النص المفهرس
صفحات 381-400
وإذا كان اللّه لا يشفع أحد عنده إلا بإذنه، ولا يشفعون إلا لمن ارتضى : فما بقي الشفعاء شركاء ، كشفاعة المخلوق عند المخلوق . فإن المخلوق يشفع عنده نظيره - أو من هو أعلى منه ، أو دونه - بدون إذن المشفوع إليه . ويقبل المشفوع إليه ولا بد شفاعته : إما لرغبته إليه ، أو فيما عنده من قوة أو سبب ينفعه به أو يدفع عنه ما يخشاه ، وإما لرهبته منه ، وإما لمحبته إياه ، وإما للمعاوضة بينهما والمعاونة ، وإما لغير ذلك من الأسباب . وتكون شفاعة الشفيع : هي التى حركت إرادة المشفوع إليه ، وجعلته مريداً للشفاعة ، بعد أن لم يكن مريداً لها، كأمر الآمر الذي يؤثر في المأمور . فيفعل ما أمره به بعد أن لم يكن مريداً لفعله . وكذلك سؤال المخلوق للمخلوق : فإنه قد يكون محركا له إلى فعل ما سأله . فالشفيع : كما أنه شافع للطالب شفاعته فى الطلب ، فهو أيضاً قد شفع المشفوع إليه . فبشفاعته صار المشفوع إليه فاعلا للمطلوب . فقد شفع الطالب والمطلوب . والله تعالى وتر، لا يشفعه أحد. فلا يشفع عنده أحد إلا بإذنه ٣٨١ فالأمر كله إليه وحده . فلا شريك له بوجه . ولهذا ذكر سبحانه نفى ذلك فى آية الكرسي، التى فيها تقرير التوحيد، فقال (لَُّمَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِي الْأَرْضِّ مَن ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ) . وسيد الشفعاء على الله عليه وسلم يوم القيامة . إذا سجد وحمد ربه. يقال له (« ارفع رأسك ، وقل يسمع، وسل تعطه ، واشفع تشفع فيحد له حداً. فيدخلهم الجنة)، فالأمر كله لله. كما قال (قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ) وقال لرسوله (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءُ) وقال (أَلَا لَهُ الْخَلْقُّ وَالْأَمْرُ). فإذا كان لا يشفع عند الله أحد إلا بإذنه . فهو يأذن لمن يشاء، ولكن يكرم الشفيع بقبول الشفاعة . كما قال النبى صلى الله عليه وسلم فى الحديث الصحيح ((اشفعوا تؤجروا، ويقضى الله على لسان نبيه ما شاء )) . وإذا دعاه الداعى ، وشفع عنده الشفيع . فسمع الدعاء ، وقبل الشفاعة: لم يكن هذا مؤثراً فيه . كما يؤثر المخلوق في المخلوق . فإنه سبحانه هو الذي جعل هذا يدعو وهذا يشفع ، وهو الخالق لأفعال العباد . فهو الذي وفق العبد للتوبة ، ثم قبلها . وهو الذي وفقه للعمل ثم أثابه عليه . وهو الذي وفقه للدعاء، ثم أجابه. فما يؤثر فيه شيء ٣٨٢ من المخلوقات . بل هو سبحانه الذي جعل ما يفعله سبباً لما يفعله . وهذا مستقيم على أصول أهل السنة المؤمنين بالقدر ، وأن الله خالق كل شيء وأنه ما شاء كان ، وما لم يشأ لم يكن ، ولا يكون شيء إلا بمشيئته. وهو خالق أفعال العباد ، كما هو خالق سائر المخلوقات . قال يحيى بن سعيد القطان : ما زلت أسمع أصحابنا يقولون: إن الله خالق أفعال العباد . ولكن هذا يناقض قول القدرية . فإنهم إذا جعلوا العبد هو الذي يحدث . ويخلق أفعاله، بدون مشيئة الله وخلقه: لزمهم أن يكون العبد قد جعل ربه فاعلاً لما لم يكن فاعلاً له . فبدعائه جعله مجيباً له، وبتوبته جعله قابلا للتوبة ، وبشفاعته جعله قابلا للشفاعة . وهذا يشبه قول من جعل المخلوق يشفع عند الله بغير إذنه . فإن ((الإذن)) نوعان : إذن بمعنى المشيئة والخلق ، وإذن بمعنى الإباحة والإجازة . فمن الأول : قوله فى السحر (وَمَاهُمْ بِضَآرِّينَ بِهِ، مِنْ أَحَدٍ إِلَّ بِإِذْنِ اللَّهِ) فإن ذلك بمشيئة الله، وقدرته. وإلا فهو لم يبح السحر. ٣٨٣ والقدرية تتنكر هذا ((الإذن)) وحقيقة قولهم: إن السحر بضر بدون إذن الله . فإن الذي ( وَمَآ أَصَبَكُمْ يَوْمَ اُلْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ ) وكذلك قوله أصابهم من القتل والجراح ، والتمثيل ، والهزيمة : إذا كان بإذنه فهو خالق لأفعال الكفار ولأفعال المؤمنين . والنوع الثاني: قوله (إِنَّا أَرْسَلْنَكَ شَهِدًا وَمُبَشِرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ) وقوله (مَا قَطَعْتُم مِّنِلِينَةٍ أَوْتَرَكْتُمُوهَا قَآئِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ) فإن هذا يتضمن إباحته لذلك، وإجازته له ، ورفع الجناح والحرج عن فاعله ، مع كونه بمشيئته وقضائه . هو هذا الإذن (مَنْ ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ) فقوله الكائن بقدره وشرعه . ولم يرد بمجرد المشيئة والقدر . فإن السحر وانتصار الكفار على المؤمنين كان بذلك الإذن . فمن جعل العباد يفعلون أفعالهم بدون أن يكون الله خالقاً لها ، وقادراً عليها ، ومشيئاً لها ، فعنده : كل شافع وداع قد فعل ما فعل بدون خلق الله وقدرته ، وإن كان قد أباح الشفاعة . وأما الكفر ، والسحر ، وقتال الكفار : فهو عندهم بغير إذنه ٣٨٤ لا هذا الإذن ولا هذا الإذن . فإنه لم يبح ذلك باتفاق المسلمين . وعندهم: أنه لم يشأه ولم يخلقه . بل كان بدون مشيئته وخلقه . والمشركون المقرون بالقدر يقولون : إن الشفعاء يشفعون بالإذن القدري ، وإن لم يأذن لهم إباحة وجوازاً . ومن كان مكذباً بالقدر - مثل كثير من النصارى - يقولون : إن شفاعة الشفعاء بغير إذن ، لا قدري ولا شرعی . والقدرية من المسلمين يقولون : يشفعون بغير إذن قدري . ومن سأل الله بغير إذنه الشرعى : فقد شفع عنده بغير إذن قدري ولا شرعی . فالداعي المأذون له فى الدعاء : مؤثر فى الله عنده . لكن بإباحته . والداعي غير المأذون له : إذا أجاب دعاءه ، فقد أثر فيه عندهم ، لا بهذا الإذن ولا بهذا الإذن ، كدعاء بلعام بن باعوراء وغيره . والله تعالى يقول (مَن ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ،إِلَّا بِإِذْنِهِ) فإن قيل : فمن الشفعاء من يشفع بدون إذن الله الشرعي، وإن ٣٨٥ كان خالقاً لفعله ـ كشفاعة نوح لابنه ، وشفاعة إبراهيم لأبيه، وشفاعة النبى صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن أبي بن سلول ، حين صلى عليه قد قلتم : بعد موته. وقوله (مَن ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّ بِإِذْنِهِ) إنه يعم النوعين . فإنه لو أراد الإذن القدري : لكان كل شفاعة داخلة في ذلك ، كما يدخل فى ذلك كل كفر وسحر . ولم يكن فرق بين ما يكون بإذنه ، وما لا يكون بإذنه . ولو أراد الإذن الشرعي فقط : لزم قول القدرية . وهؤلاء قد شفعوا بغير إذن شرعي ؟ . قيل : المنفى من الشفاعة بلا إذن : هي الشفاعة التامة ، وهي المقبولة ، كما فى قول المصلي ((سمع الله لمن حمده)) أي استجاب له. وكما فى قوله تعالى (هُدَى لِلْنَفِينَ) وقوله (إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَهَا) وقوله (فَذَكِّرْ بِالْقُرْءَانِ مَن يَخَافُ وَعِيدٍ ) ونحو ذلك . فإن الهدى ، والإنذار ، والتذكير ، والتعليم ، لا بد فيه من قبول المتعلم . فإذا تعلم حصل له التعليم المقصود . وإلا قيل : علمته فلم يتعلم. كما قيل (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَهُمْ فَاسْتَحَبُّواْ الْعَمَ عَلَى الْهُدَى) فكذلك الشفاعة . فالشفاعة : مقصودها قبول المشفوع إليه . وهي الشفاعة التامة . فهذه هي التى لا تكون إلا بإذنه . وأما إذا شفع شفيع فلم تقبل ٣٨٦ شفاعته : كانت كعدمها ، وكان على صاحبها التوبة والاستغفار منها . كما قال نوح (رَبِّ إِنَّ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْتَلَكَ مَا لَيْسَ لِى بِهِ، عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْلِ وَتَرْحَمْنِىّ أَكُنْ مِنَ الْخَسِرِينَ) وكما نهى الله النبى صلى الله عليه وسلم عن الصلاة على المنافقين. وقال له (وَلَا تُصَلّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًّا وَلَانَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَا نُواْوَهُمْ فَاسِقُونَ) وقال له (سَوَآءُ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ). ولهذا قال على لسان المشركين (فَمَا لَنَامِنْ شَفِعِينَ * وَلَ صَدِيقٍ حَميم). فالشفاعة المطلوبة : هي شفاعة المطاع الذي تقبل شفاعته . وهذه ليست لأحد عند اللّه إلا بإذنه ، قدراً وشرعا . فلا بد أن يأذن فيها . ولا بد أن يجعل العبد شافعا . فهو الخالق لفعله ، والمبيح له ، كما في الداعي : هو الذي أمره بالدعاء ، وهو الذي يجعل الداعي داعياً فالأمر كله لله، خلقاً وأمراً. كما قال (أَلَالَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ). وقد روي فى حديث ـ ذكره ابن أبى حاتم وغيره - أنه قال ((فمن يثق به ، فليدعه)) أي فلم يبق لغيره لا خلق ولا أمر . ولما كان المراد بالشفاعة المثبتة : هي الشفاعة المطلقة ، وهي المقصود بالشفاعة وهي المقبولة ، بخلاف المردودة . فإن أحداً لا يريدها ، لا ٣٨٧ الشافع ولا المشفوع له ، ولا المشفوع إليه . ولو على الشافع والمشفوع له، أنها ترد: لم يفعلوها. والشفاعة المقبولة : هي النافعة. بين ذلك في مثل قوله (وَلَتَنْفَعُ الشَّفَعَةُ عِندَهُ إِلَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ) وقوله (يَوْمَيِدٍ لَّا نَفَعُ الشَّفَعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِّنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِىَ لَهُ قَوْلًا) فنفى الشفاعة المطلقة وبين أن الشفاعة لا تنفع عنده إلا لمن أذن له . وهو الإذن الشرعي بمعنى : أباح له ذلك. وأجازه. كما قال تعالى (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِّمُواْ) وقوله (لَنَدْ خُلُو أُوتَ النَّبِ إِلَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ) وقوله (لِيَسْتَعْدِنَكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ) ونحو ذلك . وقوله (إِلَّالِمَنْ أَذِنَ لَهُ) هو إذن للمشفوع له . فلا يأذن فى شفاعة مطلقة لأحد . بل إنما يأذن فى أن يشفعوا لمن أذن لهم في الشفاعة فيه . قال تعالى ( يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الَّاعِىَ لَا عِوَجَ لَهٌ، وَخَشَعَتِ اُلْأَصْوَاتُ لِلَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّهَمْسًا * يَوْمَيِدٍلَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلََّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِىَ لَهُ، قَوْلًا) وفيه قولان : قيل : إلا شفاعة من أذن له الرحمن . وقيل : لا تنفع الشفاعة إلا لمن أذن له الرحمن . فهو الذي تنفعه الشفاعة . وهذا هو الذي يذكره طائفة من المفسرين . لا يذكرون غيره ٣٨٨ لأنه لم يقل ((لا تنفع إلا من أذن له)) ولا قال « لا تنفع الشفاعة إلا فيمن أذن له )) بل قال (لَفَعُ الشَّفَعَةُ إِلَّ مَنْ أَذِنَلَهُ) فهي لا تنفع ولا ينتفع بها ، ولا تكون نافعة إلا للمأذون لهم . كما قال تعالى فى الآية الأخرى ( وَلَا تَنفَعُ الشَّفَعَةُ عِندَهُ إِلَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ). ولا يقال : لا تنفع إلا لشفيع مأذون له. بل لو أريد هذا، لقيل : لا تنفع الشفاعة عنده إلا من أذن له. وإنما قال (إِلَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ) وهو المشفوع له ، الذي تنفعه الشفاعة . (حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ) لم يعد إلى ((الشفعاء)) بل وقوله عاد إلى المذكورين فى قوله (وَمَالَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْءٍ وَمَا لَهُمِنْهُم مِّنْ ظَهِيرٍ) ثم قال (وَلَفَعُ الشَّفَةُ عِندَهُ) ثم بين أن هذا منتف (حَّإِذَا فُزِيعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُو أَمَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْالْحَقَّ) فلا يعلمون ماذا قال ، حتى يفزع عن قلوبهم فكيف يشفعون بلا إذنه ؟. وهو سبحانه إذا أذن للمشفوع له فقد أذن للشافع . فهذا الإذن هو الإذن المطلق ، بخلاف ما إذا أذن للشافع فقط . فإنه لا يلزم أن يكون قد أذن للمشفوع له . إذ قد يأذن له إذناً خاصاً . ٣٨٩ وهكذا قال غير واحد من المفسرين . قالوا : وهذا يدل على أن الشفاعة لا تنفع إلا المؤمنين . وكذلك قال السلف فى هذه الآية . ((إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِىَ لَهُ قَوْلاً)) قال قتادة فى قوله قال : كان أهل العلم يقولون : إن المقام المحمود الذي قال الله تعالى هو شفاعته يوم القيامة . وقوله (عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا فَّحْمُودًا) إن الله يشفع المؤمنين (( إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِىَ لَهُ قَوْلًا)) بعضهم في بعض. أذن الله له أن يشفع ((إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ)) قال البغوي له (( وَرَضِىَ لَهُ قَوْلًا)) أي ورضى قوله. قال ابن عباس: يعنى قال (( لا إله إلا الله)) قال البغوي: فهذا يدل على أنه لا يشفع لغير المؤمن . وقد ذكروا القولين في قوله تعالى ((وَلاَتَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّلِمَنْ أَذِنَ لَهُ )) وقدم طائفة هناك: أن المستثنى هو الشافع ، دون المشفوع له ، بخلاف ما قدموه هنا . منهم البغوي . فإنه لم يذكر هنا في الاستثناء إلا المشفوع له . ٣٩٠ وقال هناك: ((وَلَا تَنَفَعُ الشَّفَعَةُ عِندَهُ إِلَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ» فى الشفاعة، قاله تكذيباً لهم، حيث قالوا (هَؤُلَاءِ شُفَعَتُنَا عِندَ اللَّهِ ) قال : ويجوز أن يكون المعنى : إلا لمن أذن له أن يشفع له . وكذلك ذكروا القولين فى قوله (وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ) وسنتكلم على هذه الآية إن شاء الله تعالى، ونبين أن الاستثناء فيها يعم الطائفتين ، وأنه منقطع. ومعنى هاتين الآيتين مثل معنى تلك الآية . وهو يعم النوعين. وذلك : أنه سبحانه قال ((يَوْمَئِذٍ لَّا تَتَفَعُ الشَّفَعَةُ إِلََّ مَنْ أَذِينَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِىَ لَهُ، قَوْلاً» و ((الشفاعة)» مصدر شفع شفاعة. والمصدر يضاف إلى الفاعل تارة ، وإلى محل الفعل تارة . ويماثله الذي يسمى لفظه ((المفعول به)) تارة ، كما يقال: أعجبني دق الثوب ودق القصار. وذلك مثل لفظ ((العلم)) يضاف تارة إلى العلم، وتارة إلى المعلوم . فالأول كقوله (وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ) وقوله (أَنزَلَهُ, بِعِلْمِهِ) وقوله (أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ) ونحو ذلك . فالساعة هنا : (إِنَّاللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ) والثاني : كقوله معلومة، لا عالمة. وقوله حين قال فرعون (فَمَابَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى) ٣٩١ قال موسى (عِلْمُهَا ◌ِعِندَ رَبِ فِ كِتَبٍ لَّا يَضِلُّ رَبِ وَلَا يَنسَى) ومثل هذا كثير . فالشفاعة مصدر ، لا بد لها من شافع ومشفوع له . والشفاعة : تعم شفاعة كل شافع ، وكل شفاعة لمشفوع له. نفى النوعين : شفاعة الشفعاء فإذا قال ((يَوْمَئِذٍ لَّا نَتَفَعُ الشَّفَعَةُ)» ٠٬٠٠ والشفاعة للمذنبين . فقوله يتناول ((إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ)) النوعين : من أذن له الرحمن ورضى له قولا من الشفعاء . ومن أذن له الرحمن ورضى له قولا من المشفوع له . وهي تنفع المشفوع له ، فتخلصه من العذاب . وتنفع الشافع ، فتقبل منه ، ويكرم بقبولها، ويثاب عليها . والشفاعة يومئذ لا تنفع لا شافعاً ولا مشفوعاً له (إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ فهذا الصنف المأذون لهم ، المرضى قولهم : الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا) هم الذين يحصل لهم نفع الشفاعة . وهذا موافق لسائر الآيات . فإنه تارة يشترط فى الشفاعة إذنه. كقوله (مَن ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ: إِلَّا بِذْنِهِ ). (وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ وتارة يشترط فيها الشهادة بالحق . كقوله ٣٩٢ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَعَةَ) ثم قال (إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ). وهنا اشترط الأمرين : أن يأذن له الرحمن ، وأن يقول صواباً والمستثنى بتناول مصدر الفاعل والمفعول ، كما تقول : لا ينفع الزرع إلا في وقته . فهو يتناول زرع الحارث ، وزرع الأرض ، لكن هنا والاستثناء مفرغ . فإنه لم يتقدم قبل قال ((إِلََّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ)) هذا من يستثنى منه هذا. وإنما قال ((لَّا نَتَفَعُ الشَّفَعَةُ إِلََّ مَنْ أَذِّنَ لَهُ الرَّحْمَنُ)) فإذا لم يكن فى الكلام حذف ، كان المعنى: لا تنفع الشفاعة إلا هذا النوع ، فإنهم تنفعهم الشفاعة . ويكون المعنى: أنها تنفع الشافع والمشفوع له . وإن جعل فيه حذف - تقديره : لا تنفع الشفاعة إلا شفاعة من أذن له الرحمن - كان المصدر مضافاً إلى النوعين ، كل واحد بحسبه، يضاف إلى بعضهم ، لكونه شافعاً ، وإلى بعضهم لكونه مشفوعاً له ، ويكون هذا كقوله ( وَلَكِنَّ الْبِرَّمَنْ ءَامَنَ بِلَّهِ) أي من يؤمن. و (وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِى يَنْعِقُ) أى مثل داعي الذين كفروا كمثل الناعق ، أو مثل الذين كفروا كمثل منعوق به ، أي الذي ينعق به . والمعنى في ذلك كله ظاهر معلوم . فلهذا كان من أفصح الكلام : إنجازه ، دون الإطناب فيه . ٣٩٣ قوله ((يَوْمَئِذٍ لَا نَفَعُ الشَّفَاعَةُ)) إذا كان من هذا الباب، لم يحتج : أن الشافع تنفعه الشفاعة . وإن لم يكرمه ، كان الشافع ممن تنفعه الشفاعة . (( وَلَ تَفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ » من وفى الآية الأخرى هؤلاء وهؤلاء. لكن قد يقال : التقدير : لا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له أن يشفع فيه فيؤذن لغيره أن يشفع فيه . فيكون الإذن للطائفتين ، والنفع للمشفوع له ، كأحد الوجهين ، أو ولا تنفع إلا لمن أذن له من هؤلاء وهؤلاء . فكما أن الإذن للطائفتين ، فالتفع أبضاً للطائفتين . فالشافع ينتفع بالشفاعة . وقد يكون انتفاعه بها أعظم من انتفاع المشفوع له. ولهذا قال النبى صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح ((اشفعوا تؤجروا . ويقضى الله على لسان نبيه ما شاء)). ولهذا كان من أعظم ما يكرم به الله عبده محمداً صلى الله عليه وسلم: هو الشفاعة التى يختص بها . وهي المقام المحمود ، الذي يحمده به الأولون والآخرون . وعلى هذا لا يحتاج الآية إلى حذف ، بل يكون معناها : ٣٩٤ يومئذ لا تنفع الشفاعة لا شافعاً ولا مشفوعاً (إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا). ولذلك جاء فى الصحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (( يا بني عبد مناف، لا أملك لكم من الله من شيء. يا صفية عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أملك لك من الله من شيء. ياعباس عم رسول الله ، لا أملك لك من الله من شيء)). وفى الصحيح أيضاً ((لا ألفين أحدكم يأتى يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء أو شاة لها يعار ، أو رقاع تخفق. فيقول: أغثني، أغثى. فأقول: قد أبلغتك. لا أملك لك من الله من شيء )). فيعلم من هذا: أن قوله ((وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ الشَّفَعَةَ)) (لَا يَلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا » على مقتضاه. وأن قوله فى الآية و ((لَيَلِكُونَ مِنْهُ)) كقوله صلى الله عليه وسلم (( لا أملك لكم من الله من شيء )) وهو كقول إبراهيم لأبيه (وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اْلِّمِن شَىْءٍ). وهذه الآية تشبه قوله تعالى (رَّبِّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِّلَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا * يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَئِكَةُ صَفًّا لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلََّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ ٣٩٥ صَوَابًا) فإن هذا مثل قوله ((يَوْمَيِذٍ لَّا نَفَعُ الشَّفَعَةُ إِلَّ مَنْ أَذِينَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِىَ لَهُ. قَوْلاً)) ففي الموضعين: اشترط إذنه. فهناك ذكر ((القول الصواب)) وهنا ذكر ((أن يرضى قوله)) ومن قال الصواب رضي اللّه قوله . فإن الله إنما يرضى بالصواب . وقد ذكروا في تلك الآية قولين : أحدهما : أنه الشفاعة أيضاً، كما قال ابن السائب : لا يملكون شفاعة إلا بإذنه . والثانى : لا يقدر الخلق على أن يكلموا الرب إلا بإذنه . قال قال : (لَا يَلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا » مقاتل : كذلك قال مجاهد كلاماً. هذا من تفسيره الثابت عنه. وهو من أعلم - أو أعلم - التابعين بالتفسير . قال الثوري : إذا جاءك التفسير عن مجاهد ، فحسبك به . وقال : عرضت المصحف على ابن عباس : أقفه عند كل آية وأسأله عنها . وعليه اعتمد الشافعي وأحمد والبخاري في صحيحه . وهذا يتناول ((الشفاعة)) أيضاً . ٣٩٦ لم يذكر استثناء. فإن أحداً ((لَا ◌َلِكُونَمِنْهُ خِطَابًا » وفی قوله لا يملك من اللّه خطاباً مطلقاً. إذ المخلوق لا يملك شيئاً يشارك فيه الخالق، كما قد ذكرناه فى قوله ((وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ الشَّفَعَةَ)) أن هذا عام مطلق . فإن أحداً - ممن يدعى من دونه .- لا يملك الشفاعة بحال . ولكن الله اذا أذن لهم شفعوا من غير أن يكون ذلك مملوكاً لهم. وكذلك قوله ((لَلِكُونَ مِنْهُ خِطَابً» هذا قول السلف وجمهور المفسرين . وقال بعضهم: هؤلاء هم الكفار . لا يملكون مخاطبة اللّه في ذلك اليوم. قال ابن عطية: قوله (( لا يملكون)) الضمير للكفار . أي لا يملكون - من إفضاله وإكماله - أن يخاطبوه بمعذرة ولا غيرها. وهذا مبتدع . وهو خطأ محض . والصحيح : قول الجمهور والسلف: أن هذا عام ، كما قال في آية اخری (وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلاَ تَسْمَعُ إِلَّهَمْسًا) وفي حديث التجلي الذي فى الصحيح - لما ذكر مرورم على الصراط - قال صلى الله عليه وسلم (( ولا يتكلم أحد إلا الرسل، ودعوى الرسل : اللهم سلم سلم)) فهذا في وقت المرور على الصراط . وهو بعد الحساب والميزان. فكيف بما قبل ذلك؟ . ٣٩٧ وقد طلبت الشفاعة من أكبر الرسل ، وأولى العزم ، وكل يقول (( إن ربى قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله. ولن يغضب بعده مثله . وإني فعلت كذا وكذا ، نفسي، نفسي ، نفسي)) فإذا كان هؤلاء لا يتقدمون إلى مخاطبة الله تعالى بالشفاعة ، فكيف بغيرهم؟. وأيضاً فإن هذه الآية مذكورة بعد ذكر المتقين وأهل الجنة . وبعد أن ذكر الكافرين . فقال (إِنَّلِلْمُتَّقِينَ مَفَازَّا * حَدَابِقَ وَأَعْنَبًا * وَكَوَعِبَ أَنزَبَا * وَكَأْسًا دِهَافًا * لَّا يَسَّمَعُونَ فِيهَ لَغْوَا وَلَ كِذَّابًا * جَزَآءُ مِّن رَّيِكَ عَطَآءَ حِسَابًا * رَبٍ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَيْ لَا يَلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا) ثم قال ( يَوْمَيَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَئِكَةُ صَفًّا لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلََّ مَنْ أَذِينَ لَهُ الَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا) فقد أخبر: أن ((الروح والملائكة)) يقومون صفاً ، لا يتكلمون . وهذا هو تحقيق قوله «لَايَلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا» والعرب تقول : ما أملك من أمر فلان، أو من فلان شيئاً أي لا أقدر من أمره على شيء. وغاية ما يقدر عليه الإنسان من أمر غيره : خطابه ، ولو بالسؤال . فهم فى ذلك الموطن لا يملكون من الله شيئاً، ولا الخطاب . فإنه لا يتكلم أحد إلا بإذنه . ولا يتكلم إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا . (إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيدِ لَأَ سْتَغْفِرَنَّلَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَىْءٍ) قال تعالى ٣٩٨ فقد أخبر الخليل : أنه لا يملك لأبيه من الله من شىء. فكيف غيره؟. قال : ((إِلَّ مَنْ أَذِينَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا)» وقال مجاهد أيضاً حقاً في الدنيا، وعملا به. رواه - والذى قبله - عبد بن حميد. وروى عن عكرمة ((وقال صوابا)) قال : الصواب قول لا إله إلا الله . فعلى قول مجاهد : يكون المستثنى : من أتى بالكلم الطيب والعمل الصالح . وقوله فى سورة طه «لََّنَفَعُ الشَّفَعَةُ إِلََّ مَنْ أَذِينَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِىَ لَهُ, قَوْلًا)) فإذا جعلت هذه مثل تلك : فتكون الشفاعة هي الشفاعة المطلقة . وهي الشفاعة فى الحسنات وفى دخول الجنة ، كما فى الصحيحين (( أن الناس يهتمون يوم القيامة. فيقولون: لو استشفعنا على ربنا حتى يريحنا من مقامنا هذا؟)) فهذا طلب الشفاعة للفصل بينهم. وفى حديث الشفاعة (( أدخل من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن )) فهذه شفاعة في أهل الجنة . ولهذا قيل: إن ٣٩٩ هاتين الشفاعتين مختصان بمحمد صلى الله عليه وسلم . ويشفع غيره فى العصاة . فقوله ((يَوْمَيِدٍلَّ شَفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّ مَنْ أَزِنَ لَهُالرَّحْمَنُ وَرَضِىَ لَهُ قَوْلًا)) يدخل فيها الشفاعة في أهل الموقف عموما، وفى أهل الجنة ، وفي المستحقين للعذاب . وهو سبحانه فى هذه وتلك: لم يذكر العمل . إنما قال ((وَقَالَ صَوَابًا)) وقال ((وَرَضِىَ لَهُ قَوْلًا)) لكن قد دل الدليل على أن (( القول الصواب المرضى)) لا يكون صاحبه محموداً إلا مع العمل الصالح، لكن نفس القول مرضي، فقد قال الله (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ اَلْطَيِبُ ) . وقد ذكر البغوي وأبو الفرج ابن الجوزي وغيرها في قوله ((وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ الشَّفَعَةَ إِلَّ مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ)) قولين. أحدهما: أن المستثنى هو الشافع. ومحل ((من)) الرفع. والثاني : هو المشفوع له . قال أبو الفرج : في معنى الآية قولان . أحدهما : أنه أراد بـ ((الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ)) آلهتهم. ثم استثنى عيسى وعزيراً والملائكة. وهو شهادة أن لا إله إلا الله ((وَهُمْ فقال ((إِلَّامَن شَهِدَ بِالْحَقِّ)» يَعْلَمُونَ)) بقلوبهم ما شهدوا به بألسنتهم . قال : وهذا مذهب الأكثرين، منهم قتادة . ٤٠٠