النص المفهرس

صفحات 241-260

إِنَّا جَعَلْتَكَ خَلِيفَةً فِ الْأَرْضِ فَأَحْكُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَنَِّعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ)
ونحو ذلك .
فإن أصل الفطرة التي فطر الناس عليها إذا سلمت من الفساد
[ إذا] رأت الحق اتبعته وأحبته . إذ الحق نوعان:
حق موجود فالواجب معرفته والصدق في الإخبار عنه ، وضد ذلك
الجهل والكذب .
وحق مقصود ، وهو النافع للإنسان ، فالواجب إرادته والعمل به
وضد ذلك إرادة الباطل واتباعه .
ومن المعلوم أن الله خلق فى النفوس محبة العلم دون الجهل ومحبة
الصدق دون الكذب ، ومحبة النافع دون الضار ، وحيث دخل ضد
ذلك فلمعارض من هوى وكبر وحسد ونحو ذلك ، كما أنه فى صالح
الجسد خلق الله فيه محبة الطعام والشراب الملائم له دون الضار ، فإذا
اشتهى ما يضره أوكره ما ينفعه فلمرض فى الجسد، وكذلك
أيضاً إذا اندفع عن النفس المعارض من الهوى والكبر والحسد وغير
ذلك : أحب القلب ما ينفعه من العلم النافع والعمل الصالح ، كما أن
٢٤١

الجسد إذا اندفع عنه المرض أحب ما ينفعه من الطعام والشراب ، فكل
واحد من وجود المقتضى وعدم الدافع : سبب للآخر ، وذلك سبب
لصلاح حال الإنسان ، وضدهما سبب لضد ذلك ، فإذا ضعف العلم
غلبه الهوى (١) الإنسان، وإن وجد العلم والهوى وهما المقتضى والدافع
فالحكم للغالب.
وإذا كان كذلك فصلاح بنى آدم الإيمان والعمل الصالح، ولا يخرجهم
عن ذلك إلا شيئان :
أحدهما : الجهل المضاد للعلم فيكونون ضلالا ،.
والثانى اتباع الهوى والشهوة اللذين فى النفس ، فيكونون غواة
مغضوبا عليهم؛ ولهذا قال: ( وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَاضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَاغَوَى )
وقال: (( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من
بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ )) فوصفهم بالرشد الذي هو
خلاف الغي ، وبالهدى الذي هو خلاف الضلال ، وبهما يصلح العلم
والعمل جميعاً ، ويصير الإنسان عالماً عادلا ، لا حاهلا ولا ظالماً .
(١) بياض بالأصل.
٢٤٢

وم في الصلاح على ضربين :
تارة يكون العبد إذا عرف الحق وتبين له اتبعه وعمل به ، فهذا
هو الذي يدعى بالحكمة وهو الذي يتذكر ، وهو الذي يحدث له
القرآن ذكراً .
والثانى أن يكون له من الهوى والمعارض ما يحتاج معه إلى الخوف
الذى ينهى النفس عن الهوى ؛ فهذا يدعى بالموعظة الحسنة وهذا هو
القسم الثانى المذكور فى قوله: ( أَوْيَخْشَى ) وفي قوله (لَعَلَّهُمْ يَنَّقُونَ)
(أَذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى *
وقد قال فى السورة فى قصة فرعون :
فجمع بين
فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَنْ تَزََّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَنَخْشَى )
التزكي والهدى والخشية ، كما جمع بين العلم والخشية في قوله :
( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَؤُأ ) وفى قوله: (وَفِ نُتَّخَتِهَا هُدَّى وَرَحْمَةٌ
لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِهِمْ يَرْهَبُونَ) وفى قوله: (وَلَوْأَنَّهُمْ فَعَلُواْمَا يُوعَظُونَ بِهِ، لَكَانَ خَيْرًا
لَهُمْ وَأَشَدَّ تَنْبِيتًا * وَإِذَا لََّ تَيْنَهُمْ مِن لَّدُنَّا أَجْرًاً عَظِيمًا * وَلَهَدَيْنَهُمْ صِرَاطًا
مُسْتَقِيمًا ) .
وذلك لما ذكرناه من أن كل واحد من العلم بالحق الذي يتضمنه
التذكر . والذكر الذي يحدثه القرآن ، ومن الخشية المانعة من اتباع
الهوى سبب لصلاح حال الإنسان ، وهو مستلزم للآخر إذا قوي على
٢٤٣

ضده، فإذا قوي العلم والتذكر دفع الهوى ، وإذا اندفع الهوى بالخشية
أبصر القلب وعلم. وهاتان هما الطريقة العلمية والعملية ، كل منهما إذا
صحت تستلزم ما تحتاج إليه من الأخرى، وصلاح العبد ما يحتاج إليه
ويجب عليه منها جميعاً؛ ولهذا كان فساده بانتفاء كل منهما. فإذا انتفى
العلم الحق كان ضالا غير مهتد ، وإذا انتفى اتباعه كان غاويا
مغضوبا عليه .
(صِرَطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ
ولهذا قال :
وَلَا الضَّآلّينَ) وقال: ( وَالنَّجْمِ إِذَاهَوَى * مَاضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ
( إِن
وقال فى ضد ذلك :
عَنِ الْمَوَىَ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى)
( وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ أَتَبَعَ
وقال :
يَتَّبِعُونَ إِلََّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى اَلْأَنفُسُ )
هَوَهُ بِغَيْرِ هُدَّى مِّنَ اللَّهِ) وقال: (وَإِذَّ كَثِيرُ الَّضِلُونَ بِأَهْوَابِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ )
وقال فی ضده :
وقال: (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى)
( وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّلَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى)
وقال: ( أُوْلَئِكَ عَلَى هُدَّى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ )
( إِنَّاُلْمُجْرِمِينَ فِ ضَلَلٍ وَسُعُرٍ ) قال ابن عباس :
وقال فی ضده :
« تكفل الله لمن قرأ القرآن واتبع ما فيه أن لا يضل في الدنيا ولا
يشقى فى الآخرة )).
فهو سبحانه يجمع بين الهدى والسعادة وبين الضلال والشقاوة
٢٤٤

بين حسنة الدنيا والآخرة ، وسيئة الدنيا والآخرة ، ويقرن بين العلم
النافع والعمل الصالح ، بين العلم الطيب والعمل الصالح ، كما يقرن بين
ضديهما وهو ((الضلال))، و((الغي)): اتباع الظن وما تهوى الأنفس.
والقرينان متلازمان عند الصحة والسلامة من المعارض ، وقد يتخلف
أحدهما عن الآخر عند المعارض الراجح .
فلهذا إذا كان فى مقام الذم والنهي والاستعاذة ، كان النم والنهى
لكل منها : من الضلال والغي : من الجهل والظلم : من
الضلال والغضب ، ولأن كلا منها صار مكروها مطلوب العدم ، لاسيما
وهو مستلزم للآخر ، وأما فى مقام الحمد والطلب ومنة الله فقد يطلب
أحدهما وقد يطلب كل منها ، وقد يحمد أحدهما وقد يحمد كل منها
لأن كلا منها خير مطلوب محمود، وهو سبب لحصول الآخر ؛ لكن
كمال الصلاح يكون بوجودهما جميعاً ، وهذا قد يحصل له إذا حصل
أحدهما ولم يعارضه معارض ، والداعي للخلق الآمر لهم يسلك بذلك
طريق الرفق واللين ، فيطلب أحدهما لأنه مطلوب في نفسه ، وهو
سبب للآخر ، فإن ذلك أرفق من أن يأمر العبد بها جميعا ، فقد
يثقل ذلك عليه والأمر بناء والنهي هدم ، والأمر هو يحصل العافية
بتناول الأدوية ، والنهي من باب الحمية، والبناء والعافية تأتي شيئاً بعد
شيء، وأما الهدم فهو أعجل ، والهمية أعم ، وإن كان قد يحصل فيها
٢٤٥

ترتيب أيضاً ، فكيف إذا كان كل واحد من الأمرين سباً وطريقاً إلى
حصول المقصود مع حصول الآخر .
فقوله سبحانه: (لَعَلَّهُ يَذَكَّرُ أَوَيَخْشَى) وقوله: (لَعَلَّهُمْ يَنَّقُونَ
طلب وجود أحد الأمرين بتبليغ الرسالة .
أَوْيُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا )
وجاء بصيغة : ( لعل ) تسهيلا للأمر ورفقاً وبياناً، لأن حصول أحدهما
طريق إلى حصول المقصود ، فلا يطلبان جميعاً فى الابتداء ، ولهذا جاء
فى الأثر: ((إن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها ، وإن من عقوبة السيئة
السيئة بعدها)) لاسيما أصول الحسنات التى تستلزم سارها ، مثل
الصدق فإنه أصل الخير ، كما في الصحيحين عن ابن مسعود عن النبى
صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي
إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق
حتى يكتب عند الله صديقاً، وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور
وإن الفجور يهدي إلى النار ، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب
حتى يكتب عند الله كذاباً ))
(هَلْ أُنَبِئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ*
ولهذا قال سبحانه :
تَُّ عَلَى كُلِ أَفَاءٍ أَشِيمٍ ) وقال: (وَيْلٌ لِكُل ◌َفَّ ◌ٍ أَشِ * يَسْمَعُ ءَايَتِ اللَّهِ تُغْلَى عَلَيْهِ
ثُمَّيُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا )
ولهذا يذكر أن
٢٤٦

بعض المشايخ أراد أن يؤدب بعض أصحابه الذين لهم ذنوب كثيرة فقال :
يا بني : أنا آمرك بخصلة واحدة فاحفظها لي ، ولا آمرك الساعة بغيرها
التزم الصدق وإياك والكذب ، وتوعده على الكذب بوعيد شديد ،
فلما التزم ذلك الصدق دعاه إلى بقية الخير ونهاه عما كان عليه ، فإن
الفاجر لا حد له فى الكذب .
٢٤٧

قال شيخ الإسلام تقى الدين أحمد بن تيمية
رحمه الله تعالى
فصل
فى قوله تعالى: (إِنْ هَذَانِ لَسَحِرَنِ). فإن هذا مما أشكل
على كثير من الناس ، فإن الذي فى مصاحف المسلمين (إِنْ هَذَانِ )
بالألف، وبهذا قرأ جماهير القراء، وأكثرم يقرأ ( إنَّ) مشددة وقرأ ابن
كثير وحفص عن عاصم ( إن ) مخففة ، لكن ابن كثير يشدد نون
( هَذَانِ ) دون حفص، والإشكال من جهة العربية على القراءة
المشهورة، وهي قراءة نافع وابن عامر وحمزة والكسائي، وأبى بكر عن
عاصم ، وجمهور القراء عليها ، وهي أصح القراءات لفظاً ومعنى .
وهذا يتبين بالكلام على ما قيل فيها .
فإن منشأ الإشكال : أن الاسم المثنى يعرب فى حال النصب
والخفض بالياء ، وفى حال الرفع بالألف ، وهذا متواتر من لغة العرب :
٢٤٨

لغة القرآن وغيرها في الأسماء المبنية، كقوله: (وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا
السُّدُسُ مِمَاتَرَكَ ) ثم قال (فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُوَلَهٌ وَوَرِتَّهُ أَبَوَهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ)
( وَأَمْسَحُواْ
وقال :
وقال: ( وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ )
ولم يقل : الكعبان ، وقال :
بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ )
(وَأَضْرِبْ لَمُمُ مَّثَلاَ أَصْحَبَ الْقَرْبَةِ إِذْجَآءَ هَا الْمُرْسَلُونَ * إِذْأَ رْسَلْنَآ إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ
ولم يقل : اثنان، وقال : ( قُلْنَا
فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَاِشَالِثٍ )
أُحِلْ فِيهَا مِن كُلٍ زَوْجَيْنِ آَثْنَيْنِ ).
وقال :
(ثَمَنِيَةَ أَزْوَجٍ مِنَ
الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنثَّيَيْنِ أَمَّا أُشْتَمَلَتْ
ولم يقل : اثنان ، ولا الذكران
عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ )
والأنثيان، وقال: (وَمِن كُلِّشَىْءٍ خَفْنَا زَوْجَيْنِ ) ولم يقل: زوجان
وقال: (فَإِنَ كُنَّذِسَاءُ فَوْقَ اثْنَتَيْنِ ) ولم يقل : اثنتان .
ومثل هذا كثير مشهور فى القرآن وغيره .
فظن النحاة أن الأسماء المبهمة المبنية مثل هذين واللذين تجري
هذا المجرى ، وأن المبني فى حال الرفع يكون بالألف ، ومن هنا
نشأ الإشكال .
وكان أبو عمرو إماماً فى العربية فقرأ بما يعرف من العربية: إن
هذين لساحران . وقد ذكر أن له سلفاً فى هذه القراءة ، وهو الظن
٢٤٩

به : أنه لا يقرأ إلا بما يرويه ، لا بمجرد ما يراه ، وقد روي عنه أنه
قال: إنى لأستحيي من الله أن أقرأ: (إِنْ هَذَانِ ) وذلك لأنه لم
ير لها وجهاً من جهة العربية ، ومن الناس من خطأ أبا عمرو فى هذه
القراءة ، ومنهم الزجاج، قال : لا أجيز قراءة أبي عمرو ، خلاف المصحف.
وأما القراءة المشهورة الموافقة لرسم المصحف فاحتج لها كثير من
النحاة بأن هذه لغة بني الحارث بن كعب ، وقد حكى ذلك غير واحد
من أئمة العربية. قال المهدوي : بنو الحارث بن كعب يقولون : ضربت
الزيدان ، وحررت بالزيدان ، كما نقول : جاءنى الزيدان : قال المهدوي:
حكى ذلك أبو زيد والأخفش والكسائى والفراء، وحكى أبو الخطاب
أنها لغة بني كنانة ، وحكى غيره أنها لغة الخثعم ، ومثله قول الشاعر:
دعته إلى هاوي التراب عقيم
تزود منا بين أذناه ضربة
وقال ابن الأنباري : هي لغة لبني الحارث بن كعب وقريش ، قال
الزجاج : وحكى أبو عبيدة عن أبي الخطاب - وهو رأس من رؤوس
الرواة - أنها لغة لكنانة يجعلون ألف الاثنين فى الرفع والنصب
والخفض على لفظ واحد ، وأنشدوا :
فأطرق إطراق الشجاع ولو يجد
مساغا لتاباه الشجاع الصمما
٢٥٠

وقال : ويقول هؤلاء : ضربته بين أذناه .
قلت بنو الحارث بن كعب م أهل نجران ، ولا ريب أن
القرآن لم ينزل بهذه اللغة بل المتى من الأسماء المبنية فى جميع
القرآن هو بالياء فى النصب والجر كما تقدمت شواهده . وقد
ثبت فى الصحيح عن عثمان أنه قال: إن القرآن نزل بلغة
قريش ، وقال للرهط القرشيين الذين كتبوا المصحف م وزيد : إذا
اختلفتم فى شيء فاكتبوه بلغة قريش ؛ فإن القرآن نزل بلغتهم ، ولم
يختلفوا إلا فى حرف ، وهو ( التابوت ) فرفعوه إلى عثمان ، فأمر
أن يكتب بلغة قريش رواه البخاري في صحيحه .
وعن أنس أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان ، وكان يغازي
أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق ، فأفزع حذيفة
اختلافهم فى القراءة ، فقال حذيفة لعثمان : يا أمير المؤمنين أدرك هذه
الأمة قبل أن يختلفوا فى الكتاب اختلاف اليهود والنصارى ، فأرسل
إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم تردها
إليك فأرسلت بها حفصة إلى عثمان ، فأمر زيد بن ثابت ، وعبد الله
ابن الزبير ، وسعيد بن العاص ، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام،
فنسخوها فى المصاحف ، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة : إذا
اختلفتم وزيد بن ثابت فى شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش .
٢٥١

فإنمانزل بلسانهم ففعلوا ، حتى [إذا ] نسخوا الصحف فى المصاحف رد عثمان
الصحف إلى حفصة ، فأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا ، وأمر
بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق .
وهذه الصحيفة التى أخذها من عند حفصة هي التى أُمر أبو بكر
وعمر بجمع القرآن فيها لزيد بن ثابت ، وحديثه معروف فى الصحيحين
وغيرهما ، وكانت بخطه ؛ فلهذا أمر عثمان أن يكون هو أحد من ينسخ
المصاحف من تلك الصحف ، ولكن جعل معه ثلاثة من قريش ليكتب
بلسانهم ، فلم يختلف لسان قريش والأنصار إلا في لفظ ( التابوه )
و (التابوت) فكتبوه (التابوت ) بلغة قريش .
وهذا يبين أن المصاحف التى نسخت كانت مصاحف متعددة ،
وهذا معروف مشهور ، وهذا مما يبين غلط من قال فى بعض الألفاظ :
إنه غلط من الكاتب ، أو نقل ذلك عن عثمان ؛ فإن هذا
ممتنع لوجوه .
منها : تعدد المصاحف ، واجتماع جماعة على كل مصحف ، ثم
وصول كل مصحف إلى بلد كبير فيه كثير من الصحابة والتابعين يقرؤون
القرآن ويعتبرون ذلك بحفظهم ، والإنسان إذا نسخ مصحفاً غلط فى
بعضه عرف غلطه بمخالفة حفظه القرآن وسائر المصاحف ، فلو قدر أنه
٢٥٢

كتب كاتب مصحفاً ثم نسخ سائر الناس منه من غير اعتبار للأول
والثانى أمكن وقوع الغلط فى هذا ، وهنا كل مصحف إنما كتبه جماعة
ووقف عليه خلق عظيم ممن يحصل التواتر بأقل منهم ، ولو قدر أن
الصحيفة كان فيها لحن فقد كتب منها جماعة لا يكتبون إلا بلسان
قريش ، ولم يكن لحناً ، فامتنعوا أن يكتبوه إلا بلسان قريش، فكيف
يتفقون كلهم على أن يكتبوا: (إِنْ هَذَنِ ) وهم يعلمون أن ذلك لحن
لا يجوز في شيء من لغاتهم، أو: (الْمُعِيِمِينَ الصَّلَوةَ) وهم يعلمون أن
ذلك لحن ، كما زعم بعضهم .
قال الزجاج فى قوله: ( الْمُقِيمِينَ الصَّلَوةَ ) : قول من قال : إنه
خطأ - بعيد جداً؛ لأن الذين جمعوا القرآن م أهل اللغة والقدوة ،
فكيف يتركون شيئاً يصلحه غيرم ، فلا ينبغي أن ينسب هذا إليهم ،
وقال ابن الأنبارى : حديث عثمان لا يصح لأنه غير متصل ومحال أن
يؤخر عثمان شيئا ليصلحه من بعده .
قلت : ومما يبين كذب ذلك : أن عثمان لو قدر ذلك فيه ، فإنما
رأى ذلك في نسخة واحدة ، فإما أن تكون جميع المصاحف اتفقت على
الغلط ، وعثمان قد رآه فى جميعها وسكت : فهذا ممتنع عادة وشرعا :
من الذين كتبوا ، ومن عثمان ، ثم من المسلمين الذين وصلت إليهم
المصاحف ورأوا ما فيها ، وهم يحفظون القرآن ، ويعلمون أن فيه لحناً
٢٥٣

لا يجوز في اللغة ، فضلاً عن التلاوة ، وكلهم يقر هذا المنكر لا يغيره
أحد، فهذا مما يعلم بطلانه عادة ، ويعلم من دين القوم الذين لا يجتمعون
على ضلالة ؛ بل بأمرون بكل معروف وينهون عن كل منكر أن يدعوا
فى كتاب الله منكراً لا يغيره أحد منهم ، مع أنهم لاغرض لأحد منهم
فى ذلك ، ولو قيل لعثمان : مر الكاتب أن يغيره لكان تغييره من
أسهل الأشياء عليه .
فهذا ونحوه مما يوجب القطع بخطأ من زعم أن فى المصحف لخاً
أو غلطاً، وإن نقل ذلك عن بعض الناس ممن ليس قوله حجة ، فالخطأ
جائز عليه فيما قاله ؛ بخلاف الذين نقلوا ما فى المصحف وكتبوه وقرأوه
فإن الغلط ممتنع عليهم في ذلك ، وكما قال عثمان: إذا اختلفتم في شيء
فاكتبوه بلغة قريش ، وكذلك قال عمر لابن مسعود أقرئ الناس بلغة
قريش ولا تقرئهم بلغة هذيل ؛ فإن القرآن لم ينزل بلغة هذيل .
وقوله تعالى فى القرآن: (وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ)
يدل على ذلك ، فإن قومه م قريش، كما قال: (وَكَذَبَ بِهِ، قَوْمُكَ وَهُوَ
اَلْحَقُ) . وأما كنانة فهم جيران قريش ، والناقل عنهم ثقة ، ولكن الذي
ينقل ينقل ما سمع ، وقد يكون سمع ذلك في الأسماء المبهمة المبنية فظن
أنهم يقولون (ذلك] في سائر الأسماء؛ بخلاف من سمع (( بين أذناه))
و ((لناباه)) فإن هذا صريح فى الأسماء التى ليست مبهمة.
٢٥٤

وحينئذ فالذي يجب أن يقال : إنه لم يثبت أنه لغة قريش ؛ بل
ولا لغة سائر العرب : أنهم ينطقون فى الأسماء المبهمة إذا ثنيت بالياء ،
وإنما قال ذلك من قاله من النحاة قياساً ، جعلوا باب التثنية فى الأسماء
المبهمة كما هو فى سائر الأسماء ، وإلا فليس فى القرآن شاهد يدل على
ما قالوه ، وليس فى القرآن اسم مبهم مبني فى موضع نصب أو خفض
إلا هذا ، ولفظه (هذان) فهذا نقل ثابت متواتر لفظاً ورسماً .
ومن زعم أن الكاتب غلط فهو الغالط غلطاً منكراً، كما قد بسط
فى غير هذا الموضع ، فإن المصحف منقول بالتواتر ، وقد كتبت عدة
مصاحف ، وكلها مكتوبة بالألف ، فكيف يتصور فى هذا غلط .
وأيضاً فإن القراء إنما قرأوا بما سمعوه من غيره ، والمسلمون كانوا
يقرأون ( سورة طه ) على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبى
بكر وعمر وعثمان وعلي، وهي من أول ما نزل من القرآن ، قال ابن مسعود
بنو إسرائيل والكهف ومريم وطه والأنبياء من العناق الأول ، وهن
من تلادى . رواه البخاري عنه . وهي مكية باتفاق الناس ، قال أبو
الفرج وغيره : هى مكية بإجماعهم ؛ بل هي من أول مانزل ، وقد
روى : أنها كانت مكتوبة عند أخت عمر ، وأن سبب إسلام عمر كان
لما بلغه إسلام أخته ، وكانت السورة تقرأ عندها .
٢٥٥

فالصحابة لابد أن قد قرأوا هذا الحرف، ومن الممتنع أن يكونوا
كلهم قرأوه بالياء كأبي عمرو ، فإنه لو كان كذلك لم يقرأها أحد إلا
بالياء ، ولم تكتب إلا بالياء ، فعلم أنهم أو غالبهم كانوا يقرؤونها بالألف كما
قرأها الجمهور ، وكان الصحابة بمكة والمدينة والشام والكوفة والبصرة يقرؤون
هذه السورة في الصلاة وخارج الصلاة ، ومنهم سمعها التابعون ، ومن
التابعين سمعها تابعوم ، فيمتنع أن يكون الصحابة كلهم قرؤوها بالياء
مع أن جمهور القراء لم يقرأوها إلا بالألف ، وهم أخذوا قراءتهم عن
الصحابة ، أو عن التابعين عن الصحابة ، فهذا مما يعلم به
قطعاً أن عامة الصحابة إنما قرؤوها بالألف كما قرأ الجمهور ، وكما
هو مكتوب .
وحينئذ فقد علم أن الصحابة إنما قرأوا كما علمهم الرسول ، وكما
هو لغة للعرب ، ثم لغة قريش ، فعلم أن هذه اللغة الفصيحة المعروفة
عندهم فى الأسماء المبهمة تقول : إن هذان ، وحررت بهذان : تقولها فى
الرفع والنصب والخفض بالألف ، ومن قال إن لغتهم أنها تكون في
الرفع بالألف طولب بالشاهد على ذلك والنقل عن لغتهم المسموعة منهم
نثراً ونظا ، وليس فى القرآن ما يشهد له ، ولكن عمدته القياس .
وحينئذ فنقول :
٢٥٦

قياس هذا بغيرها من الأسماء غلط ، فإن الفرق بينهما ثابت عقلاً
وسماءا : أما النقل والسماع فكما ذكرناه ، وأما العقل والقياس فقد
تفطن للفرق غير واحد من حذاق النحاة فحكى ابن الأنباري وغيره
عن الفراء قال: ألف التثنية فى ((هذان)) هي ألف هذا ، والنون
فرقت بين الواحد والإثنين ، كما فرقت بين الواحد والجمع نون الذين
وحكاه المهدوي وغيره عن الفراء ، ولفظه قال : إنه ذكر أن الألف
ليست علامة التثنية بل هي ألف هذا، فزدت عليها نوناً ، ولم أغيرها ،
كما زدت على الياء من الذي فقلت الذين فى كل حال ، قال وقال بعض
الكوفيين: الألف في هذا مشبهة يفعلان فلم تغير كما [ لم ] تغير.
قال: وقال الجرجاني : لما كان اسماً على حرفين أحدهما حرف مد
ولين ، وهو كالحركة . ووجب حذف إحدى الألفين في التثنية لم يحسن
حذف الأولى ؛ لئلا يبقى الاسم على حرف واحد ، محذف علم التثنية ،
وكان النون يدل على التثنية ، ولم يكن لتغيير النون الأصلية الألف
وجه ، فثبت فى كل حال كما يثبت فى الواحد . قال المهدوي : وسأل
إسماعيل القاضي ابن كيسان عن هذه المسألة فقال : لما لم يظهر فى المبهم
إعراب في الواحد ولا في الجمع جرت التثنية على ذلك مجرى الواحد،
إذ التثنية يجب أن لا تغير ، فقال إسماعيل: ما أحسن ما قلت لوتقدمك
أحد بالقول فيه حتى يؤنس به ! فقال له ابن كيسان : فليقل القاضي
٢٥٧

حتى يؤنس به ، فتبسم !!.
قلت : بل تقدمه الفراء وغيره ، والفراء في الكوفيين مثل سيبويه
فى البصريين ؛ لكن إسماعيل كان اعتماده على نحو البصريين، والمبرد كان
خصيصاً به .
وبيان هذا القول: أن المفرد ((ذا)) فلو جعلوه كسائر الأسماء
لقالوا في التثنية: ((ذوان))، ولم يقولوا: ((ذان)) كما قالوا عصوان
ورجوان ونحوهما من الأسماء الثلاثية، ((وها)) حرف تنبيه ، وقد قالوا فيما
حذفوا لامه : أبوان ، فردته التثنية إلى أصله ، وقالوا فى غير هذا (١)
ويدان وأما ( ذا)) فلم يقولوا ((ذوان)) بل قالوا (١) كما فعلوا فى ((ذو))
و ((ذات)) التى بمعنى صاحب فقالوا: هو ذو علم . وهما ذوا علم ، كما
قال: ( ذَوَاتَا أَقْنَانٍ) وفى اسم الإشارة قالوا: ((ذان)) و((تان)) كما
قال: ( فَذَنِكَ بُرْهَنَانِ مِن رَّكَ) فإن ((ذا)) بمعنى صاحب هو اسم
معرب ، فتغير إعرابه فى الرفع والنصب والجر ، فقيل : ذو ،
وذا ، وذي .
وأما المستعمل فى الإشارة والأسماء الموصولة والمضمرات هي مبنية ؛
(١) بياض بالأصل
٢٥٨

لكن أسماء الإشارة لم تفرق لا في واحده ولا في جمعه بين حال الرفع
والنصب والخفض ، فكذلك في تثنيته ؛ بل قالوا : قام هذا وأ كرمت
هذا ، ومررت بهذا، وكذلك هؤلاء في الجمع ، فكذلك المثنى ، قال :
هذان ، وأكرمت هذان ، ومررت بهذان، فهذا هو القياس فيه أن
بلحق مثناه بمفرده وبمجموعه ، لا يلحق بمثنى غيره الذي هو أيضاً معتبر
بمفرده ومجموعه .
فالأسماء المعربة ألحق مثناها بمفردها ومجموعها تقول : رجل ،
ورجلان ، ورجال ، فهو معرب في الأحوال الثلاثة : يظهر الإعراب
فی مثناه ، کما ظهر فى مفرده ومجموعه .
فتبين أن الذين قالوا : إن مقتضى العربية أن يقال : إن هذين
ليس معهم بذلك نقل عن اللغة المعروفة فى القرآن التى نزل بها القرآن؛
[ بل ] هي أن يكون المثنى من أسماء الإشارة مبنياً فى الأحوال الثلاثة
على لفظ واحد ، كمفرد أسماء الإشارة ومجموعها .
وحينئذ فإن قيل : إن الألف هى ألف المفرد زيد عليها النون ،
أو قيل : هي علم للثثنية وتلك حذفت ، أو قيل ، بل هذه الألف
يجمع هذا ، وهذا معنى جواب ابن كيسان ، وقول الفراء مثله
فى المعنى ، وكذلك قول الجرجانى ، وكذلك قول من قال : إن الألف
فيه تشبه ألف يفعلان .
٢٥٩

ثم يقال: قد يكون الموصول كذلك كقوله: (وَالَّذَانِ يَأْتِيَنِهَا مِنكُمْ)
فإن ثبت أن لغة قريش أنهم يقولون رأيت الذين فعلا ، ومررت
باللذين فعلا، وإلا فقد يقال: هو بالألف في الأحوال الثلاثة ؛ لأنه
اسم مبني ، والألف فيه بدل الياء فى الذين ، وما ذكره الفراء وابن
كيسان وغيرهما يدل على هذا ؛ فان الفراء شبه هذا بالذين ، وتشبيه
اللذان به أولى ، وابن كيسان علل بأن المبهم مبنى لا يظهر فيه الإعراب،
فجعل متناه كمفرده ومجموعه ، وهذا العلم يأتى فى الموصول .
يؤيد ذلك: أن المضمرات من هذا الجنس ، والمرفوع والمنعوب
لهما ضمير متصل ومنفصل ؛ بخلاف المجرور فإنه ليس له إلا متصل ؛
لأن المجرور لا يكون إلا بحرف ، أو مضاف لا يقدم على عامله ، فلا
ينفصل عنه ، فالضمير المتصل فى الواحد الكاف من أكرمتك وحررت
بك ، وفى الجمع أكرمتكم ومررت بكم ، وفى التثنية زيدت الألف فى
النصب والجر فيقال : أكرمتكما وحررت بكما ، كما نقول فى الرفع ،
ففي الواحد والجمع فعلت وفعلتم ، وفى التثنية فعلتما بالألف وحدها
زيدت علما على التثنية فى حال الرفع والنصب والجر ، كما زيدت فى
المنفصل فى قوله ((إياكما)) و((أنتما)).
فهذا كله مما يبين أن لفظ المثنى فى الأسماء المبنية فى الأحوال
الثلاثة نوع واحد : لم يفرقوا بين مرفوعه وبين منصوبه ومجروره ،
٢٦٠