النص المفهرس
صفحات 461-480
الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله)) لكن المسلم المتبح لشريعة الإسلام هو المحرم ما حرمه الله ورسوله، فلا يحرم الحلال ولا يسرف فى تناوله ؛ بل يتناول ما يحتاج إليه من طعام أو لباس أو نكاح ، ويقتصد في ذلك ، ويقتصد فى العبادة ؛ فلا يحمل نفسه ما لا تطيق . فهذا تجده يحصل له من مجاهدات النفس وقهر الهوى ما هو أنفع له من تلك الطريق المبتدعة الوعرة القليلة المنفعة ، التى غالب من سلكها ارند على حافره ، ونقض عهده ، ولم يرعها حق رعايتها . وهذا يثاب على ذلك ما لا يثاب على سلوك تلك الطريق ، وتزكو به نفسه ، وتسير به إلى ربه ، ويجد بذلك من المزيد فى إيمانه ما لا بجده أصحاب تلك الطريق ، فإنهم لا بد أن تدعوم أنفسهم إلى الشهوات المحرمة ؛ فإنه ما من بنى آدم إلا من أخطأ أوم بخطيئة إلا يحيى بن زكريا وقد قال تعالى: (وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا ). قال طاووس فى أمر النساء وقلة صبره عنهن كما تقدم ، فميل النفس إلى النساء عام فى طبع جميع بني آدم ، وقد يبتلى كثير منهم بالميل إلى الذكران ، كما هو المذكور عنهم ؛ فيبتلى بالميل إلى المردان ، وإن لم يفعل الفاحشة الكبرى ابتلي بما هو دون ذلك من المباشرة والمشاهدة ، ولا يكاد أن يسلم أحدم من الفاحشة إما في سره وإما ٤٦١ بينه وبين الأمرد ، ويحصل للنفس من ذلك ما هو معروف عند الناس . وقد ذكر الناس من أخبار العشاق ما يطول وصفه ، فإذا ابتلى المسلم ببعض ذلك كان عليه أن يجاهد نفسه فى الله ، وهو مأمور بهذا الجهاد ليس أمراً أوجبه وحرمه هو على نفسه ، فيكون في طاعة نفسه وهواه ؛ بل هو أمر حرمه الله ورسوله ولا حيلة فيه ؛ فيصير بالمجاهدة في طاعة الله ورسوله . وفى حديث رواه أبو يحيى القتات عن مجاهد عن ابن عباس مرفوعاً: ((من عشق فعف وكتم وصبر ثم مات فهو شهيد )) وأبو يحيى في حديثه نظر ؛ لكن المعنى الذي ذكره دل عليه الكتاب والسنة؛ فإن الله أمر بالتقوى والصبر، فمن التقوى أن يعف عن كل ما حرمه الله من نظر بعين ، ومن لفظ بلسان ، ومن حركة بيد ورجل ، ومن الصبر أن يصبر عن شكوى ما به إلى غير الله عز وجل . فإن هذا هو الصبر الجميل . وأما الكتمان فيراد به شيئان : ((أحدهما)) أن يكتم بثه وألمه، فلا يشكو إلى غير الله ، فمتى شكا إلى غير الله نقص صبره، وهذا أعلى الكتمانين ؛ لكن هذا لا يقدر عليه كل أحد ؛ بل كثير من الناس يشكو ما به ، وهذا على ٤٦٢ وجهين : فإن شكا ذلك إلى طبيب يعرف طب الأديان ، ومضرات النفوس ومنافعها ؛ ليعالج نفسه بعلاج الإيمان ؛ فهذا بمنزلة المستفتى ، وهذا حسن . وإن شكا إلى من يعينه على المحرم فهذا حرام ، وإن شكا إلى غيره لما في الشكوى من الراحة ، كما يشكو المصاب مصيبته إلى الناس من غير أن يقصد تعلم ما ينفعه ولا الاستعانة على مصيبته ، فهذا ينقص صبره ؛ ولكن لا يأثم مطلقاً إلا إذا اقترن به ما يحرم ، كالمصاب الذي بتسخط . و ((الثانى)) أن يكتم ذلك فلا يتحدث به مع الناس ؛ لما فى ذلك من إظهار السوء والفاحشة ، فإن النفوس إذا سمعت مثل هذا تحركت ، وتشهت وتمنت وتتيمت ، والإنسان متى رأى أو سمع أو نخيل من يفعل ما يشتهيه كان ذلك داعياً له إلى الفعل والتشبه به ، والنساء متى رأين البهائم تنزو الذكور منها على الإناث ملن إلى الباءة والمجامعة ، والرجل إذا سمع من يفعل مع المردان والنساء ورأى ذلك أو تخيله فى نفسه دعاه ذلك إلى الفعل ، وإذا ذكر للإنسان طعام اشتهاه ومال إليه ، وإن وصف له ما يشتهيه من لباس أو امرأة أو مسكن أو غيره مالت نفسه إليه ، والغريب عن وطنه متى ذكر بالوطن حن إليه ، وكل ما فى نفس الإنسان محبته إذا نصوره تحركت ٤٦٣ المحبة والطلب إلى ذلك المحبوب المطلوب ؛ إما إلى وصفه وإما إلى مشاهدته ، وكلاهما يحصل به نخيل في النفس ، وقد يحصل التخيل بالسماع أو الرؤية أو الفكر في بعض الأمور المتعلقة به ، فإذا تخيلت النفس تلك الأمور المتعلقة انقلبت إلى ما تخيلته فتحركت داعية المحبة ، سواء كانت محبة محمودة أو مذمومة . ولهذا تتحرك النفوس إلى الحج إذا ذكر الحجاز ، أو كان أوان الحج، أو رأى من يذهب إلى الحج من أهله وأقاربه ، أو أصحابه أو غيرم ، ولو لم يسمع ذلك ويراه لما تحرك ولا حدث منه داعية قوته إلى ذلك ، فتتحرك بذكر الأبرق والأجرع والعلى ونحو ذلك ؛ لأنه رأى تلك المنازل لما كان ذاهباً إلى محبوبه ، فصار ذكرها يذكره بالمحبوب . وكذلك أصحاب المتاجر والأموال ، إذا سمع أحدم بالمكاسب تحركت داعيته إلى ذلك ، وكذلك أهل الفرج والتنزه إذا رأوا من يقصد ذلك تحركوا إليه ، وهذه الدواعى كلها مركوزة في نفوس بنى آدم، والإنسان ظلوم جهول . وكذلك ذكر آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم تذكر به وتحرك محبته ، فالمبتلى بالفاحشة والعشق إذا ذكر ما به لغيره تحركت نفس ذلك الغير إلى جنس ذلك ؛ لأن النفوس مجبولة على حب الصور الجميلة ، ٤٦٤ فإذا تصورت جذساً تحرك إليها المحبوب . ولهذا نهى الله تعالى عن إشاعة الفاحشة، وكذلك أمر بستر الفواحش، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((من ابتلى من هذه القاذورات بشىء فليستتر بستر الله، فإنه من يبدلنا صفحته نقم عليه كتاب الله)) وقال: ((كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يبيت الرجل على الذنب قد ستره الله فيصبح يتحدث به)) فما دام الذنب مستوراً فعقوبته على صاحبه خاصة ، وإذا ظهر ولم ينكر كان ضرره عاماً ، فكيف إذا كان في ظهوره تحريك لغيره إليه . ولهذاكره الإمام أحمد وغيره إنشاد الأشعار : الغزل الرقيق ؛ لأنه يحرك النفوس إلى الفواحش ؛ فلهذا أمر من يبتلى بالعشق أن يعف ويكتم ويصبر، فيكون حينئذ ممن قال الله فيه: (إِنَّهُمَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَلَ يُضِيعُ أَجْرَ أَلْمُحْسِنِينَ). والمقصود أنه يثاب على هذه المجاهدة ، والمجاهد من جاهد نفسه في الله. وأما المبتدعون فى الزهد والعبادة السالكون طريق الرهبان فإنهم قد يزهدون فى النكاح ، وفضول الطعام ، والمال ونحو ذلك . وهذا محمود ؛ لكن عامة هؤلاء لا بد أن يقعوا فى ذنوب من هذا الجنس ، كما نجد كثيراً منهم يبتلى بصحبة الأحداث ، ومرافقة النساء ؛ فيبتلون بالميل ٤٦٥ إلى الصور المحرمة من النساء والصبيان ما لا يبتلى به أهل السنة المتبعون للشريعة المحمدية . وحكاياتهم في هذا أكثر من أن يحكى بسطها فى كتاب ، وعندهم من الفواحش الباطنة والظاهرة ما لا يوجد عند غيرهم ، وخيار من فيهم يميل إلى الأحداث والغناء والسماع ؛ لما يجدون في ذلك من راحة النفوس ولو اتبعوا السنة لاستراحوا من ذلك . قال أبو سعيد الخراز لما قال له الشيطان فى المنام : لي فيكم لطيفتان السماع وصمحبة الأحداث ، قال أبو سعيد : قل من ينجو منها من أصحابنا حتى [إنهم] لقوة محبة نفوسهم [له] صار ذلك ممتزجاً بطريقهم إلى الله، فإن أحدم يجد فى نفسه عند مشاهدة الشاهد من الرغبة فيما اعتاده من العبادة والزهادة ما لا يجدها بدون ذلك ، وعنده في نفسه عند سماع القصائد من الشوق والرغبة والنشاط ما لا يجده عند سماع القرآن ، فصاروا في شبهة وشهوة لم يكتف الشيطان منهم بوقوعهم فى الأمور المحرمة ، التى تفتنهم حتى جعلهم يعتبرون ذلك عبادة ، كالذين قال الله فيهم : ( وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَاَ ءَابَآءَنَا وَاللّهُ أَمَنَ بِهَا ) الآية . وهؤلاء ثم الذين أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات . وإذا وقعوا فى السماع وقعوا فيه بشوق ورغبة قوية ، ومحبة تامة ، (١)، (٢) أضيفتا حسب مفهوم السياق . (٣) هكذا وردت في المطبوع ولعل الصواب [ ذلك ] ٤٦٦ وبذلوا فيه أنفسهم وأموالهم . فقد يبذلون فيه نساءهم وأبناءم، ويدخلون في الديانة لأغراضهم ، فيأتي أحدم بولده فيهبه للشيخ يفعل [به] ما أراد هو ومن يلوذبه، ويسمونه حواراً ، وإن كان حسن الصورة استأثر به الشيخ دونهم ، ويعد أهله ذلك بركة حصلت له من الشيخ ، ويرتفع الحياء بين أم الصبى وأبيه وبين الفقراء . وإذا صلوا صلوا صلاة المنافقين ، يقومون إليها وم كسالى يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا . فقد أضاعوا الصلاة ، واتبعوا الشهوات ، ومع هذا فهم قد يزهدون فى بعض الطيبات التى أحلها الله لهم ، ويجتهدون فى عبادات وأذ كار ، لكن مع بدعة وأفعال لا تجوز مما تقدم ذكره ، فتلك البدعة هي التى أوقعتهم فى اتباع الشهوات ، وإضاعة الصلوات ؛ لأن الشريعة مثالها مثال سفينة نوح ؛ من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق . وهؤلاء تخلفوا عنها فغرقوا بحبهم ، ويتوب اللّه على من تاب . والسالكون للشريعة المحمدية إذا ابتلوا بالذنوب لم تكن التوبة عليهم من الآصار والأغلال ؛ بل من الخنيفية السمحة ، وأما أهل البدع فقد تكون التوبة عليهم آصاراً وأغلالا ، كما كانت على من قبلنا من الرهبان فإنهم إذا وقع أحدهم في الذنب لم يخلص من شره إلا ببلاء شديد ، من أجل خروجه عن السنة . (١) أضيفت حسب مفهوم السياق ٤٦٧ وهؤلاء قد يظن أحدم أنه لا يمكنه السلوك إلى الله تعالى إلا ببدعة . وكذلك أهل الفجور المترفين قد يظن أحدم أنه لا يمكنه فعل الواجبات إلا بما يفعله من الذنوب ، ولا يمكنه ترك المحرمات إلا بذلك، وهذا يقع لبشر كثير من الناس . منهم من يقول : إنه لا يمكن أداء الصلوات واجتناب الكلام المحرم - من الغيبة وغيرها - إلا بأكل الحشيشة. ويقول الآخر : إن أكلها يعينه على استنباط العلوم وتصفية الذهن حتى يسميها بعضهم معدن الفكر والذكر ، ومحركة العزم الساكن . وكل هذا من خدع النفس ومكر الشيطان بهؤلاء وغيرهم ، وإنها لعمى الذهن ، ويصير آ كلها أبكم مجنوناً لا يعى ما يقول . وكذلك في هؤلاء من يقول : إن محبته الله ورغبته فى العبادة ، وحركته ووجده وشوقه وغير ذلك لا يتم إلا بسماع القصائد ، ومعاشرة الشاهد من الصبيان وغيرهم ، وسماع الأصوات والنغمات ، ويزعمون أنهم بسماع هذه الأصوات ورؤية الصور المحركات تتحرك عندهم من دواعي الزهد والعبادة ما لا تتحرك بدون ذلك ، وأنهم بدون ذلك قد يتركون ٤٦٨ الصلوات ، ويفعلون المحرمات الكبار ، كقطع الطريق ، وقتل النفوس ، ويظنون أنهم بهذا ترناض نفوسهم ، وتلتذ بذلك لذة تصدها عن ارتكاب المحارم، والكبائر، وتحملها على الصلاة والصوم والحج . وهذا مستند كثير من الشيوخ الذين يدعون الناس إلى طريقهم بالسماع المبتدع على اختلاف ألوانه وأنواعه . منهم من يدعو إليه بالدف والرقص ، ومنهم من يضيف إلى ذلك الشبابات ، ومنهم من يعمله بالنساء والصبيان ، ومنهم من يعمله بالدف والكف ، ومنهم من يعمله بأذكار واجتماع ، وتسبيحات وقيام ، وإنشاد أشعار وغير ذلك من سائر أنواعه وألوانه . وربما ضموا إليه من معاشرة النساء والمردان ونحو ذلك . ويقولون هؤلاء الذين توبنام وقد كانوا لا يصلون ، ولا يحجون ، ولا يصومون بل كانوا يقطعون الطريق ، ويقتلون النفس ، ويزنون ؛ فتوبنام عن ذلك بهذا السماع . وما أمكن أحدثم استتابتهم بغير هذا . وقد يعترفون أن ما فعلوه بدعة منهي عنها أو محرمة ؛ ولكن يقولون ما أمكننا إلا هذا ، وإن لم نفعل هذا القليل من المحرم حصل الوقوع فيما هو أشد منه تحريماً ، وفى ترك الواجبات ما يزيد إنمه على إثم هذا المحرم القليل فى جنب ما كانوا فيه من المحرم الكثير . ٤٦٩ ويقولون : إن الإنسان يجد في نفسه نشاطاً وقوة في كثير من الطاعات إذا حصل له ما يحبه ، وإن كان مكروهاً حراماً . وأما بدون ذلك فلا يجد شيئاً ، ولا يفعله . وهو أيضاً يمتنع عن المحرمات ، إذا عوض بما يحبه وإن كان مكروهاً ، وإلا لم يمتنع ، وهذه الشبهة واقعة لكثير من الناس ، وجوابها مبنى على ثلاث مقامات : ((أحدها)» أن المحرمات قسمان : ((أحدهما)) ما يقطع بأن الشرع لم يبح منه شيئاً لا لضرورة ولا لغير ضرورة : كالشرك ، والفواحش ، والقول على الله بغير علم. والظلم المحض ، وهي الأربعة المذكورة فى قوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبَِّ اُلْفَوَحِشَ مَاظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَآلْإِثْمَ وَالْبَغْىَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللَّهِ مَا لَمُنْزِلِبِهِ، سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لَاَ نَعَلَمُونَ ). فهذه الأشياء محرمة فى جميع الشرائع ، وبتحريمها بعث الله جميع الرسل ، ولم يبح منها شيئاً قط ، ولا فى حال من الأحوال ، ولهذا أنزلت في هذه السورة المكية ، ونفى التحريم عما سواها ؛ فإن ماحرمه بعدها كالدم والميتة ولحم الخنزير حرمه فى حال دون حال ، وليس تحريمه مطلقاً . ٤٧٠ وكذلك ((الخمر)) يباح لدفع الغصة بالانفاق، ويباح لدفع العطش في أحد قولي العلماء ، ومن لم يبحها قال : إنها لا تدفع العطش . وهذا مأخذ أحمد . فينئذ فالأمر موقوف على دفع العطش بها ، فإن على أنها تدفعه أبيحت بلا ريب ، كما يباح لحم الخنزير لدفع المجاعة، وضرورة العطش الذي يرى أنه يهلكه أعظم من ضرورة الجوع ؛ ولهذا يباح شرب النجاسات عند العطش بلا نزاع ، فإن اندفع العطش وإلا فلا إباحة فى شيء من ذلك . وكذلك («الميسر)» فإن الشارع أباح السبق فيه بمعنى الميسر للحاجة فى مصلحة الجهاد . وقد قيل إنه ليس منه ، وهو قول من لم يبح العوض من الجانبين مطلقاً إلا المحلل ، ولا ريب أن الميسر أخف من أمر الخمر ، وإذا أبيحت الخمر للحاجة فالميسر أولى . والميسر لم يحرم لذاته إلا لأنه يصد عن ذكر الله وعن الصلاة، ويوقع العداوة والبغضاء. فإذا كان فيه تعاون على الرمي الذي هو من جنس الصلاة ، وعلى الجهاد الذي فيه تعاون ، وتتألف به القلوب على الجهاد زالت هذه المفسدة . وكذلك بيع الغرر هو من جنس الميسر ، ويباح منه أنواع عند الحاجة ورجحان المصلحة . ٤٧١ وكذلك ((الربا)) حرم لما فيه من الظلم، وأوجب ألا يباع الشيء إلا بمثله ، ثم أبيح بيعه بجنسه خرصاً عند الحاجة ، بخلاف غيرها من المحرمات ، فإنها تحرم فى حال دون حال . ولهذا - والله أعلم - نفي التحريم عما سواها، وهو التحريم المطلق العام ، فإن المنفي من جنس المثبت ، فلما أثبت فيها التحريم العام المطلق نفاه عما سواها . و ((المقام الثاني)) أن يفرق بين ما يفعل الإنسان ، ويأمر به ويبيحه ، وبين ما يسكت عن نهي غيره عنه وتحريمه عليه ، فإذا كان من المحرمات ما لو نهى عنه حصل ما هو أشد تحريماً منه لم ينه عنه ، ولم يبحه أيضاً . ولهذا لا يجوز إنكار المنكر بما هو أنكر منه ؛ ولهذا حرم الخروج على ولاة الأمر بالسيف؛ لأجل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ؛ لأن ما يحصل بذلك من فعل المحرمات ، وترك واجب أعظم مما يحصل بفعلهم المنكر والذنوب ، وإذا كان قوم على بدعة أو فجور ، ولو نهوا عن ذلك وقع بسبب ذلك شر أعظم مما هم عليه من ذلك ، ولم يمكن منعهم منه، ولم يحصل بالنهي مصلحة راجحة لم ينهوا عنه . بخلاف ما أمر الله به الأنبياء وأتباعهم من دعوة الخلق ؛ فإن دعوتهم يحصل بها مصلحة راجحة على مفسدتها ، كدعوة موسى ٤٧٢ لفرعون ونوح لقومه ، فإنه حصل لموسى من الجهاد وطاعة الله ، وحصل لقومه من الصبر والاستعانة بالله ما كانت عاقبتهم به حميدة ، وحصل أيضاً من تفريق فرعون وقومه ما كانت مصلحته عظيمة . وكذلك نوح حصل له ما أوجب أن يكون ذريته م الباقين ، وأهلك اللّه قومه أجمعين ، فكان هلاكهم مصلحة . فالمنهي عنه إذا زاد شره بالنهي، وكان النهي مصلحة راجحة كان حسناً وأما إذا زاد شره وعظم وليس فى مقابلته خير يفوته لم يشرع ، إلا أن يكون فى مقابلته مصلحة زائدة ، فإن أدى ذلك إلى شر أعظم منه لم يشرع مثل أن يكون الآخر لا صبر له، فيؤذى فيجزع جزءا شديداً بصير به مذنباً ، وينتقص به إيمانه ودينه . فهذا لم يحصل به خير لا له ولا لأولئك ؛ بخلاف ما إذا صبر والقى الله وجاهد، ولم يتعد حدود الله بل استعمل التقوى والصبر؛ فإن هذا تكون عاقبته حميدة . وأولئك قد يتوبون فيتوب الله عليهم ببركته ، وقد يهلكهم بيغيهم ويكون ذلك مصلحة ، كما قال تعالى: (فَقُطِعَ دَائِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ) ٤٧٣ وأما الإنسان فى نفسه فلا يحل له أن يفعل الذي يعلم أنه محرم لظنه أنه يعينه على طاعة الله ، فإن هذا لا يكون إلا مفسدة ، أو مفسدته راجحة على مصلحته ، وقد تنقلب تلك الطاعة مفسدة ؛ فإن الشارع حكيم ، فلو علم أن فى ذلك مصلحة لم يحرمه ، لكن قد يفعل الإنسان المحرم ثم يتوب ، وتكون مصلحته أنه يتوب منه ، ويحصل له بالتوبة خشوع ورقة ، وإنابة إلى الله تعالى : فإن الذنوب قد يكون فيها مصلحة مع التوبة منها ، فإن الإنسان قد يحصل له [ بعدم ] الذنوب كبر وعجب وقسوة ، فإذا وقع فى ذنب أذله ذلك وكسر قلبه ، ولين قلبه بما يحصل له من التوبة . ولهذا قال سعيد بن جبير : إن العبد ليعمل الحسنة فيدخل بها النار ، ويفعل السيئة فيدخل بها الجنة ، وهذا هو الحكمة فى ابتلاء من ابتلى بالذنوب من الأنبياء والصالحين ، وأما بدون التوبة فلا يكون المحرم إلا مفسدته راجحة ، فليس للإنسان أن يعتقد حل ما يعلم أن الله حرمه قطعاً، وليس له أن يفعله قطعاً ، فإن غلبته نفسه وشيطانه فوقع فيه تاب منه ، فإن تاب فصار بالتوبة خيراً مما كان قبله ، فهذا من رحمة اللّه به حين تاب عليه، وإلا فلو لم يتب لفسد حاله بالذنب، وليس له أن يقول أنا أفعل ثم أتوب ، ولا يبيح الشارع له ذلك ، لأنه بمنزلة من يقول أنا أطعم نفسي ما يمرضني ثم أنداوى ، أو آكل السم ثم أشرب الترياق . ٤٧٤ والشارع حكيم، فإنه لا يدري هل يتمكن من التوبة أم لا؟ وهل يحصل الدواء بالترياق وغيره أم لا؟ وهل يتمكن من الشرب أم لا؟ لكن لو وقع هذا وكانت آخرته إلى التوبة النصوح كان الله قد أحسن إليه بالتوبة ، وبالعفو عما سلف من ذنوبه، وقد يكون مثل هذا ليس صلاحه إلا فى أن يذنب ويتوب، ولو لم يفعل ذلك كان شراً منه لو لم يذنب ويتوب ؛ لكن هذا أمر يتعلق بخلق الله وقدره وحكمته ، لا يمكن أحد أن يأمر به الإنسان ؛ لأنه لا يدري أن ذلك خير له ، وليس ما يفعله خلقاً - لعلمه وحكمته - يجوز للرسل والعباد أن يفعلوه ، ويأمروا به . وقصة الخضر مع موسى لم تكن مخالفة لشرع الله وأمره ، ولا فعل الخضر ما فعله لكونه مقدراً كما يظنه بعض الناس ؛ بل ما فعله الخضر هو مأمور به فى الشرع بشرط أن يعلم من مصلحته ما علمه الخضر ؛ فإنه لم يفعل محرماً مطلقاً؛ ولكن خرق السفينة وقتل الغلام وأقام الجدار ، فإن إتلاف بعض المال لصلاح أكثره هو أمر مشروع دائماً . وكذلك قتل الإنسان الصائل لحفظ دين غيره أمر مشروع ، وصبر الإنسان على الجوع مع إحسانه إلى غيره أمر مشروع . فهذه القضية تدل على أنه يكون من الأمور ما ظاهره فساد ، فيحرمه من لم يعرف الحكمة التى لأجلها فعل ، وهو مباح في الشرع ٤٧٥ باطناً وظاهراً لمن على ما فيه من الحكمة التى توجب حسنه وإباحته . وهذا لا يجيء في الأنواع الأربعة ، فإن الشرك والقول على الله بلا على، والفواحش ما ظهر منها وما بطن ، والظلم : لا يكون فيها شيء من المصلحة ، وقتل النفس ، أبيح فى حال دون حال ؛ فليس من الأربعة . وكذلك إتلاف المال يباح فى حال دون حال ، وكذلك الصبر على المجاعة ؛ ولذلك قال: (قُلْ أَمَرَ رَبِى ◌ِالْقِسْطٌ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ ◌ِنْدَكُلِّ مَسْجِدٍ وَأَدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الْذِينَ) فإخلاص الدين له والعدل واجب مطلقاً في كل حال ، وفي كل شرع ؛ فعلى العبد أن يعبد الله مخلصاً له الدين ، ويدعوه مخلصاً له ، لا يسقط هذا عنه بحال ، ولا يدخل الجنة إلا أهل التوحيد ، وهم أهل ((لا إله إلا الله)). فهذا حق الله على كل عبد من عباده ، كما فى الصحيحين منحديث معاذ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: ((يامعاذ ! أتدري ما حق الله على عباده؟)) قلت: الله ورسوله أعلم، قال: (( حقه عليهم أن يعبدوه لا يشركوا به شيئا)) الحديث . فلا ينجون من عذاب الله إلا من أخلص لله دينه وعبادته، ودعاه ٤٧٦ مخلصاً له الدين ، ومن لم يشرك به ولم يعبده فهو معطل عن عبادته وعبادة غيره : كفرعون وأمثاله ، فهو أسوأ حالا من المشرك ؛ فلا بد من عبادة الله وحده، وهذا واجب على كل أحد ، فلا يسقط عن أحد ألبتة ، وهو الإسلام العام الذي لا يقبل الله دينا غيره . ولكن لا يعذب الله أحداً حتى يبعث إليه رسولا ، وكما أنه لا يعذبه فلا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة مؤمنة ، ولا يدخلها مشرك ولا مستكبر عن عبادة ربه ، فمن لم تبلغه الدعوة فى الدنيا امتحن فى الآخرة، ولا يدخل النار إلا من اتبع الشيطان ، فمن لاذنب له لا يدخل النار، ولا يعذب اللّه بالنار أحداً إلا بعد أن يبعث إليه رسولا، فمن لم تبلغه دعوة رسول إليه كالصغير والمجنون ، والميت في الفترة المحضة ، فهذا يمتحن فى الآخرة كما جاءت بذلك الآثار . فيجب الفرق فى الواجبات والمحرمات - والتمييز بينها هو اللازم لكل أحد على كل حال ، وهو العدل فى حق الله وحق عباده بأن يعبدوا الله مخلصا له الدين ، ولا يظلم الناس شيئاً ، وماهو محرم على كل أحد فى كل حال لا يباح منه شيء ، وهو الفواحش والظلم والشرك ، والقول على الله بلا علم - وبين ماسوى ذلك. قال تعالى: (قُلْ تَعَالَوَاْ أَتْلُ مَاحَزَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّاتُشْرِكُواْبِهِ، ٤٧٧ شَيْئًا ) فهذا محرم مطلقاً لا يجوز منه شيئء، (وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنًا) . فهذا فيه تقييد فإن الوالد إذا دعا الولد إلى الشرك ليس له أن يطيعه بل له أن يأمره وينهاه ، وهذا الأمر والنهي للوالد هو من الإحسان إليه. وإذا كان مشركا جاز للولد قتله ، وفى كراهته نزاع بين العلماء. قوله: (وَلَا تَقْذُلُواْأَوْلَدَكُمْ مِّنْ إِمْلَقٍ) فهذا تحريم خاص، (وَلَا نَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَاظَهَرَ مِنْهَا وَمَابَطَنَ) هذا مطلق، (وَلَا تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَهُ هذا مقيد ، فإن يتامى المشركين أهل الحرب يجوز غنيمة أموالهم ؛ لكن قد يقال : هذا أخذ وقربان بالتي هي أحسن ، إذا فسر الأحسن بأمر الله ورسوله ، (وَأَوْفُواْالْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ) هذا مقيد بمن يستحق ذلك (وَإِذَا قُلْتُمْ فَأَعْدِلُواْ ) هذا مطلق . (وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُواْ ) فالوفاء واجب ؛ لكن يميز بين عهد الله وغيره ، ويفرق بين ما يسكت عنه الإنسان وبين ما يلفظ به ، ويفعله ويأمر به ، ويفرق بينما قدره الله، فحصل بسببه خير، وبين ما يؤمر به العبد ، فيحصل بسببه خير . ٤٧٨ قال شيخ الإسلام رحمه الله فصل قوله تعالى علواً كبيراً (عَلَيْكُمْأَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَن ضَلَّ إِذَا أَهْتَدَيْتُمْ ) لا يقتضى ترك الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، لا نهياً ولا إذناً، كما فى الحديث المشهور في السنن عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه خطب على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ((أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية وتضعونها في غير موضعها، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم اللّه بعقاب منه)). وكذلك في حديث أبي ثعلبة الخشني مرفوعا في تأويلها (( إذا رأيت شحاً مطاعا ، وهوى متبعاً ، وإعجاب كل ذي رأي برأيه ، فعليك بخويصة نفسك)) وهذا يفسره حديث أبى سعيد فى مسلم: ((من رأى منكم منكراً فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان )) فإذا قوى أهل الفجور حتى لا يبقى لهم إصغاء إلى ٤٧٩ البر ؛ بل يؤذون الناهي لغلبة الشح والهوى والعجب سقط التغيير باللسان في هذه الحال، وبقي بالقلب، و((الشح)) هو شدة الحرص التى توجب البخل والظلم، وهو منع الخير وكراهته، و((الهوى المتبع)) فى إرادة الشر ومحبته و ((الإعجاب بالرأي)) فى العقل والعلم. فذكر فساد القوى الثلاث التى هي العلم والحب والبغض . كما فى الحديث الآخر: (( ثلاث مهلكات ، شح مطاع ، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه)) وبلزاتها الثلاث المنجيات: ((خشية الله فى السر والعلانية، والقصد في الفقر والغنى ، وكلمة الحق فى الغضب والرضا )) وهي التى سألها في الحديث الآخر: ((اللهم إني أسألك خشيتك فى السر والعلانية ، وأسألك كلمة الحق فى الغضب والرضا ، وأسألك القصد فى الفقر والغنى)). فرشية الله بازاء اتباع الهوى ، فإن الخشية تمنع ذلك، كما قال : والقصد في الفقر ( وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ ،وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْمَى) والغنى بلزاء الشح المطاع ، وكلمة الحق فى الغضب والرضا بإزاء إعجاب المرء بنفسه، وما ذكره الصديق ظاهر؛ فإن اللّه قال: (عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ) أي الزموهاوأقبلوا عليها ، ومن مصالح النفس فعل ما أمرت به من الأمر والنهي . وقال: (لَا يَضُّكُمْ مَن ضَلَّ إِذَا أَهْتَدَيْتُمْ) وإنما يتم الاهتداء إذا أطيع الله وأدى الواجب من الأمر والنهي وغيرهما ؛ ولكن فى الآية فوائد عظيمة . ٤٨٠