النص المفهرس

صفحات 281-300

الجمادات التى لا يحبها ولا يبغضها - فهذا لا يثاب على عدم ما يفعله
من السيئات . ولكن لا يعاقب أيضاً على فعلها . فكأنه لم يفعلها .
فهذا تكون السيئات فى حقه بمنزلتها فى حق الطفل والمجنون والبهيمة.
لا ثواب ولا عقاب .
ولكن إذا قامت عليه الحجة بعلمه تحريمها ، فإن لم يعتقد تحريمها
ويكرهها وإلا عوقب على ترك الإيمان بتحريمها .
فصل
وقد تنازع الناس في الترك : هل هو أمر وجودي أو عدمي ؟.
والأكثرون على أنه وجودي .
وقالت طائفة - كأبي هاشم بن الجبائي - إنه عدمي وأن المأمور
يعاقب على مجرد عدم الفعل ، لا على ترك يقوم بنفسه . ويسمون
((المذمية)) لأنهم رتبوا النم على العدم المحضر.
والأكثرون يقولون: الترك أمر وجودي . فلا يثاب من ترك
المحظور إلا على ترك يقوم بنفسه . وتارك المأمور: إنما يعاقب على
٢٨١

ترك يقوم بنفسه. وهو أن بأمره الرسول صلى الله عليه وسلم بالفعل
فيمتنع . فهذا الامتناع أمر وجودي . ولذلك فهو بشتغل عما أمر به
بفعل ضده، كما يشتغل عن عبادة الله وحده بعبادة غيره . فيعاقب
على ذلك .
ولهذا كان كل من لم يعبد الله وحده ، فلا بد أن يكون عابداً
لغيره . يعبد غيره فيكون مشركا . وليس في بني آدم قسم ثالث . بل
إما موحد ، أو مشرك ، أو من خلط هذا بهذا كالبدلين من أهل
الملل : النصارى ومن أشبههم من الضلال، المنتسبين إلى الإسلام . قال
اللّه تعالى (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ * إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَرُّ
عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَى رَبِهِمْ يَتَوَ ثَلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَوْنَهُ.
وقد قال تعالى ( إِنَّ عِبَادِى
وَاُلَّذِينَ هُم بِهِ، مُشْرِكُونَ )
لما قال إبليس
لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ إِلَّا مَنِ اتََّعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ)
(لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِ اُلْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَتَهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّعِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ)
قال تعالى (إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانُ إِلَّا مَنِ اتَّبَّعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ ).
فإبليس لا يغوي المخلصين . ولا سلطان له عليهم . إنما سلطانه على
الغاوين . وهم الذين يتولونه ، وهم الذين به مشركون .
٢٨٢

وقوله ( الَّذِينَ يَتَّوَلَّوْنَهُ وَاُلَّذِينَ هُم بِهِ، مُشْرِكُونَ ) صفتان الموصوف
واحد. فكل من تولاه فهو به مشرك، وكل من أشرك به
فقد تولاه .
قال تعالى (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَبَنِىّءَادَمَ أَنْ لَّا تَعْبُدُ وا الشَّيْطَنَّ إِنَّهُ لَكُمْعَدُوٌّ
قُّبِينٌ * وَأَنِ أَعْبُدُونِى هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ).
وكل من عبد غير الله فإنما يعبد الشيطان، وإن كان يظن أنه
يعبد الملائكة والأنبياء . وقال تعالى (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمْ يَقُولُ لِلْمَلَبِكَةِ أَهَوُلَاءِ
إِيَّاكُكَانُواْ يَعْبُدُونَ * قَالُواْسُبْحَتَكَ أَنْتَ وَلِتُنَا مِن دُونِهِمْ بَلَ كَانُواْ يَعْبُدُونَ الْجِنَّ
أَكْثَرُهُمْ بِهِم ◌ُؤْمِنُونَ ) .
ولهذا تتمثل الشياطين لمن يعبد الملائكة والأنبياء والصالحين
ويخاطبونهم فيظنون أن الذى خاطبهم ملك أو نى ، أو ولي ، وإنما هو
شيطان ، جعل نفسه ملكا من الملائكة ، كما يصيب عباد الكواكب
وأصحاب العزائم والطلسمات . يسمون أسماء ، يقولون: هي أسماء الملائكة
مثل منططرون وغيره ، وإنما هي أسماء الجن .
وكذلك الذين يدعون المخلوقين من الأنبياء والأولياء والملائكة قد
يتمثل لأحدهم من يخاطبه ، فيظنه النبى ، أو الصالح الذي دعاه . وإنما
٢٨٣

هو شيطان تصور فى صورته، أو قال : أنا هو ، لمن لم يعرف صورة
ذلك المدعو .
وهذا كثير يجري لمن يدعو المخلوقين ، من النصارى ومن المنتسبين
إلى الإسلام يدعونهم عند قبورهم ، أو مغيهم . ويستغيثون بهم . فيأتيهم
من بقول : إنه ذلك المستغاث به فى صورة آدمي إما راكباً ، وإما غير
راكب . فيعتقد المستغيث : أنه ذلك النبى ، والصالح ، أو أنه سره ،
أو روحانيته ، أو رقيقته أو المعنى تشكل ، أو يقول: إنه ملك جاء على
صورته . وإنما هو شيطان يغويه ، لكونه أشرك بالله ودعا غيره: الميت
فمن دونه . فصار للشيطان عليه سلطان بذلك الشرك . فظن أنه يدعو
النبى ، أو الصالح ، أو الملك . وأنه هو الذي شفع له، أو هو الذي
أجاب دعوته . وإنما هو الشيطان ، ليزيده غلواً فى كفره وضلاله .
فكل من لم يعبد الله مخلصاً له الدين ، فلا بد أن يكون مشركاً
عابداً لغير الله. وهو فى الحقيقة: عابد للشيطان.
فكل واحد من بني آدم إما عابد للرحمن ، وإما عابد للشيطان .
قال تعالى (وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُفَيِّضْ لَهُ شَيْطَنَّا فَهُوَ لَهُ قَرِيْنٌ * وَإِنَّهُمْ
لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَهُم ◌ُهْتَدُونَ * حَتَّى إِذَاجَآءَ نَاقَالَ يَلَيْتَ بَيْنِىِ وَبَيْنَكَ
بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِيْنُ * وَلَنْ يَنفَعَكُمُ اَلْيَوْمَ إِذْظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْفِ اَلْعَذَابِ
٢٨٤

مُشْتِكُونَ ) وقال تعالى (إِنَّالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَّذِينَ هَادُواْ وَالصَِّينَ وَالنَّصَرَىّ
وَلْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَ كُوَإِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ إِنَّاللَّهَ عَلَى كُلِّشَىْءٍ
شَهِيدٌ ) .
فبنو آدم منحصرون فى الأصناف الستة . وبسط هذا له موضع آخر.
فصل
والمقصود هنا : أن الثواب والعقاب إنما يكون على عمل وجودي
بفعل الحسنات ، كعبادة الله وحده ، وترك السيئات ، كترك الشرك
أمر وجودي ، وفعل السيئات ، مثل ترك التوحيد ، وعبادة غير
الله أمر وجودي. قال تعالى (مَن جَآءَ بِالْمَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَآءَ
بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُحْزَى الَّذِينَ عَمِلُواْ السَّيِّئَاتِ إِلَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ )
وقال
(إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأَتُ فَهَا )
وقال تعالى
تعالى (مَّنْ عَمِلَ صَلِحًا فَلِنَفْسِهِ مْوَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا) وقال تعالى (لِّلَّذِينَ
أَحْسَنُواْالْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَزْهَقُ وُجُوهَهُمْ فَتَرٌ وَلَ ◌ِلَةٌ أُوْلَ أَصْحَبُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ
وَالَّذِينَ كَسَبُواْالسَّيِّئَاتِ جَزَآءُ سَبِئَةِ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ - إلى قوله -
أُوْلَكَ أَصْحَبُ النَّارِهُمْ فِيهَا خَلِدُونَ )
وقال تعالى
٢٨٥

( ثُمَّكَانَ عَقِبَةَ الَّذِينَ أَسَُّواْالسُّوَأَىّ أَنْ كَذَّبُواْ بِعَايَتِ اَللَّهِ وَكَانُواْ بِهَا يَسْتَهْزِءُونَ ) .
فأما عدم الحسنات والسيئات : فجزاؤه عدم الثواب والعقاب .
وإذا فرض رجل آمن بالرسول مجملا ، وبقي مدة لا يفعل كثيراً
من المحرمات ، ولا سمع أنها محرمة ، فلم يعتقد تحريمها . مثل من آمن
ولم يعلم أن الله حرم الميتة والدم ولحم الخنزير ، ولا علم أنه حرم نكاح
الأقارب سوى أربعة أصناف ، ولا حرم بالمصاهرة أربعة أصناف ــ حرم
على كل من الزوجين أصول الآخر وفروعه - فإذا آمن ولم يفعل
هذه المحرمات ، ولا اعتقد تحريمها ، لأنه لم يسمع ذلك : فهذا لا يثاب
ولا يعاقب .
ولكن إذا على التحريم فاعتقده: أثيب على اعتقاده . وإذا ترك ذلك
- مع دعاء النفس إليه - أتيب ثوابا آخر ، كالذي تدعوه نفسه إلى
الشهوات فينهاها كالصائم الذي تشتهي نفسه الأكل والجماع فينهاها ،
والذي تشتهي نفسه شرب الخمر والفواحش فينهاها . فهذا يثاب ثواباً
آخر ، بحسب نهيه لنفسه ، وصبره على المحرمات ، واشتغاله
بالطاعات التى هي ضدها . فإذا فعل تلك الطاعات كانت مانعة له
عن المحرمات .
٢٨٦

وإذا تبين هذا : فالحسنات التى يثاب عليها كلها وجودية ، نعمة من
اللّه تعالى وما أحبته النفس من ذلك، وكرهته من السيئات : فهو الذي
حيب الإيمان إلى المؤمنين ، وزينه في قلوبهم . وكره إليهم الكفر
والفسوق والعصيان .
فصل
وأما السيئات : فمنشؤها الجهل والظلم . فإن أحداً لا يفعل سيئة
قبيحة إلا لعدم علمه بكونها سيئة قبيحة ، أو لهواه وميل
نفسه إليها .
ولا يترك حسنة واجبة إلا لعدم علمه بوجوبها ، أو لبغض
نفسه لها .
وفى الحقيقة: فالسيئات كلها ترجع [إلى]١ الجهل. وإلا فلو كان عالماً علماً
نافعاً بأن فعل هذا يضره ضرراً راجحاً لم يفعله . فإن هذا خاصية
العاقل . ولهذا إذا كان من الحسنات ما يعلم أنه يضره ضرراً راجحاً ،
كالسقوط من مكان عال ، أو في نهر يفرقه ، أو المرور بجنب حائط
مائل ، أو دخول نار متأججة ، أو رمي ماله فى البحر ونحو ذلك :
(١) أضيفت حسب مفهوم السياق
٢٨٧

لم يفعله، لعلمه بأن هذا ضرر لا منفعة فيه . ومن لم يعلم أن هذا
يضره - كالصبى، والمجنون ، والساهي والغافل - فقد يفعل ذلك.
ومن أقدم على مايضره - مع علمه بما فيه من الضرر عليه -
فلظنه أن منفعته راجحة .
فإما أن يجزم بضرر مرجوح، أو يظن أن الخير راجح . فلابد
من رجحان الخير ، إما فى الظن وإما فى المظنون ، كالذي يركب البحر
ويسافر الأسفار البعيدة للربح . فإنه لو جزم بأنه يغرق أو يخسر لما
سافر ، لكنه يترجح عنده السلامة والربح ، وإن كان مخطئاً فى
هذا الظن .
وكذلك الذنوب : إذا جزم السارق بأنه يؤخذ ويقطع ، لم يسرق.
وكذلك الزاني : إذا جزم بأنه يرجم ، لم يزن . والشارب يختلف حاله.
فقد يقدم على جلد أربعين وثمانين ، ويديم الشرب مع ذلك . ولهذا
كان الصحيح : أن عقوبة الشارب غير محدودة ،بل يجوز أن تنتهي
إلى القتل، إذا لم ينته إلا بذلك. كما جاءت بذلك الأحاديث. كما هو
مذكور فى غير هذا الموضع .
وكذلك العقوبات ، متى جزم طالب الذنب بأنه محصل له به
٢٨٨

الضرر الراجح لم يفعله. بل إما ألا يكون جازماً بتحريمه ، أو يكون
غير جازم بعقوبته . بل يرجو العفو بحسنات ، أو توبة، أو بعفو الله،
أو يغفل عن هذا كله . ولا يستحضر تحريماً ، ولا وعيداً فيبقى غافلا.
غير مستحضر للتحريم . والغفلة من أضداد العلم .
ـصـل
فالغفلة والشهوة أصل الشر. قال تعالى (وَلَا نُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَّهُ عَن
والهوى وحده لا يستقل
ذِكْرِنَا وَآَتَّبَعَ هَوَنُهُ وَكَانَ أَمْرُهُ،فُرْطًا)
بفعل السيئات إلا مع الجهل . وإلا فصاحب الهوى ، إذا علم قطعاً أن
ذلك يضره ضرراً راجحاً : انصرفت نفسه عنه بالطبع. فإن الله تعالى
جعل فى النفس حباً لما ينفعها ، وبغضاً لما يضرها . فلا تفعل ما يجزم
1
بأنه يضرها ضرراً راجحاً . بل متى فعلته كان لضعف العقل .
ولهذا يوصف هذا بأنه عاقل ، وذو نهى ، وذو حجى .
ولهذا كان البلاء العظيم من الشيطان . لامن مجرد النفس . فإن
٢٨٩
٠

الشيطان يزين لها السيئات ، ويأمرها بها، ويذكر لها ما فيها من
المحاسن . التى هي منافع لا مضار . كما فعل إبليس بآدم وحواء . فقال
( يَادَمُ هَلْ أَدُلَّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكِ لَّا يَبْلَى * فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا
سَوْءَاتُهُمَا ) (وَقَالَ مَا نَهَنَكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِالشَّجَرَةِ إِلَّ أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْتَكُونَا
مِنَ اْخَالِدِينَ ).
ولهذا قال تعالى (وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَنَّا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ *
وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ )
وقال تعالى
وقال تعالى (أَفَمَنْ زُمِنَّ لَهُسُوءُ عَمَلِهِ، فَرَءَاهُ حَسَنًا )
(وَلَا تَسُبُوْلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُوا اللَّهَ عَدْوَا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَا لِكُلِّ
أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِهِم ◌َّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمِ بِمَا كَانُوْ يَعْمَلُونَ ).
وقوله (زَيَّنَالِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ) هو بتوسيط تزيين الملائكة،
والأنبياء ، والمؤمنين للخير . وتزيين شياطين الجن والإنس للشر . قال
تعالى (وَكَذَالِكَ زَبَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ
أَوْلَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُواْ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ )
فأصل ما يوقع الناس فى السيئات : الجهل ، وعدم العلم بكونها
تضرهم ضرراً راجحاً ، أو ظن أنها تنفعهم نفعاً راجحاً . ولهذا قال
٢٩٠

الصحابة رضي الله عنهم ((كل من عصى الله فهو جاهل)) وفسروا
بذلك قوله تعالى (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَلَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ
كقوله (وَإِذَا جَلّمَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِثَا يَئِنَا فَقُلْ سَلَمُ عَلَيْكُمْ
مِن قَرِيبٍ )
كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ، مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا مِجَهَلَةٍ ثُمَّتَابَمِنْ
ولهذا بسمى
بَعْدِهِ، وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ )
حال فعل السيئات : الجاهلية . فإنه يصاحبها حال من حال جاهلية .
قال أبو العالية : سألت أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم عن هذه
الآية؟ (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اَللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَلَةٍ ثُمَّيَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ)
فقالوا : كل من عصى الله فهو جاهل . ومن تاب قبيل الموت : فقد
تاب من قريب .
وعن قتادة قال «أجمع أصحاب محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم
على أن كل من عصى ربه فهو فى جهالة ، عمداً كان أو لم يكن. وكل
من عصى اللّه فهو جاهل)) وكذلك قال التابعون ومن بعدهم .
قال مجاهد : من عمل ذنباً - من شيخ، أو شاب - فهو
بجهالة . وقال : من عصى ربه فهو جاهل . حتى ينزع عن معصيته .
وقال أيضاً : هو إعطاء الجهالة العمد . وقال مجاهد أيضاً : من عمل
سوءاً خطأ، أو إنماً عمداً: فهو جاهل. حتى ينزع منه . رواهن ابن
٢٩١

أبي حاتم . ثم قال : وروى عن قتادة ، وعمرو بن مرة ، والثوري .
ونحو ذلك ((خطأ، أو عمداً)).
وروى عن مجاهد والضحاك قالا : ليس من جهالته أن لا يعلم
حلالا ولا حراما . ولكن من جهالته : حين دخل فيه . وقال عكرمة :
الدنيا كلها جهالة .
وعن الحسن البصري : أنه سئل عنها ؟ فقال : هم قوم لم يعلموا
ما لهم مما عليهم . قيل له : أرأيت لو كانوا قد علموا ؟ قال : فليخرجوا
منها . فإنها جهالة .
قلت : ومما يبين ذلك : قوله تعالى (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَؤُأ)
وكل من خشيه، وأطاعه، وترك معصيته : فهو عالم . كما قال
تعالى (أَمَّنْ هُوَقَنِتُّ ءَانَآءَ الَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُوْ رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ
يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَّمُونَ ).
وقال رجل للشعبى : أيها العالم . فقال: إنما العالم من يخشى الله.
وقوله تعالى (((إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِالْعُلَمَتُؤَا) )» يقتضي أن كل من
خشى الله فهو عالم . فإنه لا يخشاه إلا عالم .
٢٩٢

ويقتضي أيضاً : أن العالم من يخشى الله. كما قال السلف.
قال ابن مسعود ((كفى بخشية الله علماً، وكفى بالاغترار جهلا)).
ومثل هذا الحصر يكون من الطرفين . حصر الأول في الثانى .
وهو مطرد، وحصر الثانى فى الأول نحو قوله (إِنَّمَا نُذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ
وَخَشِىَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ) وقوله ( إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَن يَخْشَتِهَا)
وقوله
( إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِثَايَتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِهَا خَرُواْسُجَّدًا وَسَبَّحُواْ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا
* نَتَجَاقَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ ) .
يَسْتَكْبُونَ
وذلك : أنه أثبت الخشية للعلماء ، ونفاها عن غيرهم . وهذا
كالاستثناء. فإنه من النفي: إثبات، عند جمهور العلماء. كقولنا ((لا
إله إلا الله )) وقوله تعالى (وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمِنْ أَرْتَضَى) وقوله ( وَلَا
وقوله (وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا
تَفَعُ الشَّفَعَةُ عِندَهُ إِلََّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ )
◌ِثْنَكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا
. (
وقد ذهب طائفة إلى أن المستثنى مسكوت عنه . لم يثبت له ما ذكر .
ولم ينف عنه .
وهؤلاء يقولون ذلك فى صيغة الحصر بطريق الأولى . فيقولون :
نفي الخشية عن غير العلماء ، ولم يثبتها لهم .
٢٩٣

والصواب: قول الجمهور . أن هذا كقوله (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِ الْفَوَحِشَ
مَاظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَآلْإِثْمَ وَاَلْبَغْىَ بِغَيْرِ الْحَقِّ )
فإنه ينفي
التحريم عن غير هذه الأصناف ويثبتها لها . لكن أثبتها للجنس . أو
لكل واحد واحد من العلماء ؟ كما يقال: إنما يحج المسلمون . ولا يحج
إلا مسلم . وذلك أن المستثنى هل هو مقتض أو شرط ؟.
ففي هذه الآية وأمثالها : هو مقتض . فهو عام . فإن العلم بما
أنذرت به الرسل يوجب الخوف . فإذا كان العلم يوجب الخشية الحاملة
على فعل الحسنات . وترك السيئات . وكل عاص فهو جاهل . ليس
بتام العلم . يبين ما ذكرنا من أن أصل السيئات الجهل ، وعدم العلم .
وإذا كان كذلك. فعدم العلم ليس شيئاً موجوداً. بل هو مثل عدم
القدرة ، وعدم السمع والبصر ، وسائر الأعدام .
والعدم : لا فاعل له . وليس هو شيئاً . وإنما الشيء الموجود .
واللّه تعالى خالق كل شيء. فلا يجوز أن يضاف العدم المحض إلى الله.
لكن قد يقترن به ماهو موجود .
فإذا لم يكن عالماً بالله، لا يدعوه إلى الحسنات ، وترك السيئات .
والنفس بطبعها متحولة . فإنها حية . والإرادة والحركة الإرادية من
٢٩٤

لوازم الحياة . ولهذا قال النبى صلى الله عليه وسلم فى الحديث الصحيح
((أُصدق الأسماء: حارث وهمام)) فكل آدمي حارث وهمام . أي عامل
كاسب ، وهو همام. أي يهم ويريد. فهو متحرك بالإرادة.
وقد جاء فى الحديث ((مثل القلب : مثل ريشة ملقاة بأرض فلاة
وللقلب أشد نقلباً من القدر إذا استجمعت غلياناً )) .
فلما كانت الإرادة والعمل من لوازم ذاتها . فإذا هداها الله: علمها
ما ينفعها وما يضرها . فأرادت ما ينفعها ، وتركت ما يضرها .
فصل
والله سبحانه قد تفضل على بنى آدم بأمرين . هما أصل السعادة.
أحدهما : أن كل مولود يولد على الفطرة ، كما فى الصحيحين عن النبى
صلى الله عليه وسلم أنه قال ((كل مولود يولد على الفطرة. فأبواه
يهودانه، أو ينصرانه ، أو يمجسانه ، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء . هل
محسون فيها من جدعاء ؟ ثم يقول أبو هريرة : اقرأوا إن شئتم
قال تعالى ( فَأَقِمْ وَجْهَكَ
(فِطْرَتَ اَللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيَّهَا)))
لِلّيْنِ حَنِيفًاً فِطْرَتَ اَللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا نَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الْدِينُ
اُلْقَيِّمُ ).
٢٩٥

وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار عن النبى صلى الله عليه وسلم
قال (( يقول الله تعالى: خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين.
وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بى مالم أنزل
به سلطاناً)) .
فالنفس بفطرتها إذا تركت كانت مقرة لله بالإلهية ، محبة له ،
تعبده لا تشرك به شيئاً . ولكن يفسدها ما يزين لها شياطين الإنس
والجن بما يوحى بعضهم إلى بعض من الباطل . قال تعالى ( وَإِذْ أَخَذَرَبُّكَ
مِنْ بَبِىّءَآدَمَ مِن ظُهُورِ هِمْ ذُرِيََّهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَتَّكُمْ قَالُواْبِلٌ شَهِدْنَاْ
أَنْ تَقُولُواْيَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّاكُنَّا عَنْ هَذَا غَفِلِينَ * أَوْنَقُولُواْ إِنَا أَشْرَكَ ءَابَاؤُنَا مِن قَبْلُ
وَكُنَّاذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَابِمَا فَعَلَ اَلْمُبْطِلُونَ ) .
وتفسير هذه الآية مبسوط فى غير هذا الموضع .
الثاني : أن الله تعالى قد هدى الناس هداية عامة بما جعل فيهم
بالفطرة من المعرفة وأسباب العلم ، وبما أنزل إليهم من الكتب ، وأرسل
إليهم من الرسل . قال تعالى ( اقْرَأْبِ سِرَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَنَ مِنْ عَلَقٍ
* أَقْرَأْوَرَبُّكَ الْأَكْرُ * الَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلََّ الْإِنْسَنَ مَا لَوْيَعَمَ)
وقال تعالى ( الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْءَانَ * خَلَقَ الْإِنسَنَ * عَلَّمَهُ
٢٩٦

اَلْبَيَانَ ) وقال تعالى (سَبِّحِ أَسْمَرَبِّكَ اُلْأَعْلَى * الَّذِى خَلَقَ فَسَوَى * وَاُلَّذِى قَدَّرَفَهَدَى)
وقال تعالى (وَهَدَيْنَهُ اٌلْنَّجْدَيْنِ ).
ففي كل أحد ما يقتضى معرفته بالحق ومحبته له . وقد هداه ربه إلى
أنواع من العلم يمكنه أن يتوصل بها إلى سعادة الأولى والآ خرة .
وجعل فى فطرته محبة لذلك . لكن قد يعرض الإنسان - بجاهليته
وغفلته - عن طلب علم ما ينفعه .
وكونه لا يطلب ذلك ، ولا يريده: أمر عدمي، لا يضاف إلى
الله تعالى. فلا يضاف إلى الله: لا عدم علمه بالحق، ولا عدم
إرادته للخير .
لكن النفس كما تقدم: الإرادة والحركة من لوازمها ، فإنها حية
حياة طبيعية؛ لكن سعادتها ونجاتها إنما تتحقق بأن تحيا الحياة النافعة
الكاملة . وكان مالها من الحياة الطبيعية موجباً لعذابها . فلا هي حية
متنعمة بالحياة . ولا هي ميتة مستريحة من العذاب . قال تعالى (فَذَكِّرْ
إِن ◌َّفَعَتِ الذِّكْرَى * سَيَذَّكَرُ مَنْ يَخْشَى * وَيَنَجَنَبُهَا الْأَشْقَى * الَّذِى يَصْلَى النَّارَالْكُبْرَى *
ثُمَّلَا يَمُوتُ فِهَا وَلَا يَحْبَ) فالجزاء من جنس العمل . لما كان فى الدنيا :
ليس بحى الحياة النافعة التى خلق لأجلها .
٢٩٧

بل كانت حياته من جنس حياة البهائم . ولم يكن ميتاً عديم الإحساس:
كان في الآخرة كذلك . فإن مقصود الحياة : هو حصول ما ينتفع به
الحي ويستلذ به . والحي لابد له من لذة أو ألم . فإذا لم تحصل له
اللذة : لم يحصل له مقصود الحياة ، فإن الألم ليس مقصوداً.
كمن هو حي فى الدنيا ، وبه أمراض عظيمة لا ندعه يتنعم بشيء
مما يتنعم به الأحياء، فهذا يبقى طول حياته يختار الموت، ولا يحصل له.
فلما كان من طبع النفس الملازم لها : وجود الإرادة والعمل ،
إذ هو حارث همام . فإن عرفت الحق وأرادته وأحبته وعبدته :
فذلك من تمام إنعام الله عليها . وإلا فهي بطبعها لا بد لها من مراد
معبود غير الله . وحرادات سيئة تضرها . فهذا الشر قد تركب من
كونها لم تعرف الله ولم تعبده. وهذا عدم لا يضاف إلى فاعل، ومن
كونها بطبعها لا بد لها من مراد معبود. فعبدت غيره . وهذا هو
الشر الذي تعذب عليه . وهو من مقتضى طبعها مع عدم هداها .
والقدرية يعترفون بهذا جميعه . وبأن الله خلق الإنسان مريداً .
لكن يجعلون المخلوق كونه مريداً بالقوة والقبول . أي قابلا لأن يريد
هذا وهذا .
٢٩٨

وأما كونه مريداً لهذا المعين ، وهذا المعين: فهذا عندم ليس مخلوقاً
لله وغلطوا فى ذلك غلطاً فاحشاً . فإن الله خالق هذا كله .
وإرادة النفس لما تريده من الذنوب وفعلها : هو من جملة مخلوقات
الله تعالى فإن الله خالق كل شيء. وهو الذي ألهم النفس - التى
سواها - فجورها وتقواها .
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول فى دعائه ((اللهم آت نفسي
تقواها ، وزكها، أنت خير من زكاها . أنت وليها ومولاها)).
وهو سبحانه : جعل إبراهيم وآله أئمة يهدون بأمره . وجعل
فرعون وآله أئمة يدعون إلى النار ، ويوم القيامة لا ينصرون .
لكن هذا لا يضاف مفرداً إلى الله تعالى ، لوجهين : من جهة علته
الغائية ، ومن جهة سببه وعلته الفاعلية .
أما الغائية : فإن الله إنما خلقه لحكمة هو باعتبارها خير ، لا شر.
وإن كان شراً إضافياً . فإذا أضيف مفرداً: توم المتوهم مذهب جهم:
أن الله يخلق الشر المحض الذي لا خير فيه لأحد لا لحكمة ولا رحمة .
والأخبار والسنة والاعتبار تبطل هذا المذهب .
٢٩٩

كما أنه إذا قيل : محمد وأمته يسفكون الدماء ، ويفسدون فى
الأرض : كان هذا ذماً لهم ، وكان باطلا . وإذا قيل : يجاهدون في
سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا، ويكون الدين كله لله ، ويقتلون
من منعهم من ذلك : كان هذا مدحاً لهم ، وكان حقاً .
فإذا قيل : إن الرب تبارك وتعالى حكيم رحيم . أحسن كل شيء
خلقه ، وأتقن ما صنع ، وهو أرحم الراحمين . أرحم بعباده من الوالدة
بولدها . والخير كله بيديه . والشر ليس إليه . بل لا يفعل إلا خيراً .
وما خلقه من ألم لبعض الحيوانات أو من أعمالهم المذمومة : فله فيها
حكمة عظيمة ، ونعمة جسيمة - كان هذا حقاً . وهو مدح للرب
وثناء عليه .
وأما إذا قيل : إنه يخلق الشر الذي لا خير فيه ولا منفعة لأحد.
ولا له فيها حكمة ولا رحمة . ويعذب الناس بلا ذنب : لم يكن هذا
مدحا للرب ، ولا ثناء عليه . بل كان بالعكس .
ومن هؤلاء من يقول : إن الله تعالى أضر على خلقه من إبليس.
وبسط القول فى بيان فساد قول هؤلاء له موضع آخر .
وقد بينا بعض ما فى خلق جهنم وإبليس والسيئات من الحكمة
٣٠٠