النص المفهرس
صفحات 181-200
أَلَمْ تَعْلَمُواْ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْأَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ الَّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَعَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِى أَبِ أَوْ يَحْكُمُ اللَّهُلِىِ وَهُوَ خَيْرُ الْحَكِمِينَ) وقد يقال : الاستيئاس ليس هو الإياس : لوجوه : ((أحدها)) أن إخوة يوسف لم ييأسوا منه بالكلية ، فإن قول كبيرهم: ( فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِى أَبِىّ أَوْ يَحْكُمُ اللَّهُ لِى وَهُوَ خَيْرُالْحَكِمِينَ) دليل على أنه يرجو أن يحكم الله له ، وحكمه هنا لا بد أن يتضمن تخليصنا ليوسف منهم ، وإلا فحكمه له بغير ذلك لا يناسب قعوده في مصر لأجل ذلك . وأيضاً: فـ ((اليأس)) يكون في الشيء الذي لا يكون، ولم يجيء ما يقتضى ذلك، فإنهم قالوا: (قَالُواْيَّأَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّلَهُ أَبَا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّانَئِكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ* قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ تَّأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَعَنَا عِندَهُ وَإِنَّا إِذَا لَظَلِمُونَ) فامتنع من تسليمه إليهم . ومن المعلوم أن هذا لا يوجب القطع بأنه لا يسلم إليهم ، فإنه يتغير عزمه ونيته ، وما أكثر تقليب القلوب ، وقد يتبدل الأمر بغيره حتى يصير الحكم إلى غيره ، وقد يتخلص بغير اختياره ، والعادات قد جرت بهذا على مثل من عنده من قال لا يعطيه . فقد ١٨١ يعطيه ، وقد يخرج من يده بغير اختياره ، وقد يموت عنه فيخرج ، والعالم مملوء من هذا . ((الوجه الثانى)) قال لهم يعقوب: (يَبَنِىَّ أَذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَأْيِئَسُواْ مِن رَّوْجِاللَّهِ إِنَّهُ لَا يَأْيِفَسُ مِنْ زَّوْجِاللَّهِإِلَّا الْقَوْمُ الْكَفِرُونَ ). قتهام عن اليأس من روح الله ، ولم ينههم عن الاستيئاس ، وهو الذي كان منهم . وأخبر أنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون . ومن المعلوم أنهم لم يكونوا كافرين فهذا هو ((الوجه الثالث )» أيضاً . وهو أنه أخبر أنه (لَا يَأْيِكَسُ مِن رَّوْجِالهِإلَّا الْقَوْمُ الْكَفِرُونَ ) فيمتنع أن يكون للأنبياء يأس من روح الله ، وأن يقعوا فى الاستيئاس بل المؤمنون ما داموا مؤمنين لا ييأسون من روح الله ، وهذه السورة تضمنت ذكر المستيئسين ، وأن الفرح جاءهم بعد ذلك ، لئلا ييأس المؤمن ؛ ولهذا فيها : (لَقَدْكَانَ فِى قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأَوْلِ الْأَلْبَابِ ) فذكر استيئاس الإخوة من أخي يوسف وذكر استئاس الرسل يصلح أن يدخل فيه ما ذكره ابن عباس ، وما ذكرته عائشة جميعاً . (( الوجه الرابع)) أن الاستيئاس استفعال من اليأس ، والاستفعال ١٨٢ يقع على وجوه : يكون لطلب الفعل من الغير ، فالاستخراج والاستفهام والاستعلام يكون في الأفعال المتعدية ، يقال : استخرجت المال من غيري ، وكذلك استفهمت ، ولا يصلح هذا أن يكون معنى الاستيئاس ، فإن أحدا لا يطلب اليأس ويستدعيه ؛ ولأن استيأس فعل لازم لا متعدي . ويكون للاستفعال لصيرورة المستفعل على صفة غيره ، وهذا يكون فى الأفعال اللازمة كقولهم : استحجر الطين ، أي صار كالحجر. واستوق الفحل ، أي صار كالناقة . وأما النظر فيما استيأسوا منه، فإن الله تعالى ذكر ذلك في قصة إخوة يوسف حيث قال: ( فَلَمَّا أَسْتَيْئَسُواْمِنْهُ ) وأما الرسل فلم يذكر ما استيأسوا منه ، بل أطلق وصفهم بالاستيئاس ، فليس لأحد أن يقيده بأنهم استيأسوا مما وعدوا به ، وأخبروا بكونه ، ولا ذكر ابن عباس ذلك . وثبت أن قوله : (وَظَنُّوَاْأَنَّهُمْ قَدْكُذِبُواْ ) لا يدل على ظاهره، فضلا عن باطنه : أنه حصل فى قلوبهم مثل تساوى الطرفين فيما أخبروا به ، فإن لفظ الظن في اللغة لا يقتضى ذلك ؛ بل يسمى ظناً ما هو من أكذب الحديث عن الظان : لكونه أمرا مرجوحا في نفسه . واسم ١٨٣ اليقين والريب والشك ومحوها يتناول على القلب وعمله وتصديقه ، وعدم تصديقه وسكينته وعدم سكينته، ليست هذه الأمور بمجرد العلم فقط، كما يحسب ذلك بعض الناس ، كما نبهنا [ عليه ] في غير هذا الموضع . إذ المقصود هنا الكلام على قوله: ( حَتَّى إِذَا أُسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ ). فإذا كان الخبر عن استيئاسهم مطلقاً فمن المعلوم أن الله إذا وعد الرسل والمؤمنين بنصر مطلق - كما هو غالب إخباراته - لم يقيد زمانه ولا مكانه ، ولا سنته ، ولا صفته ، فكثيرا ما يعتقد الناس فى الموعود به صفات أخرى لم ينزل عليها خطاب الحق ، بل اعتقدوها بأسباب أخرى ، كما اعتقد طائفة من الصحابة إخبار النبى صلى الله عليه وسلم لهم أنهم يدخلون المسجد الحرام ، ويطوفون به ، أن ذلك يكون عام الحديبية ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم خرج معتمرا ، ورجا أن يدخل مكة ذلك العام ، ويطوف ويسعى . فلما استيأسوا من دخوله مكة ذلك العام - لما صدم المشركون، حتى قاضام النبي صلى الله عليه وسلم على الصلح المشهور - بقي فى قلب بعضهم شيء ، حتى قال عمر للنبي صلى الله عليه وسلم: ألم يخبرنا أنا ندخل البيت ونطوف؟ قال: ((بلى. فأخبرتك أنك تدخله هذا العام؟ . قال: لا . قال: فإنك داخله ومطوف )) وكذلك قال له أبو بكر . وكان أبو بكر رضى الله عنه أكثر علما وإيماناً من عمر، حتى تاب ١٨٤ عمر مما صدر منه، وإن كان عمر - رضى الله عنه - محدثاً كما حاء فى الحديث الصحيح، أنه قال صلى الله عليه وسلم: ((قد كان فى الأمم قبلكم محدثون ، فإن يكن فى أمتى أحد فعمر )) فهو - رضي الله عنه - المحدث الملهم، الذي ضرب الله الحق على لسانه وقلبه؛ ولكن مزية التصديق الذي هو أكمل متابعة للرسول ، وعلماً وإيماناً بما جاء به ، درجته فوق درجته ؛ فلهذا كان الصديق أفضل الأمة ، صاحب المتابعة للآثار النبوية ، فهو معلم لعمر ، ومؤدب للمحدث منهم الذي يكون له من ربه إلهام وخطاب كما كان أبو بكر معلماً لعمر ومؤدبا له حيث قال له : فأخبرك أنك تدخله هذا العام ؟ قال : لا قال إنك آنيه ومطوف . فبين له الصديق أن وعد النبى صلى الله عليه وسلم مطلق غير مقيد بوقت ، وكونه سعى فى ذلك العام وقصده لا يوجب أن يعنى ما أخبر به ؛ فإنه قد يقصد الشىء ولا يكون ؛ بل يكون غيره ؛ إذ ليس من شرط النبى صلى الله عليه وسلم أن يكون كما قصده ؛ بل من تمام نعمة ربه عليه أن يقيده عما يقصده إلى أمر آخر هو أنفع مما قصده ، كما كان صلح الحديبية أنفع للمؤمنين من دخولهم ذلك العام ، بخلاف خبر النبى صلى الله عليه وسلم ، فإنه صادق لابد أن يقع ما أخبر به ويتحقق . ١٨٥ وكذلك ظن النبى كما قال فى تأثير النخل: ((إنما ظننت ظناً فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله فإني لن أكذب على الله)) فاستيئاس عمر وغيره من دخول ذلك هو استيئاس مما ظنوه موعوداً به ، ولم يكن موعوداً به . ومثل هذا لا يمتنع على الأنبياء أن يظنوا شيئاً فيكون الأمر بخلاف ما [ ظنوه ] فقد يظنون فيما وعدوه تعييناً وصفات ولا يكون كما ظنوه، فييأسون مما ظنوه فى الوعد ، لا من تعيين الوعد ، كما قال النبى صلى الله عليه وسلم: ((رأيت أن أبا جهل قد أسلم؛ فلما أسلم خالد ظنوه هو ، فلما أسلم عكرمة على أنه هو )). وروى مسلم في صحيحه أن النبى صلى الله عليه وسلم مر بقوم يلقحون: ((فقال لو لم تفعلوا هذا الصلح)) قال : خرج سبتا قربهم فقال: ((مالفحلكم؟)) قالوا: قلت: كذا وكذا. قال: ((أنتم أعلم بأمر دنياكم )، وروى أيضاً عن موسى بن طلحة ، عن أبيه طلحة ابن عبيد الله، قال : مررت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوم على رؤوس النخل ، فقال: ((ما يصنع هؤلاء)) فقال : يلقحونه يجعلون الذكر في الأنثى فتلقح ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( ما أظن يغنى ذلك شيئاً)، فأخبروا بذلك فتركوه . فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال: ((إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه ، فإنني ١٨٦ ظننت ظناً فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئاً خذوا به ، فإني لن أكذب على الله)). فإذا كان النبى صلى الله عليه وسلم يأمرنا إذا حدثنا بشيء عن الله أن نأخذ به فإنه لن يكذب على الله، فهو أتقانا لله، وأعلمنا بما يتقى، وهو أحق أن يكون آخذاً بما يحدثنا عن الله، فإذا أخبره الله بوعد كان علينا أن نصدق به ، وتصديقه هو به أعظم من تصديقنا ، ولم يكن لنا أن نشك فيه ، وهو - بأبي - أولى وأحرى أن لا يشك فيه ؛ لكن قد يظن ظناً ، كقوله: ((إنما ظننت ظناً فلا تؤاخذوني بالظن )) وإن كان أخبره به مطلقاً فمستنده ظنون ، كقوله فى حديث ذي اليدين: (( ما قصرت الصلاة ولا نسيت)). وقد يظن الشيء ثم يبين الله الأمر على جليته ، كما وقع مثل ذلك في أمور كقوله تعالى: (إِن جَاءَ كُمْ فَاسِقٌ بِذَبٍَ فَتَبَيُّواْ) نزلت في الوليد ابن عقبة لما استعمله النبى صلى الله عليه وسلم [وهم آن] يغزوم لما ظن صدقه ، حتى أنزل الله هذه الآية. وكذلك فى قصة بنى أبيرق التى أنزل الله فيها: (إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ اُلْكِتَبَ بِالْحَقِ لِتَحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَبِنِينَ خَصِيمًا ) وذلك لما جاء قوم تركوا السارق الذي كان يسرق ، وأخرجوا البريء؛ ١٨٧ فظن النبى صلى الله عليه وسلم صدقهم، حتى تبين الأمر بعد ذلك. وقال فى حديث قصر الصلاة: (( لم أنس ولم تقصر)) فقالوا: بلى قد نسيت . وكان قد نسي ، فأخبر عن موجب ظنه واعتقاده ، حتى تبين الأمر بعد ذلك. وروي عنه أنه قال: (( إنى لا أنسى لأسن ، وأيضاً فقوله فى القرآن: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن ◌َِّينَآ أَوْ أَخْطَأَنَا ) شامل للنبى صلى الله عليه وسلم وأمته، حيث قال فى صدر الآيات: (ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ، وَالْمُؤْمِنُونَ كُلُّءَامَنَ بِاللَّهِ وَمَلَئِكَتِهِ، وَكُنُبِهِ، وَرُسُلِهِ) الآيات . وفى صحيح مسلم عن عبد الله بن عيسى الأنصاري ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال: ((بينا جبريل قاعد عند النبى صلى الله عليه وسلم سمع نقيضاً من فوقه ، فرفع رأسه فقال : هذا باب من السماء فتح اليوم لم يفتح إلا اليوم ، فنزل منه ملك فقال : هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم ، فسلم وقال : أبشر بنورين أوتيتها لم يؤتهما نى قبلك : فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة ، لن تقرأ بحرف منها إلا أعطيته)). وفى صحيح مسلم عن آدم ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : (( لما نزلت هذه الآية: (وَإِن تُبْدُواْمَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْتُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِ اللَّهُ ) دخل فى قلوبهم منها شيء لم يدخل مثله ، فقال النبى ١٨٨ صلى الله عليه وسلم: ((قولوا سمعنا وأطعنا وسلمنا)) قال : فألقى الله الإيمان فى قلوبهم، فأنزل الله تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيَّهَا مَا أَكْتَسَبَتْ) الآيات إلى قوله: (أَوْأَخْطَأَنَا ) قال قد فعلت ، إلى آخر السورة قال: قد فعلت)). وفى صحيح مسلم عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال: لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لِلَّمَا فِي السَّمَوَتِ وَمَا فِى الْأَرْضِّ وَإِنْ تُبْدُواْ مَا فِى أَنفُسِكُمْ أَوْتُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ) اشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم بركوا على الركب فقالوا : أي رسول الله! كلفنا من الأعمال ما نطيق الصلاة والصيام والجهاد والصدقة ، وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتاب سمعنا وعصينا ؟ بل قولوا : سمعنا وأطعنا ، غفرانك ربنا وإليك المصير )) فلما اقتراها القوم وذلت بها ألسنتهم : أنزل الله عن وجل فى أثرها: (ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ ) إلى قوله : (وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) فلما فعلوا ذلك نسخها سبحانه، فأنزل الله: (لَا يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) إلى قوله: (قَبْلِنَا) قال: نعم: (وَلَا تُحَمِّلْنَامَا لَطَاقَةَ لَنَابِهِ ) قال: نعم. إلى آخر السورة ، قال: نعم. والذي عليه جمهور أهل الحديث والفقه أنه يجوز عليهم الخطأ في ١٨٩ الاجتهاد ؛ لكن لا يقرون عليه، وإذا كان فى الأمر والنهي فكيف فى الخبر؟ وفى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إنكم يختصمون إلي ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض ، وإنما أقضى بنحو مما أسمع ، فأحسب أنه صادق ، فمن قضيت له من حق أخيه شيئاً فلا يأخذه ، فإنما أقطع له قطعة من النار)) فنفس ما بعد الله به الأنبياء والمؤمنين حقاً لا يمترون فيه ، كما قال تعالى فى قصة نوح ( وَنَادَى نُحُ رَّبَّهُ ) إلى آخر الآية . ومثل هذا الظن قد يكون من إلقاء الشيطان المذكور فى قوله: (وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَانَِّيٍ ) (صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) وقد تكلمنا على هذه الآية فى إلى قوله : غير هذا الموضع . وللناس فيها قولان مشهوران ؛ بعد اتفاقهم على أن التمني هو التلاوة والقرآن كما عليه المفسرون من السلف كما فى قوله : (وَمِنْهُمْ وأما من أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِنَبَ إِلَّ أَمَانِىَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ ) أول النهي على تمنى القلب فذاك فيه كلام آخر ؛ وإن قيل : إن الآية تعم النوعين؛ لكن الأول هو المعروف المشهور فى التفسير ، وهو ظاهر القرآن ومراد الآية قطعاً، لقوله بعد ذلك: (فَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِى الشَّيْطَنُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ هَايَتِهِ، وَاَللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِى الشَّيْطَانُ فِتْنَةٌ لِلَّذِينَ فِ قُلُوبِهِمْ قَرَضٌ ) . وهذا كله لا يكون فى مجرد القلب إذا ١٩٠ لم يتكلم به النبي؛ لكن قد يكون فى ظنه الذي يتكلم به بعضه النخل ونحوها ، وهو يوافق ما ذكرناه . وإذا كان التمنى لا بد أن يدخل فيه القول ففيه قولان : ((الأول)) أن الإلقاء هو فى سمع المستمعين ولم يتكلم به الرسول، وهذا قول من تأول الآية بمنع جواز الإلقاء فى كلامه . و ((الثانى)» - وهو الذي عليه عامة السلف ومن اتبعهم - أن الإلقاء في نفس التلاوة ، كما دلت عليه الآية وسياقها من غير وجه ، كما وردت به الآثار المتعددة ، ولا محذور في ذلك إلا إذا أقر عليه ، فأما إذا نسخ الله ما ألقى الشيطان وأحكم آياته فلا محذور فى ذلك . وليس هو خطأ وغلط في تبليغ الرسالة ، إلا إذا أقر عليه . ولا ريب أنه معصوم فى تبليغ الرسالة أن يقر على خطأ ، كما قال : ((فإذا حدثتكم عن اللّه بشيء مخذوا به، فإنى لن أكذب على الله)) ولولا ذلك لما قامت الحجة به ، فإن كونه رسول الله يقتضى أنه صادق فيما يخبر به عن اللّه، والصدق يتضمن نفى الكذب ونفى الخطأ فيه. فلو جاز عليه الخطأ فيما يخبر به عن اللّه وأقر عليه لم يكن كلما يخبر به عن الله. والذين منعوا أن يقع الإلقاء في تبليغه فروا من هذا ، وقصدوا ١٩١ خيراً ، وأحسنوا فى ذلك ؛ لكن يقال لهم : ألقى ثم أحكم، فلا محذور في ذلك . فإن هذا يشبه النسخ لمن بلغه الأمر والنهي من بعض الوجوه فإنه إذا موقن مصدق برفع قول سبق لسانه به ليس أعظم من إخباره برفعه . ولهذا قال فى النسخ : (وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ) فظهم أنهم قد كذبوا هو يتبع ما يظنونه من معنى الوعد ، وهذا جائز لا محذور فيه . إذا لم يقروا عليه ، وهذا وجه حسن ، وهو موافق لظاهر الآية ولسائر الأصول من الآيات والأحاديث ، والذي يحقق [ذلك] أن باب الوعد والوعيد ليس بأعظم من باب الأمر والنهي . فإذا كان من الجائز فى باب الأمر والنهي أن يظنوا شيئاً ، ثم يتبين الأمر لهم بخلافه ؛ فلأن يجوز ذلك فى باب الوعد والوعيد بطريق الأولى والأحرى ، حتى إن باب الأمر والنهي إذ تمسكوا فيه بالاستصحاب لم يقع فى ذلك ظن خلاف ماهو عليه الأمر فى نفسه ؛ فإن الوجوب والتحريم الذي لا يثبت إلا بخطاب إذا نفوه قبل الخطاب كان ذلك اعتقاداً مطابقاً للأمر فى نفسه ، وباب الوعد إذا لم يخبروا به قد يظنون انتفاءه ، كما ظن الخليل جواز المغفرة لأبيه حتى استغفر له، ونهينا عن الاقتداء. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبى طالب: ((لأستغفرن لك مالم أنه عنك )) وحتى استأذن ربه فى الاستغفار لأمه فلم يؤذن له ١٩٢ فى ذلك ، وحتى على على المنافقين قبل أن ينهى عن ذلك وكان يرجو لهم المغفرة، حتى أنزل الله عز وجل: (مَا كَانَ لِلنَّبِ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا أَنَ يَسْتَغْفِرُواْلِلْمُشْرِكِينَ) إلى قوله: (لَأَوَّهُ حَلِيمٌ ) وقال عن المنافقين: (سَوَآءُ عَلَيْهِمْ (وَلَا تُصَلّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم ◌َاتَ أَبَدًا ) الآية. وقال : أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ) فإذا كان صلى على المنافقين واستغفر لهم راجياً أن يغفر لهم قبل أن يعلم ذلك . ولهذا سوغ العلماء أن يروى في باب الوعد والوعيد من الأحاديث مالم يعلم أنه كذب ، وإن كان ضعيف الإسناد. بخلاف باب الأمر والنهي فإنه لا يؤخذ فيه إلا بما يثبت أنه صدق ؛ لأن باب الوعد والوعيد إذا أمكن أن يكون الخبر صدقا وأمكن أن يوجد الخبر كذبا لم يجز نفيه؛ لاسيما بلا علم ، كما لم يجز الجزم بثبوته بلا علم ؛ إذ لامحذور فيه. منابت الناس (١) اللفظ تعيين الوعد والوعيد ، فلا يجوز منع ذلك بمنح الحديث إذا أمكن أن يكون صدقا ؛ لأن في ذلك إبطال لما هو حق . وذلك لا يجوز . ولهذا قال النى صلى الله عليه وسلم: (( حدثوا عن بنى إسرائيل (١) كذا بالاصل . ١٩٣ ولا حرج)) وهذا الباب وهو ((باب الوعد والوعيد )) هو في الكتاب بأسماء مطلقة للمؤمنين ، والصابرين، والمجاهدين ، والمحسنين ، فما أكثر من يظن من الناس أنه من أهل الوعد ، ويكون اللفظ فى ظنه أنه متصف بما يدخل فى الوعد لا فى اعتقاد صدق الوعد في نفسه . ( إِنَّا لَنَنَصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ فِي الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وهذا كقوله : وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَدُ ) وقوله: (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمِنْنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ) الآيتين ، فقد يظن الإنسان في نفسه أو غيره كمال الإيمان المستحق للنصر ، وإن جند الله الغالبون ، ويكون الأمر بخلاف ذلك . وقد يقع من النصر الموعود به مالا يظن أنه من الموعود به، فالظن المخطئ فهم ذلك كثير جدا أكثر من باب الأمر والنهي مع كثرة ما وقع من الغلط فى ذلك ، وهذا مما لا يحصر الغلط فيه إلا الله تعالى، وهذا عام لجميع الآدميين ؛ لكن الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه لا يقرون ؛ بل يتبين لهم ، وغير الأنبياء قد لا يتبين له ذلك فى الدنيا . ولهذا كثر فى القرآن ما يأمر نبيه صلى الله عليه وسلم بتصديق الوعد ١٩٤ والإيمان ، وما يحتاج إليه ذلك من الصبر إلى أن يجيء الوقت ، ومن الاستغفار لزوال الذنوب التى بها تحقيق اقصافه بصفة الوعد . كما قال تعالى: (فَأَصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌٌّ وَلَا يَسْتَخِفَنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ) (فَأَصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ فَإِمَّانُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِى نَعِدُهُمْ وقال تعالى : أَوْنَتَوَفَيَّنَّكَ ) الآية. والآيات في هذا الباب كثيرة معلومة. والله تعالى أعلم . ١٩٥ سورة الرعم قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى فصل قيل المراد فى قوله تعالى: (وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَّكَآءَ قُلْ سَمُّوهُمْ) سموم بأسماء حقيقة لها معان تستحق بها الشرك له والعبادة ، فإن لم تقدروا بطل ما تدعونه . وقيل : إذا سميتموها آلهة فسموها باسم الإله ، كالخالق والرازق، فإذا كانت هذه كاذبة عليها فكذلك اسم الآلهة ، وقد حام حول معناها كثير من المفسرين ، فما شفوا عليلا ولا أرووا غليلاً، وإن كان ما قالوه صحيحاً . فتأمل ما قبل الآية وما بعدها يطلعك على حقيقة المعنى ، فإنه سبحانه وهذا استفهام يقول: ( أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ) ١٩٦ تقرير يتضمن إقامة الحجة عليهم ، ونفى كل معبود مع الله ، الذي هو قائم على كل نفس بما كسبت بعلمه ، وقدرته ، وجزائه فى الدنيا والآخرة. فهو رقيب عليها، حافظ لأعمالها، مجاز لها بما كسبت من خير وشر. فإذا جعلتم أولئك شركاء فسموم إذاً بالأسماء التى يسمى بها القائم على كل نفس بما كسبت، فإنه سبحانه يسمى بالحي القيوم ، المحيي المميت، السميع البصير ، الغني عما سواء ، وكل شيء فقير إليه ، ووجود كل شيء به . فهل تستحق آلهتكم اسماً من تلك الأسماء ؟ فإن كانت آلهة حقاً فسموها باسم من هذه الأسماء ؛ وذلك بهت بين ؛ فإذا انتفى عنها ذلك علم بطلانها كما على بطلان مسماها. وأما إن سموها بأسمائها الصادقة عليها كالحجارة ، وغيرها من مسمى الجمادات ، وأسماء الحيوان التى عبدوها من دون الله ، كالبقر وغيرها ، وبأسماء الشياطين الذين أشركوم مع الله جل وعلا، وبأسماء الكواكب المسخرات تحت أوامر الرب ، والأسماء الشاملة لجميعها أسماء المخلوقات : المحتاجات ، المديرات ، المقهورات . وكذلك بنو آدم عبادة بعضهم بعضا، فهذه أسماؤها الحق ، وهي تبطل إلهيتها ؛ لأن الأسماء التى من لوازم الإلهية مستحيلة عليها ؛ فظهر أن تسميتها آلهة من أكبر الأدلة على بطلان إلهيتها ، وامتناع كونها شركاء لله عز وجل . ١٩٧ الحمـ سورة وقال شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحرانى - قدس الله روحه ، ونور ضريحه ، ورحمه : فصل فى آيات ثلاث متناسبة متشابهة اللفظ والمعنى يخفى معناها على أكثر الناس . قوله تعالى (قَالَ هَذَا صِرَّطُ عَلَىَّ مُسْتَقِيمُ * إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ إِلَّا مَنِ اتَبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ ). وقوله تعالى: (وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَابِرٌ) وقوله تعالى ( إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى * وَإِنَّلَا لَلَخِرَةَ وَالْأُوْلَى ). ١٩٨ فلفظ هذه الآيات فيه أن السبيل الهادي هو على الله . وقد ذكر أبو الفرج بن الجوزي فى الآية الأولى ثلاثة أقوال بخلاف الآيتين الأخريين ، فإنه لم يذكر فيها إلا قولا واحداً . فقال في تلك الآية : اختلفوا فى معنى هذا الكلام على ثلاثة أقوال . ( أحدها ) : أنه يعني بقوله هذا: الإخلاص. فالمعنى أن الإخلاص طريق إلي مستقيم، و ((علي)) بمعنى ((إلي)). و ( الثانى ) : هذا طريق علي جوازه ، لأني بالمرصاد فأجازيهم بأعمالهم. وهو خارج مخرج الوعيد، كما تقول للرجل تخاصمه ((طريقك ھے علي )) فهو كقوله (إِنَّرَبَّكَ لَبِأَلْمِرْصَادِ ). و ( الثالث ) هذا صراط علي استقامته ، أي أنا ضامن لاستقامته بالبيان والبرهان . قال: وقرأ قتادة، ويعقوب: ( هذا صراط عليّ )، أي رفيع . قلت : هذه الأقوال الثلاثة قد ذكرها من قبله ، كالثعلى ، والواحدي ، والبغوي، وذكروا قولا رابعاً . فقالوا - واللفظ للبغوي، وهو مختصر الثعلى . ١٩٩ قال الحسن : معناه صراط إلي مستقيم. وقال مجاهد : الحق يرجع إلي وعليه طريقه لا يعرج على شيء . وقال الأخفش : يعني علي الدلالة على الصراط المستقيم . وقال الكسائي : هذا على التهديد والوعيد ، كما يقول الرجل لمن بخاصمه ((طريقك علي))، أي لا تفلت منى، كما قال تعالى (إِنَّ رَبَّكَ لَبِاَ لْمِرْصَادِ ). وقيل : معناه على استقامته بالبيان والبرهان والتوفيق والهداية . فذكروا الأقوال الثلاثة، وذكروا قول الأخفش «علي الدلالة على الصراط المستقيم)). وهو يشبه القول الأخير، لكن بينهما فرق . فإن ذلك يقول: على استقامته بإقامة الأدلة . فمن سلكه كان على صراط مستقيم . والآخر يقول : علي أن أدل الخلق عليه بإقامة الحجج . ففي كلا القولين أنه بين الصراط المستقيم بنصب الأدلة ، لكن هذا جعل الدلالة عليه ، وهذا جعل عليه استقامته ــ أي بيان استقامته ـــ وهما متلازمان . ولهذا - والله أعلم - لم يجعله أبو الفرج قولا رابعاً . وذكروا القراءة الأخرى عن يعقوب وغيره: أي رفيع. قال البغوي: وعبر بعضهم عنه ((رفيع أن ينال، مستقيم أن يمال)). ٢٠٠