النص المفهرس
صفحات 301-320
والرحمة . وما لم نعلم أعظم مما علمناه . فتبارك الله أحسن الخالقين، وأرحم الراحمين ، وخير الغافرين. ومالك يوم الدين . الأحد الصمد . الذي لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفواً أحد . الذي لا يحصى العباد ثناء عليه. بل هو كما أثنى على نفسه الذي له الحمد فى الأولى والآخرة . وله الحكم وإليه ترجعون . الذي يستحق الحمد والحب والرضا لذاته ، ولإحسانه إلى عباده . سبحانه وتعالى . يستحق أن يحمد لما له فى نفسه من المحامد والإحسان إلى عباده . هذا حمد شكر ، وذاك حمد مطلقاً . وقد ذكرنا - فى غير هذا الموضع - ما قيل : من أن كل ما خلقه الله فهو نعمة على عباده المؤمنين . يستحق أن يحمدوه ويشكروه عليه ، وهو من آلائه . ولهذا قال فى آخر سورة النجم (فَيِّءَالَآءِرَّكَ نَتَمَارَى ) وفى سورة الرحمن يذكر (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانِ ) ونحو ذلك . ثم يقول عقب ذلك (فَبِأَتِّءَ الَآءِ رَيَّكُمَاتِكَذِّبَانِ ). وقال آخرون : منهم الزجاج ، وأبو الفرج بن الجوزي ( فَأَتِ ءَالَآءِ رَبِّكِكُمَا تُكَذِّبَانٍ) أي من هذه الأشياء المذكورة. لأنها كلها ينعم بها عليكم فى دلالتها إياكم على وحدانيته، وفي رزقه إياكم مابه قوامكم. وهذا قالوه فى سورة الرحمن . ٣٠١ فبأي نعم ربك وقالوا فى قوله (فَأَتِيِّءَالَآءِرَبِّكَ نَتَمَارَى) التى تدل على وحدانيته تتشكك؟ وقيل : تشك ويجادل ؟ قال ابن عباس : تكذب ؟. قلت: قد ضمن ((تتمارى)) معنى تكذب . ولهذا عداه بالتاء. فان التاري : تفاعل من المراء . يقال : تمارينا فى الهلال . والمراء فى القرآن كفر وهو يكون تكذيبا وتشكيكا. وقد يقال: لما كان الخطاب لهم. قال ((تتمارى)) أى تتمارون . ولم يقل : تميرا . فإن التفاعل يكون بين اثنين تماريا . قالوا: والخطاب للإنسان . قيل للوليد بن المغيرة . فإنه قال (أَمْ لَمْ يُنَتَّأْبِمَا فِ صُحُفٍ مُوسَى ثم التفت وَإِبْرَهِيمَ اُلَّذِى وَفَّ * أَلَّانَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَأُخْرَى ) * إليه فقال (فَأَيِّءَالَآءِرَبِّكَ نَتَمَارَى) تكذب. كما قال (خَلَقَ الْإِنسَنَ مِن صَلَّصَلٍ كَالْفَخَّارِ * وَخَلَقَ الْجَآَنَّ مِن مَّارِجِ مِّن نَّارٍ * فَبِأَيِّءَ الَآءِ رَبِّكُمَا ثُكَذِّبَانِ ) . ففى كل ما خلقه الله إحسان إلى عباده ، يحمد عليه حمد شكر. وله فيه حكمة تعود إليه، يستحق لأجلها أن يحمد عليه حمداً يستحقه لذاته . فجميع المخلوقات : فيها إنعام على العباد ، كالثقلين المخاطبين بقوله ٣٠٢ من جهة أنها آيات للرب ، يحمل بها (فَأَتِءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) هدايتهم وإيمانهم الذى يسعدون به فى الدنيا والآخرة . فيدلهم عليه وعلى وحدانيته وقدرته وعلمه وحكمته ورحمته . والآيات التى بعث بها الأنبياء وأيدهم بها ونصرم . وإهلاك عدوم - كما ذكره في سورة النجم (وَأَنَُّ أَهْلَكَ عَادًا الْأُوْلَى * وَثَّمُوْدَأَمَا أَبْقَى ﴾ وَقَّوْمَ نُوِّن قَبْلِّ ◌ِنَّهُمْ كَانُواْهُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى * وَالْمُؤْنَفِكَةَ أَهْرَى * فَفَشَّنَهَامَا غَشَى ) - تدلهم على صدق الأنبياء فيما أخبروا به من الأمر والنهي ، والوعد والوعيد . ما بشروا به وأنذروا به . قيل : هو ولهذا قال عقيب ذلك (هَذَا نَذِيرٌ مِّنَ النُّذُرِ الْأُولَّ ) محمد. وقيل: هو القرآن . فإن الله سمى كلا منهما بشيراً ونذيراً. فقال فى رسول الله (إِنْ أَنَا إِلََّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) وقال تعالى (إِنَّا أَرْسَلْنَكَ شَهِدًا وَمُبَشْرًا وَنَذِيرًا) وقال تعالى فى القرآن (كِنَبُّ فُصِّلَتْ ءَايَتُهُ قُرْءَانَا عَرَبِيًّا لِّقَوْمِ يَعْلَمُونَ * بَشِيرًا وَنَذِيرًا) وهما متلازمان . وكل من هذين المعنيين: مراد. يقال : هذا بذير أنذر بما أنذرت به الرسل والكتب الأولى . وقوله (( من النذر)) أي من جنسها . أي رسول من ٣٠٣ الرسل المرسلين . ففي المخلوقات : نعم من جهة حصول الهدى والإيمان ، والاعتبار والموعظة بها . وهذه أفضل النعم . فأفضل النعم : نعمة الإيمان . وكل مخلوق من المخلوقات : فهو الآيات التى يحصل بها ما يحصل من هذه النعمة . قال تعالى (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِ الْأَلْبَبِ ) وقال تعالى (نَبْصِرَةَ وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ) . وما يصيب الإنسان ، إن كان يسره : فهو نعمة بينة . وإن كان يسوءه : فهو نعمة من جهة أنه يكفر خطاياه. ويثاب بالصبر عليه . ومن جهة أن فيه حكمة ورحمة لا يعلمها (وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمٌّ وَعَسَىَّ أَنْ تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرِّلَّكُمْ وَاَللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ). وقد قال فى الحديث ((والله لا يقضى الله للمؤمن قضاء إلا كان ٣٠٤ خيراً له . إن أصابته سراء شكر ، فكان خيراً له. وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيراً له )). وإذا كان هذا وهذا: فكلاهما من نعم الله عليه . وكلتا النعمتين يحتاج مع الشكر إلى الصبر . أما نعمة الضراء : فاحتياجها إلى الصبر ظاهر. وأما نعمة السراء : فتحتاج إلى الصبر على الطاعة فيها . فإن فتنة السراء أعظم من فتنة الضراء . كما قال بعض السلف: ابتلينا بالضراء فصبرنا . وابتلينا بالسراء فلم نصبر . وفى الحديث ((أعوذ بك من فتنة الفقر. وشر فتنة الغنى)). والفقر: يصلح عليه خلق كثير . والغنى: لا يصلح عليه إلا أقل منهم . ولهذا كان أكثر من يدخل الجنة المساكين . لأن فتنة الفقر أهون وكلاهما يحتاج إلى الصبر والشكر. لكن لما كان في السراء: اللذة. وفى الضراء : الألم . اشتهر ذكر الشكر فى السراء، والصبر في الضراء. قال تعالى (وَلَيِنْ أَذَقْنَا الْإِنسَنَ مِنَا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسُ كَفُورٌ * وَلَيِنْ أَذَقْتَهُ نَعْمَآءَ بَعْدَ ضَرَّآءَ مَسَّتُهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِىّ ٣٠٥ إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورُ * إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُ واْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ) ولأن صاحب السراء : أحوج إلى الشكر ، وصاحب الضراء : أحوج إلى الصبر . فإن صبر هذا وشكر هذا: واجب . إذا تركه استحق العقاب . وأما صبر صاحب السراء : فقد يكون مستحباً ، إذا كان عن فضول الشهوات . وقد يكون واجباً ، ولكن لإتيانه بالشكر - الذي هو حسنات - يغفر له ما يغفر من سيئاته . وكذلك صاحب الضراء : لا يكون الشكر فى حقه مستحباً إذا كان شكراً يصير به من السابقين المقربين . وقد يكون تقصيره فى الشكر : مما يغفر له ، لما يأتي به من الصبر . فإن اجتماع الشكر والصبر جميعاً: يكون مع تألم النفس وتلذذها ، يصبر على الألم ، ويشكر على النعم . وهذا حال يعسر على كثير من الناس . وبسط هذا له موضع آخر . والمقصود هنا : أن الله تعالى منعم بهذا كله ، وإن كان لا يظهر الإنعام به فى الابتداء لأكثر الناس . فإن الله يعلم وأنتم لا تعلمون . فكل ما يفعله الله فهو نعمة منه. وأما ذنوب الإنسان: فهي من نفسه. ومع هذا فهي - مع ٣٠٦ حسن العاقبة - نعمة، وهي نعمة على غيره بما يحصل له بها من الاعتبار والهدى والإيمان. ولهذا كان من أحسن الدعاء قوله ((اللهم لا يجعلني عبرة لغيري ، ولا تجعل أحداً أسعد بما علمتني منى)). وفي دعاء القرآن (رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةٌ لِلْقَوْمِ الظَِّمِينَ) (لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً كما فيه (وَأَجْعَلْنَا لِلْمُنَّقِينَ إِمَامًا ) أي فاجعلنا أئمة لِلَّذِينَ كَفَرُواْ) كـ لمن يقتدي بنا ويأتم . ولا تجعلنا فتنة لمن يضل بنا ويشقى . و ((الآلاء)) فى اللغة : هي النعم ، وهي تتضمن القدرة . قال ابن قتيبة : لما عدد الله في هذه السورة - سورة الرحمن - نعماءه، وذكر عباده آلاءه ونبههم على قدرته . جعل كل كلمة من ذلك فاصلة بين نعمتين ، ليفهم النعم ويقررم بها . وقد روى الحاكم فى صحيحه والترمذي عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (( قرأ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم الرحمن حتى ختمها . ثم قال : مالي أراكم سكونا ؟ للجن كانوا أحسن منكم ردا. ما قرأت عليهم هذه الآية من مرة - (فَأَتِيِّءَالَآءِ رَيَّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) - إلا قالوا : ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب. فلك الحمد )». ٣٠٧ والله تعالى يذكر فى القرآن بآياته الدالة على قدرته وربوبيته . ويذكر بآياته التى فيها نعمه وإحسانه إلى عباده . ويذكر بآياته المبينة لحكمته تعالى . وهي كلها متلازمة . فكل ما خلق : فهو نعمة ، ودليل على قدرته وعلى حكمته . لكن نعمة الرزق، والانتفاع بالمآ كل والمشارب والمساكن والملابس: ظاهرة لكل أحد . فلهذا يستدل بها ، كما فى سورة النحل . وتسمى سورة النعم . كما قاله قتادة وغيره . وعلى هذا : فكثير من الناس يقول : الحمد أعم من الشكر . من جهة أسبابه . فإنه يكون على نعمة وعلى غير نعمة . والشكر أعم من جهة أنواعه . فإنه يكون بالقلب واللسان واليد . فإذا كان كل مخلوق فيه نعمة: لم يكن الحمد إلا على نعمة . والحمد لله على كل حال . لأنه ما من حال يقضيها إلا وهي نعمة على عباده . لكن هذا فهم من عرف ما فى المخلوقات من النعم . والجهمية والجبرية : بمعزل عن هذا . ٣٠٨ وكذلك كل ما يخلقه : ففيه له حكمة . فهو محمود عليه باعتبار تلك الحكمة . والجهمية أيضاً بمعزل عن هذا . وكذلك القدرية الذين يقولون: لا تعود الحكمة إليه . بل ما تم إلا نفع الخلق. فما عندهم إلا شكر ، كما ليس عند الجهمية إلا قدرة . والقدرة المجردة عن نعمة وحكمة: لا يظهر فيها وصف حمد ، كالقادر الذي يفعل مالا ينتفع به، ولا ينفع به أحداً . فهذا لا يحمد . فحقيقة قول الجهمية أتباع جهم: أنه لا يستحق الحمد . فله عندهم ملك بلا حمد مع تقصيرم فى معرفة ملكه . كما أن المعتزلة له عندم نوع من الحمد بلا ملك تام . إذ كان عندهم يشاء مالا يكون، ويكون مالا يشاء . وتحدث حوادث بلا قدرته . وعلى مذهب السلف : له الملك وله الحمد تامين . وهو محمود على حكمته ، كما هو محمود على قدرته ورحمته . ٣٠٩ وقد قال (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُلَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَكَتَبِكَةُ وَأُوْلُواْالْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِّ لَا إِلَهَ إِلَّ هُوَ الْعَيِزُ الْحَكِيمُ ) فله الوحدانية في إلهيته، وله العدل ، وله العزة والحكمة . وهذه الأربعة إنما يثبتها السلف وأتباعهم . فمن قصر عن معرفة السنة فقد نقص الرب بعض حقه . والجهمي الجبري لا يثبت عدلا ولا حكمة ، ولا توحيد إلهية. بل توحيد ربوبيته . والمعتزلي أيضاً لا يثبت فى الحقيقة توحيد إلهية ولا عدلا فى الحسنات والسيئات ، ولا عزة ولا حكمة فى الحقيقة، وإن قال: إنه يثبت الحكمة بما معناها يعود إلى غيره . وتلك لا يصلح أن تكون حكمة من فعل لا الأمر يرجع إليه ، بل لغيره هو عند العقلاء قاطبة بها ليس بحكيم ، بل سفيه . وإذا كان الحمد لا يقع إلا على نعمة، فقد ثبت : أنه رأس الشكر . فهو أول الشكر . والحمد - وإن كان على نعمته وعلى حكمته - فالشكر بالأعمال : ٣١٠ هو على نعمته . وهو عبادة له لإلهيته التى تتضمن حكمته . فقد صار مجموع الأمور داخلا فى الشكر . ولهذا عظم القرآن أمر الشكر . ولم يعظم أمر الحمد مجرداً ، إذ كان نوعاً من الشكر . وشرع الحمد - الذي هو الشكر المقول - أمام كل خطاب مع التوحيد . ففى الفاتحة : الشكر والتوحيد . والخطب الشرعية لا بد فيها من الشكر والتوحيد . والباقيات الصالحات نوعان . فسبحان الله وبحمده : فيها الشكر والتنزيه والتعظيم. ولا إله إلا الله. والله أكبر: فيها التوحيد والتكبير . وقد قال تعالى (فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينُ الْحَمْدُ لِلَّهِرَبِّ الْعَلَمِينَ ). وهل الحمد على كل ما يحمد به الممدوح ، وإن لم يكن باختياره، أو لا يكون الحمد إلا على الأمور الاختيارية . كما قيل فى النم ؟ فيه نظر ليس هذا موضعه . وفى الصحيح ((أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع رأسه من الركوع يقول: «ربنا ولك الحمد. ملء السماء، وملء ٣١١ الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد ، أهل الثناء والمجد . أحق ما قال العبد - وكلنا لك عبد ـ لا مانع لما أعطيت. ولا معطي لما منعت. ولا ينفع ذا الجد منك الجد)) هذا لفظ الحديث. ((أحق)) أفعل التفضيل . وقد غلط فيه طائفة من المصنفين، فقالوا (« حق ما قال العبد)). وهذا ليس لفظ الرسول . وليس هو بقول سديد . فإن العبد يقول الحق والباطل . بل حق ما يقوله الرب . كما قال تعالى ( فَأْحَقُّ وَاَلْحَقَّ أَقُولُ ) . ولكن لفظه («أحق ما قال العبد )) خبر مبتدأ محذوف . أي الحمد أحق ما قال العبد. أو هذا - وهو المد - أحق ما قال العبد . ففيه بيان : أن الحمد لله أحق ما قاله العباد . ولهذا أوجب قوله في كل صلاة ، وأن تفتح به الفاتحة . وأوجب قوله في كل خطبة ، وفى كل أمر ذي بال . والحمد ضد الذم . والحمد يكون على محاسن المحمود ، مع المحبة له ، كما أن الذم يكون على مساويه ، مع البغض له . فإذا قيل : إنه سبحانه يفعل الخير والحسنات ، وهو حكيم رحيم ٣١٢ بعباده، أرحم بعباده من الوالدة بولدها : أوجب ذلك أن يحبه عباده ويحمدوه . وأما إذا قيل : بل يخلق ما هو شر محض ، لا نفع فيه ، ولا رحمة ، ولا حكمة لأحد . وإنما يتصف بإرادة ترجح مثلا على مثل . لا فرق عنده بين أن يرحم أو يعذب . وليست نفسه ولا إرادته مرجحة للإحسان إلى الخلق ، بل تعذيبهم وتنعيمهم سواء عنده . وهو - مع هذا - يخلق ما يخلق لمجرد العذاب والشر ، ويفعل ما يفعل لا لحكمة - ونحو ذلك، مما يقوله الجهمية -: لم يكن هذا موجباً لأن يحبه العباد ويحمدوه . بل هو موجب للعكس . ولهذا فإن كثيراً من هؤلاء ينطقون بالنم والشتم والطعن. ويذكرون ذلك نظماً ونثراً. وكثير من شيوخ هؤلاء وعلمائهم من يذكر فى كلامه ما يقتضى هذا . ومن لم يقله بلسانه فقلبه ممتلئ به ، لكن يرى أن ليس فى ذكره منفعة ، أو يخاف من عموم المسلمين . وفي شعر طائفة من الشيوخ ذكر نحو هذا . وهؤلاء يقيمون حجج إبليس وأتباعه على الله . ويجعلون الرب ظالماً لهم . ٣١٣ وهو خلاف ما وصف الله به نفسه، في قوله تعالى (وَمَاظَلَمْنَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوْهُمُ الظَّالِمِينَ) وقوله (وَمَا ظَلَمْنَهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوْ أَنْفُسَهُمْ . وقوله (وَمَارَبُّكَ بِظَلَّمٍ لِلْعَبِيدِ ). كيف يكون ظالماً ؟ وم فيما بينهم لو أساء بعضهم إلى بعض ، أو قصر فى حقه لكان يؤاخذه ، ويعاقبه وينتقم منه . ويكون ذلك عدلا إذا لم يعتد عليه . ولو قال : إن الذي فعلته قدر علي فلا ذنب لي فيه : لم يكن هذا عذراً له عنده باتفاق العقلاء . فإذا كان العقلاء متفقين على أن حق المخلوق لا يجوز إسقاطه احتجاجاً بالقدر . فكيف يجوز إسقاط حق الخالق احتجاجاً بالقدر . وهو سبحانه الحكم العدل ، الذي لا يظلم مثقال ذرة . وإن تلك حسنة يضاعفها . ويؤت من لدنه أجراً عظيماً . وهذا مبسوط فى غير هذا الموضع . فقوله ((أحق ما قال العبد)) يقتضى: أن حمد الله أحق ما قاله العبد. فله الحمد على كل حال . لأنه لا يفعل إلا الخير ٣١٤ والإحسان ، الذي يستحق الحمد عليه سبحانه وتعالى . وإن كان العباد لا يعلمون . وهو سبحانه خلق الإنسان ، وخلق نفسه متحركة بالطبع حركة لابد فيها من الشر لحكمة بالغة ، ورحمة سابغة . فإذا قيل : فلم لم يخلقها على غير هذا الوجه ؟ . قيل : كان يكون ذلك خلقاً غير الإنسان . وكانت الحكمة التى خلقها بخلق الإنسان لا تحصل . وهذا سؤال الملائكة حيث قالوا (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ) وما لم تعلمه الملائكة ، فكيف يعلمه آحاد الناس . ( إِنَّالِإِنْسَنَ خُلِقَ هَلُوعًا ونفس الإنسان خلقت كما قال الله تعالى * إِذَامَسَّةُ الشَّرُجُزُوعًا * وَإِذَامَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا ) وقال تعالى ( خُلِقَ الْإِنَنُ مِنْ عَجَلٍ ) . فقد خلقت خلقة تستلزم وجود ما وجد منها لحكمة عظيمة ، ورحمة عميمة. فكان ذلك خيراً ورحمة . وإن كان فيه شر إضافي ، كما تقدم. فهذا من جهة الغاية مع أنه لا يضاف الشر إلى الله . وأما الوجه الثاني من جهة السبب : فإن هذا الشر إنما وجد لعدم ٣١٥ العلم والإرادة التى تصلح النفس . فإنها خلقت بفطرتها تقتضى معرفة الله ومحبته . وقد هديت إلى علوم وأعمال تعينها على ذلك . وهذا كله من فضل الله وإحسانه . لكن النفس المذنبة لما لم يحصل لها من يكملها ، بل حصل لها من زين لها السيئات - من شياطين الإنس والجن - مالت إلى ذلك ، وفعلت السيئات . فكان فعلها للسيئات . مركباً من عدم ما ينفع وهو الأفضل . ووجود هؤلاء الذين حيروها . والعدم لا يضاف إلى الله . وهؤلاء : القول فيهم كالقول فيها : خلقهم لحكمة. فلما كان عدم ما تعمل به وتصلح : هو أحد السببين . وكان الشر المحض الذي لا خير فيه : هو العدم المحض ، والعدم لا يضاف إلى الله . فإنه ليس شيئاً. والله خالق كل شيء : كانت السيئات منها باعتبار [أن] ذاتها فى نفسها مستلزمة للحركة الإرادية التى يحصل منها - مع عدم ما يصلحها - تلك السيئات . والعبد إذا اعترف وأقر بأن الله خالق أفعاله كلها فهو على وجهين. إن اعترف به إقراراً بخلق الله كل شيء ، بقدرته ونفوذ مشيئته ، وإقراراً بكلماته التامات التى لا يجاوزهن بر ولا فاجر ، واعترافاً بفقره وحاجته إلى الله، وأنه إن لم يهده فهو ضال . وإن لم يتب عليه فهو مصر . وإن لم يغفر له فهو هالك : خضع لعزته وحكمته . فهذا حال ٣١٦ المؤمنين الذين يرحمهم الله ، ويهديهم ويوفقهم لطاعته . وإن قال ذلك احتجاجاً على الرب ، ودفعاً للأمر والنهي عنه ، وإقامة لعذر نفسه ، فهذا ذنب أعظم من الأول . وهذا من أتباع الشيطان . ولا يزيده ذلك إلا شراً. وقد ذكرنا أن الرب سبحانه محمود لنفسه ولإحسانه إلى خلقه . ولذلك هو يستحق المحبة لنفسه ولإحسانه إلى عباده . ويستحق أن يرضى العبد بقضائه . لأن حكمه عدل لا يفعل إلا خيراً وعدلا . ولأنه لا يقضى للمؤمن قضاء إلا كان خيراً له « إن أصابته سراء شكر . فكان خيراً له . وإن أصابته ضراء صبر . فكان خيراً له )) . فالمؤمن يرضى بقضائه لما يستحقه الرب لنفسه - من الحمد والثناء - ولأنه محسن إلى المؤمن . وما تسأله طائفة من الناس ، وهو أنه صلى الله عليه وسلم قال ((لا يقضى اللّه للمؤمن قضاء إلا كان خيراً له)) وقد قضى عليه بالسيئات الموجبة للعقاب . فكيف يكون ذلك خيراً ؟ . وعنه جوابان : أحدهما : أن أعمال العباد لم تدخل فى الحديث . إنما دخل فيه ٣١٧ ما يصيب الإنسان من النعم والمصائب ، كما فى قوله (مَآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَن ◌َللَّهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍفَمِن نَّفْسِكَ ) ولهذا قال (( إن أصابته سراء شكر . فكان خيراً له . وإن أصابته ضراء صبر . فكان خيراً له )) فجعل القضاء : ما يصيبه من سراء وضراء . هذا ظاهر لفظ الحديث . فلا إشكال عليه . الوجه الثانى : أنه إذا قدر أن الأعمال دخلت فى هذا . فقد قال النبى صلى الله عليه وسلم ((من سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن)). فإذا قضى له بأن يحسن ، فهذا مما يسره . فيشكر الله عليه. وإذا قضى عليه بسيئة : فهي إنما تكون سيئة يستحق العقوبة عليها ، إذا لم يتب منها . فإن تاب أبدلت بحسنة . فيشكر الله عليها . وإن لم يتب ابتلى بمصائب تكفرها ، فصبر عليها . فيكون ذلك خيراً له. والرسول صلى الله عليه وسلم قال (( لايقضى الله للمؤمن)) والمؤمن هو الذي لا يصر على ذنب ، بل يتوب منه . فيكون حسنة كما قد جاء في عدة آيات . إن العبد ليعمل الذنب فيدخل به الجنة بعمله . لا يزال يتوب منه حتى يدخل بتوبته منه الجنة . والذنب يوجب ذل العبد وخضوعه ، ودعاء اللّه واستغفاره إياه. وشهوده بفقره وحاجته إليه ، وأنه لا يغفر الذنوب إلا هو . ٣١٨ فيحصل للمؤمن - بسبب الذنب - من الحسنات ما لم يكن يحصل بدون ذلك . فيكون هذا القضاء خيراً له . فهو فى ذنوبه بين أمرين : إما أن يتوب ، فيتوب الله عليه، فيكون من التوابين الذين يحبهم الله . وإما أن يكفر عنه بمصائب ؛ تصيبه ضراء فيصبر عليها . فيكفر عنه السيئات بتلك المصائب ، وبالصبر عليها ترتفع درجاته . وقد جاء فى بعض الأحاديث يقول الله تعالى (( أهل ذكرى أهل مجالستى . وأهل شكرى أهل زيادتى. وأهل طاعتى أهل كرامتى . وأهل معصيتى لا أؤيسهم من رحمتى. إن تابوا فأنا حبيبهم )) أي محبهم فإن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ((وإن لم يتوبوا فأنا طيبهم. أبتليهم بالمصائب لأكفر عنهم المعائب)) . وفى قوله تعالى ((فَن ◌َّفْسِكَ)) من الفوائد: أن العبد لا يركن إلى نفسه، ولا يسكن إليها. فإن الشر لا يجىء إلا منها. ولا يشتغل بملام الناس ولا ذمهم إذا أساءوا إليه . فإن ذلك من السيئات التى أصابته . وهي إنما أصابته بذنوبه . فيرجع إلى الذنوب فيستغفر منها . ويستعيذ ٣١٩ بالله من شر نفسه وسيئات عمله . ويسأل الله أن يعينه على طاعته. فبذلك يحصل له كل خير ، ويندفع عنه كل شر . ولهذا كان أنفع الدعاء ، وأعظمه وأحكمه : دعاء الفاتحة (أُهْدِنَا اَلْصِرَطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّآلِينَ ) فإنه إذا هداه هذا الصراط : أعانه على طاعته وترك معصيته . فلم يصبه شر ، لا في الدنيا ولا في الآخرة . لكن الذنوب هي من لوازم نفس الإنسان . وهو محتاج إلى الهدى في كل لحظة : وهو إلى الهدى أحوج منه إلى الأكل والشرب . ليس كما يقوله طائفة من المفسرين : إنه قد هداه . فلماذا يسأل الهدى ؟ . وأن المراد بسؤال الهدى : الثبات ، أو مزيد الهداية . بل العبد محتاج إلى أن يعلمه ربه ما يفعله من تفاصيل أحواله . وإلى ما يتولد من تفاصيل الأمور فى كل يوم . وإلى أن يلهم أن يعمل ذلك . فإنه لا يكفي مجرد علمه إن لم يجعله الله مريداً للعمل بعلمه . وإلا ٣٢٠