النص المفهرس
صفحات 321-340
كان العلم حجة عليه. ولم يكن مهتدياً. والعبد محتاج إلى أن يجعله الله قادراً على العمل بتلك الإرادة الصالحة . فإنه لا يكون مهتدياً إلى الصراط المستقيم - صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين - إلا بهذه العلوم والإرادات والقدرة على ذلك . ويدخل فى ذلك من أنواع الحاجات ما لا يمكن إحصاؤه . ولهذا كان الناس مأمورين بهذا الدعاء في كل صلاة ، لفرط حاجتهم إليه . فليسوا إلى شيء أحوج منهم إلى هذا الدعاء . وإنما يعرف بعض قدر هذا الدعاء من اعتبر أحوال نفسه ونفوس الإنس والجن ، والمأمورين بهذا الدعاء. ورأى ما فى النفوس من الجهل والظلم الذي يقتضي شقاءها فى الدنيا والآخرة . فيعلم أن الله - بفضله ورحمته - جعل هذا الدعاء من أعظم الأسباب المقتضية للخير ، المانعة من الشر . ومما يبين ذلك : أن الله تعالى لم يقص علينا فى القرآن قصة أحد ٣٢١ إلا لتعتبر بها، لما فى الاعتبار بها من حاجتنا إليه ومصلحتنا . وإنما يكون الاعتبار إذا قسنا الثانى بالأول ، وكانا مشتركين في المقتضى للحكم فلولا أن في نفوس الناس من جنس ما كان فى نفوس المكذبين للرسل - فرعون ومن قبله - لم يكن بنا حاجة إلى الاعتبار بمن لانشبهه قط. ولكن الأمر كما قال تعالى (مَايُقَالُ لَكَ إِلََّمَا قَدْقِيلَ لِلْرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ ) وكما قال تعالى (كَذَلِكَ مَآ أَنَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُواْسَلِ أَوْمَحْنُونَ) وقال تعالى (كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمُ تَشَبَهَتْ قُلُوبُهُمْ) وقال تعالى (يُضَهُِّونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ ). ولهذا قال النبى صلى الله عليه وسلم ((لتسلكن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة ، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه . قالوا : اليهود والنصارى؟ قال: فمن ؟)). وقال « لتأخذن أمتى مأخذ الأمم قبلها : شبراً بشبر ، وذراعاً بذراع. قيل: يارسول اللّه، فارس والروم؟ قال: فمن؟)) وكلا الحديثين فى الصحيحين . ٣٢٢ ولما كان فى غزوة حنين كان للمشركين شجرة - يقال لها : ذات أنواط ، يعلقون عليها أسلحتهم ، وينوطونها بها، ويستظلون بها متبركين فقال بعض الناس (( يا رسول اللّه، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط . فقال : الله أكبر. قلتم كما قال قوم موسى لموسى : اجعل لنا إلها كما لهم آلهة. إنها السنن. لتركبن سنن من كان قبلكم)). وقد بين القرآن : أن السيئات من النفس، وإن كانت بقدر الله. فأعظم السيئات : جحود الخالق . والشرك به ، وطلب النفس أن تكون شريكة ونداً له ، أو أن تكون إلها من دونه . وكلا هذين وقع فإن فرعون طلب أن يكون إلها معبوداً دون الله تعالى. وقال (مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِى ) وقال (أَنَاْرَبِّكُمُ الْأَعْلَى ) وقال لموسى ( لَبِنِ اُتَّخَذْتَ إِلَهَا غَيْرِى لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ ) و (فَأَسْتَخَفَّ قَوْمَهُ، فَأَطَاعُوهُ ). وإبليس يطلب : أن يعبد ويطاع من دون الله . فيريد : أن يعبد ويطاع هو ، ولا يعبد الله ولا يطاع. وهذا الذى فى فرعون وإبليس هو غاية الظلم والجهل . وفى نفوس سار الإنس والجن : شعبة من هذا وهذا. إن لم يعن ٣٢٣ الله العبد ويهديه، وإلا وقع فى بعض ما وقع فيه إبليس وفرعون: بحسب الإمكان . قال بعض العارفين : ما من نفس إلا وفيها ما فى نفس فرعون . غير أن فرعون قدر فأظهر . وغيره عجز فأضمر . وذلك : أن الإنسان إذا اعتبر وتعرف نفسه والناس ، وسمع أخبارم : رأى الواحد منهم يريد لنفسه أن تطاع وتعلو بحسب قدرته. فالنفس مشحونة بحب العلو والرياسة ، بحسب إمكانها ، فتجد أحدهم يوالى من يوافقه على هواه ، ويعادى من يخالفه فى هواه . وإنما معبوده : ما يهواه ويريده. قال تعالى (أَرَءَيْتَ مَنْ أَتَّخَذَ إِلَهَهُ,هَوَنَهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا ) والناس عنده فى هذا الباب : كما م عند ملوك الكفار من المشركين من الترك وغيرهم. يقولون « يارباعى )) أي صديق وعدو . فمن وافق هوام: كان ولياً ، وإن كان كافراً مشركا . ومن لم يوافق هوام : كان عدوا ، وإن كان من أولياء الله المتقين. وهذه هى حال فرعون . والواحد من هؤلاء : يريد أن يطاع أمره بحسب إمكانه ، لكنه ٣٢٤ لا يتمكن مما تمكن منه فرعون : من دعوى الإلهية ، وجحود الصانع. وهؤلاء - وإن كانوا بقرون بالصانح - لكنهم إذا جاءهم من يدعوهم إلى عبادته وطاعته المتضمنة ترك طاعتهم: فقد يعادونه ، كما عادى فرعون موسى . وكثير من الناس ممن عنده بعض عقل وإيمان ، لا يطلب هذا الحد ، بل يطلب لنفسه ما هو عنده . فإن كان مطاعاً مسلماً : طلب أن يطاع فى أغراضه، وإن كان فيها ما هو ذنب ومعصية لله . ويكون من أطاعه في هواء: أحب إليه وأعز عنده ممن أطاع الله وخالف هواه . وهذه شعبة من حال فرعون . وسائر المكذبين للرسل . وإن كان عالماً - أو شيخاً - أحب من يعظمه دون من يعظم نظيره ، حتى لو كانا يقرآن كتابا واحداً كالقرآن ، أو يعبدان عبادة واحدة متماثلان فيها ، كالصلوات الخمس . فإنه يحب من يعظمه بقبول قوله ، والاقتداء به: أكثر من غيره . وربما أبغض نظيره وأتباعه حسداً وبغياً، كما فعلت اليهود لما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم يدعو إلى مثل ما دعا إليه موسى. قال تعالى (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُواْ بِمَآ أَنَزَلَ اللَّهُ قَالُواْ تُؤْمِنُ بِمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَآءَهُ، وَهُوَالْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَامَعَهُمْ ) وقال تعالى (وَمَا نَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَاجَآءَ فُهُمُ الْبَيِّنَةُ) ٣٢٥ وقال تعالى (وَمَا نَفَرَّقُواْإِلَّمِنْ بَعْدِ مَاجَآءَ هُمُ الْعِلْمُ بَغْيَا بَيْنَهُمْ ). ولهذا أخبر اللّه تعالى عنهم بنظير ما أخبر به عن فرعون. وسلط عليهم من انتقم به منهم. فقال تعالى عن فرعون ( إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي اَلْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ يُدَبِّحُ أَبْنَاءَ هُمْ وَيَسْتَخِىءِنِسَآءَ هُمْ ( وَقَضَيْنَآَ وقال تعالى عهم إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) إِلَى بَنِي إِسْرَءِ يلَ فِى الْكِتَبِ لَتُفْسِدُنَ فِ الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَنَعْلُنَّ عُلُوًا كَبِيرًا ) (تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَأَيُرِدُونَ عُلُوًّا فِ الْأَرْضِ ولهذا قال تعالى وَلَا فَسَادًا ) والله سبحانه وتعالى إنما خلق الخلق لعبادته، ليذكروه ويشكروه، ويعبدوه وأرسل الرسل ، وأنزل الكتب ليعبدوا الله وحده، وليكون الدين كله لله، ولتكون كلمة الله هي العليا، كما أرسل كل رسول بمثل (وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيَّ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ ذلك . قال تعالى وقال تعالى إِلَّا أَنَاْ فَاعْبُدُونِ ) ( وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَّاً أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِءَالِهَةَ يُعْبَدُونَ ). وقد أمر الله الرسل كلهم بهذا، وأن لا يتفرقوا فيه. فقال (إِنَّ ٣٢٦ هَذِهِ- أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَحِدَةً وَأَنَاْرَبُّكُمْ فَأَعْبُدُونِ) وقال تعالى (يَأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوْ مِنَ الَّتِبَتِ وَأَعْمَلُواْ صَلِيًَ إِ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * وَإِنَّ هَذِ أُمَّكُرْمَّةً وَحِدَةٌ وَأَنَا رَبُّكُمْ فَأَنَّقُونِ * فَتَقَطّعُواْ أَقْرَهُمْ بِتَهُمْزُبْرً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ) . قال قتادة : أي دينكم دين واحد . وربكم رب واحد . والشريعة مختلفة . وكذلك قال الضحاك عن ابن عباس (إِنَّهَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَحِدَةُ ) أي دينكم دين واحد . قال ابن أبي حاتم : وروى عن سعيد ابن جبير ، وقتادة وعبد الرحمن بن زيد نحو ذلك . وقال الحسن : بين لهم ما يتقون وما يأتون . ثم قال : إن هذه سنتكم سنة واحدة . وهكذا قال جمهور المفسرين . و ((الأمة)) الملة. والطريقة، كما قال تعالى (قَالُواْ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَ نَا عَلَىّ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىّءَاثَِهِمْ مُهْتَدُونَ - مُقْتَدُونَ) كما يسمى ((الطريق)) إماماً . لأن السالك فيه يأتم به ، فكذلك السالك يؤمه ويقصده . و((الأمة)) أيضاً معلم الخير، الذي يأتم به الناس. كما أن ((الإمام)) هو الذي يأتم به الناس . وإبراهيم عليه السلام جعله الله إماماً. وأخبر أنه (كَانَ أُمَّةً ). ٣٢٧ وأمر الله الرسل أن تكون ملتهم ودينهم واحداً . لا يتفرقون فيه كما فى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال (( إنا معشر الأنبياء ديننا واحد )) وقد قال الله تعالى (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَاوَضَّىبِهِ. نُوحًا وَاُلَّذِىّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَابِهِ إِبْرَهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَىّ أَنْ أَقِيمُواْالّذِينَ وَلَا نَشَفَرَّقُواْ فِيهِ ) ولهذا كان جميع رسل الله وأنبيائه يصدق بعضهم بعضاً. لا يختلفون ، مع تنوع شرائعهم . فمن كان من المطاعين - من العلماء والمشايخ والأمراء والملوك - متبعاً للرسل : أمر بما أمروا به . ودعا إلى ما دعوا إليه . وأحب من دعا إلى مثل ما دعا إليه . فإن الله يحب ذلك. فيحب ما يحبه الله تعالى . وهذا قصده فى نفس الأمر: أن تكون العبادة لله تعالى وحده وأن يكون الدين كله لله . وأما من كان يكره أن يكون له نظير يدعو إلى ذلك : فهذا يطلب أن يكون هو المطاع المعبود . فله نصيب من حال فرعون وأشباهه . فمن طلب أن يطاع دون اللّه: فهذا حال فرعون . ومن طلب أن يطاع مع الله: فهذا يريد من الناس أن يتخذوا من دون الله أنداداً ٣٢٨ يحبونهم حب الله. والله سبحانه وتعالى أمر: أن لا يعبد إلا إياه، وأن لا يكون الدين إلا له ، وأن تكون الموالاة فيه ، والمعاداة فيه . وأن لا يتوكل إلا عليه ، ولا يستعان إلا به . فالمؤمن المتبع للرسل : يأمر الناس بما أمرتهم به الرسل ، ليكون الدين كله لله، لا له . وإذا أمر أحد غيره بمثل ذلك : أحبه وأعانه ، وسر بوجود مطلوبه . وإذا أحسن إلى الناس ، فإنما يحسن إليهم : ابتغاء وجه ربه الأعلى. ويعلم أن الله قد من عليه بأن جعله محسناً ، ولم يجعله مسيئاً ، فيرى أن عمله لله ، وأنه بالله. وهذا مذكور فى فاتحة الكتاب ، التى ذكرنا أن جميع الخلق محتاجون إليها أعظم من حاجتهم إلى أي شيء . ولهذا فرضت عليهم قراءتها فى كل صلاة دون غيرها من السور ولم ينزل فى التوراة ، ولا في إنجيل ، ولا فى الزبور ، ولا في القرآن مثلها. فإن فيها (إِيَاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ). فالمؤمن يرى : أن عمله لله ، لأنه إياه يعد ، وأنه بالله . لأنه ٣٢٩ إياه يستعين . فلا يطلب ممن أحسن إليه جزاء ولا شكوراً . لأنه إنما ( إِنَّا تُطِعِمُكُمْلِوَجْهِاللهِلَا تُرِدُ مِنْكُمْ عمل له ما عمل الله ، كما قال الأبرار ولا يمن عليه بذلك ولا يؤذيه . فإنه قد على جَزَاءُ وَلَا شُكُورًا ) أن الله هو المان عليه، إذ استعمله فى الإحسان . وأن المنة لله عليه، وعلى ذلك الشخص . فعليه هو : أن يشكر الله . إذ بسره لليسرى . وعلى ذلك: أن يشكر الله. إذ يسر له من يقدم له ما ينفعه من رزق أو علم أو نصر ، أو غير ذلك . ومن الناس : من يحسن إلى غيره ليمن عليه ، أو يرد الإحسان له بطاعته إليه وتعظيمه ، أو نفع آخر. وقد يمن عليه . فيقول: أنا فعلت بك كذا . فهذا لم يعبد الله ولم يستعنه . ولا عمل الله ، ولا عمل بالله . فهو المرائى . وقد أبطل الله صدقة المنان ، وصدقة المرائي . قال تعالى ( يَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوْ لَانُبْطِلُواْ صَدَقَتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِى يُنفِقُ مَالَهُرِينَآءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَّوْمِ الْآَخِرِّ فَمَثَلُهُ، كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ, وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا قلے لَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَىْءٍ مِّمَا كَسَبُواْ وَاَللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ اَلْكَفِينَ) (وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمُ أَبْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثْلٍ جَنَِّ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَكَانَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ). ٣٣٠ قال قتادة ((وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ)) احتساباً من أنفسهم . وقال الشعبى : يقيناً ، وتصديقاً من أنفسهم . وكذلك قال الكلبى . قيل : يخرجون الصدقة طيبة بها أنفسهم . على يقين بالثواب ، وتصديق بوعد الله. يعلمون: أن ما أخرجوه خير لهم مما تركوه. قلت : إذا كان المعطى محتسباً للأجر عند الله، مصدقاً بوعد الله له : طالب من الله، لا من الذي أعطاء ، فلا يمن عليه . كما لو قال رجل لآخر : أعط مماليكك هذا الطعام ، وأنا أعطيك ثمنه، لم يمن على الماليك . لا سيما إذا كان يعلم: أن الله قد أنعم عليه بالإعطاء . فصل الفرق السادس : أن يقال : إن ما يبتلى به العبد من الذنوب الوجودية - وإن كانت خلقاً لله - فهو عقوبة له على عدم فعله ما خلقه الله له . وفطره عليه . فإن الله إنما خلقه لعبادته وحده لا شريك له. ودله على الفطرة. كما قال النبى صلى الله عليه وسلم (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلِينِ ((كل مولود يولد على الفطرة)) وقال تعالى حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِالَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيَّهَا لَا نَبْدِيَلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّدُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ) . ٣٣١ فهو لما لم يفعل ما خلق له ، وما فطر عليه ، وما أمر به - من معرفة الله وحده . وعبادته وحده - عوقب على ذلك ، بأن زين له الشيطان ما يفعله من الشرك والمعاصي . ( أَذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ قال تعالى للشيطان جَزَآءَ مَّوْفُورًا - إلى قوله ـ- إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ) وقال تعالى (إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَرُّ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَ عَلَى رَيْهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَُّهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَاُلَّذِينَ هُم بِهِ، مُشْرِكُونَ). وقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْاْ إِذَا مَسَُّهُمْ طَبِفٌ مِّنَ الشَّيْطَنِ تَذَكَرُواْ فَإِذَاهُم مُّبْصِرُونَ * وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِ الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ ). فقد تبين : أن إخلاص الدين لله : يمنع من تسلط الشيطان ، ومن ولاية الشيطان التى توجب العذاب. كما قال تعالى (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّهَ وَالْفَحْشَآءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ). فإذا أخلص العبد لربه الدين : كان هذا مانعاً له من فعل ضد ذلك ومن إيقاع الشيطان له فى ضد ذلك . وإذا لم يخلص لربه الدين ، ولم يفعل ما خلق له ، وفطر عليه : عوقب على ذلك . وكان من عقابه : ٣٣٢ تسلط الشيطان عليه ، حتى يزين له فعل السيئات . وكان إلهامه لفجوره عقوبة له على كونه لم يتق الله . وعدم فعله للحسنات : ليس أمراً وجودياً ، حتى يقال : إن الله خلقه ، بل هو أمر عدمي . لكن يعاقب عليه لكونه : عدم ما خلق له، وما أمر به. وهذا يتضمن العقوبة على أمر عدمى . لكن بفعل السيئات ، لا بالعقوبات - التى يستحقها بعد إقامة الحجة عليه - بالنار ونحوها . وقد تقدم أن مجرد عدم المأمور : هل يعاقب عليه ؟ فيه قولان . والأكثرون يقولون : لا يعاقب عليه ، لأنه عدم محض . ويقولون: إنما يعاقب على الترك . وهذا أمر وجودي . وطائفة . منهم: أبو هاشم - قالوا : بل يعاقب على هذا العدم . بمعنى أنه يعاقب عليه كما يعاقب على فعل الذنوب، بالنار ونحوها . وما ذكر فى هذا الوجه : هو أمر وسط . وهو أن يعاقبه على هذا العدم بفعل السيئات ، لا بالعقوبة عليها . ولا يعاقبه عليها حتى يرسل إليه رسوله . فإذا عصى الرسول : استحق حينئذ العقوبة التامة . وهو أولا : إنما عوقب بما يمكن أن ينجو من شره ، بأن يتوب منه . ٣٣٣ أو بأن لا تقوم عليه الحجة . وهو كالصبي الذي لا يشتغل بما ينفعه ، بل بما هو سبب لضرره ، ولكن لا يكتب عليه قلم الإثم حتى يبلغ . فإذا بلغ عوقب . ثم ما نعوده من فعل السيئات : قد يكون سباً لمعصيته بعد البلوغ ، وهو لم يعاقب إلا على ذنبه . ولكن العقوبة المعروفة: إنما يستحقها بعد قيام الحجة عليه . وأما اشتغاله بالسيئات : فهو عقوبة عدم عمله للحسنات . وعلى هذا : فالشر ليس إلى الله بوجه من الوجوه . فإنه - وإن كان الله خالق أفعال العباد - خخلقه للطاعات : نعمة ورحمة ، وخلقه للسيئات : له فيه حكمة ورحمة ، وهو - مع هذا - عدل منه ، فما ظلم الناس شيئاً . ولكن الناس ظلموا أنفسهم . وظلمهم لأنفسهم نوعان : عدم عملهم بالحسنات . فهذا ليس مضافاً إليه . وعملهم للسيئات : خلقه عقوبة لهم على ترك فعل الحسنات التى خلقهم لها، وأمرم بها . فكل نعمة منه فضل. وكل نقمة منه عدل . ٣٣٤ ومن تدبر القرآن: تبين له أن عامة ما يذكره الله في خلق الكفر والمعاصى يجعله جزاء لذلك العمل. كقوله تعالى (فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِّ وَمَن يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّغَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الْرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ) وقال تعالى وقال تعالى (فَلَمَّازَاغُواْأَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ) ( وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَأَسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى *فَسَنُيَسِرُهُولِلْعُسْرَى). وهذا وأمثاله : بذلوا فيه أعمالا ، عاقبهم بها على فعل محظور ، وترك مأمور . وتلك الأمور إنما كانت منهم وخلقت فيهم ، لكونهم لم يفعلوا ما خلقوا له . ولا بد لهم من حركة وإرادة . فلما لم يتحركوا بالحسنات: حركوا بالسيئات ، عدلا من الله . حيث وضع ذلك موضعه فى محله القابل له - وهو القلب الذي لا يكون إلا عاملا - فإذا لم يعمل الحسنة استعمل فى عمل السيئة . كما قيل : نفسك إن لم تشغلها شغلتك. وهذا الوجه - إذا حقق - بقطع مادة كلام القدرية المكذبة ، والمجبرة الذين يقولون : إن أفعال العباد ليست مخلوقة لله . ويجعلون خلقها والتعذيب عليها ظلماً . والذين يقولون: إنه خلق كفر الكافرين ومعصيتهم ، وعاقبهم على ذلك لا لسبب ولا لحكمة . ٣٣٥ فإذا قيل لأولئك: إنه إنما أوقعهم فى تلك الذنوب ، وطبع على قلوبهم : عقوبة لهم على عدم فعلهم ما أمرهم به . فما ظلمهم ، ولكن م ظلموا أنفسهم . يقال: ظلمته إذا نقصته حقه. قال تعالى (كِنَا الْجََّيْنِءَانَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِومِنْهُ شَيْئًا ) . وكثير من أولئك يسلمون أن الله خلق للعبد من الأعمال ما يكون جزاء له على عمل منه متقدم . ويقولون : إنه خلق طاعة المطيع . فلا ينازعون فى نفس خلق أفعال العباد . لكن يقولون : ما خلق شيئاً من الذنوب ابتداء ، بل إنما خلقها جزاء لئلا يكون ظالماً . فنقول : أول ما يفعله العبد من الذنوب : هو أحدثه ، لم يحدثه اللّه. ثم ما يكون جزاء على ذلك: فالله محدثه. وهم لا ينازعون في مسألة خلق الأفعال إلا من هذه الجهة . وهذا الذى ذكرناه : يوافقون عليه . لكن يقولون : أول الذنوب لم يحدثه الله، بل يحدثه العبد، لئلا يكون الجزاء عليه ظلما . وما ذكرناه : يوجب أن الله خالق كل شيء. فما حدث شيء ٣٣٦ إلا بمشيئته وقدرته . لكن أول الذنوب الوجودية : هو المخلوق . وذاك عقوبة على عدم فعل العبد لما خلق له ، ولما كان ينبغي له أن يفعله . وهذا العدم لا يجوز إضافته إلى الله . وليس بشيء ، حتى يدخل فى قولنا ((اللَّهُ خَلِقُ كُلِّ شَىْءٍ)) وما أحدثه من الذنوب الوجودية ، فأولها : عقوبة للعبد على هذا العدم . وسائرها : قد يكون عقوبة للعبد على ما وجد . وقد يكون عقوبة له على استمراره على العدم . فما دام لا يخلص لله العمل: فلا يزال مشركا. ولا يزال الشيطان مسلطا عليه . ثم بخصيصه سبحانه لمن هداه - بأن استعمله ابتداء فيما خلق له ، وهذا لم يستعمله - هو بخصيص منه بفضله ورحمته . ولهذا يقول الله (وَاَللَّهُ يَخْتَصُ بِرَحْمَتِهِ، مَن يَشَاءُ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ) ولذلك حكمة ورحمة هو أعلى بها ، كما خص بعض الأبدان بقوى لا توجد في غيرها ، وبسبب عدم القوة قد تحصل له أمراض وجودية ، وغير ذلك من حكمته . وبتحقيق هذا يدفع شبهات هذا الباب . والله أعلم بالصواب . ٣٣٧ ـل ومما ذكر فيه العقوبة على عدم الإيمان: قوله تعالى (وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ، أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَنِهِمْ يَعْمَهُونَ ) وهذا من تمام قوله (وَمَا يُشْعِرَّكُمْ أَنَّهَ إِذَا جَآءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ * وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ الآية فذكر : أن هذا التقليب إنما حصل لقلوبهم وَأَبْصَرَهُمْ ) لما لم يؤمنوا به أول مرة ، وهذا عدم الإيمان . لكن يقال: إنما كان هذا بعد دعوة الرسول لهم ، وهم قد تركوا الإيمان ، وكذبوا الرسول . وهذه أمور وجودية ، لكن الموجب للعذاب: هو عدم الإيمان . وما ذكر شرط فى التعذيب، بمنزلة إرسال الرسول. فإنه قد يشتغل عن الإيمان بما جنسه مباح - من أكل وشرب، وبيع وسفر ، وغير ذلك - وهذا الجنس لا يستحق عليه العقوبة إلا لأنه شغله عن الإيمان الواجب عليه . ومن الناس من يقول: ضد الإيمان هو تركه . وهو أمر وجودي، لا ضدله إلا ذلك . ٣٣٨ فصل الفرق السابع: من الحسنات والسيئات التى تتناول الأعمال والجزاء في كون هذه تضاف إلى النفس . وتلك تضاف إلى الله: أن السيئات التى تصيب الإنسان - وهي مصائب الدنيا والآخرة - ليس لها سبب إلا ذنبه الذي هو من نفسه. فانحصرت فى نفسه . وأما ما يصيبه من الخير والنعم : فإنه لا تنحصر أسبابه . لأن ذلك من فضل الله وإحسانه ، يحصل بعمله وبغير عمله . وعمله نفسه من إنعام الله عليه . وهو سبحانه لا يجزي بقدر العمل ، بل يضاعفه له . ولا يقدر العبد على ضبط أسبابها لكن يعلم أنها من فضل الله وإنعامه. فيرجع فيها إلى الله . فلا يرجو إلا الله . ولا يتوكل إلا عليه . ويعلم أن النعم كلها من الله. وأن كل ما خلقه فهو نعمة، كما تقدم . فهو يستحق الشكر المطلق العام التام ، الذي لا يستحقه غيره . ومن الشكر : ما يكون جزاء على ما يسره على يديه من الخير ، ٣٣٩ كشكر الوالدين وشكر من أحسن إليك من غيرها. فإنه ((من لا يشكر الناس لا يشكر الله)) لكن لا يبلغ من حق أحد وإنعامه : أن يشكر بمعصية الله، أو أن يطاع بمعصية الله. فإن اللّه هو المنعم بالنعم العظيمة، التى لا يقدر عليها مخلوق . ونعمة المخلوق إنما هي منه أيضاً . قال تعالى (وَمَابِكُمْ مِّن نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ) وقال تعالى (وَسَخََّلَكُمَّا فِي السَّمَوَتِ وَمَا فِى وجزاؤه سبحانه على الطاعة والمعصية والكفر اُلْأَرْضِ جَمِيعَامِنْهُ ) لا يقدر أحد على مثله . فلهذا لم يجز أن يطاع مخلوق في معصية الخالق كما قال تعالى (وَوَضَّيْنَا الْإِنْسَنَ بِوَلِدَيِّ حُسْنٌَّ وَ إِن جَهَدَ الَ لِتُثْرِكَ بِ مَالَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا) وقال في الآية الأخرى (وَإِنِ جَهَدَ اكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِىِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمٌ فَلَ نُطِعْهُمََّ وَصَاحِبُهُمَا فِ الدُّنْيَا مَعْرُوفَاً وَأَتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَبَ إِلَىَّ ). وقال النبى صلى الله عليه وسلم فى الحديث الصحيح (على المرء المسلم: السمع والطاعة فى عسره ويسره، ومنشطه ومكرهه، مالم يؤمر بمعصية. فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة)). وفى الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ((إنما الطاعة فى المعروف)) وقال ((من أمركم بمعصية الله فلا تطيعوه)) وقال ((لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق )) . ٣٤٠