النص المفهرس

صفحات 81-100

وصار محمد نفسه برهانا ، فأقام من البراهين على صدقه ؛ فدليل الدليل
دليل ، وبرهان البرهان برهان ، وكل آية له برهان ، والبرهان اسم
( قُلْ هَاتُواْبُرْهَنَكُمْ إِنْ كُنْتُمُ
جنس لا يراد به واحد ، كما في قوله :
صَدِقِين ) ولو جاءوا بعده ببراهين كانوا ممتثلين .
و((المقصود)) أن ذلك البرهان يعلم بالعقل أنه دال على صدقه ،
وهو بينة من الله كما قال قتادة ، وحجة من الله ، كما قال مجاهد
والسدى : المؤمن على تلك البينة ، ويتلوه شاهد من الله وهو النور
الذي أنزله مع البرهان. والله أعلم .
فصل
وأما من قال: (أَفَتَنْ كَانَ عَلَى بِنَةٍ مِّن رَّهِ ) إنه محمد صلى الله
عليه سلم ، كما قاله طائفة من السلف ، فقد يريدون بذلك التمثيل لا
التخصيص ، فإن المفسرين كثيراً ما يريدون ذلك ، ومحمد هو أول من
كان على بينة من ربه، وتلاه شاهد منه، وكذلك الأنبياء ، وهو أفضلهم
وإمامهم ، والمؤمنون تبع له ، وبه صاروا على بينة من ربهم .
والخطاب قد يكون لفظه له ومعناه عام ، كقوله: (فَإِن كُنتَ فِى
٨١

( فَإِذَا فَرَغْتَ
( لَيِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ )
شَكٍ مِّمَّا أَنْزَ لْنَآ إِلَيْكَ )
فَأَنْصَبْ ) (قُلْ إِن ضَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُ عَلَى نَفْسِى ) ونحو ذلك، وذلك
أن الأصل فيما خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم فى كل ما أمر به
ونهى عنه وأبيح له سار في حق أمته كمشاركة أمته له فى الأحكام
وغيرها ، حتى يقوم دليل التخصيص ، فما ثبت في حقه من الأحكام
ثبت في حق الأمة إذا لم يخصص ، هذا مذهب السلف والفقهاء ،
ودلائل ذلك كثيرة كقوله: (فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرَّارَوَّحْتَكَهَا )
الآية، ولما أباح له الموهوبة قال: (خَالِصَةٌ لَّكَ مِن دُونٍ
اُلْمُؤْمِنِينَ) الآية .
فإذا كان هذا مع كون الصيغة خاصة فكيف تجعل الصيغة العامة له
ء
والمؤمنين مختصة به؟ ولفظ ((من)) أبلغ صيغ العموم؛ لا سيما إذا
كانت شرطا أو استفهاما، كقوله: (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ,
* وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَزَّايَرَهُ) وقوله: (أَفَمَنْ زُيِنَ لَهُسُوءُ عَمَلِهِ،
فَرَءَاهُ حَسَنًا ) وقوله: ( أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَهُ) وقوله: ( أَفَنْ كَانَ
عَلَى بِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُسُوَءُ عَمَلِهِ).
و ((أيضاً)): فقد ذكر بعد ذلك قوله: (أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ، وَمَنْ
وذكر بعد هذا: ( مثل
يَكْفُرْبِهِ، مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ )
الفريقين ) وقد تقدم قبل هذا ذكر الفريقين، وقوله: (أُوْلَئِكَ
٨٢

يُؤْمِنُونَ بِهِ ) إشارة إلى جماعة ، ولم يقدم قبل هذا ما يصلح أن يكون
مشاراً اليه إلا ( من )، والضمير بعود تارة إلى لفظ (من ) وتارة
إلى معناها كقوله: (وَمِنْهُم ◌َّنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ)، (وَمِنْهُم ◌َّنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ)
، (مَنْ عَمِلَ
، (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّلِحَتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أَنْقَى)
صَلِ حًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَتُحْبِيَتَّهُ حَيَوَةً طَيِّبَةً ) الآية .
وأما الإشارة إلى معناها فهو أظهر من الضمير . فقوله: ( أُوْلَئِكَ
يُؤْمِنُونَ بِهِ ) دليل على أن الذي على بينة من ربه كثيرون لا واحد ،
قال ابن أبى حاتم : تنا عامر بن صالح عن أبيه عن الحسن البصري :
قال : المؤمن على بينة من ربه ، وهذا
( أَفَنْ كَانَ عَلَيِّنَةٍ مِّنرَّهِ ) .
الذي قاله الحسن البصري هو الصواب ، والرسول هو أول المؤمنين ،
كما قال: (وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ).
ومن قال : إن الشاهد من الله هو محمد كما رواه ابن أبي حاتم ،
تنا الأشج ، ثنا أبو أسامة عن عوف عن سليمان الفلانى ، عن الحسين
ابن علي: (وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌمِنْهُ ) يعنى محمداً شاهداً من الله، فهنا معنى
كونه شاهداً من الله هو معنى كونه رسول الله، وهو يشهد للمؤمنين
بأنهم على حق ، وإن كان يشهد لنفسه بأنه رسول الله فشهادته لنفسه
معلومة قد على أنه صادق فيها بالبراهين الدالة على نبوته ، وأما شهادته
للمؤمنين فهو أنها إنما تعلم من جهته بما بلغه من القرآن ، ويخبر به عن
٨٣

ربه ، فهو إذا شهد كان شاهداً من الله.
وأما شهادته عليهم بالإيمان والتصديق وغير ذلك ، فكما في قوله :
(فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أُمَِّ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَابِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا )
(وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ) لكن من قال هذا فقد يريد بالبينة
القرآن، فإن المؤمن متبع للقرآن ومحمد شاهد من الله يتلو. كما
تلاه جبريل .
ومن قال إن الشاهد لسان محمد فهو إنما أراد بهذا القول التلاوة
أي : أن لسان محمد يقرأ القرآن وهو شاهد منه أي من نفسه ، فإن
لسانه جزء منه، وهذا القول ونحوه ضعيف. والله أعلم. هذا إن
ثبت ذلك عمن نقل عنه ، فإن هذا وضده ينقلان عن علي بن
أبي طالب .
وذلك أن طائفة من جهال الشيعة ظنوا أن علياً هو الشاهد منه ،
أي من النبي صلى الله عليه وسلم، كما قال له: (( أنت مني
وأنا منك)) .
وهذا قاله لغيره أيضاً فقد ثبت فى الصحيحين أنه قال «الأشعريون
ثم منى وأنا منهم)). وقال عن جليديب: ((هذا منى وأنا منه)) وكل
٨٤

مؤمن هو من النبى صلى الله عليه وسلم ، كما قال الخليل: ( فَمَنْ تَبِّعَنِى
فَإِنَّهُ مِنِّى ) وقال: (مَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّى) ورووا هذا القول عن
علي نفسه ، وروى عنه بإسناد أجود منه أنه قال كذب من قال هذا ،
قال ابن أبى حاتم: ذكر عن حسين بن زيد الطحان ، تنا إسحق بن
منصور ، ثنا سفيان ، عن الأعمش ، عن المنهال ، عن عباد بن عبد الله
قال : قال علي : ما من قريش أحد إلا نزلت فيه آية ، قيل فما أزل
فيك ؟ قال: ( وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌمِّنْهُ ) وهذا كذب على على قطعاً . وإن
ثبت النقل عن عباد هذا فإن له منكرات عنه ، كقوله: أنا الصديق
الأكبر أسلمت قبل الناس بسبع سنين .
وقد رووا عن علي ما يعارض ذلك ، قال ابن أبى حاتم؛ تنا أبى،
ثنا عمرو بن علي الباهلي ، تنا محمد بن شواص ، ثنا سعيد بن أبى عروبة،
عن قتادة ، عن عروة ، عن محمد بن علي - يعنى ابن الحنفية -
قال: قلت لأبي: يا أبة (وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌمِّنْهُ ) : إن الناس يقولون :
إنك أنت هو ، قال : وددت لو أنى أنا هو . ولكنه لسانه ؟ قال ابن
أبي حاتم : وروى عن الحسن وقتادة نحو ذلك .
قلت: وقد تقدم عن الحسين ابنه أن ((الشاهد منه )) هو محمد
صلى الله عليه وسلم، وإنما تكلم علماء أهل البيت فى أنه محمد رداً على
من قال من الجهلة : أنه على ؛ فإن هذه السورة نزلت بمكة ، وعلي كان
٨٥

إذ ذاك صغيراً لم يبلغ . وكان ممن اتبع الرسول ولو كان ابن رسول
الله ليس ابن عمه لم تكن شهادته تنفع. لاعند المسلمين ولا عند الكفار؛
بل مثل هذه الشهادة فيها تهمة القرابة .
ولهذا كان أكثر العلماء على أن شهادة الوالد وشهادة الولد لوالده
لا تقبل ، فكيف يجعل مثل هذا حجة لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم
مؤكداً لها؟ ولذلك قالوا فى قوله تعالى: (وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِنَبِ )
إنه علي ، وهم مع كذبهم م أجهل الناس ، فإنهم نسبوا الله والرسول
إلى الاحتجاج بمالا يحتج به إلا جاهل ، فأرادوا تعظيم علي فنسبوا الله
والرسول إلى الجهل ، وعلي إنما فضيلته باتباعه للرسول ، فإذا قدح فى
الأصل بطل الفرع .
وأما قول من قال من المفسرين: إن ((الشاهد )) جبريل عليه
السلام، فقد روى ذلك عكرمة عن ابن عباس ، ذكره ابن أبي حاتم عنه،
وعن أبى العالية ، وأبى صالح ، ومجاهد فى إحدى الروايات عنه
وإبراهيم، وعكرمة ، والضحاك، وعطاء الخراسانى نحو ذلك. وهؤلاء
جعلوا ( يتلوه ) بمعنى يقرأه ، أي: ويتلو القرآن الذي هو البينة : شاهد
من الله هو ، وقيل : بل معنى قولهم : إن القرآن يتلوه جبريل هو شاهد
محمد صلى الله عليه وسلم، أي الذي يتلوه جاء من عند الله.
وقد تقدم بيان ضعف هذا القول ، فإن كل من فسر بتلوه
٨٦

بمعنى يقرأه جعل الضمير فيه عائداً إلى القرآن ، وجعل الشاهد
غير القرآن .
والقرآن لم يتقدم له ذكر إنما قال: (أَفَنْ كَانَ عَلَى بِنَةٍ مِّن رَّيْهِ )
والبينة لا يجوز أن يكون تفسيرها يحفظ القرآن ، فإن المؤمنين
كلهم على بينة من ربهم وإن لم يحفظوا القرآن ؛ بخلاف البصيرة في
الدين ، فإنه من لم يكن على بصيرة من ربه لم يكن مؤمناً حقاً ، بل من
القائلين - لمنكر ونكير - آه آه لا أدري، سمعت الناس يقولون
شيئاً فقلته .
والقرآن إنما مدح من كان على بينة من ربه ، فهو على هدى ونور
وبصيرة ، سواء حفظ القرآن أو لم يحفظه ، وإن أريد اتباع القرآن
فهو الإيمان، وأكثر القرآن لم يكن نزل حين نزول هذه الآية ، وقد تقدم
إنما يختص به جبريل ومحمد فهو تبليغ الرسالة عن الله وصدقها في ذلك
وأما كون رسالة الله حقاً فهذا هو المشهود به [ من ] كل رسول ، وهما
لا يختصان بذلك بل يؤمنان به كما يؤمن بذلك كل ملك وكل مؤمن ،
وشهادتهما بأن النبى والمؤمنين على حق من هذا الوجه الثانى المشترك ،
ولو قال : ويبلغه وينزل به رسول من الله لكان ما قالوه متوجهاً ، كما
قال: ( قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ) (نَزَلَ بِهِ الرُُّعُ الْأَمِينُ) (فَإِنَّهُ
٨٧

نَزَّلَهُ, عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ). أما كونه شاهداً يقرأ. فهذا لا نظير له
فى القرآن .
و «أيضاً)) فالشاهد الذي هو من الله هو الكلام ، فإن الكلام
نزل منه كما يعلمون أنه منزل من ربك بالحق ، ويقال فى الرسول إنه
منه ، كما قال رسول من الله، ويقال فى الشخص الشاهد فيقال فيه
هو من شهداء الله، وأماكونه يقال فيه شاهد من الله أنها برهان من
الله، وآيات من الله فى الآيات التى يخلقها الله تصديقاً لرسوله : فهذا
يحتاج استعماله إلى شاهد .
والقرآن نزل بلغة قريش الموجودة فى القرآن ، فإنها تفسر بلغته
المعروفة فيه إذا وجدت لا يعدل عن لغته المعروفة مع وجودها وإنما
يحتاج إلى غير لغته فى لفظ لم يوجد له نظير فى القرآن ، كقوله :
(وَيُكَنَّ اللَّهَ ) (وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ) (وَكَأْسَادِهَاقًا) (وَفَكِهَةً
وَأَبَّا) و(قِسْمَةٌ ضِيرَى) ونحو ذلك من الألفاظ الغريبة فى القرآن
والذين قالوا هذه الأقوال: إنما أتوا من جهة قوله: (وَيَتْلُوهُ )
فظنوا أن تلاوته هي قراءته ، ولم يتقدم للقرآن ذكر . ثم جعل هذا
يقول جبريل تلاه ، وهذا يقول محمد ، وهذا يقول لسانه . والتلاوة
قد وجدت فى القرآن واللغة المشهورة بمعنى الاتباع . وكثير من المفسرين
لا يذكر فى هذه الآية القول الصحيح ، فيبقى الناظر الفطن حائراً ،
٨٨

ولم يذكر في الذي على بينة من ربه إلا أنه الرسول ، ويذكر فى
الشاهد عدة أقوال .
ثم من العجب أنه يقول: (أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ ) أولئك أصحاب محمد.
وقيل : المراد الذين أسلموا من أهل الكتاب ، وهو على ما فسره
لم يتقدم لهم ذكر، فكيف يشار إليهم بقوله: (يُؤْمِنُونَ بِهِ ) وأبو
الفرج ذكر قولا أنهم المسلمون ، ولم يذكر أن الآية تعم النبى
والمؤمنين ، ولما ذكر قول من قال : إنهم المسلمون قال : وهذا يخرج
على قول الضحاك في البينة أنها رسول اللّه .
وقد ذكر في ((البينة)) أربعة أقوال: أنها الدين ذكره أبو صالح
عن ابن عباس ، وأنها رسول الله قاله الضحاك، وأنها القرآن ، قاله
ابن زيد ، وأنها البيان . قاله مقاتل .
ثم قال : فإن قلنا : المراد من كان على بينة من ربه المسلمون
فالمعنى أنهم يتبعون الرسول وهو البينة ، ويتبع هذا النبى شاهد منه
يصدقه ، والمسلمون إذا كانوا على بينة فهي الإيمان بالرسول ، ليست
البينة ذات الرسول ، والرسول ليس هو مذكوراً في كلامه ، فقوله :
(يَتْلُوُهُ) لابد أن يعود إلى من (١) لكن إعادته إلى البينة أولى .
(١) بياض بالأصل .
٨٩

وفسر البينة بالرسول ، وجعل الشاهد يشهد له بصدقه . ثم الشاهد
جبريل أو غيره ، فلو قال : الشاهد هو القرآن يشهد للمؤمنين، فإنه
يتبعهم كما يتبعونه كان قد ذكر الصواب .
وهو قد ذكر أقوالاً كثيرة لم يذكرها غيره ، وذكر فى يتلوه
قولين ((أحدهما)) يتبعه. و ((الثاني)) يقرأ، وهما قولان مشهوران.
وذكر فى ((٥)) يتلوه قولين: أنها ترجع إلى النبى. و ((الثاني)»
أنها ترجع إلى القرآن .
والتحقيق: أنها ترجع إلى ((من)) أو ترجع إلى البينة ، والبينة
يراد بها القرآن ، فيكون المعنى أن الشاهد من القرآن ، وإذا رجع
الضمير إلى ((من )) فإن جعل مختصاً بالنبي صلى الله عليه وسلم - وهو
القول الذي تقدم بيان فساده - عاد الضمير إلى البينة، وإن كان
((من)) تتناول كل من كان على بينة من ربه من المؤمنين ، ورسول
الله أولى المؤمنين تناول الجميع.
ومما يوضح ذلك : أن رسول اللّه جاء بالرسالة من الله، وهذا
يختص به ، وتصديق هذه الرسالة والإيمان بها واجب على الثقلين ،
والرسول هو أول من يجب عليه الإيمان بهذه الرسالة التى أرسله الله
٩٠

بها، ولهذا قال فى سورة يونس: (قُلْ يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُمْ فِ شٍَمِّن دِينِِفَلَآ
أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ اُلَّذِى يَتَوَفَّنكُمْ وَأَمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ).
وقال: (قُلْ إِّ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ)
إلى غير ذلك من الآيات .
فهو صلى اللّه عليه وسلم يتعلق به أمران عظيمان.
((أحدهما)) إثبات نبوته وصدقه فيما بلغه عن الله، وهذا
مختص به .
و ((الثاني)» تصديقه فيما جاء به ، وأن ما جاء به من عند الله
حق يجب اتباعه ، وهذا يجب عليه وعلى كل أحد ، فإنه قد يوجد
فيمن يرسله المخلوق من يصدق فى رسالته ؛ لكنه لا يتبعها : إما
لطعنه فى المرسل ، وإما لكونه يعصيه ، وإن كان قد أرسل بحق ،
فالملوك كثيراً ما يرسلون رسولا بكتب وغيرها، يبلغ الرسل رسالتهم،
فيصدقون بها . ثم قد يكون الرسول أكثر مخالفة لمرسله من غيره
من المرسل إليهم ، ولهذا ظن طائفة منهم القاضي أبو بكر أن مجرد
كونه رسولا للّه لا يستلزم المدح. ثم قال : إن هذا قد يقال فيمن
قبل الرسالة وبلغها ، وفيمن لم يقبل ، لكن هذا غلط ، فإن الله
لا يرسل رسولا إلا وقد اصطفاه ، فيبلغ رسالات ربه . ورسل الله
٩١

ثم أطوع الخلق لله وأعظم إيماناً بما بعثوا به ، بخلاف المخلوق فإنه
يرسل من يكذب عليه ، ومن يعصيه ، ومن لا يعتقد وجوب طاعته ،
والخالق منزه عن ذلك .
لكن هؤلاء الذين قالوا هذا يجوزون على الرب أن يرسل كل
أحد بكل شيء ، ليس في العقل عندهم ما يمنع ذلك ، وإنما ينزهون
الرسل عما أجمع المسلمون على تنزيههم عنه عندم ، [ مما ] ثبت
بالسمع لا من جهة كونه رسولا ، كما قد بسط هذا فى غير هذا الموضع
وبين أن هذا الأصل خطأ .
ولما كان هو صلى الله عليه وسلم يتعلق به الأمران. فى ((الأول))
يقال: آمنت له كما قال تعالى: (فَمَآءَامَنَ لِمُوسَىّ إِلَّاذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ)
وقوله: (يُؤْمِنُ بِالَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ)
( وَمَآ أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا ).
وفي ((الثانى)) يقال: آمنت بالله فعلينا أن نؤمن له ونؤمن بما
جاء به، والله تعالى ذكر هذين. فذكر ((أولا)) ما يثبت نبوته
( أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَنَّهُ قُلْ فَأَنُواْبِعَشْرِسُوَرٍ مِثْلِهِ، مُفْتَرَيَتٍ
صى
وصدقه بقوله :
وَأَدْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ * فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُواْلَكُمْ فَأَعْلَمُواْ
أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَن ◌َّا إِلَهَ إِلَّهُوَ )
كما تقدم التنبيه على ذلك .
٩٢

ولما كان الذي يمنع الإنسان من اتباع الرسول شيئان: إما الجهل
وإما فساد القصد ، ذكر ما يزيل الجهل ، وهو الآيات الدالة على صدقه
ثم ذكر أهل فساد القصد بقوله: (مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَوةَ الذُّنْيَا وَزِينَهَا
نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَلَهُمْ فِيَهَا وَهُمْ فَِهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ إِلَّ النَّارُ
صِلى
وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَطِلٌ مَّاكَانُواْ يَعْمَلُونَ)
فهؤلاء أهل فساد القصد .
فهذان الأمران هما المانعان للخلق من اتباع هذا [الرسول ] كما
أنه فى البقرة ذكر ما يوجب العلم وحسن القصد ، فقال : ( وَإِن
كُنْتُمْ فِ رَيْبٍ مِّعَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأَتُواْبِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ، وَادْعُواْ شُهَدَآءَكُمْ مِندُونِ
اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَدِقِينَ ) . ثم قال: (فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَنْ تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ
اُلِّى وَقُودُهَا النَّاسُ وَالِجَارَةُ أُمِدَّتْ لِلْكَفِرِنَ ) .
فلما أثبت هذين الأصلين : أخذ بعد هذا فى بيان الإيمان به ،
وحال من آمن ومن كفر، فقال: (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ )
الآية. ثم قال: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ
عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَدُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ)
وهذا يتناول كل كافر ممن كذب على اللّه بادعاء الرسالة كاذبا ،
ويتناول كل من كذب رسولا صادقا ، فقال : إن الله لم يرسل
هذا، ولم يأمر بهذا، فكذب على الله، وهذا إنما يقع من فسد
٩٣

قصده بحب الدنيا وإرادتها ، وممن أحب الرئاسة وأراد العلو فى الأرض
من أهل الجهل .
وفى الصحيحين عن ابن عمر عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال:
((إن الله بدني المؤمن منه يوم القيامة حتى يلقى عليه كنفه، ويقول
فعلت يوم كذا كذا وكذا ، ويوم كذا كذا وكذا ، فيقول : نعم .
فيقول : إني قد سترتها عليك فى الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم ، ثم
يعطى كتاب حسناته بيمينه)).
وأما الكفار والمنافقون: فـ ( ... يَقُولُ الْأَشْهَدُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُواْ
ثم ذكر تعالى الذين آمنوا وعملوا
عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اُللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ)
الصالحات ، ثم ذكر مثل الفريقين، فمن تدبر القرآن وتدبر ما قبل
الآية وما بعدها ، وعرف مقصود القرآن: تبين له المراد ، وعرف الهدى
والرسالة، وعرف السداد من الانحراف، والاعوجاج .
وأما تفسيره بمجرد ما يحتمله اللفظ المجرد عن سائر ما يبين معناه
فهذا منشأ الغلط من الغالطين ؛ لاسيما كثير ممن يتكلم فيه بالاحتمالات
اللغوية . فإن هؤلاء أكثر غلطا من المفسرين المشهورين ؛ فإنهم لا
يقصدون معرفة معناه ، كما يقصد ذلك المفسرون .
وأعظم غلطا من هؤلاء وهؤلاء من لا يكون قصده معرفة مراد الله ؛
٩٤

بل قصده تأويل الآية بما يدفع خصمه عن الاحتجاج بها ، وهؤلاء
يقعون فى أنواع من التحريف ولهذا جوز من جوز منهم أن تأول الآية
بخلاف تأويل السلف وقالوا : إذا اختلف الناس فى تأويل الآية على
قولين جاز لمن بعدهم إحداث قول ثالث ؛ بخلاف ما إذا اختلفوا فى
الأحكام على قولين ، وهذا خطأ ، فإنهم إذا أجمعوا على أن المراد
بالآية إما هذا وإما هذا كان القول بأن المراد غير هذين القولين خلافاً
الإجماعهم ؛ ولكن هذه طريق من يقصد الدفع لا يقصد معرفة المراد ،
وإلا فكيف يجوز أن تضل الأمة عن فهم القرآن، ويفهمون منه كلهم
غير المراد (١) متأخرون يفهمون المراد ، فهذا هذا والله أعلم .
فصل
وقوله: (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّهِ ) كما تقدم هو كقوله: (قُلّ
وقوله: (أَفَنْ كَانَ عَلَى بَّنَةٍ مِّن رَّيِّهِ، كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوَءُ
إِعَلَىبَئِنَةِمِّنرَّقِی )
عَمَلِهِ، وَنََّعُوْ أَهْوَآءَهُمْ )
وقوله: ( أَفَمَنْ شَرَعَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَِفَهُوَ عَلَى
نُرِّن رَّيِّهِ ) وقوله (أُوْلَئِكَ عَلَى هُدَّى مِّن رَّبِّهِمْ ).
(١) بياض بالاصل
٩٥

فإن هذا النوع يبين أن المؤمن على أمر من الله ، فاجتمع فى
هذا اللفظ حرف الاستعلاء وحرف ( من ) لابتداء الغاية ، وما يستعمل
فيه حرف ابتداء الغاية فيقال: هو من اللّه على نوعين، فإنه إما أن
يكون من الصفات التى لا تقوم بنفسها ، ولا بمخلوق ، فهذا يكون صفة
له ، وما كان عيناً قائمة بنفسها ، أو بمخلوق فهي مخلوقة .
((فالأول)) كقوله : ( وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّى ) وقوله: (يَعْلَمُونَ
أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ ) كما قال السلف: القرآن كلام الله غير مخلوق،
منه بدأ وإليه بعود .
((والنوع الثانى)) كقوله: (وَسَخَّرَلَكُمَّا فِي السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ اُلْأَرْضِ
(وَمَا بِكُمْ مِّن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ)، و(مَّآ
:
وفوله
◌َمیعَامِنْهُ )
وكما يقال : إلهام الخير وإيجاؤه من
أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍفَمِنَ اللَّهِ )
الله، وإلهام الشر وإيحاؤه من الشيطان ، والوسوسة من الشيطان .
فهذا نوعان .
نارة يضاف باعتبار السبب ، وتارة باعتبار العاقبة والغاية . فالحسنات
هي النعم ، والسيئات هي المصائب كلها من عند الله ، لكن تلك الحسنات
أنعم الله بها على العبد ، فهي منه إحساناً وتفضلا ، وهذه عقوبة ذنب
من نفس العبد ، فهي من نفسه باعتبار أن عمله السيء كان
٩٦

سبها ، وهي عقوبة له ؛ لأن النفس أرادت تلك الذنوب ووسوست بها.
وتارة بقال باعتبار حسنات العمل وسيئاته ، وما يلقى في القلب من
التصورات والإرادات ، فيقال للحق : هو من الله ألهمه العبد ، ويقال
للباطل : إنه من الشيطان وسوس به ، ومن النفس أيضاً لأنها إرادته
كما قال عمر وابن عمر وابن مسعود فيما قالوه باجتهادم : إن يكن
صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمنا ومن الشيطان ، والله ورسوله
بريئان منه .
وهذا لفظ ابن مسعود في حديث بروع بنت واشق ، قال : إن
يكن صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فني ومن الشيطان ، لأنه حكم بحكم
فإن كان موافقاً لحكم الله فهو من الله، لأنه موافق لعلمه وحكمه،
فهو منه باعتبار أنه سبحانه ألهمه عبده لم يحصل بتوسط الشيطان
والنفس ، وإن كان خطأ فالشيطان وسوس به . والنفس أرادته
ووسوست به ، وإن كان ذلك مخلوقا فيه ، والله خلقه فيه؛ لكن الله لم
يحكم به ، وإن لم يكن ما وقع لي من إلهام الملك كما قال ابن مسعود:
إن للملك بقلب ابن آدم لمة ، وللشيطان لمة ؛ فلمة الملك إيعاد بالخير
وتصديق بالحق ، ولمة الشيطان إيعاد بالشر وتكذيب بالحق)) فالتصديق
من باب الخبر، والإيعاد بالخير والشر من باب الطلب والإرادة . قال
تعالى: (الشَّيْطَنُ يَعِدُ كُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَآءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَّغْفِرَةً
٩٧

مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيٌ )
فهذه حسنات العمل من الله عز وجل بهذين الاعتبارين .
((أحدهما)) أنه يأمر بها ويحبها ، وإذا كانت خيراً فهو يصدقها
ويخبر بها ، فهي من علمه وحكمه ، وهي أيضاً من إلهامه لعبده
وإنعامه عليه ، لم تكن بواسطة النفس والشيطان ؛ فاختصت بإضافتها
إلى اللّه من جهة أنها من علمه وحكمه، وأن النازل بها إلى العبد ملك،
كما اختص القرآن بأنه منه كلام ، وقرآن مسيلمة بأنه من الشيطان ،
فإن ما يلقيه الله فى قلوب المؤمنين من الإلهامات الصادقة العادلة هي من
وحى الله، وكذلك ما يريهم إياه فى المنام ، قال عبادة بن الصامت:
رؤيا المؤمن كلام بكلم به الرب عبده فى منامه ، وقال عمر : اقتربوا
من أفواه المطيعين واسمعوا منهم ما يقولون ، فإنهم يتجلى لهم أمور
(وَ إِذْأَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِبِِّنَ أَنْ ءَاِمِنُواْفِى
صادقة ، وقد قال تعالی :
(وَأَوْحَيْنَآ إِلَى أُمِّمُوسَىّ) (وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِنَّنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَذَا)
وَبِرَسُولِى )
وقال: ( فَهَمَهَا لُجُورَهَا وَتَقْوَنهَا ) على قول الأكثرين ، وهو أن
المراد أنه ألهم الفاجرة فجورها ، والتقية تقواها ، فالإلهام عنده هو البيان
بالأدلة السمعية والعقلية .
وأهل السنة يقولون : كلا النوعين من اللّه ، هذا الهدى المشترك
٩٨

وذاك الهدى المختص ، وإن كان قد سماه إلهاماً كما سماه هدى ، كما فى
، وكذلك
(وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَهُمْ فَاسْتَحَبُّوْ اَلْعَمَى عَلَى أَلْهُدَى)
قوله :
قد قيل فى قوله : (وَهَدَيْنَهُ النَّجْدَيْنِ) أي بينا له طريق الخير
والشر ، وهو هدى البيان العام المشترك . وقيل: هدينا المؤمن لطريق
الخير ، والكافر لطريق الشر ؛ فعلى هذا يكون قد جعل الفجور
هدى ، كما جعل أولئك البيان إلهاماً .
قیل
(إِنَّاهَدَيْنَهُ السَّبِيلَ إِمَا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا )
وكذلك قوله
هو الهدى المشترك ، وهو أنه بين له الطريق التى يجب سلوكها ،
والطريق التى لا يجب سلوكها . وقيل بل هدى كلا من الطائفتين إلى
ما سلكه من السبيل (إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ).
لكن تسمية هذا هدى قد يعتذر عنه بأنه هدى مقيد لا مطلق ،
كما قال: (فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمِ) وكما قال: (يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ
وَالطّغُوتِ ) وأنه ( يَقُولُ الْحَقَ) و ( يَأْمُرُ بِأَلْعَدْلِ) فهو موافق لقوله وأمره
لعلمه وحكمه ، كما أن القرآن وسائر كلامه كذلك ، وباعتبار أنه أنعم على
العبد بواسطة جنده بالملائكة .
ويقال لضد هذا - وهو الخطأ - هذا من الشيطان والنفس ؛
لأن الله لا يقوله ولا يأمر به ؛ ولأنه إنما ينكته في قلب الإنسان
٩٩

الشيطان ، ونفسه تقبله من الشيطان ؛ فإنه يزين لها الشيء فتطيعه
فيه ، وليس كل ما كان من الشيطان يعاقب عليه العبد ؛ ولكن يفوته
به نوع من الحسنات كالنسيان ، فإنه من الشيطان ، والاحتلام من
الشيطان ، والنعاس عند الذكر والصلاة من الشيطان ، والصعق عند
الذكر من الشيطان ، ولا إثم على العبد فيما غلب عليه إذا لم يكن
ذلك بقصد منه أو بذنب .
فقوله : (إِنِ عَلَى بَيِنَةٍ مِّن رَّبِى) وشبهها مما تقدم ذكره: من هذا
(ذَلِكَ بِأَنَّالَّذِينَ كَفَرُواْ اتَّبَعُواْالْبَطِلَ وَأَنَّالَّذِينَ
الباب ، وكذلك قوله :
فإن المؤمنين على تصديق ما أخبر
ءَامَنُواْ اتَّبَعُوْحَقَّ مِن رَّيِّهِمْ)
الله به، وفعل ما أمر الله ابتداء وتبليغاً كالقرآن، وقد قال: ((إن الله
أنزل الأمانة فى جذر قلوب الرجال )) فهي تنزل في قلوب المؤمنين من
نوره وهداه ، وهذه حسنات دينية وعلوم دينية حق نافعة فى الدنيا
والآخرة ، وهو الإيمان الذي هو أفضال المنعم ، وهو أفضل النعم .
فقد دخل فى ذلك
(مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍفَمِنَ اللَّهِ )
وأما قوله :
نعم الدنيا كلها ، كالعافية والرزق ، والنصر ، وتلك حسنات يبتلى الله
العبد بها . كما يبتليه بالمصائب ، هل شكر أم لا ؟ وهل بصبر أم لا ؟
كما قال تعالى: (وَبَلَوْنَهُم بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ ) وقال: (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ
وَالْخَيْرِفِتْنَةً ) (فَأَمَّا آَلْإِنسَنُ إِذَامَا أَبْئَلَئُهُ رَبُّهُ) الآيات.
١٠٠