه
حتى يتوب ، وذلك بأن يوافق اشتراطه الإحصان ، والمرأة إذا كانت
٣١٨

زانية لا تحصن فرجها عن غير زوجها ، بل يأنيها هو وغيره كان الزوج
زانياً هو وغيره يشتركون فى وطئها ، كما تشترك الزناة فى وطئ
المرأة الواحدة ، ولهذا يجب عليه نفى الولد الذي ليس منه .
فمن نكح زانية فهو زان أي تزوجها، ومن نكحت زانياً فهي
زانية أي تزوجته؛ فإن كثيراً من الزناة قصروا أنفسهم على الزواني
فتكون المرأة خدنا وخليلا له لا يأتى غيرها ، فإن الرجل إذا كان
زانياً لا يعف امرأته ، وإذا لم يعفها تشوقت هي إلى غيره فزنت به ،
كما هو الغالب على نساء الزواني أو من يلوط بالصبيان ، فإن نساءه
يزنين ليقضين إربهن ووطرهن ، ويراغمن أزواجهن بذلك حيث لم
يعفوا أنفسهم عن غير أزواجهن ، فهن أيضاً لم يعففن أنفسهن عن غير
أزواجهن: ولهذا يقال: ((عفوا تعف نساؤكم وأبناؤكم ، وبروا آباء كم
تبركم أبناؤكم )) فإن الجزاء من جنس العمل ، وكما تدين تدان ، ومن
عقوبة السيئة السيئة بعدها ؛ فإن الرجل إذا رضى أن ينكح زانية
رضى بأن تزنى امرأته ، والله تعالى قد جعل بين الزوجين مودة
ورحمة ، فأحدهما يحب لنفسه ما يحب للآخر ، فإذا رضيت المرأة أن
تنكح زانياً فقد رضيت عمله ، وكذلك إن رضى الرجل أن ينكح
زانية فقد رضى عملها ، ومن رضي الزنا كان بمنزلة الزانى . فإن أصل
الفعل هو الإرادة، ولهذا جاء فى الآثر (( من غاب عن معصية فرضيها
٣١٩

كان كمن شهدها أو فعلها،: وفى الحديث ((المرء على دين خليله))
وأعظم الخلة خلة الزوجين .
وأيضاً فإن الله قد جعل فى نفوس بنى آدم من الغيرة ما هو
معروف ، فيستعظم الرجل أن يطأ الرجل امرأته أعظم من غيرته على
نفسه أن يزنى، فإذا لم يكره أن تكون زوجته بغياً وهو ديوث
كيف يكره أن يكون هو زان؟! ولهذا لم يوجد من هو ديوث أو
قواد يعف عن الزنا ، فإن الزانى له شهوة في نفسه ، والديوث ليس له
شهوة في زنا غيره . فإذا لم يكن معه إيمان يكره به زنا غيره بزوجته
كيف يكون معه إيمان يمنعه من الزنا ، فمن استحل أن يترك امرأته
تزنى استحل أعظم الزنا، ومن أعان على ذلك فهو كالزانى ، ومن أقر
على ذلك مع إمكان تغييره فقد رضيه ، ومن تزوج غير تائبة فقد رضي
أن تزنى إذ لا يمكنه منعها من ذلك فإن كيد النساء عظيم .
ولهذا جاز للرجل إذا أنت امرأته بفاحشة مبينة أن يعضلها
لتفتدي نفسها منه ، وهو نص أحمد وغيره ، لأنها بزناها طلبت
الاختلاع منه وتعرضت لإفساد نكاحه ، فإنه لا يمكنه المقام معها حتى
تتوب ، ولا يسقط المهر بمجرد زناها ، كما دل عليه قول النى صلى الله
عليه وسلم للملاعن لما قال: مالي، قال: ((لا مال لك عندها ، إن
كنت صادقا عليها فهو بما استحللت من فرجها ، وإن كنت كاذبا عليها
٣٢٠