النص المفهرس

صفحات 361-380

العبادة ، والتصوف . حتى جوزوا عبادة الكواكب ، والأصنام . لما
رأوه فيها من الأحوال العجيبة . التى تعينهم عليها الشياطين . لما يحصل
لهم بها من بعض أغراضهم ، من الظلم والفواحش ، فلا يبالون
بشركهم بالله، ولاكفرهم به وبكتابه إذا نالوا ذلك ، ولم يبالوا بتعليم
ذلك للناس . وتعظيمهم لهم . لرياسة ينالونها ، أو مال ينالونه . وإن
كانوا قد علموا أنه الكفر والشرك: عملوه ، ودعوا إليه . بل حصل
عندهم ريب وشك فيما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم . أو اعتقاد
أن الرسول خاطب الجمهور بما لا حقيقة له فى الباطن . لأجل مصلحة
الجمهور . كما يقول ذلك من يقوله من المتفلسفة والملاحدة والباطنية .
وقد دخل فى رأي هؤلاء طائفة من هؤلاء وهؤلاء . وهذا مما
ضاهوا به فارس والروم وغيرهم . فإن فارس كانت تعظم الأنوار ،
وتسجد للشمس وللنار . والروم كانوا - قبل النصرانية - مشركين
يعبدون الكواكب والأصنام ، فهؤلاء الذين أشبهوا فارس والروم :
شر من الذين أشبهوا اليهود والنصارى . فإن أولئك ضاهوا أهل
الكتاب فيما بدل أو نسخ. وهؤلاء ضاهوا من لاكتاب له من
المجوس والمشركين ، فارس والروم ، ومن دخل في ذلك من
الهند واليونان .
ومذهب الملاحدة الباطنية : مأخوذ من قول المجوس بالأصلين ،
٣٦١

ومن قول فلاسفة اليونان بالعقول والنفوس .
وأصل قول المجوس : يرجع إلى أن تكون الظلمة المضاهية للنور:
هي إبليس ، وقول الفلاسفة بالنفس .
فأصل الشر : عبادة النفس والشيطان ، وجعلهما شريكان للرب
وأن يعدلا به . ونفس الإنسان تفعل الشر بأمر الشيطان . وقد على
النبى صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضي الله عنه أن يقول - إذا أصبح
وإذا أمسى، وإذا أخذ مضجعه - ((اللهم رب جبريل وميكائيل
وإسرافيل ، فاطر السموات والأرض ، عالم الغيب والشهادة . أنت
تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون . اهدني لما اختلف فيه من الحق
بإذنك. إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم)).
وهذا من تمام تحقيق قوله تعالى (مَآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَنَّاللَّهِوَ مَآ أَصَابَكَ مِن
(إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَّكَ عَلَيْهِمْ
مع قوله تعالى
سَبِّئَةٍ فَن نَّفْسِكَ )
(لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّن
سُلْطَانُّ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ ) وقوله
تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ)
وقد ظهرت دعوى النفس الإلهية في فرعون ، ونحوه ممن ادعى
أنه إله مع اللّه أو من دونه . وظهرت فيمن ادعى إلهية بشر مع الله
كالمسيح وغيره .
٣٦٢

وأصل الشرك فى بني آدم : كان من الشرك بالبشر الصالحين
المعظمين . فإنهم لما ماتوا : عكفوا على قبورهم ، ثم صوروا تماثيلهم ،
ثم عبدوهم.
فهذا أول شرك كان فى بني آدم . وكان فى قوم نوح ، فإنه أول
رسول بعث إلى أهل الأرض . يدعوهم إلى التوحيد . وينهاهم عن
الشرك . كما قال تعالى
(وَقَالُواْ لَ نَذَرُنَّءَالِهَتَّكُمُ وَلَ نَذَرُنَّ وَدَّا وَلَا سُوَاعًا
وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا * وَقَدْ أَضَلُّواْ كَثِيرًا )
وهذه أسماء
قوم صالحين كانوا فى قوم نوح ، فلما ماتوا جعلوا الأصنام على صورهم
ثم ذهبت هذه الأصنام لما أغرق اللّه أهل الأرض، ثم صارت إلى
العرب . كما ذكر ذلك ابن عباس وغيره . إن لم تكن أعيانها، وإلا
فهي نظائرها .
وأما الشرك بالشيطان : فهذا كثير .
فمتى لم يؤمن الخلق بأنه ((لا إله إلا الله)) بمعنى: أنه المعبود
المستحق للعبادة دون ما سواه . وأنه يحب أن يعبد ، وأنه أمر أن يعبد
وأنه لا يعبد إلا بما أحبه مما شرع ، من واجب ومستحب - فلا بد
أن يقعوا في الشرك وغيره .
فالذين جعلوا الأقوال والأفعال كلها بالنسبة إلى الله سواء. لا يحب
٣٦٣

شيئاً دون شيء : فلا فرق عنده بين من يعبده وحده لا يشرك به
شيئاً. وبين من يعبد معه آلهة أخرى . وجعلوا الأمر معلقاً بمشيئة .
ليس معها حكمة ولا رحمة ولا عدل . ولا فرق فيها بين الحسنات
والسيئات : طمعت النفس فى نيل ما تريده بدون طاعة الله ورسوله.
ثم إذا جوزوا الكرامات لكل من زعم الصلاح ، ولم يقيدوا
الصلاح بالعلم الصحيح والإيمان الصادق والتقوى ، بل جعلوا علامة
الصلاح هذه الخوارق . وجوزوا الخوارق مطلقاً . وحكموا فى ذلك
مكاشفات ، وقالوا أقوالا منكرة .
فقال بعضهم: إن الولي يعطى قول ((كن)) وقال بعضهم: إنه
لا يمتنع على الولي فعل ممكن. كما لا يمتنع على الله تعالى فعل محال.
وهذا قاله ابن عربى والذين اتبعوه . قالوا : إن الممتنع لذاته
مقدور عليه ، ليس عندهم ما يقال : إنه غير مقدور عليه للولي ، حتى
ولا الجمع بين الضدين ، ولا غير ذلك. وزاد ابن عربى: إن الولي
لا يعزب عن قدرته شيء من الممكنات . والذي لا يعزب عن قدرته شيء
من الممكنات : هو الله وحده .
فهذا تصريح منهم : بأن الولي مثل الله ، إن لم يكن هو الله.
٣٦٤

وصرح بعضهم : بأنه يعلم كل ما يعلمه الله. ويقدر على كل
ما يقدر الله عليه .
وادعوا أن هذا كان للنبي ، ثم انتقل إلى الحسن بن علي ، ثم من
الحسن إلى ذريته واحداً بعد واحد . حتى انتهى ذلك إلى أبي الحسن
الشاذلي ، ثم إلى ابنه .
خاطبني بذلك : من هو من أكبر أصحابهم .
وحدثني الثقة من أعيانهم ، أنهم يقولون: إن محمداً هو الله .
وحدثني بعض الشيوخ ، الذين لهم سلوك وخبرة : أنه كان
هو وابن هود في مكة ، فدخلا الكعبة . فقال له ابن هود - وأشار
إلى وسط الكعبة - هذا مهبط النور الأول . وقال له : لو قال لك
صاحب هذا البيت : أريد أن أجعلك إلهاً ماذا كنت تقول له؟ قال:
فقف شعري من هذا الكلام وانخنست - أو كما قال .
ومن الناس من يحكي عن سهل بن عبد الله : أنه لما دخل الزبج
البصرة . قيل له فى ذلك . فقال : هاه ، إن ببلدكم هذا من
لو سألوا الله أن يزيل الجبال عن أماكنها لأزالها. ولو سألوه:
٣٦٥

أن لا يقيم القيامة لما أقامها . لكنهم يعلمون مواضع رضاه ، فلا
يسألونه إلا ما يحب .
وهذه الحكاية : إما كذب على سهل - وهو الذي تختار أن
يكون حقاً - أو تكون غلطاً منه. فلا حول ولا قوة إلا بالله.
وذلك : أن ما أخبر الله أن يكون فلا بد أن يكون . ولو سأله
أهل السموات والأرض أن لا يكون : لم يجيبهم ، مثل إقامة القيامة ،
وأن لا يملأ جهنم من الجنة والناس أجمعين، وغير ذلك . بل كل ما علم
اللّه أنه يكون فلا يقبل الله دعاء أحد فى أن لا يكون .
لكن الدعاء سبب يقضي الله به ما علم اللّه: أنه سيكون بهذا
السبب ، كما يقضي بسائر الأسباب ما علم : أنه سيكون بها .
وقد سأل الله تعالى - من هو أفضل من كل من في البصرة
بكثير - ما هو دون هذا فلم يجابوا . لما سبق الحكم بخلاف ذلك،
كما سأله إبراهيم عليه الصلاة والسلام أن يغفر لأبيه. وكما سأله نوح
عليه السلام سأله نجاة ابنه. فقيل له ( يَدنُوعُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلُ
غَيِرُ صَنِحِ فَلَا نَسْتَلْنِ مَالَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمُ ) .
وأفضل الخلق محمد صلى الله عليه وسلم : قيل له فى شأن عمه أبي
٣٦٦

(مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْأَنْ يَسْتَغْفِرُواْلِلْمُشْرِ كِينَ وَلَوْ كَانُواْ
طالب
أُوْلِ قُرْبى ) وقيل له فى المنافقين (سَوَآءُ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمَ
وقد قال تعالى عموماً (مَن ذَا الَّذِى
تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ )
يَشْفَعُ عِنْدَهُ{ إِلَّا بِإِذْنِهِ )
وقال ( وَلَا تَنفَعُ الشَّفَعَةُ عِندَهُ إِلَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ)
فمن هذا الذي لو سأل الله ما يشاؤه هو أعطاه إياه ؟ !.
وسيد الشفعاء محمد صلى الله عليه وسلم يوم القيامة. أخبر أنه «يسجد
تحت العرش، ويحمد ربه، ويثنى عليه. فيقال له: أي محمد، ارفع
رأسك ، وقل يسمع . وسل تعط. واشفع تشفع . قال : فيحد لي
حداً. فأدخلهم الجنة )) وقد قال تعالى (أَدْعُواْرَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةٌ إِنَّهُ
لَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ).
وأي اعتداء أعظم وأشنع من أن يسأل العبد ربه : أن لايفعل
ما قد أخبر أنه لا بد أن يفعله ، أو أن يفعل ماقد أخبر أنه لا يفعله .
وهو سبحانه كما أخبر عن نفسه (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِى فَإِنِ قَرِيبٌ
(وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِّ
وقال
أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ )
أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّالَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِ سَيَدْ خُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِين ) .
وفي الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ((ما من
٣٦٧

داع يدعو الله بدعوة ، ليس فيها ظلم ، ولا قطيعة رحم: إلا أعطاه
الله بها إحدى خصال ثلاث: إما أن يعجل له دعوته . وإما أن
يدخر له من الخير مثلها . وإما أن يصرف عنه من الشر مثلها)).
فالدعوة التى ليس فيها اعتداء ، يحصل بها المطلوب أو مثله .
وهذا غاية الإجابة . فإن المطلوب بعينه قد يكون ممتنعاً . أو مفسداً
للداعى أو لغيره . والداعى جاهل ، لا يعلم ما فيه المفسدة عليه . والرب
قريب مجيب . وهو أرحم بعباده من الوالدة بولدها . والكريم الرحيم
إذا سئل شيئاً بعينه، وعلم أنه لا يصلح للعبد إعطاؤه : أعطاه نظيره
كما يصنع الوالد بولده إذا طلب منه ما ليس له . فإنه يعطيه من ماله
نظيره . ولله المثل الأعلى.
وكما فعل النبى صلى الله عليه وسلم - لما طلبت منه طائفة
من بني عمه أن يوليهم ولاية لا تصلح لهم - فأعطام من الخمس
ما أغنام عن ذلك وزوجهم ، كما فعل بالفضل بن عباس ، وربيعة بن
الحارث بن عبد المطلب .
وقد روى في الحديث ((ليس شيء أكرم على الله من الدعاء))
وهذا حق .
٣٦٨

ـل
ولما كان الأمر كما أخبر الله به فى قوله «مَّ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِوَمَآَ
أوجب هذا : أن لا يطلب
أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَن نَّفْسِكَ))
العبد الحسنات - والحسنات تدخل فيها كل نعمة - إلا من الله.
وأن يعلم أنها من اللّه وحده، فيستحق الله عليها الشكر الذي لا يستحقه
غيره. ويعلم أنه لا إله إلا هو. كما قال تعالى (وَمَابِكُم مِّنْ نِعْمَةٍ
فَمِنَ اللَّهِ ) .
فهذا يوجب على العبد شكره وعبادته وحده . ثم قال ( ثُمَّ إِذَا
مَشَكُمُ الْضُرُّ فَإِلَيْهِ تَّخْتَرُونَ ) وهذا إخبار عن حالهم ، والجوار : يتضمن
رفع الصوت .
والإنسان إنما يجأر إذا أصابه الضر . وأما في حال النعمة :
فهو ساكن، إما شاكراً وإما كفوراً (ثُمَّإِذَا مَسَّكُمُ الْفُّرُّ فَإِلَيْهِ
تَجْتَرُونَ * ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنكُمْ بِرَبِهِمْ يُشْرِكُونَ ) .
٣٦٩

وهذا المعنى قد ذكره الله في غير موضع ، يذم من يشرك به
بعد كشف البلاء عنه ، وإسباغ النعماء عليه ، فيضيف العبد - بعد ذلك -
الإنعام إلى غيره . ويعبد غيره تعالى . ويجعل المشكور غيره على النعم،
كما قال تعالى (وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرُّدَ عَوْاْرَهُمْ مُنِيِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُم مِّنْهُ رَحْمَةً
إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَّهِمْ يُشْرِكُونَ * لِيَكْفُرُواْبِمَآ ءَانَيْنَهُمْ فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ)
وقال تعالى ( قُلْ مَن يُنَجِّيَكُمْمِّنْ ظُلُمَتِ الْبَرِّوَاَ لْبَحْرِتَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةٌ لَّيِنْ أَنْجَنَا مِنْ
هَذِهِ، لَنتَكُونَنَّ مِنَ الشََّكِينَ * قُلِاللَّه ◌َُجِّكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّأَنْتُمْ تُشْرِكُونَ)
وقال تعالى (وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَنَ ضُرُّدَ عَارَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّإِذَا خَوَّلَهُ, نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِىَ
مَا كَانَ يَدْعُوْإِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَى لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلّ عَن سَبِيلِهِ، قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًاَ إِنَّكَ مِنْ
أَصْحَبِ النَّارِ ) .
وقوله ( نَسِىَ مَاكَانَ يَدْعُواْ إِلَيْهِ ) أي نسى الضر الذي كان يدعو
الله لدفعه عنه، كما قال في سورة الأنعام (قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَتَنْكُمْ عَذَابٌ
اُللَّهِ أَوْ أَتَنَّكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ * بَلْ إِيَّاهُتَدْعُونَ فَيَكْشِفُمَا
تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَآءَ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ ).
فذم الله سبحانه حزبين: حزباً لا يدعونه فى الضراء . ولا
يتوبون إليه . وحزباً يدعونه ويتضرعون إليه ويتوبون إليه . فإذا
٣٧٠

كشف الضر عنهم : أعرضوا عنه ، وأشركوا به ما انخذوم من
الأنداد من دونه .
فهذا الحزب نوعان - كالمعطلة ، والمشركة - حزب إذا نزل بهم
الضر لم يدعوا الله ولم يتضرعوا إليه، ولم يتوبوا إليه، كما قال (وَلَقَدْ
أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَعِ مِن قَبْلِكَ فَأَخَذْ نَهُم بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْبَضَرَّعُونَ * فَلَوْلَا إِذْجَآءَ هُم
بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَنُ مَاكَانُوا يَعْمَلُونَ)
وقال تعالى (وَلَقَدْ أَ خَذْنَهُمْ بِلْعَذَابٍ فَمَا أُسْتَكَانُواْلِرَبِهِمْ وَمَايَنَضَرَّعُونَ )
وقال تعالى (أَوَلَايَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِى كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْمَرَّتَيْنِ ثُمَّ
لَا يَتُوبُونَ وَلَاهُمْ يَذَّكَّرُونَ )
وقال تعالى
(وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ آلْأَدْنَ دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)
وحزب يتضرعون إليه فى حال الضراء . ويتوبون إليه . فإذا كشفها
عنهم : أعرضوا عنه، كما قال تعالى (وَإِذَامَسََّ الْإِنسَنَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنَّبِهِ:
أَوْقَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْ عُنَا إِلَى ضُرِّ مَسَةٌ كَذَلِكَ زُيِّنَ
وقال تعالى
لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ )
(وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَنِ أَعْرَضَ وَنَشَابِجَانِهِ، وَإِذَا مَسَهُ الشَّرُّ فَذُودُعَآءٍ عَرِيضٍ )
(وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُ فِ الْبَحْرِضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّ إِيَّاهُ فَمَّا نَجَّتَكُمْ
وقال تعالى
وقال فى
إِلَى الْبَرِ أَغْرَضْتُمْ وَكَانَ آلْإِنْسَنُ كَفُورًا )
المشركين ما تقدم (ثُمَّإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَحْتَرُونَ * ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ
٣٧١

عَنكُمْ إِذَا فَرِقٌ مِّنْكُمْ بِرَبِهِمْ يُشْرِكُونَ)).
والممدوح: هو القسم الثالث. وهم الذين يدعونه ، ويتوبون إليه.
ويثبتون على عبادته ، والتوبة إليه في حال السراء . فيعبدونه ويطيعونه
في السراء والضراء . وثم أهل الصبر والشكر، كما ذكر ذلك عن أنبيائه
عليهم السلام . فقال تعالى : (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَّهَبَ مُغَضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَّنْ نَّقْدِرَعَلَيْهِ
فَتَكَادَى فِ الظُّلُمَتِ أَنْ لَّ إِلَهَ إِلَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِّ كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ
فَاسْتَجَبْنَا لَهُ, وَنَجَّيْنَهُ مِنَ الْغَرِّ وَكَذَلِكَ تُشْجِى الْمُؤْمِنِينَ)
وقال تعالى (وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَنَ وَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِهِ، جَسَدًا ثُمَّأَنَبَ * قَالَ رَبِّ اغْفِرْ
لِ وَهَبْ لِ مُلْكَا لَا يَنْبَغِىِ لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِىٌّ إِنَّكَ أَنْتَالَوَهَّابٌ )
وقال تعالى (وَهَلْ أَتَنْكَ نَبَؤُأْ الْخَصْمِ إِذْنَسَوَُّواْ الْمِحْرَابَ * إِذْدَخَلُواْ عَلَى دَاوُ دَ فَفَرِعَ
مِنْهُمّ قَالُواْ لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمُ بَيْسَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَأَهْدِنَا إلَى
سَوَآءِ الْصِرَطِ * إِنَّ هَذَآ أَخِىِلَّهُ وَتِسْعُ وَتَسْعُونَ نَعْجَةً وَلِىَ نَعْجَةٌ وَحِدَةٌ فَقَالَ أَ كْفِلْنِهَا وَعَزَّنِ فِى
الْخِطَابِ * قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَّالِ نَعْجَئِكَ إِلَى نِعَاجِهِ، وَإِنَّكَثِيرًا مِّنَ اْخُلَطَاءِ لَتْغِ بَعْضُهُمْ عَلَى
بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَءَامَنُوا وَعَمِلُواْالصَّالِحَتِ وَقَلِلٌ مَاهُمٌ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَنَّهُ فَاسْتَغْفَرَرَبَّهُ.
وَخَرَّرَاكِعًا وَأَنَبَ ( * فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكٌ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَشَادٍ )
وقال تعالى عن آدم وحواء ( فَدَلَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَاسَوْءَ تُهُمَا
٣٧٢

وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَنَّهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل
لَّكُمَا إِنَّالشَّيْطِنَ لَكُمَاعَدُوٌّمُبِينٌ * قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنِ لَّْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَتَكُونَنَّ
مِنَ الْخَسِرِينَ )
وقال: (فَلَقَّقَءَادَمُ مِن رَّبِّهِ، كَلِمَتٍ فَنَابَ عَلَيْهِإِنَّهُ هُوَ النَّوَّابُ الرَّحِيمُ ).
وقال تعالى عن المؤمنين الذين قتل نبيهم (وَكَيِّن مِّن ◌ٍَِّ قَتَلَ مَعَهُ
رِبُّّونَ كَثِيْرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَمَاضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُ
الصَّبِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّ أَنْ قَالُواْ رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَاذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِى أَمْرِنَا وَثَبِّتْ
أَقْدَامَنَا وَأَنصُرْنَا عَلَى اُلْقَوْمِ الْكَفِرِينَ * فَتَهُمُ اللَّهُ تَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ تَوَابٍ الْآَخِرَةُ
وَاللَّهُ يُحِبُّالْمُحْسِنِينَ ).
وقوله ((قتل)) أي النبى قتل . هذا أصح القولين. وقوله
(مَعَهُ رِبِيُّونَ كَثِيرٌ ) جملة فى موضع الخبر ، صفة للنبى - صفة بعد
صفة - أي كم من نبى معه ربيون كثير قتل ، ولم يقتلوا معه . فإنه
كان يكون المعنى : أنه قتل وثم معه . والمقصود : أنه كان معه ربيون
كثير، وقتل فى الجملة. وأولئك الربيون (فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ اللّهِ
وَمَا ضَعُقُواْ وَمَا أَسْتَكَانُواْ ) .
٣٧٣

و ((الربيون)» الجموع الكثيرة. وم الألوف الكثيرة .
وهذا المعنى : هو الذي يناسب سبب النزول ، وهو ما أصابهم
يوم أحد، لما قيل: ((إن محمداً قد قتل )) وقد قال قبل ذلك (وَمَا
مُحَمَّدُّ إِلَّ رَسُولٌ قَدْ خَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُّ أَفَإِيْنِ مَاتَ أَوْقُتِلَ أَنْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَبِّكُمْ وَمَن
يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِى اللَّهُ الشَّكِرِينَ)
وهى التى تلاها أبو بكر الصديق رضي الله عنه يوم مات النبي صلى
الله عليه وسلم. وقال (« من كان يعبد محمداً، فإن محمداً قد مات .
ومن كان يعبد الله، فإن الله حي لا يموت)).
فإنه عند قتل التى وموته : نحصل فتنة عظيمة للناس - المؤمنين
والكافرين - ويحصل ردة ونفاق، لضعف قلوب أتباعه لموته ، ولما
يلقيه الشيطان فى قلوب الكافرين : إن هذا قد انقضى أمره ، وما
بقي يقوم دينه ، وأنه لو كان نبيا لما قتل وغلب . ونحو ذلك. فأخبر
الله تعالى : أنه كم من في قتل ؟ .
فإن بنى اسرائيل قتلوا كثيراً من الأنبياء . والنبى معه ربيون كثير
أتباع له . وقد يكون قتله فى غير حرب ولا قتال . بل بقتل وقد
أتبعه ربيون كثير . فما وهن المؤمنون لما أصابهم بقتله، وما ضعفوا.
وما استكانوا. والله يحب الصابرين، ولكن استغفروا لذنوبهم التى بها
٣٧٤

تحصل المصائب - فما أصابهم من سيئة فمن أنفسهم - وسألوا الله أن
يغفر لهم ، وأن يثبت أقدامهم ، فيتبتهم على الإيمان والجهاد لئلا ير تابوا.
ولا ينكلوا عن الجهاد . قال تعالى
( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
بَِّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّلَمْ يَرْتَابُواْ وَجَهَدُ واْبِأَمْوَِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِأُوْلَئِكَ هُمُ
وسألوه أن ينصرهم على القوم الكافرين . سألوا
الصَّدِقُونَ)
ربهم ما يفعل لهم فى أنفسهم من التثبيت ، وما يعطيهم
من عنده من النصر . فإنه هو الناصر وحده . وما النصر إلا من
عند الله. وكذا أنزل الملائكة عوناً لهم. قال تعالى لما أنزل الملائكة
(وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّبُشْرَى وَلِتَطْمَيْنَّ بِهِ، قُلُوبُكُمَّ وَمَا النَّصْرُ إِلَّ مِنْ عِندِ اللهِ إِنَّ اللَّهَ
(فَائَهُمُ اَللَّهُ تَوَابَ الدُّنْيَا
وقال تعالى
عَزِيزٌ حَكِيمٌ )
وَحُسْنَ ثَوَابٍ الْآَخِرَةُ وَاللّهُيُحِبُّالْحْسِنِينَ) وهذا مبسوط في موضع آخر .
والمقصود هنا : أنه لما كانت الحسنة من إحسانه تعالى ، والمصائب
من نفس الإنسان - وإن كانت بقضاء الله وقدره ـ وجب على العبد
أن يشكر ربه سبحانه، وأن يستغفره من ذنوبه . وألا يتوكل إلا
عليه وحده. فلا يأتى بالحسنات إلا هو. فأوجب ذلك للعبد:
توحيده، والتوكل عليه وحده، والشكر له وحده والاستغفار
من الذنوب .
٣٧٥

وهذه الأمور كان النبي صلى اللّه عليه وسلم يجمعها في الصلاة.
كما ثبت عنه فى الصحيح ((أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع
رأسه من الركوع، يقول: ربنا ولك الحمد، ملء السماء، وملء الأرض،
وملء ما بينها ، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد .
أحق ما قال العبد ، وكلنا لك عبد)) فهذا حمد ، وهو شكر لله تعالى .
وبيان أن حمده أحق ما قاله العبد. ثم يقول بعد ذلك ((اللهم
لامانع لما أعطيت ، ولا معطي لما منعت ، ولا ينفع ذا الجد
منك الجد)».
وهذا تحقيق لوحدانيته: لتوحيد الربوبية . خلقاً، وقدراً ، وبداية ،
وهداية . هو المعطي المانع . لا مانع لما أعطى ولا معطى لما منع ، ولتوحيد
الإلهية - شرعا وأمراً، ونهياً - وهو أن العباد، وإن كانوا يعطون
ملكا وعظمة ، وبختا ورياسة في الظاهر أو في الباطن ، كأصحاب
المكاشفات والتصرفات الخارقة ((فلا ينفع ذا الجد منك
الجد)) أي لا ينجيه ولا يخلصه من سؤالك وحسابك حظه
وعظمته وغناء .
ولهذا قال «لا ينفعه منك)» ولم يقل ((لا ينفعه عندك)) فإنه لو
قيل ذلك : أوهم أنه لا يتقرب به إليك ، لكن قد لا يضره . فيقول
صاحب الجد : إذا سلمت من العذاب فى الآخرة فما أبالي ، كالذين
٣٧٦

أوتوا النبوة والملك ، لهم ملك فى الدنيا وهم من السعداء ، فقد يظن
ذو الجد - الذي لم يعمل بطاعة الله من بعده - أنه كذلك . فقال
((ولا ينفع ذا الجد منك)) ضمن ((ينفع)) معنى ((ينجى ويخلص))
فبين أن جده لا ينجيه من العذاب . بل يستحق بذنوبه ما يستحقه أمثاله
ولا ينفعه جده منك. فلا ينجيه ولا يخلصه .
فتضمن هذا الكلام تحقيق التوحيد ، وتحقيق قوله ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ
وَإِيََّ نَسْتَعِيُ) وقوله (فَأَعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ) وقوله (عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ
وَإِلَيْهِأُنِيبُ ) وقوله (وَأَذْكُرُ أَسْمَ رَبِّكَ وَبَثَّلْ إِلَيْهِ قَبْبِيلًا * رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَآ إِلَهَ
إِلَّا هُوَفَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا ).
فقوله «لا مانع لما أعطيت، ولا معطى لما منعت)) توحيد
الربوبية الذي يقتضى : أنه سبحانه : هو الذي يسأل ويدعى ،
ويتوكل عليه .
وهو سبب لتوحيد الإلهية، ودليل عليه. كما يحتج به فى القرآن
على المشركين . فإن المشركين كانوا يقرون بهذا التوحيد - توحيد
الربوبية - ومع هذا يشركون بالله . فيجعلون له أنداداً ، يحبونهم
كتب الله . ويقولون : إنهم شفعاؤنا عنده ، وإنهم يتقربون بهم إليه .
فيتخذونهم شفعاء وقرباناً، كما قال تعالى (وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَالَا
٣٧٧

يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَوُنَا عِندَ اللَّهِ) وقال تعالى (وَاُلَّذِينَ
أَّخَذُواْ مِن دُونِهِ، أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُ هُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَ) وقال تعالى (وَلَقَدْ
أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآَيَتِ لَعَلَّهُمْ بَرْجِعُونَ * فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ
مِن دُونِ اللَّهِ قُرْ بَانَاءَاِهَةَّ بَلْ ضَلُّواْ عَنْهُمَّ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوايَفْتَرُونَ) .
وهذا التوحيد: هو عبادة الله وحده لا شريك له . وأن لا نعبده
إلا بما أحبه وما رضيه. وهو ما أمر به وشرعه على ألسن رسله
- صلوات الله عليهم - فهو متضمن لطاعته وطاعة رسوله ، وموالاة
أوليائه ، ومعاداة أعدائه، وأن يكون الله ورسوله أحب إلى العبد من
كل ما سواها .
وهو يتضمن : أن يحب الله حباً لا يماثله ولا يساويه فيه غيره ،
بل يقتضى : أن يكون رسوله صلى الله عليه وسلم أحب إليه
من نفسه .
فإذا كان الرسول - لأجل أنه رسول الله - يجب أن يكون
أحب إلى المؤمن من نفسه ، فكيف بربه سبحانه وتعالى ؟ .
وفى صحيح البخاري أن عمر قال (( يا رسول الله، والله إنك
لأحب إلي من كل شىء ، إلا من نفسي ، فقال: لا يا عمر، حتى أكون
٣٧٨

أحب إليك من نفسك . قال : فو الذي بعثك بالحق ، إنك لأحب إلي
من نفسي ، قال : الآن يا عمر)).
وقد قال تعالى (النَّبِىُّأَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) وقال تعالى: (قُلْ إِن كَانَ
ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَجُكُمْوَ عَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَلُ أَقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَرَةٌ تَخْشَوْنَ
كَسَادَهَا وَمَسَكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَتَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اْللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَجِهَادٍ فِىسَبِيلِهِ،
فَتَرَ بَّصُواْحَتَّى يَأَتِى اَللَّهُ بِأَمْيِّوَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ اُلْفَسِقِينَ).
فإن لم يكن الله ورسوله، والجهاد فى سبيله: أحب إلى العبد
من الأهل والمال - على اختلاف أنواعه - فإنه داخل تحت
هذا الوعيد .
فهذا التوحيد - توحيد الإلهية - يتضمن فعل المأمور
وترك المحظور .
ومن ذلك : الصبر على المقدور ، كما أن الأول يتضمن الإقرار
بأنه لا خالق ولا رازق ، ولا معطي ولا مانع ، إلا الله وحده. فيقتضى:
أن لا يسأل العبد غيره ، ولا يتوكل إلا عليه ، ولا يستعين إلا به ،
كما قال تعالى فى النوعين (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) وقال (فَأَعْبُدْهُ
وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ).
٣٧٩

وهذا التوحيد : هو الفارق بين الموحدين والمشركين . وعليه يقع
الجزاء والثواب فى الأولى والآخرة . فمن لم يأت به كان من المشركين
الخالدين. فإن الله لا يغفر أن يشرك به ، ويغفر مادون ذلك
لمن يشاء .
أما توحيد الربوبية : فقد أقر به المشركون ، وكانوا يعبدون مع
الله غيره ، ويحبونهم كما يحبونه . فكان ذلك التوحيد - الذي هو
توحيد الربوبية - حجة عليهم . فإذا كان الله هو رب كل شيء
ومليكه ، ولا خالق ولا رازق إلا هو . فلماذا يعبدون غيره معه ،
وليس له عليهم خلق ولا رزق، ولا بيده لهم منع ولا عطاء ،
بل هو عبد مثلهم لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً ، ولا موناً ولا حياة
ولا نشوراً ؟!
(مَنْ ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُ:
فإن قالوا ((ليشفع)) فقد قال الله
إِلَّا بِإِذْنِهِ) فلا يشفع من له شفاعة - من الملائكة والنبيين - إلا بإذنه.
وأما قبورهم - وما نصب عليها من قباب وأنصاب - أو تماثيلهم - التى مثلت
على صورم ، مجسدة أو مرقومة - فجعل الاستشفاع بها استشفاعا بهم
فهذا باطل عقلا وشرعا . فإنها لا شفاعة لها بحال ، ولا لسائر الأصنام
التى عملت للكواكب والجن والصالحين ، وغيرهم .
٣٨٠