النص المفهرس
صفحات 121-140
وهن شر غالب لمن غلب استعاد ذلك منه وقال : وهن شر غالب لمن غلب . فكيف لا تغلب مثل هذا الزوج وتمنعه من عقوبة يوسف ؟ وقد عهد الناس خلقاً من الناس تغلبهم نساؤهم ؛ من نساء النتر وغيرهم ، يكون لامرأته غرض فاسد فى فتاه أو فتاها ، وتفعل معه ما تريد ، وإن أراد الزوج أن يكشف أو يعاقب منعته ودفعته ؛ بل وأهانته وفتحت عليه أبوابا من الشر بنفسها ، وأهلها وحشمها ، والمطالبة بصداقها وغير ذلك ؛ حتى يتمنى الرجل الخلاص منها رأساً برأس ، مع كون الرجل فيه غيرة فكيف مع ضعف الغيرة ؟! فهذا كله يبين أن الداعى ليوسف إلى ترك الفاحشة كان خوف اللّه لا خوفا من السيد، فلهذا قال: (إِنَّهُ رَبِيِ أَحْسَنَ مَثْوَاىَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) قيل هذا مما يبين محاسن يوسف ، ورعايته لحق الله وحق المخلوقين، ودفعه الشر بالتي هي أحسن ، فإن الزنا بامرأة الغير فيه حقان مانعان ، كل منهما مستقل بالتحريم . فالفاحشة حرام لحق الله ولو رضي الزوج ، وظلم الزوج فى امرأته حرام لحقه ، بحيث لو سقط حق الله بالتوبة منه حق هذا فى امرأته لا يسقط ، كما لو ظلمه وأخذ ماله وتاب من حق الله لم يسقط ١٢١ حق المظلوم بذلك ، ولهذا جاز للرجل إذا زنت امرأته أن يقذفها وبلاغعنها ، ويسعى فى عقوبتها بالرجم ، بخلاف الأجنبى فإنه لا يجوز له قذفها ولا يلاعن ، بل يحد إذا لم يأت بأربعة شهداء ، فإفساد المرأة على زوجها من أعظم الظلم لزوجها ، وهو عنده أعظم من أخذ ماله . ولهذا يجوز له قتله دفعا عنها باتفاق العلماء إذا لم يندفع إلا بالقتل بالاتفاق ، ويجوز فى أظهر القولين قتله وإن اندفع بدونه ، كما في قصة عمر بن الخطاب رضى الله عنه، لما أناه رجل بيده سيف فيه دم، وذكر أنه وجد رجلا تفخذ امرأته فضربه بالسيف فأقره عمر على ذلك وشكره ، وقبل قوله أنه قتله لذلك إذا ظهرت دلائل ذلك . وهذا كما لو اطلع رجل فى بيته فإنه يجوز له أن يفقأ عينه ابتداء ، وليس عليه أن ينذره ، هذا أصح القولين ، كما ثبت فى الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( لو اطلع رجل فى بيتك ففقات عينه ما كان عليك شيء )) وكذلك قال في الذي عض بد غيره فنزع يده فانقلعت أسنان العاض . وهذا مذهب فقهاء الحديث . وأكثر السلف ، وفي المسألتين نزاع ليس هذا موضعه ؛ إذ المقصود أن الزاني بامرأة غيره ظالم للزوج وللزوج حق عنده، ولهذا ذكر النبى صلى الله عليه وسلم أن من ١٢٢ زنى بامرأة المجاهد فإنه يمكن يوم القيامة من حسناته يأخذ منها ما شاء. وفى الصحيحين عن ابن مسعود قال : قلت يارسول اللّه أي الذنب أعظم؟ قال ((أن تجعل لله نداً وهو خلقك)) قلت ثم أي ؟ قال: ((أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك)) قلت : ثم أي ؟ قال: (( أن تزاني بحليلة جارك)) فذكر الزنا بحليلة الجار ، فعلم أن للزوج حقاً فى ذلك ، وكان ظلم الجار أعظم ؛ للحاجة إلى المجاورة . وإن قيل : هذا قد لا يمكن زوج المرأة أن يحترز منه ، والجار عليه حق زائد على حق الأجنبى ، فكيف إذا ظلم فى أهله والجيران يأمن بعضهم بعضاً ، ففي هذا من الظلم أكثر مما فى غيره ، وجاره يجب عليه أن يحفظ امرأته من غيره ، فكيف يفسدها هو . فلما كان الزنا بالمرأة المزوجة له علتان كل منهما تستقل بالتحريم ، مثل لحم الخنزير الميت : علل يوسف ذلك بحق الزوج ، وإن كان كل من الأمرين ما نعاً له ، وكان في تعليله بحق الزوج فوائد . ((منها)) أن هذا مانع تعرفه المرأة وتعذره به، بخلاف حق الله تعالى فإنها لا تعرف عقوبة اللّه فى ذلك. و ((منها)) أن المرأة قد ترتدع بذلك، فترعى حق زوجها ، إما ١٢٣ خوفاً وإما رعاية لحقه ، فإنه إذا كان المملوك يمتنع عن هذا رعاية لحق سيده فالمرأة أولى بذلك ، لأنها خائنة فى نفس المقصود منها ، بخلاف المملوك فإن المطلوب منه الخدمة ، وفاحشته بمنزلة سرقة المرأة من ماله . و ((منها)) أن هذا مانع مؤيس لها فلا تطمع فيه لا بنكاح ولا بسفاح ، بخلاف الخلية من الزوج ، فإنها تطمع فيه بنكاح حلال . و ((منها )» أنه لو علل بالزنا فقد تسعى هي في فراق الزوج، والتزوج به ، فإن هذا إنما يحرم لحق الزوج خاصة ، ولهذا إذا طلقت امرأته باختياره جاز لغيره أن يتزوجها . ولو طلقها ليتزوج بها - كما قال سعد بن الربيع لعبد الرحمن بن عوف إن لي امرأتين فاختر أيتهما شئت حتى أطلقها وتتزوجها - لكنه بدون رضاه لا يحل ، كما فى المسند عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ليس منا من خبب امرأة على زوجها ، ولا عبداً على مواليه)) وقد حرم النبى صلى الله عليه وسلم أن يخطب الرجل على خطبة أخيه ، ويستام على سوم أخيه ، فإذا كان بعد الخطبة وقبل العقد لا يحل له أن يطلب التزوج بامرأته فكيف بعد العقد ، والدخول والصحبة ؟! فلو علل بأن هذا زنا محرم ربما طمعت في أن تفارق الزوج وتتزوجه ، فإن كيدهن عظيم ؛ وقد جرى مثل هذا . فلما علل بحق ١٢٤ سيده وقال: ( إِنَّهُرَبِّ أَحْسَنَ مَثْوَاىَ) يئست من ذلك، وعلمت أنه يراعي حق الزوج ، فلا يزاحمه فى امرأته ألبتة ، ثم لو قدر مع هذا أن الزوج رضي بالفاحشة وأباح امرأته لم يكن هذا مما يبيحها لحق الله ولحقه أيضاً ، فإنه ليس كل حق للإنسان له أن يسقطه ، ولا يسقط بإسقاطه ، وإنما ذلك فيما يباح له بذله ، وهو مالا ضرر عليه فى بذله ، مثل ما يعطيه من فضل مال ونفع . وأما ما ليس له بذله فلا يباح بإياحته ، كما لو قال له : علمني السحر والكفر والكهانة ! وأنت فى حل من إضلالي ، أو قال له : بعني رقيقاً وخذ تمني ، وأنت في حل من ذلك . وكذلك إذا قال : افعل بى أو بانى أو بامرأتى أو بيمائى الفاحشة لم يكن هذا مما يسقط حقه فيه بإباحته ، فإنه ليس له بذل ذلك ، ومعلوم أن اللّه يعاقبها على الفاحشة وإن تراضيا بها : لكن المقصود أن فى ذلك أيضاً ظلماً لهذا الشخص لا يرتفع بإباحته ، كظلمه إذا جعله كافراً أو رقيقاً ، فإن كونه يفعل به الفاحشة أو بأهله فيه ضرر عليه لا يملك إباحته كالضرر عليه فى كونه كافراً ، وهو كمالو قال له : أزل عقلي وأنت فى حل من ذلك ؛ فإن الإنسان لا يملك بذل ذلك ، بل هو ممنوع من ذلك ، كما يمنع السفيه من التصرف فى ماله ، أو إسقاط حقوقه وكذلك المجنون والصغير ؛ فإن هؤلاء محجور عليهم لحقهم . ١٢٥ ولهذا لو أذن له الصبى أو السفيه فى أخذ ماله لم يكن له ذلك ، ومن أذن لغيره فى تكفيره أو تجنينه أو تخنيه والإخاش به وبأهله فهو من أسفه السفهاء ، وهذا مثل الربا ، فإنه وإن رضي به المرابى وهو بالغ رشيد لم يبح ذلك ؛ لما فيه من ظلمه ؛ ولهذا له أن يطالبه بما قبض منه من الزيادة ، ولا يعطيه إلا رأس ماله ، وإن كان قد بذله باختياره ، ولو كان التحريم لمجرد حق الله تعالى لسقط برضاه ، ولو كان حقه إذا أسقطه سقط لما كان له الرجوع في الزيادة ، والإنسان يحرم عليه قتل نفسه أعظم مما يحرم عليه قتل غيره. فلو قال لغيره : اقتلني لم يملك منه أعظم مما يملك هو من نفسه . ولهذا يوم القيامة يتظلم من الأكابر، وهم لم يكرهوم على الكفر ، بل يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَلَيْتَنَآَ باختيارم كفروا . قال تعالى : ( أَطَعْنَا ◌ُللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا * وَقَالُواْرَبَّنَآ إِنَّا أَطَعْنَاسَادَتَنَا وَكُبْرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَاْ * رَبَّنَاْءَاتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنَّا كَبِيرًا ( وقال: ( حَتَّى إِذَا أَدَّارَكُوْفِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَنَّهُمْ لِأُولَنْهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُونَا ( فَشَاتِهِمْ عَذَابَاضِعْفًا مِّنَ النَّارِ قَالَ لِكُلِ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لََّنَعْلَمُونَ وقال تعالى: ( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُ واْ رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنّ وَالْإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُوْنَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ ). وكذلك الناس يلعنون الشيطان ، وإن كان لم يكرههم على الذنوب ؛ ١٢٦ بل ثم باختيارهم أذنبوا . فإن قيل : هؤلاء يقولون لشياطين الإنس والجن : نحن لم نكن نعلم أن في هذا علينا ضرراً ، ولكن أنتم زينتم لنا هذا وحسنتموه حتى فعلناه ، ونحن كنا جاهلين بالأمر . قيل : كما نعلم أن الجاهل بما عليه فى الفعل من الضرر لا عبرة برضاه وإذنه، وإنما يصح الرضاء والاذن ممن يعلم ما يأذن فيه ويرضى به ، وما كان على الإنسان فيه ضرر راجح لا يرضى به إلا لعدم علمه ، وإلا فالنفس تمتع بذاتها من الضرر الراجح . ولهذا كان من اشترى المعيب والمدلس والمجهول السعر ولم يعلم بحاله غير راض به ؛ بل له الفسخ بعد ذلك ؛ كذلك الكفر والجنون والفاحشة بالأهل لا يرضى بها إلا من لم يعلم بما فيها من الضرر عليه، فإذا أذن فيها لم يسقط حقه ؛ بل يكون مظلوماً ، ولو قال : أنا أعلم ما فيها من العقاب وأرضى به كان كذباً ؛ بل هو من أجهل الناس بما يقوله. ولهذا لو تكلم بكلام لا يفهم معناه ، وقال نويت موجبه عند الله لم يصح ذلك فى أظهر القولين، مثل أن يقول: ((بهشم)) ولا يعرف معناها ، أو يقول : أنت طالق إن دخلت الدار وينوي موجبها ١٢٧ من العربية ، وهو لا يعرف ذلك ؛ فإن النية والقصد والرضا مشروط بالعلم ، فما لم يعلمه لا يرضى به ، إلا إذا كان راضياً به مع العلم ، ومن كان يرضى بأن يكفر ويجن وتفعل الفاحشة به وبأهله . فهو لا يعلم ما عليه في ذلك من الضرر ؛ بل هو سفيه . فلا عبرة برضاه وإذنه ؛ بل له حق عند من ظلمه وفعل به ذلك غير مالله من الحق. وإن كان حق هذا دون حق المنكر المانع . ولهذا قال يوسف عليه السلام: ( إِنَُّ رَبِ أَحْسَنَ مَنْوَّ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ يقول : متى أفسدت امرأته كنت ظالماً بكل حال ، الظَّالِمُونَ) وليس هذا جزاء إحسانه إلي . والناس إذا تعاونوا على الإثم والعدوان أبغض بعضهم بعضاً ، وإن كانوا فعلوه بتراضيهم ، قال طاووس : ما اجتمع رجلان على غير ذات الله إلا تفرقا عن تقال، وقال الخليل عليه السلام: (إِنَّمَا أَتَّخَذْتُ مِن دُونِ اَلَّهِ أَوْثَنًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِى الْحَيَوْةِ الدُّنْيَاثُمَّيَوْمَ الْقِيَمَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضِ وَيَلْعَرُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَنَكُمُ النَّارُ وَمَالَكُمْ مِن نَّصِرِينَ) وهؤلاء لا يكفر بعضهم ببعض ويلعن بعضهم بعضاً لمجرد كونه عصى الله؛ بل لما حصل له بمشاركته ومعاونته من الضرر، وقال تعالى عن أهل الجنة التى أصبحت كالصريم: (فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضِ يَتَوَمُونَ) أي يلوم بعضهم بعضاً. وقال: ( الْأَخِلَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ١٢٨ عَدُؤُّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ). فالمحالة إذا كانت على غير مصلحة الاثنين كانت عاقبتها عداوة ، وإنما تكون على مصلحتهما إذا كانت فى ذات اللّه، فكل منهما وإن بذل للآخر إعانة على ما يطلبه واستعان به بإذنه فيما يطلبه ، فهذا التراضي لا اعتبار به ؛ بل يعود تباغضاً وتعادياً وتلاغناً، وكل منهما يقول للآخر : لولا أنت ما فعلت أنا وحدي هذا ؛ فهلاكي كان مني ومنك. والرب لا يمنعهما من التباغض والتعادي والتلاعن ، فلو كان أحدهما ظالماً للآخر فيه لنهى عن ذلك ، ويقول كل منهما للآخر : أنت لأجل غرضك أوقعتني فى هذا : كالزانيين كل منهما يقول للآخر لأجل غرضك فعلت معي هذا . ولو امتنعت لم أفعل أنا هذا ؛ لكن كل منها له على الآخر مثل ما للآخر عليه ؛ فتعادلا . ولهذا إذا كان الطلب والمراودة من أحدهما أكثر كان الآخر يتظلمه ويلعنه أكثر ، وإن تساويا فى الطلب تقاوما؛ فإذا رضي الزوج بالديانة فإنما هو لإرضاء الرجل أو المرأة لغرض له آخر ؛ مثل أن يكون محبالها ؛ ولا تقيم معه إلا على هذا الوجه ، فهو يقول للزاني بها : أنت لغرضك أفسدت علي امرأتي ، وأنا إنما رضيت لأجل غرضها ، فأنت لما أفسدت علي امرأتي وظلمتنى فعلت معي ما فعلت . ١٢٩ ومن ذلك أنه لو قال : إني أخاف الله أن يعاقبنى ونحو ذلك لقالت: أنت إنما نترك غرضي لغرضك في النجاة ، وأنا سيدنك ، فينبغي أن تقدم غرضي على غرضك، فلما قال: (إِنَّهُ رَبِّ أَحْسَنَ مَثْوَاىَ ) علل بحق سيده الذي يجب عليه وعليها رعاية حقه . وفى قول يوسف: ( قَالَ رَبِّ السّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِيّ إِلَيْهِ وَإِلَّا ) عبر تان : تَصْرِفْ عَنِى كَيْدَ هُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنُ مِّنَ الْجَهِلِينَ ((إحداهما)) اختيار السجن والبلاء على الذنوب والمعاصي. و ((الثانية)) طلب سؤال الله ودعائه أن يثبت القلب على دينه، ويصرفه إلى طاعته ، وإلا فإذا لم يثبت القلب صبا إلى الآمرين بالذنوب ، وصار من الجاهلين . ففي هذا توكل على الله واستعانة به أن يثبت القلب على الإيمان والطاعة ، وفيه صبر على المحنة والبلاء ، والأذى الحاصل إذا ثبت على الإيمان والطاعة . ١٣٠ وهذا كقول موسى عليه السلام لقومه: ( أُسْتَعِينُواْبِاللَّهِ وَأَصْبِرُواْ lI قال إِنّ اُلْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَالْعَقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ) فرعون: ( سَنُقَئِّلُ أَبَاءَ هُمْ وَنَسْتَحِىء نِسَآءَ هُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَهِرُونَ * قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُواْبِاللَّهِ وَأَصْبِرُ وَأَإِنّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، ( وَالْعَقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ وَالَّذِينَ هَاجَرُ واْ فِ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُوِّثَنَّهُمْ فِى وكذلك قوله : ( الذُّنْيَا حَسَنَّةٌ وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ أَكْبَرٌ لَوْ كَانُواْ يَعْدَمُونَ * الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ . ( ومنه قول يوسف عليه السلام : (فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) وهو نظير قوله: (وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ) وقوله : (وَإِن تَصْبِرُ واْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ اَلْأُمُورِ ) وقوله: (بَلَّإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوَكُمْ مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِذَّكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِءَالَفٍمِّنَ اٌلْمَلَئِكَةِ مُسَوِّمِينَ ). فلا بد من التقوى بفعل المأمور والصبر على المقدور ، كما فعل يوسف عليه السلام : اتقى الله بالعفة عن الفاحشة ، وصبر على أذام له بالمراودة والحبس ، واستعان اللّه ودعاه ، حتى يثبته على العفة فتوكل عليه أن يصرف عنه كيدهن ، وصبر على الحبس . ١٣١ وهذا كما قال تعالى: ( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ ءَامَنَّابِاللَّهِ فَإِذَا أُوزِىَ فِ اللَّهِ وكما قال تعالى : ( وَمِنَ النَّاسِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ ( مَنْ يَعْبُدُ الَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ، خَيِّالْمَأَنَّبِ مَوَإِنْ أَصَابَنْهُ فِثْنَةُ أَنْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ، خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ * يَدْعُواْ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَلُ الْبَعِيدُ * يَدْعُوْلَمَنْ ضَرُّهُ، أَقْرَبُ مِن نَّفْعِةٍ-لَبِئْسَ اٌلْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ ) فإنه لابد من أذى لكل من كان فى الدنيا ، فإن لم يصبر على الأذى فى طاعة الله ، بل اختار المعصية ، كان ما يحصل له من الشر أعظم مما فر منه بكثير. (وَمِنْهُم مَن يَقُولُ آَخْذَنِ وَلَا نَفْتِنِّى أَلَا فِى الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ ). ومن احتمل الهوان والأذى فى طاعة الله على الكرامة والعز فى معصية اللّه، كما فعل يوسف عليه السلام وغيره من الأنبياء والصالحين، كانت العاقبة له فى الدنيا والآخرة ، وكان ما حصل له من الأذى قد انقلب نعيماً وسروراً ، كما أن ما يحصل لأرباب الذنوب من التنعم بالذنوب ينقلب حزناً ونبوراً . فيوسف صلى الله عليه وسلم خاف الله من الذنوب، ولم يخف من أذى الخلق وحبسهم إذ أطاع الله ، بل آثر الحبس والأذى مع الطاعة على الكرامة والعز وقضاء الشهوات ونيل الرياسة والمال مع المعصية ، فإنه لو وافق امرأة العزيز نال الشهوة ، وأكرمته المرأة بالمال والرياسة ، ١٣٢ وزوجها فى طاعتها ، فاختار يوسف الذل والحبس ، وترك الشهوة والخروج عن المال والرياسة مع الطاعة، على العز والرياسة والمال وقضاء الشهوة مع المعصية . بل قدم الخوف من الخالق على الخوف من المخلوق ، وإن آذا. بالحبس والكذب فإنها كذبت عليه ؛ فزعمت أنه راودها ثم حبسته بعد ذلك . وقد قيل : إنها قالت لزوجها إنه هتك عرضى لم يمكنها أن تقول له راودنى ، فإن زوجها قد عرف القصة ؛ بل كذبت عليه كذبة تروج على زوجها . وهو أنه قد هتك عرضها باشاعة فعلها ، وكانت كاذبة على يوسف لم يذكر عنها شيئاً ؛ بل كذبت أولا وآخراً : كذبت عليه بأنه طلب الفاحشة ، وكذبت عليه بأنه أشاعها، وهي التى طالبت وأشاعت ، فإنها قالت للنسوة : فذلكن الذي لمتنى فيه . ولقد راودته عن نفسه فاستعصم . فهذا غاية الإشاعة الفاحشتها لم تستر نفسها . والنساء أعظم الناس إخباراً بمثل ذلك ، وهن قبل أن يسمعن قولها قد قلن فى المدينة : ( أَمْرَأَتُ الْعَزِيزِتُزَوِدُ فَنَهَا عَن نَّفْسِهِ ( فكيف إذا اعترفت بذلك وطلبت رفع الملام عنها ؟ ١٣٣ وقد قيل : إنهن أعنها فى المراودة ، وعذلنه على الامتناع . ويدل على ذلك قوله : (وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِى كَيْدَ هُنَّأَصْبُ إِلَيْهِنَّ وقوله : ( ج أَرْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَسَثَلْهُ مَابَالُ النِّسْوَةِ الَّتِى قَطَّعْنَ أَبْدِ يَهُنَّ إِنَّ رَبِ بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ ) فدل على أن هناك كيداً منهن، وقد قال لهن الملك : (مَاخَطْبُكُنَّإِذْ رَوَدِتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ، قُلْنَ حَشَ لِلَّهِ مَا عَلِّمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوْءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ اَلْقَنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَاْرَ وَدَتُّهُ عَن نَّفْسِهِ، وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّدِقِينَ) فهن لم يراودنه لأنفسهن ؛ إذ كان ذلك غير ممكن، وهو عند المرأة فى بيتها وتحت حجرها ؛ لكن قد يكن أعن المرأة على مطلوبها . وإذا كان هذا فى فعل الفاحشة فغيرها من الذنوب أعظم ، مثل الظلم العظيم للخلق ، كقتل النفس المعصومة ، ومثل الإشراك بالله ، ومثل القول على الله بلا علم. قال تعالى: ( قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِىِ الْفَوَحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَآلْإِثَّمَ وَالْبَغْىَ بِغَيْرِ اَلْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُواْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يَزِّلْ بِهِ، سُلْطَانًّا وَأَنْ تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لَا نَعْلَمُونَ ) فهذه أجناس المحرمات التى لا تباح بحال، ولا في شريعة وما سواها - وإن حرم فى حال - فقد يباح في حال . ١٣٤ فصل واختيار النبى صلى الله عليه وسلم له ولأهله الاحتباس فى شعب بنى هاشم بضع سنين ، لا يبايعون ولا يشارون ؛ وصبيانهم يتضاغون من الجوع ، قد مجرم وقلام قومهم ، وغير قومهم. هذا أكمل من حال يوسف عليه السلام . فإن هؤلاء كانوا يدعون الرسول إلى الشرك، وأن يقول على الله غير الحق . يقول : ما أرسلنى ولا نهى عن الشرك. وقد قال تعالى: وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِىّ أَوْ حَيْنَا إِلَيْكَ لِتَغْتَرِىَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ، وَإِذَا لََّتَّخَذُوَكَ خَلِيلًا * وَلَوْلَا أَنْ تَبَّنْتَكَ لَقَذْكِدْتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إِذَا لَّأَذَقْتَكَ ضِعْفَ الْحَيَوةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا ◌َجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا * وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذَا لَا يَلْبَثُونَ خِلَفَكَ إِلَّا قَلِلًا * سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَّاً وَلَا تَجِدُ لِسُنَِّنَا تَحْوِيلًا). وكان كذب هؤلاء على النبى صلى الله عليه وسلم أعظم من الكذب على يوسف ؛ فإنهم قالوا : إنه ساحر ، وإنه كاهن ، وإنه مجنون ، وإنه ١٣٥ مفتر . وكل واحدة من هؤلاء أعظم من الزنا والقذف؛ لا سيما الزنا المستور الذي لا يدري به أحد . فإن يوسف كذب عليه فى أنه زنى ، وأنه قذفها وأشاع عنها الفاحشة ؛ فكان الكذب على النبى صلى الله عليه وسلم أعظم من الكذب على يوسف . وكذلك الكذب على أولى العزم . مثل نوح وموسى، حيث يقال عن الواحد منهم: إنه مجنون، وإنه كذاب. يكذب على الله، وما أقي النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه من أذى المشركين أعظم من مجرد الحبس ، فإن يوسف حبس وسكت عنه. والنبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يؤذون بالأقوال والأفعال مع منعهم من تصرفاتهم المعتادة. وهذا معنى الحبس ، فإنه ليس المقصود بالحبس سكناه فى السجن بل المراد منعه من التصرف المعتاد . والنبى صلى الله عليه وسلم لم يكن له حبس ، ولا لأبى بكر : بل أول من اتخذ السجن عمر ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يسلم الغريم إلى غريمه، ويقول: ((ما فعل أسيرك)) فيجعله أسيراً معه . حتى يقضيه حقه ، وهذا هو المطلوب من الحبس . والصحابة - رضي الله عنهم - منعوم من التصرف بمكة أذى لهم ، حتى خرج كثير منهم إلى أرض الحبشة ، فاختاروا السكنى بين أولئك النصارى عند ملك عادل على السكنى بين قومهم ، والباقون ١٣٦ أخرجوا من ديارهم وأموالهم أبضاً مع ما آذوم به ، حتى قتلوا بعضهم ، وكانوا يضربون بعضهم ويمنعون بعضهم ما يحتاج إليه ، ويضعون الصخرة على بطن أحدم فى رمضاء مكة ، إلى غير ذلك من أنواع الأذى . وكذلك المؤمن من أمة محمد صلى الله عليه وسلم يختار الأذى في طاعة الله على الإكرام مع معصيته، كأحمد بن حنبل اختار القيد والحبس والضرب على موافقة السلطان ، وجنده ، على أن يقول على الله غير الحق فى كلامه ، وعلى أن يقول مالا يعلم أيضاً ، فإنهم كانوا يأتون بكلام يعرف أنه مخالف للكتاب والسنة ؛ فهو باطل ، وبكلام مجمل يحتاج إلى تفسير ؛ فيقول لهم الإمام أحمد : ما أدري ما هذا ؟ فلم يوافقهم على أن يقول على اللّه غير الحق. ولا على أن يقول على الله مالا يعلم. ١٣٧ وقال شيخ الإسلام رحمه الله بعد كلام(١) بالذنب فيذكر مقامه بين يدي الله فيدعه، فكان يوسف ممن خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى . ثم إن يوسف عليه الصلاة والسلام كان شابا عزبا أسيرا فى بلاد العدو ، حيث لم يكن هناك أقارب أو أصدقاء فيستحي منهم إذا فعل فاحشة ، فإن كثيراً من الناس يمنعه من مواقعة القبائح حياؤه ممن يعرفه، فإذا تغرب فعل ما يشتهيه . وكان أيضاً خاليا لا يخاف مخلوقا ، فحكم النفس الأمارة - لو كانت نفسه كذلك - أن يكون هو المتعرض لها؛ بل يكون هو المتحيل عليها ، كما جرت به عادة كثير ممن له غرض فى نساء الأكابر إن لم يتمكن من الدعوة ابتداء. فأما إذا دعي ولو كانت الداعية خدامة لكان أسرع مجيب ، فكيف إذا كانت الداعية سيدته الحاكمة عليه ، التى يخاف الضرر بمخالفتها ؟ ! ثم إن زوجها الذي عادته أن يزجر المرأة لم يعاقبها؛ بل أمر (١) لم نقف عليه . ١٣٨ يوسف بالإعراض ، كما ينعر الديوث ثم إنها استعانت بالنساء وحبسته ، وهو يقول: (رَبِّ السّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِيّ إِلَيْهِ وَإِلَا تَصْرِفْ عَنِى كَيْدَهُنَّأَصْبُ إِلَِّنَّ وَأَكُنُ مِّنَ الْجَهِلِينَ). فليتدبر اللبيب هذه الدواعي التى دعت يوسف إلى مادعته ، وأنه مع توفرها وقوتها ليس له عن ذلك صارف إذا فعل ذلك ، ولا من ينجيه من المخلوقين ؛ ليتبين له أن الذي ابتلى به يوسف كان من أعظم الأمور ، وإن تقواه وصبره عن المعصية - حتى لا يفعلها [مع ] ظلم الظالمين له ، حتى لا يجيبهم - كان من أعظم الحسنات وأكبر الطاعات وأن نفس يوسف عليه الصلاة والسلام كانت من أزكى الأنفس، فكيف (وَمَا أُبَرُِّ نَفْسِىّ ◌ِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ ) والله يعلم أن أن يقول : نفسه بريئة ليست أمارة بالسوء ؛ بل نفس زكية من أعظم النفوس زكاء ، والهم الذي وقع كان زيادة فى زكاء نفسه وتقواها ، وبحصوله مع تركه لله لتثبت له به حسنة من أعظم الحسنات التى ترکی نفسه . ( ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِى لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبٍ ) ((الوجه السادس)) أن قوله : إذا كان معناه على مازعموه أن يوسف أراد أن يعلم العزيز أنى لم أخنه فى امرأته على قول أكثرم ؛ أو ليعلم الملك أو ليعلم الله لم يكن هنا ما يشار إليه ، فإنه لم يتقدم من يوسف كلام يشير به إليه ، ولا تقدم ١٣٩ أيضاً ذكر عفافه واعتصامه ؛ فإن الذي ذكره النسوة قولهن : ( مَا عَلِمْنَا (أَنَاْرَوَدَتُّهُ عَن نَّفْسِهِ) وهذا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ ) وقول امرأة العزيز : فيه بيان كذبها فيما قالته أولا ، ليس فيه نفس فعله الذي فعله هو . فقول القائل: إن قوله ( ذلك ) من قول بوسف ، مع أنه لم يتقدم منه هنا قول ولا عمل لا يصح بحال . ((الوجه السابع)) أن المعنى على هذا التقدير - لو كان هنا ما يشار إليه من قول يوسف أو عمله - إن عفتى عن الفاحشة كان ليعلم العزيز أنى لم أخته ، ويوسف عليه الصلاة والسلام إنما تركها خوفا من الله، ورجاء لثوابه ؛ ولعلمه بأن الله يراء ؛ لا لأجل مجرد علم مخلوق . (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِّهِ، وَهَمَّ بِهَا لَوْلَآ أَنْ رَّءَا بُرْهَنَ رَبِّهِ، كَذَلِكَ قال الله تعالی: لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوَءَ وَالْفَحْشَآءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ) فأخبر أنه رأى برهان ربه وأنه من عباده المخلصين . ومن ترك المحرمات ليعلم المخلوق بذلك لم يكن هذا لأجل برهان من ربه ، ولم يكن بذلك مخلصاً فهذا الذي أضافوه إلى يوسف إذا فعله آحاد الناس لم يكن له ثواب من الله؛ بل يكون ثوابه على من عمل لأجله . ١٤٠