النص المفهرس
صفحات 341-360
وهذا مبسوط فى غير هذا الموضع . والمقصود هنا : أنه إذا عرف أن النعم كلها من الله ، وأنه لا يقدر أن يأتي بها إلا الله. فلا يأتى بالحسنات إلا هو ، ولا يذهب السيئات إلا هو. وأنه (مَّايَفْتَحِاللّهُلِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَايُمْسِكْ فَلَ مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ ) صار توكله ورجاؤه ودعاؤه للخالق وحده . وكذلك إذا علم ما يستحقه الله من الشكر - الذي لا يستحقه غيره - صار علمه بأن الحسنات من الله: يوجب له الصدق في شكر الله ، والتوكل عليه . ولو قيل : إنها من نفسه لكان غلطاً . لأن منها ما ليس لعمله فيه مدخل . وما كان لعمله فيه مدخل : فإن الله هو المنعم به. فإنه لاحول ولا قوة إلا بالله. ولا ملجأ ولا منجى منه إلا إليه . وعلى أن الشر قد انحصر سببه فى النفس . فضبط ذلك وعلم من أين يؤتى . فاستغفر ربه مما فعل وتاب. واستعان اللّه واستعاذ به مما لم يعمل بعد، كما قال من قال من السلف (( لا يرجون عبد إلا ربه. ولا يخافن عبد إلا ذنبه)). ٣٤١ وهذا يخالف قول الجهمية ومن اتبعهم ، الذين يقولون : إن الله يعذب بلا ذنب ويعذب أطفال الكفار وغيرهم عذابا دائماً أبداً بلا ذنب . فإن هؤلاء يقولون : يخاف الله خوفاً مطلقاً ، سواء كان له ذنب أو لم يكن له ذنب . ويشبهون خوفه بالخوف من الأسد ، ومن الملك القاهر الذي لا ينضبط فعله ولا سطوته بل قد يقهر ويعذب من لا ذنب له من رعيته . فإذا صدق العبد بقوله تعالى ( وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَينِ نَّفْسِكَ) على بطلان هذا القول، وأن الله لا يعذبه ويعاقبه إلا بذنوبه ، حتى المصائب التى تصيب العبد كلها بذنوبه . وقد تقدم قول السلف - ابن عباس وغيره - أن ما أصابهم يوم أحد من الغم والفشل : إنما كان بذنوبهم . لم يستثن من ذلك أحد . وهذا من فوائد تخصيص الخطاب ، لئلا يظن أنه عام مخصوص . وفى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال «ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ، ولا هم ولا حزن ولا غم - حتى الشوكة يشاكها - إلاكفر الله بها من خطاياه)). ٣٤٢ فصل الفرق الثامن : أن السيئة إذا كانت من النفس . والسيئة خبيثة مذمومة ، وصفها بالخبث فى مثل قوله (الْخَبِيشَتُ لِلْخَبِشِنَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَتِ ). قال جمهور السلف : الكلمات الخبيثة للخبيثين ومن كلام بعضهم : الأقوال والأفعال الخبيثة للخبيثين. (وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ ) وقد قال تعالى (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةٌ طَيِّبَةً ) وقال الله (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّلِحُ بَرْفَعُهُ) والأقوال والأفعال صفات القائل الفاعل . فإذا كانت النفس متصفة بالسوء والخبث لم يكن محلها ينفعه إلا ما يناسبها . فمن أراد : أن يجعل الحيات والعقارب يعاشر الناس كالسنانير : لم يصلح . ٣٤٣ ومن أراد : أن يجعل الذي يكذب شاهداً على الناس لم يصلح . وكذلك من أراد : أن يجعل الجاهل معلماً للناس ، مفتياً لهم . أو يجعل العاجز الجيان مقاتلا عن الناس . أو يجعل الأحمق الذى لا يعرف شيئا سائساً للناس ، أو للدواب : فمثل هذا يوجب الفساد في العالم . وقد يكون غير ممكن . مثل من أراد أن يجعل الحجارة تسبح على وجه الماء كالسفن ، أو تصعد إلى السماء كالريح ونحو ذلك . فالنفوس الخبيثة لا تصلح أن تكون في الجنة الطيبة التى ليس فيها من الخبث شيء . فإن ذلك موجب للفساد ، أو غير ممكن . بل إذا كان فى النفس خبث طهرت وهذبت ، حتى تصلح لسكنى الجنة . كما في الصحيح من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم (( إن المؤمنين إذا نجوا من النار - أي عبروا الصراط - وقفوا على قنطرة بين الجنة والنار . فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا . فإذا هذبوا ونقوا : أذن لهم فى دخول الجنة)) . ٣٤٤ وهذا مما رواه البخاري عن أبي سعيد الخدرى قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((يخلص المؤمنون من النار. فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار . فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم فى الدنيا ، حتى إذا هذبوا ونقوا : أذن لهم فى دخول الجنة . فو الذي نفس محمد بيده، لأحدم أهدى بمنزله فى الجنة منه بمنزله كان في الدنيا )). والتهذيب : التخليص ، كما يهذب الذهب . فيخلص من الغش . فتبين أن الجنة إنما يدخلها المؤمنون بعد التهذيب والتنقية من بقايا الذنوب فكيف بمن لم يكن له حسنات يعبر بها الصراط؟. وأيضاً فإذا كان سببها ثابتاً فالجزاء كذلك ، بخلاف الحسنة . فإنها من إنعام الحي القيوم الباقى ، الأول الآخر . فسيها دائم . فيدوم بدوامه . وإذا على الإنسان أن السيئة من نفسه: لم يطمع فى السعادة التامة ، مع ما فيه من الشر، بل على تحقيق قوله تعالى (مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَبِهِ ) وقوله (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرَّايَرَهُ ). ٣٤٥ وعلم أن الرب عليم حليم ، رحيم عدل ، وأن أفعاله جارية على قانون العدل والإحسان . وكل نعمة منه فضل . وكل نقمة منه عدل . وفي الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال «يمين الله ملأى . لا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار. أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض ؟ فإنه لم يغض ما فى يمينه . والقسط بيده الأخرى يخفض ويرفع )) . وعلم فساد قول الجهمية ، الذين يجعلون الثواب والعقاب بلا حكمة ولا عدل ، ولا وضع للأشياء مواضعها . فيصفون الرب بما يوجب الظلم والسفه. وهو سبحانه قد شهد (أَنَّهُلَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِّ لَا إِلَهَ إِلََّ هُوَ الْعَبِزُ الْحَكِيمُ). ولهذا يقولون : لا ندري ما يفعل بمن فعل السيئات . بل يجوز عندم : أن يعفو عن الجميع . ويجوز عندم: أن يعذب الجميع . ويجوز أن يعذب ويغفر بلا موازنة . بل يعفو عن شر الناس ، ويعذب خير الناس على سيئة صغيرة ، ولا يغفرها له . وهم يقولون : السيئة لا تمحى ، لا بتوبة ولا حسنات ماحية ولا غير ذلك . وقد لا يفرقون بين الصغار والكبائر. ٣٤٦ قالوا : لأن هذا كله إنما يعلم بالسمع والخبر ، خبر الله ورسوله . قالوا : وليس في الكتاب والسنة ما يبين ما يفعل الله بمن كسب السيئات، إلا الكفر. وتأولوا قوله تعالى (إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَابِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُم ) بأن المراد بالكبار: قد يكون هو الكفر وحده. كما قال تعالى ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَبِهِ). وقد ذكر هذه الأمور القاضي أبو بكر ابن الباقلاني وغيره ، ممن يقول بمثل هذه الأقوال ممن سلك مسلك جهم بن صفوان في القدر وفى الوعيد . وهؤلاء قصدوا مناقضة المعتزلة فى القدر والوعيد . فأولئك لما قالوا : إن الله لم يخلق أفعال العباد ، وأنه يشاء مالا يكون ، ويكون مالا بشاء . وسلكوا مسلك نفاة القدر فى هذا، وقالوا في الوعيد بنحو قول الخوارج . قالوا : إن من دخل النار لا يخرج منها ، لا بشفاعة ولا غيرها . بل يكون عذابه مؤبداً . فصاحب الكبيرة، أو من رجحت سيئاته - عندهم - لا يرحمه الله أبداً. بل يخلده في النار . فخالفوا السنة المتواترة وإجماع الصحابة فيما قالوه فى القدر . وناقضهم جهم فى هذا وهذا . وسلك هؤلاء مسلك جهم. مع انتسابهم إلى أهل السنة والحديث ٣٤٧ وأتباع السلف . وكذلك سلكوا فى الإيمان والوعيد مسلك المرجئة الغلاة كبهم وأتباعه . وجهم اشتهر عنه نوعان من البدعة : نوع فى الأسماء والصفات . فغلا فى نفى الأسماء والصفات . ووافقه على ذلك ملاحدة الباطنية والفلاسفة ونحوهم . ووافقه المعتزلة فى نفي الصفات دون الأسماء. والكلابية - ومن وافقهم من السالمية . ومن سلك مسلكهم من الفقهاء وأهل الحديث والصوفية - وافقوه على نفي الصفات الاختيارية دون نفي أصل الصفات . والكرامية ونحوهم : وافقوه على أصل ذلك . وهو امتناع دوام ما لا يتناهى . وأنه يمتنع أن يكون اللّه لم يزل متكلما إذا شاء، وفعالاً لما بشاء إذا شاء . لامتناع حوادث لا أول لها. وهو عن هذا الأصل - الذي هو نفى وجود ما لا يتناهى فى المستقبل - قال بفناء الجنة والنار . وقد وافقه أبو الهذيل إمام المعتزلة على هذا لكن قال : بتناهى الحركات. فالمعتزلة فى الصفات : مخانيث الجهمية . ٣٤٨ وأما الكلابية : فيثبتون الصفات في الجملة . وكذلك الأشعريون . ولكنهم - كما قال الشيخ أبو إسماعيل الأنصاري -: الجهمية الإناث. وم مخانيث المعتزلة . ومن الناس من يقول : المعتزلة مخانيث الفلاسفة . وقد ذكر الأشعري وغيره هذا . لأن قائله لم يعلم أن جهماً سبق هؤلاء إلى هذا الأصل ، أو لأنهم مخانيثهم من بعض الوجوه. وإلا فإن مخالفتهم للفلاسفة كبيرة جداً . والشهرستانى يذكر عن شيوخهم: أنهم أخذوا ما أخذوا عن الفلاسفة . لأن الشهرستانى إنما يرى مناظرة أصحابه الأشعرية فى الصفات ونحوها مع المعتزلة ، بخلاف أئمة السنة والحديث . فإن مناظرتهم إنما كانت مع الجهمية . وثم المشهورون عند السلف والأمة بنفى الصفات. وأهل النفي للصفات والتعطيل لها : م عند السلف ، يقال لهم : الجهمية . وبهذا تميزوا عند السلف عن سأر الطوائف . وأما المعتزلة : فامتازوا بقولهم بالمنزلة بين المنزلتين ، لما أحدث ذلك عمرو بن عبيد. وكان هو وأصحابه يجلسون معتزلين للجماعة ، فيقول قتادة وغيره : أولئك المعتزلة ، وكان ذلك بعد موت الحسن البصري في أوائل المائة الثانية . ٣٤٩ وبعدهم حدثت الجهمية . وكان القدر : قد حدث أهله قبل ذلك في خلافة عبد الله بن الزبير ، بعد موت معاوية ، ولهذا تكلم فيهم ابن عمر وابن عباس - رضي الله عنهم - وغيرهما. وابن عباس مات قبل ابن الزبير . وابن عمر مات عقب موته ، وعقب ذلك تولى الحجاج العراق سنة بضع وسبعين . فبقي الناس يخوضون فى القدر بالحجاز والشام والعراق ، وأكثره : كان بالشام والعراق بالبصرة ، وأقله : كان بالحجاز . ثم لما حدثت المعتزلة -- بعد موت الحسن ، وتكلم فى المنزلة بين المنزلتين ، وقالوا بإنفاذ الوعيد ، وخلود أهل التوحيد فى النار ، وأن النار لا يخرج منها من دخلها . وهذا تغليظ على أهل الذنوب - ضموا إلى ذلك القدر . فإن به يتم التغليظ على أهل الذنوب . ولم يكن الناس إذ ذاك قد أحدثوا شيئاً من نفي الصفات . إلى أن ظهر الجعد بن درهم ، وهو أولهم ، فضحى به خالد بن عبد الله القسري وقال ((أيها الناس ، ضحوا . تقبل الله ضحاياكم. فإنى مضح بالجعد بن درهم . إنه زعم : أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ٣٥٠ ولم يكلم موسى تكليما . تعالى الله عما يقول الجعد علواً كبيراً)) ثم نزل فذبحه . وهذا كان بالعراق . ثم ظهر جهم بن صفوان من ناحية المشرق من ترمذ . ومنها ظهر رأي جهم . ولهذا كان علماء السنة والحديث بالمشرق : أكثر كلاماً فى رد مذهب جهم من أهل الحجاز والشام والعراق ، مثل إبراهيم بن طهان وخارجة بن مصعب ، ومثل عبد الله بن المبارك، وأمثالهم - وقد تكلم فى ذمهم ـ وابن الماجشون وغيرهما وكذلك الأوزاعي وحماد بن زيد وغيرهم . وإنما اشتهرت مقالتهم من حين محنة الإمام أحمد بن حنبل وغيره من علماء السنة . فإنهم فى إمارة المأمون قووا وكثروا . فإنه كان قد أقام بخراسان مدة . واجتمع بهم. ثم كتب بالحنة من طرسوس سنة ثماني عشرة ومائتين . وفيها مات . وردوا أحمد بن حنبل إلى الحبس ببغداد إلى سنة عشرين . وفيها كانت محنته مع المعتصم ومناظرته لهم في الكلام . فلما رد عليهم ما احتجوا به عليه ، وبين أن لا حجة لهم في شيء من ذلك ، وأن طلبهم من الناس أن يوافقوم ، وامتحانهم إياه : جهل وظلم. وأراد المعتصم إطلاقه . فأشار عليه من أشار بأن المصلحة ٣٥١ ضربه ، حتى لا تنكسر حرمة الخلافة مرة بعد مرة . فلما ضربوه قامت الشناعة عليهم فى العامة ، وخافوا الفتنة . فأطلقوه . وكان أحمد بن أبي دؤاد قد جمع له نفاة الصفات القائلين بخلق القرآن من جميع الطوائف. فجمع له مثل أبى عيسى محمد بن عيسى برغوث ، ومن أكثر النجارية أصحاب حسين النجار . وأئمة السنة - كابن المبارك، وأحمد بن إسحاق ، والبخاري وغيرم ــ يسمون جميع هؤلاء : جهمية . وصار كثير من المتأخرين - من أصحاب أحمد وغيرم ــ يظنون أن خصومه كانوا المعتزلة . ويظنون أن بشر بن غياث المريسي - وإن كان قد مات قبل محنة أحمد ، وابن أبى دؤاد ونحوهما - كانوا معتزلة . وليس كذلك . بل المعتزلة كانوا نوعاً من جملة من يقول القرآن مخلوق . وكانت الجهمية أتباع جهم ، والنجارية أتباع حسين النجار ، والضرارية أتباع ضرار بن عمرو ، والمعتزلة هؤلاء ، يقولون: القرآن مخلوق . وبسط هذا له موضع آخر . والمقصود هنا : أن جهماً اشتهر عنه نوعان من البدعة . أحدهما : ٣٥٢ نفي الصفات . والثاني: الغلو فى القدر والإرجاء . فجعل الإيمان مجرد معرفة القلب . وجعل العباد لا فعل لهم ولا قدرة . وهذان مما غلت المعتزلة فى خلافه فيهما . وأما الأشعري : فوافقه على أصل قوله ، ولكن قد ينازعه منازعات لفظية . وجهم لم يثبت شيئاً من الصفات - لا الإرادة ولا غيرها - فهو إذا قال : إن الله يحب الطاعات ، ويبغض المعاصي . فمعنى ذلك عنده : الثواب والعقاب . وأما الأشعري : فهو يثبت الصفات - كالإرادة - فاحتاج حينئذ أن يتكلم في الإرادة : هل هي المحبة أم لا ؟ وأن المعاصي : هل يحبها الله أم لا ؟ فقال: إن المعاصي يحبها اللّه ويرضاها ، كما يريدها . وذكر أبو المعالي الجويني : أنه أول من قال ذلك، وأن أهل السنة قبله كانوا يقولون : إن الله لا يحب المعاصي. وذكر الأشعري في الموجز : أنه قد قال ذلك قبله طائفة سماهم . أشك فى بعضهم . ٣٥٣ وشاع هذا القول فى كثير من الصوفية ومشايخ المعرفة والحقيقة فصاروا يوافقون جهماً في مسائل الأفعال والقدر ، وإن كانوا مكفرين له فى مسائل الصفات ، كأبي إسماعيل الأنصاري الهروي ، صاحب كتاب (( ذم الكلام )) فإنه من المبالغين فى ذم الجهمية لنفيهم الصفات. وله كتاب ((تكفير الجهمية )» ويبالغ فى ذم الأشعرية ، مع أنهم من أقرب هذه الطوائف إلى السنة والحديث . وربما كان يلعنهم . وقد قال له بعض الناس - بحضرة نظام الملك - أتلعن الأشعرية ؟ فقال : ألعن من يقول : ليس فى السموات إله ، ولا فى المصحف قرآن ، ولا فى القبر نبي . وقام من عنده مغضباً. ومع هذا فهو فى مسألة إرادة الكائنات ، وخلق الأفعال : أبلغ من الأشعرية. لا يثبت سبباً ولا حكمة ، بل يقول : إن مشاهدة العارف الحكم لا تبقى له استحسان حسنة ، ولا استقباح سيئة . والحكم عنده : هي المشيئة. لأن العارف المحقق - عنده - هو من يصل إلى مقام الفناء . فيفنى عن جميع مراداته بمراد الحق. وجميع الكائنات مرادة له. وهذا هو الحكم عنده. و((الحسنة)) و((السيئة)) يفترقان فى حظ العبد ، لكونه ينعم بهذه ، ويعذب بهذه . والالتفات إلى هذا هو من حظوظ النفس . ومقام الفناء ليس فيه إلا مشاهدة مراد الحق. ٣٥٤ وهذه المسألة وقعت في زمن الجنيد ، كما ذكر ذلك فى غير موضع . وبين لهم الجنيد الفرق الثاني. وهو أنهم - مع مشاهدة المشيئة العامة - لا بد لهم من مشاهدة الفرق بين ما يأمر الله به وما ينهى عنه وهو الفرق بين ما يحبه وما يبغضه . وبين لهم الجنيد ، كما قال فى التوحيد : هو إفراد الحدوث عن القدم . فيمن سلك مسلك الجنيد ، من أهل التصوف والمعرفة ، كان قد اهتدى ونجا وسعد . ومن لم يسلك فى القدر مسلكه ، بل سوى بين الجميع : لزمه أن لا يفرق بين الحسنات والسيئات ، وبين الأنبياء والفساق . فلا يقول : إن الله يحب هؤلاء وهذه الأعمال. ولا يبغض هؤلاء وهذه الأعمال . بل جميع الحوادث: هو يحبها كما يريدها ، كما قاله الأشعري. وإنما الفرق : أن هؤلاء ينعمون . وهؤلاء يعذبون . والأشعري لما أثبت الفرق بين هذا وهذا - بالنسبة إلى المخلوق - كان أعقل منهم . فإن هؤلاء يدعون : أن العارف الواصل إلى مقام الفناء لا يفرق بين هذا وهذا . ٣٥٥ وم غلطوا فى حق العبد وحق الرب . أما في حق العبد : فيلزمهم أن تستوى عنده جميع الحوادث . وهذا محال قطعاً. وثم قد تمر عليهم أحوال يفتنون فيها عن أكثر الأشياء . أما الفناء عن جميعها : فممتنع . فإنه لا بد أن يفرق كل حي بين ما يؤلمه وبين ما يلذه . فيفرق بين الخبز والتراب ، والماء والشراب . فهؤلاء : عزلوا الفرق الشرعي الإيمانى الرحمانى الذي به فرق الله بين أوليائه وأعدائه . وظنوا أنهم مع الجمع القدري . وعلى هذا : فإن تسوية العبد بين جميع الحوادث ممتنع لذاته ، بل لا بد للعبد من أن يفرق . فإن لم يفرق بالفرق الشرعي - فيفرق بين محبوب الحق ومكروهه وبين ما يرضاه وما يسخطه - وإلا فرق بالفرق الطبعي بهواه وشيطانه . فيحب ما تهواه نفسه ، وما بأمر به شيطانه . ومن هنا : وقع منهم خلق كثير فى المعاصي . وآخرون فى الفسوق. وآخرون فى الكفر . حتى جوزوا عبادة الأصنام . ثم كثير منهم من ينتقل إلى وحدة الوجود . وهم الذين خالفوا ٣٥٦ الجنيد وأئمة الدين في التوحيد . فلم يفرقوا بين القديم والمحدث . وهؤلاء صرحوا بعبادة كل موجود . كما قد بسط الكلام عليهم فى غير هذا الموضع . وهو قول أهل الوحدة ، كابن عربي الحاتمي ، وابن سبعين، والقونوي ، والتلمسانى ، والبليانى ، وابن الفارض ، وأمثالهم. والمقصود هنا : الكلام على من نفى الحكم والعدل والأسباب فى القدر بين أهل الكلام والمتصوفة ، الذين وافقوا جهماً فى هذا الأصل . وهو بدعته الثانية التى اشتهرت عنه ، بخلاف الإرجاء . فإنه منسوب إلى طوائف غيره . فهؤلاء يقولون : إن الرب يجوز أن يفعل كل ما يقدر عليه ويمكن فعله ، من غير مراعاة حكمة ، ولا رحمة ولا عدل . ويقولون : إن مشيئته هي محبته . ولهذا يجد من اتبعهم : غير معظم للأمر والنهي ، والوعد والوعيد بل هو منحل عن الأمر الشرعي كله ، أو عن بعضه ، أو متكلف لما يعتقده أو يعلمه . فإنهم أرادوا : أن الجميع بالنسبة إلى الرب سواء ، وأن كل ما شاءه فقد أحبه . وأنه يحدث ما يحدثه بدون أسباب يخلقه بها، ولا حكمة يسوقه إليها ، بل غايته : أنه يسوق المقادير إلى المواقيت . ٣٥٧ لم يبق عندهم فرق في نفس الأمر بين المأمور والمحظور . بل وافقوا جهماً ومن قال بقوله - كالأشعري - فى أنه فى نفس الأمر: لاحسن ولا سيء، وإنما الحسن والقبح: مجرد كونه مأموراً به ومحظوراً . وذلك فرق يعود إلى حظ العبد . وهؤلاء يدعون الفناء عن الحظوظ . فتارة : يقولون فى امتثال الأمر والنهي : إنه من مقام التلبيس ، أو ما يشبه هذا. كما يوجد فى كلام أبي إسماعيل الهروي صاحب منازل السائرين . وتارة يقولون : يفعل هذا لأهل المارستان ، أي العامة . كما يقوله الشيخ المغربى ، إلى أنواع ، ليس هذا موضع بسطها . ومن يسلك مسلكهم : غايته - إذا عظم الأمر والنهي - أن يقول ، كما نقل عن الشاذلي : يكون الجمع فى قلبك مشهوداً . والفرق على لسانك موجوداً . ولهذا يوجد فى كلامه وكلام غيره : أقوال وأدعية وأحزاب تستلزم تعطيل الأمر والنهي . مثل أن يدعو: أن يعطيه الله إذا عصاء أعظم مما يعطيه إذا أطاعه ، ونحو هذا مما يوجب أنه يجوز عنده : أن يجعل ٣٥٨ الذين اجترحوا السيئات ، كالذين آمنوا وعملوا الصالحات ، بل أفضل منهم . ويدعون بأدعية فيها اعتداء ، كما يوجد فى جواب الشاذلي . وقد بسط الكلام على هذا فى غير هذا الموضع . وآخرون من عوام هؤلاء يجوزون : أن يكرم الله بكرامات أ كار الأولياء من يكون فاجراً ، بل كافراً . ويقولون : هذه موهبة وعطية ، يعطيها الله من يشاء . ما هي متعلقة لا بصلاة ، ولا بصيام. ويظنون أن تلك من كرامات الأولياء . وتكون كراماتهم : من الأحوال الشيطانية ، التى يكون مثلها للسحرة والكهان . قال الله تعالى (وَلَمَّا جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ كِتَبَ اللَّهِ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * وَأَتَّبَعُواْ مَا تَنْلُواْ الشَّيَطِيْنُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَنَّ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَنُ وَلَكِنَّ الشَّيَطِينَ كَفَرُ واْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَرُوتَ وَمَرُوتَ ). وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم «لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة ، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه)). والمسلمون الذين جاءهم كتاب الله القرآن: عدل كثير منهم - ممن أضله الشيطان من المنتسبين إلى الإسلام - إلى أن نبذ كتاب الله ٣٥٩ وراء ظهره ، واتبع ما نتلوه الشياطين. فلا يعظم أمر القرآن ولا نهيه. ولا يوالى من أمر القرآن بموالاته. ولا يعادي من أمر القرآن بمعاداته. بل يعظم من رآه يأتى ببعض خوارقهم ، التى يأتى بمثلها السحرة والكهان . بإعانة الشياطين . وهي تحصل بما تتلو. الشياطين. ثم منهم من يعرف : أن هذا من الشيطان . ولكن يعظم ذلك لهواه ، ويفضله على طريق القرآن ليصل به إلى تقديس العامة . وهؤلاء (أَلَمَّ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْنَصِيبًا مِّنَ كفار . كالذين قال الله تعالى فيهم اُلْكِتَبِ يُؤْمِنُونَ بِالْحِبْتِ وَالطَّغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ سَبِيلاً * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنْهُمُ اللَّهُ وَ مَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ و نَصِيرًا ). وهؤلاء ضاهوا الكفار الذين قال الله تعالى فيهم (وَلَمَّاجَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اُلَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَيْقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْالْكِنَبَ كِتَبَ اُللَّهِ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * وَاتَّبَعُواْمَا تَنْلُواْ الشَّيَطِيْنُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَنَّ وَمَاكَفَرَ سُلَيْمَنُ وَلَكِنَّالشَّيَطِينَ كَفَرُواْ ) الآية . ومنهم : من لا يعرف أن هذا من الشياطين . وقد يقع فى مثل هذا طوائف من أهل الكلام ، والعلم ، وأهل ٣٦٠