النص المفهرس

صفحات 481-500

((أحدها)) ألا يخاف المؤمن من الكفار والمنافقين فإنهم لن
يضروه إذا كان مهتديا .
((الثانى)) ألا يحزن عليهم ولا يجزع عليهم، فإن معاصيهم لا
تضره إذا اهتدى ، والحزن على مالا يضر عبث ، وهذان المعنيان مذكوران
فى قوله: ( وَأَصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَاتَكُ فِ ضَيْفِ مِّمَا
يَمْكُرُونَ ) .
((الثالث)) ألا يركن إليهم، ولا يمدعينه إلى ما أوتوه من السلطان
والمال والشهوات ، كقوله: ( لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيَّكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَابِهِ، أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ وَلَا
فنهاه عن الحزن عليهم والرغبة فيما عندم فى آية ،
تَحْزَنْ عَلَّهِمْ )
ونهاه عن الحزن عليهم والرهبة منهم فى آية ، فإن الإنسان قد يتألم عليهم
ومنهم إما راغبا وإما راهباً .
((الرابع)) ألا يعتدى على أهل المعاصى بزيادة على المشروع
فى بغضهم أو ذمهم ، أو نهيهم أو مجرم ، أو عقوبتهم ؛ بل يقال لمن
اعتدى عليهم عليك نفسك لا يضرك من ضل إذا اهتديت ، كما قال :
(وَلَا يَجْرِ مَنَّكُمْ شَنَثَانُ قَوْمٍ ) الآية. وقال: (وَقَتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ
يُقَِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُ وَأَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) وقال: ( فَإِنِ أَنْشَهَوْاْ
فإن كثيراً من الآمرين الناهين قد يعتدى
فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّلِينَ)
٤٨١

حدود الله إما بجهل وإما بظلم، وهذا باب يجب التثبت فيه، وسواء في
ذلك الإنكار على الكفار والمنافقين والفاسقين والعاصين .
((الخامس)) أن يقوم بالأمر والنهي على الوجه المشروع ، من
العلم والرفق ، والصبر ، وحسن القصد ، وسلوك السبيل القصد ، فإن
ذلك داخل في قوله : (عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ) وفى قوله: ( إِذَا أَهْتَدَيْتُمْ ).
فهذه خمسة أوجه تستفاد من الآية لمن هو مأمور بالأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر ، وفيها المعنى الآخر . وهو إقبال المرء على مصلحة
نفسه علما وعملا، وإعراضه عما لا يعنيه ، كما قال صاحب الشريعة :
((من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه)) ولا سيما كثرة الفضول فيما
ليس بالمرء إليه حاجة من أمر دين غيره ودنياه ، لاسيما إن كان التكلم
لحسد أو رئاسة .
وكذلك العمل فصاحبه إما معتد ظالم ، وإما سفيه عابث ، وما
أكثر ما يصور الشيطان ذلك بصورة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
والجهاد في سبيل الله، ويكون من باب الظلم والعدوان.
فتأمل الآية فى هذه الأمور من أنفع الأشياء للمرء ، وأنت إذا
تأملت ما يقع من الاختلاف بين هذه الأمة علمائها وعبادها وأمرائها
٤٨٢

ورؤسائها وجدت أكثره من هذا الضرب الذي هو البغي بتأويل أو
بغير تأويل ، كما بغت الجهمية على المستنة فى محنة الصفات والقرآن ؛
محنة أحمد وغيره ، وكما بغت الرافضة على المستنة مرات متعددة ، وكما
بغت الناصبة على علي وأهل بيته ، وكما قد تبغى المشبهة على المنزهة ،
وكما قد يبغى بعض المستنة إما على بعضهم وإما على نوع من المبتدعة
بزيادة على ما أمر الله به، وهو الإسراف المذكور فى قولهم: (رَبََّا
أَغْفِرْ لَنَاذُنُوبَنَا وَ إِسْرَافَنَا فِى أَمْرِنَا ).
ويإزاء هذا العدوان تقصير آخرين فيما أمروا به من الحق ، أو
فيما أمروا به من الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر فى هذه الأمور
كلها ، فما أحسن ما قال بعض السلف: ما أمر الله بأمر إلا اعترض
الشيطان فيه بأمرين - لايبالي بأيهما ظفر - غلو أو تقصير .
فالمعين على الإثم والعدوان بإزائه تارك الإعانة على البر والتقوى ،
وفاعل المأمور به وزيادة منهى عنها بإزائه تارك المنهى عنه وبعض المأمور
به ، والله يهدينا الصراط المستقيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
٤٨٣

قال شيخ الإسلام رحمه اللّه
فصل
الذي يدل عليه القرآن فى سورة المائدة فى آبة الشهادة فى قوله
( فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ أَرْ تَبْتُمْ لَا نَشْتَرِى بِهِ ثَّمَنَّاً ) أي بقولنا ، ولو كان ذا
قربى ، حذف ضمير كان لظهوره ، أي ولو كان المشهود له ، كما فى
قوله: ( وَإِذَا قُلْتُمْ فَأَعْدِلُواْ وَلَوْكَانَ ذَاقُرْنَى) وكما في قوله: (كُونُواْ
فَوَمِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءَلِلَّهِ ) إلى قوله: (إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْفَقِيرًا ) أي
المشهود عليه ونحو ذلك ؛ لأن العادة أن الشهادة المزورة يعتاض عليها ،
وإلا فليس أحد يشهد شهادة مزورة بلا عوض - ولو مدح - أو
اتخاذ يد . وآفة الشهادة: إما اللي، وإما الاعراض: الكذب والكتمان
فيحلفان لا نشتري بقولنا ثمناً : أى لا نكذب ولا نكتم شهادة الله،
أو لا نشتري بعهد الله ثمناً؛ لأنهما كانا مؤتمنين، فعليها عهد بتسليم
المال إلى مستحقه ؛ فإن الوصية عهد من العهود .
وقوله بعد ذلك ( فَإِنْ عُثِرَعَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّ إِثْمًا ) أعم من أن يكون
٤٨٤

في الشهادة أو الأمانة . وسبب نزول الآية يقتضي أنه كان في الأمانة
فإنهما استشهدا وائتمنا ، لكن انتمائها ليس خارجا عن القياس ؛ بل حكمه
ظاهر ، فلم يحتج فيه إلى تنزيل ، بخلاف استشهادهما ، والمعثور على
استحقاق الإثم ظهور بعض الوصية عند من اشتراها منهما بعد أن وجد
ذكرها في الوصية ، وسئلا عنها فأنكراها .
وقوله: ( مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ ) يحتمل أن يكون مضمناً
معنى بغى عليهم ، وعدى ( عليهم ) كما يقال في الغصب : غصبت علي
مالي؛ ولهذا قيل: ( لَشَهَدَنُنَا أَحَقُّ مِن شَهَدَتِهِمَا وَمَاأَعْتَدَيْنَاً ) أي
كما اعتدوا . ثم قوله: (ذَلِكَ أَدْنَ أَنْ يَأْتُواْبِالشَّهَدَةٍ عَلَى وَجْهِهَا أَوْيَخَافُواْأَنْ تُرَرَّ
أَعْمَنُ بَعْدَ أَيْمَنِهِمْ )
وحديث ابن عباس فى البخاري صريح فى أن النبى صلى الله عليه وسلم
حكم بمعنى ما فى القرآن ، فرد اليمين على المدعين بعد أن استحلف
المدعى عليهم لما عثر على أنهما استحقا إنما ، وهو إخبار المشترين أنهم
اشتروا ((الجام)) منهما بعد قولهما مارأيناه ، خلف النبى صلى الله عليه وسلم
اتين من المدعيين الأوليان، وأخذ ((الجام)) من المشتري، وسلم إلى
المدعي ، وبطل البيع ، وهذا لا يكون مع إقرارها بأنهما باعا الجام ؛
فإنه لم يكن يحتاج إلى يمين المدعيين لو اعترفا بأنه جام الموصى ، وأنهما
٤٨٥

غصباه وباعاه ، بل بقوا على إنكار قبضه مع بيعه ، أو ادعوا مع ذلك
أنه أوصى لهما به وهذا بعيد .
فظاهر الآية أن المدعى عليه المتهم بخيانة ونحوها - كما اتهم
هؤلاء - إذا ظهر كذبه وخيانته كان ذلك لوثا يوجب رجحان جانب
المدعي ؛ فيحلف ويأخذ ، كما قلنا فى الدماء سواء ، والحكمة فيهما
واحدة ، وذلك أنه لما كانت العادة أن القتل لا يفعل علانية بل سراً ،
فيتعذر إقامة البينة ، ولا يمكن أن يؤخذ بقول المدعي مطلقا أخذ
بقول من يترجح جانبه ، مع عدم اللوث جانب المنكر راجح ، أما إذا
كان قتل ولوث قوي جانب المدعي فيحلف .
وكذلك الخيانة والسرقة يتعذر إقامة البينة عليها فى العادة ، ومن
يستحل أن يسرق فقد لا يتورع عن الكذب ، فإذا لم يكن لوث فالأصل
براءة الذمة ، أما إذا ظهر لوث بأن يوجد بعض المسروق عنده فيحلف
المدعي ويأخذ ، وكذلك لو حلف المدعى عليه ابتداء ثم ظهر بعض
المسروق عند من اشتراه أو اتهبه أو أخذه منه ، فإن هذا اللوث في
تغليب الظن أقوى ؛ لكن فى الدم قد يتيقن القتل ويشك فى عين القاتل
فالدعوى إنما هي بالتعيين .
وأما فى الأموال : فتارة يتيقن ذهاب المال وقدره ، مثل أن يكون
٤٨٦

معلوما في مكان معروف . وتارة يتيقن ذهاب مال لا قدره ، بأن يعلم
أنه كان هناك مال وذهب . وتارة بتيقن هتك الحرز ولا يدرى أذهب
بشيء أم لا ؟ هذا فى دعوى السرقة ، وأما فى دعوى الخيانة فلا تعلم
الخيانة ، فإذا ظهر بعض المال المتهم به عند المدعى عليه أو من قبضه منه
ظهر اللوث بترجيح جانب المدعى ، فإن تحليف المدعى عليه
حينئذ بعید .
وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لو يعطى الناس بدعوام لادعى
قوم دماء قوم وأموالهم . ولكن اليمين على المدعى عليه » جمع فيه
الدماء والأموال ، فكما أن الدماء إذا كان مع المدعى لوث حلف فكذلك
الأموال ، كما حلفناه مع شاهده ، فكل ما يغلب على الظن صدقه فهو
بمنزلة شاهده ، كما جعلنا فى الدماء الشهادة المزورة لنقص نصابها أو
صفاتها لوثا ، وكذلك فى الأموال جعل الشاهد مع اليمين ، فالشاهد
المزور مع لوث وهو (١) لكن ينبغي أن تعتبر فى هذا حال المدعى والمدعى
عليه فى الصدق والكذب ، فإن باب السرقة والخيانة لا يفعله إلا فاسق
فإن كان من أهل ذلك لم يكن (١) إذا لم يكن إلا عدلا. وكذلك
المدعى قد يكذب ، فاعتبار العدالة والفسق فى هذا يدل عليه قول
الأنصاري: كيف نرضى بأيمان قوم كفار؟ فعلم أن المتهم إذا كان فاجرا
فللمدعى أن لا يرضى بيمينه، لأنه من يستحل أن يسرق يستحل أن يحلف .
(١) بياض بالأصل .
٤٨٧

سورة الأنعام
سئل رضي اللّهعنه
عن قوله تعالى: ( ثُمَّقَضَى أَجَلَاً وَأَجَلٌ مُسَمِّى عِندَهُ ) وقوله تعالى :
(وَمَا يُعَمَّرُمِن مُّعَمٍَّ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلََّ فِ كِنٍَ )
وقوله تعالى : (يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِثُ وَعِندَهُأُمُ الْكِتَبِ) هل المحو
والإثبات فى اللوح المحفوظ والكتاب الذي جاء فى الصحيح ((إن الله
تعالى كتب كتاباً فهو عنده على عرشه)) الحديث. وقد جاء: ((جف
القلم )) فما معنى ذلك فى المحو والإثبات ؟.
وهل شرع في الدعاء أن يقول: ((اللهم إن كنت كتبتني كذا
فامحني واكتبني كذا فإنك قلت: (يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ )؟ وهل
صح أن عمر كان يدعو بمثل هذا ؟ وهل الصحيح عندكم أن العمر يزيد
بصلة الرحم ، كما جاء في الحديث ؟ أفتونا مأجورين .
فأجاب رضي الله عنه: الحمد لله رب العالمين.
٤٨٨

أما قوله سبحانه: ( ثُمَّقَضَّ أَجَلَّاً وَأَجَلٌ مُسَمَّى عِندَهُ ) فالأجل
الأول هو أجل كل عبد ؛ الذي ينقضى به عمره . والأجل المسمى عنده
هو : أجل القيامة العامة .
ولهذا قال: ( قُسَمَّى عِندَهُ ) فإن وقت الساعة لا يعلمه ملك مقرب
ولا نبي مرسل، كما قال: (يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَانَ مُنْ سَنِهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَاِنْدَرَبِّ
لَيُحَلِيَهَا لِوَقِهَا إِلَّهُوَ).
بخلاف ما إذا قال : ( مسمى )
كقوله: (إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى )
إذ لم يقيد بأنه مسمى
عنده ، فقد يعرفه العباد .
وأما أجل الموت فهذا تعرفه الملائكة الذين يكتبون رزق العبد ،
وأجله وعمله ، وشقي أو سعيد . كما قال فى الصحيحين عن ابن مسعود
قال: ((حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو الصادق المصدوق - :
إن أحدكم يجمع خلقه فى بطن أمه أربعين يوما نطفة ، ثم يكون
علقة مثل ذلك ، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث إليه الملك، فيؤمر
بأربع كلمات ، فيقال: اكتب رزقه ، وأجله، وعمله، وشقى أو سعيد
ثم ينفخ فيه الروح)) فهذا الأجل الذي هو أجل الموت قد يعلمه الله
لمن شاء من عباده .
وأما أجل القيامة المسمى عنده فلا يعلمه إلا هو .
٤٨٩

فقد قيل
وأما قوله: (وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ )
إن المراد الجنس ، أي ما يعمر من عمر إنسان ، ولا ينقص من عمر
إنسان ، ثم التعمير والتقصير يراد به شيئان :
((أحدهما)) أن هذا يطول عمره ، وهذا يقصر عمره ، فيكون
تقصيره نقصاً له بالنسبة إلى غيره ، كما أن المعمر يطول عمره ، وهذا
يقصر عمره ، فيكون تقصيره نقصاً له بالنسبة إلى غيره ، كما أن التعمير
زيادة بالنسبة إلى آخر .
وقد يراد بالنقص النقص من العمر المكتوب ، كما يراد بالزيادة
الزيادة في العمر المكتوب . وفى الصحيحين عن النبي صلى الله عليه
وسلم أنه قال: (( من سره أن يبسط له فى رزقه ، وينسأله فى أثره
فليصل رحمه )) وقد قال بعض الناس : إن المراد به البركة فى العمر ،
بأن يعمل فى الزمن القصير ما لا يعمله غيره إلا فى الكثير ، قالوا :
لأن الرزق والأجل مقدران مكتوبان .
فيقال لهؤلاء تلك البركة . وهي الزيادة فى العمل ، والنفع. هي
أيضاً مقدرة مكتوبة ، وتتناول لجميع الأشياء .
والجواب المحقق: أن الله يكتب للعبد أجلا فى صحف الملائكة .
٤٩٠

فإذا وصل رحمه زاد فى ذلك المكتوب . وإن عمل مايوجب النقص
نقص من ذلك المكتوب .
ونظير هذا مافى الترمذي وغيره عن النبى صلى الله عليه وسلم :
(( أن آدم لما طلب من الله أن يريه صورة الأنبياء من ذريته فأراه إيام،
فرأى فيهم رجلاله بصيص ، فقال من هذا يارب ؟ فقال ابنك داود .
قال : فكم عمره ؟ قال أربعون سنة . قال : وكم عمري ؟ قال : ألف
سنة. قال فقد وهبت له من عمري ستين سنة . فكتب عليه كتاب، وشهدت
- عليه الملائكة ، فلما حضرته الوفاة قال قد بقي من عمري ستون سنة .
قالوا : وهبتها لابنك داود . فأنكر ذلك ، فأخرجوا الكتاب . قال
النبى صلى الله عليه وسلم فنسي آدم فنسيت ذريته، وجحد آدم فيحدت
ذريته)) وروى أنه كمل لآدم عمره ، ولداود عمره .
فهذا داود كان عمره المكتوب أربعين سنة ، ثم جعله ستين ،
وهذا معنى ماروى عن عمر أنه قال: اللهم إن كنت كتبتني شقياً فامحنى
واكتنى سعيداً ، فإنك تمحو ما تشاء وثثبت .
والله سبحانه عالم بما كان وما يكون، ومالم يكن لو كان كيف كان
يكون؛ فهو يعلم ماكتبه له وما يزيده إياه بعد ذلك، والملائكة لا علم
لهم إلا ما علمهم الله، والله يعلم الأشياء قبل كونها وبعد كونها ؛
٤٩١

فلهذا قال العلماء : إن المحو والإثبات فى صحف الملائكة ، وأما علم الله
سبحانه فلا يختلف ولا يبدو له مالم يكن عالماً به ، فلا محو فيه
ولا إثبات .
وأما اللوح المحفوظ فهل فيه محو وإثبات على قولين . والله سبحانه
وتعالى أعلم ؟ .
٤٩٢

وقال أيضا :
ـل
ذكر الله أنه يرفع درجات من يشاء في قصة مناظرة إبراهيم ،
وفى قصة احتيال يوسف ، ولهذا قال السلف : بالعلم ؛ فإن سياق الآيات
يدل عليه ، فقصة إبراهيم في العلم بالحجة ، والمناظرة لدفع ضرر الخصم
عن الدين ، وقصة يوسف في العلم بالسياسة والتدبير لتحصل منفعة
المطلوب ، فالأول على بما يدفع المضار في الدين ، والثاني علم بما يجلب
المنافع ، أو يقال : الأول هو العلم الذي يدفع المضرة عن الدين
ويجلب منفعته ، والثاني على بما بدفع المضرة عن الدنيا ويجلب منفعتها ،
أو يقال قصة إبراهيم فى على الأقوال النافعة عند الحاجة إليها وقصة
يوسف فى على الأفعال النافعة عند الحاجة إليها ، فالحاجة [ فى (١)] جلب
المنفعة ودفع المضرة قد تكون إلى القول ، وقد تكون [إلى الفعل] (٢)
ولهذا كان المقصرون عن على الحجيج والدلالات ، وعلم السياسة
(١)، (٢) اضيفتا حسب مفهوم السياق.
٤٩٣

والإمارات مقهورين مع هذين الصنفين ، تارة بالاحتياج إليهم إذا هجم
عدو يفسد الدين بالجدل أو الدنيا بالظلم ، وتارة بالاحتياج إليهم إذا
محجم على أنفسهم من أنفسهم ذلك ، وتارة بالاحتياج إليهم لتخليص بعضهم
من شر بعض فى الدين والدنيا ، وتارة يعيشون فى ظلهم فى مكان ليس
فيه مبتدع يستطيل عليهم ، ولا وال يظلمهم وما ذاك إلا لوجود علماء
الحجج الدامغة لأهل البدع والسياسة الدافعة للظلم .
ولهذا قيل : صنفان إذا صلحوا صلح الناس: العلماء والأمراء ، وكما
أن المنفعة فيها فالمضرة منها ، فإن البدع والظلم لا تكون إلا فيها: أهل
الرياسة العلمية ، وأهل الرياسة القدرية ، ولهذا قال طائفة من السلف
كالثوري وابن عيينة وغيرهما ما معناه : أن من نجا من فتنة البدع
وفتنة السلطان فقد نجا من الشر كله ، وقد بسطت القول فى هذا في
الصراط المستقيم عند قوله: (فَأَسْتَمْتَعُواْ بِخَلَقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُم بِخَفِكُ كَمَا
اُسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخَلَقِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِى خَاصُواْ ).
٤٩٤

قال شيخ الإسلام رحمه الله:
هذا تفسير آيات أشكلت حتى لا يوجد فى طائفة من كتب
التفسير إلا ما هو خطأ .
والآ ية
منها قوله : (وَمَا يُشْعِزَّكُمْ أَنَّهَآَ إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ )
بعدها . أشكلت قراءة الفتح على كثير بسبب أنهم ظنوا أن الآية
بعدها جملة مبتدأة ، وليس كذلك ؛ لكنها داخلة فى خبر أن . والمعنى:
إذا كنتم لا تشعرون أنها إذا جاءت لا يؤمنون وأنا أفعل بهم هذا: لم
يكن قسمهم صدقا ؛ بل قد يكون كذبا ، وهو ظاهر الكلام المعروف
أنها ((أن)) المصدرية، ولو كان . (ونقلب ) إلخ كلاماً مبتدأً لزم
أن كل من جاءته آية قلب فؤاده ، وليس كذلك بل قد يؤمن
كثير منهم .
٤٩٥

قال شيخ الإسلام رحمه الله:
فصل
قال تعالى: (وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَذْلًاً لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَتِهٍ، وَهُوَ
ذكر هذا بعد قوله: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِّ
السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)
عَدُوًّا شَيَطِينَ آلْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضِ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًاً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ
مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَايَقْتَرُونَ * وَلِنَصْغَىَ إِلَيْهِ أَفْعِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ
وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتِفُواْ مَاهُمْ مُقْتَرِفُونَ * أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِى حَكَمَا وَهُوَ الَّذِىّ أَنْزَلَ
إِلَيْكُمُ الْكِتَبَ مُفَضَّلًا وَاُلَّذِينَ ءَاتَّيْنَهُمُ اُلْكِنَبَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْخِيّ
فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ) ثم قال: (وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلَاً لََّ مُبَدِّلَ
لِكَلِمَتِهِ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) وقال تعالى: (وَأَتْلُ مَآ أُوْجِىَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابٍ
رَبِّكَ لاَمُبَدِّلَ لِكَلِمَتِهِ، وَلَنْ تَجِدَ مِن دُونِهِ، مُلْتَحَدًا ).
فأخبر فى هاتين الآيتين أنه لا مبدل لكلمات الله ، وأخبر في
الأولى أنها تمت صدقاً وعدلا . وقد تواتر عن النبى صلى الله عليه وسلم
٤٩٦

أنه كان يستعيذ وبأمر بالاستعاذة بكلمات الله التامات، وفى بعض الأحاديث
((التى لا يجاوزهن بر ولا فاجر)).
وقال تعالى: (أَلَآ إِنَّ أَوْلِيَآءَ اللَّهِ لَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَهُمْ يَحْزَنُونَ
الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِى الْحَيَوَةِالدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ
*
وقال تعالى : (وَلَقَدْ
لَ نَبْدِيلَ لِكَلِمَتِ اللَّهَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ ).
كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَاكُذِبُواْ وَأُوذُ واحَتَّ أَنَهُمْ نَصْرًا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَتِ اللَّهِ
وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِى الْمُرْسَلِينَ)
فأخبر في هذه الآية أيضاً أنه لا مبدل لكلمات اللّه ؛ عقب قوله:
(فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْحَتَّقَنَهُمْ نَصْرُنَا) وذلك بيان أن وعد الله الذي
وعده رسله من كلماته التى لا مبدل لها ، لما قال فى أوليائه: (لَهُمُ
فإنه ذكر
اْبُشْرَى فِى الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ لَأَنْدِيلَ لِكَلِمَتِ اللَّهِ)
أنه لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، وأن لهم البشرى فى الحياة الدنيا
وفى الآخرة . فوعدم بنفى المخافة والحزن ، وبالبشرى في الدارين .
وقال بعد ذلك: (وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَتِ اللَّهِ ) فكان فى هذا تحقيق
( فَلَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ،
كلام الله الذي هو وعده. كما قال :
رُسُلَهُ). وقال: (وَعْدَ اللَّهِلَ يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ، وَلَكِنَّأَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ).
٠
وقال المؤمنون : (رَبَّنَاوَءَاِنَا مَا وَعَدَتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَمَةٌ إِنَّكَ
لَا تُخْلِفُ المِيعَادَ ).
فإخلاف ميعاده تبديل
٤٩٧

لكلماته ، وهو سبحانه لا مبدل لكلماته .
يبين ذلك قوله تعالى: (لَاتَخْصِمُواْ لَدَىَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ *
فأخبر سبحانه أنه
مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَنَّ وَمَا أَنَاْبِظَلَِّ لِلْعِيدِ)
قدم إليهم بالوعيد، وقال: (مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَىَّ) وهذا يقتضي أنه
صادق في وعيده أيضاً ، وأن وعيده لا يبدل .
وهذا مما احتج به القائلون بأن فساق الملة لا يخرجون من النار .
وقد تكلمنا عليهم فى غير هذا الموضع ؛ لكن هذه الآية لضعف جواب
من يقول: إن إخلاف الوعيد جائز، فإن قوله: (مَايُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَىَّ)
بعد قوله: (وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ ) دليل على أن وعيده
لا يبدل ، كما لا يبدل وعده .
لكن التحقيق الجمع بين نصوص الوعد والوعيد ، وتفسير بعضها
ببعض من غير تبديل شيء منها ، كما يجمع بين نصوص الأمر والنهي
من غير تبديل شيء منها. وقد قال تعالى: ( سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ
إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُ وهَا ذَرُونَا نَتَّبِعُكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُواْ كَلَمَ اللَّهِ)
والله أعلم.
آخر المجلد الرابع عشر
٤٩٨

فهرس المجلد الرابع عشر
صفحة
الموضوع
تفسير سورة الفاتحة
، ٢ ((وقال فصل فى أسماء القرآن))
١
- ٣٧ (( وسئل عن أحاديث هل هي صحيحة وهل رواها أحد من
٤
المعتبرين بإسناد صحيح : منها حديث قسمت الصلاة بينى
وبين عبدي نصفين ؟ ))
فصل قال الله فى أم القرآن (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِيرٌ ) فضائل
سورة الفاتحة
٨
٥
أيما أفضل كثرة الركوع والسجود أو طول القيام ؟ أو هما سواء ؟
٧
٦
العبادة والاستعانة كل منهما فرض ، قد جمع بينهما فى مواضع
٩
٨
من القرآن وفى السنة فى العبادات والأذكار
١٠ - ١٢، ٣٦ الناس فى العبادة والاستعانة على أربعة أقسام
١٢ - ١٤ فصل قال الله عز وجل فى أول السورة (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِ الْعَلَمِينَ)
معنى الإله والرب ، اسم الله أحق بالعبادة ، واسم الرب أحق
بالاستعانة والمسألة ، أحد الاسمين يدخل فى الآخر ، وإذا قرن
بالاسمين الرحمن ، السر فى تقديم (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) على (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)
فصل إقرار الناس بالربوبية ودعاؤهم واستعانتهم بالله أسبق من
١٥،١٤
إقرارهم بالإلهية والعبادة
الرسل دعوا إلى توحيد الإلهية ، وأكثر أهل الكلام إنما يقررون
١٥،١٤
٤٩٩

صفحة
الموضوع
توحيد الربوبية
فصل جميع المخلوقات فقيرة إلى الله ليس لها من نفسها خير أصلا
١٥، ١٦
١٦ ، ١٧ ، ٢٣ العدم ليس شيئا يفتقر إلى فاعل ولا يقال أبدعه عدم الفاعل،
معنى ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن
معنى: ((والشر ليس إليك))
١٨ - ٢٨
٢١
هى نعمة لهم أو لجمهورهم فى أغلب الأوقات
ليس فى المخلوقات ما يؤلم الخلق كلهم ولا ما يؤلم جمهورهم وإنما
(صُنْعَ اللَّهِ الَّذِىَ أَنْقَنَّكُلَّ شَىْءٍ)
(الَّذِىِّ أَحْسَنَ كُلَّ شَىْءٍ خَلَقَهُ )
٢١
(إِلَّا بِالْحَقِّ )
العبد إنما يفعل المحرمات - من الكفر والفسوق والعصيان -
٢٢ - ٢٤
لجهله أو لحاجته
هل يجوز تعليل الحكم الوجودى بالوصف العدمى فى العلة
٢٥ ، ٢٦
الشرعية مع قولهم : العدمى يعلل بالعدمى
كل شر فى العالم إما ألم وإماسبب الألم، معنى ((ومن سيئات أعمالنا))
٢٧، ٢٨
٢٩ - ٣١
فصل العبد يتناول معنيين (١) بمعنى العابد كرها (٢) بمعنى
العابد طوعا ، الأولى لازمة للإنسان ، والثانية قد يخلو العبد منها
(وَلَهُ: أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ لطَوَعًا وَكَرْهَا)
٣٠
العبد مفتقر إلى الله من جهة الإلهية أيضا
٣١ ، ٣٢
السائل لله إما أن يسأله ما هو مأمور به أو ما هو منهى عنه أو ما
٣٢، ٣٣
هو مباح له
(وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِى فَإِى قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الَّاعِ إِذَا دَعَانِ)
٣٣ ، ٣٤
إجابة الدعاء تكون على حسب صحة الاعتقاد وعن كمال الطاعة ،
٣٣ ، ٣٤
إجابة الدعاء قد تكون منفعة وقد تكون مضرة
فصل العبد فقير إلى الله فى أن يعلمه ما يصلحه وهو العلم
٣٥ ، ٣٦
الشرعى ، وهو قد أنعم على المؤمنين بالإعانة والهداية
٣٧ - ٤١ (( وقال: فصل، والعبد مضطر إلى الهداية للصراط
المستقيم )»
٥٠٠