النص المفهرس
صفحات 241-260
وقال تعالى: (قُلْ هُوَ لِلَّذِينَءَامَنُواْ هُدَّى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَأَيُؤْمِنُونَ فِىّ وقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ أَتَّقَوْاْ إِذَا ءَاذَانِهِمْ وَقَرٌوَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمَى ) مَسَّهُمْ طَبِفٌ مِنَ الشَّيْطَنِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَاهُمْ مُبْصِرُونَ * وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِى وقال تعالى (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوَءَ اُلْفَيِّ ثُمَّ لَا يُقِّصِرُونَ ) وَالْفَحْشَآءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ) وقال تعالى (وَلَمَّابَلَغَ أَشُدَّهُ,ءَاتَّيْنَهُ ◌َّكْمَا وَ عِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْرِى الْمُحْسِنِينَ ) وقال تعالى ( وَلَمَّابَلَغَ أَشُذَهُ وَأُسْتَوَ ءَانَيْنَهُ حُكْمًا وَعِلْمَا وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ ) وقال تعالى ( الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّ واْعَنْ سَبِيلِ الَّهِأَضَلَّ أَعْمَلَهُمْ * وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ وَءَامَنُواْ بِمَا نُزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ اُلْحَقُّ مِنْ زَّيِّهِمْ كَفَّرَعَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَمْ * ذَلِكَ بِأَنَّالَّذِينَ كَفَرُواْ اتَّبَعُوا الْبَطِلَ وَأَنَّالَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّبَعُواْ الْحَقَّ مِن رَّبِهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اَللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَهُمْ) وقال تعالى (يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْتَّقُواْ اللَّهَ وَقُولُواْ قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ وقال تعالى (قُلْ أَطِيعُواْاللَّهَ وَأَطِيعُواْالرَّسُولُ أَعْمَلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ) فَإِنْ تَوَلَوْفَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَاءُّلَ وَعَيْهِكُمْ مَّاءُمِّئٌُ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُ وأُوَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَغُ الْمُبِينُ ). قال أبو عثمان النيسابوري : من أمر السنة على نفسه - قولا وفعلاً - نطق بالحكمة. ومن أمر الهوى على نفسه ــ قولا وفعلا - نطق بالبدعة. لأن الله تعالى يقول (وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا ). ٢٤١ قلت : وقد قال فى آخر السورة (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةُ أَوْيُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) . وقال تعالى (وَمَا يُشْعِرَّكُمْ أَنَّهَآَ إِذَا جَآءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ * وَتُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَرَهُمْ كَمَالَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ: أَوَّلَ مَّةٍ) وقال تعالى (إِنَّالَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ اُلْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطِنُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْعَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ) وقال تعالى (وَإِذْقَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ، يَقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِ وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّى رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُواْ أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَيَهْدِى الْقَوْمَ الْفَسِقِينَ - إلى قوله - وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِالْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَّ إِلَى الْإِسْلِ وَاللهُ لَهْدِىِ الْقَوْمَالَّلِينَ) وقال تعالى (وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفُأَ بَل لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَّايُؤْمِنُونَ) وقال تعالى أيضاً (وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلّقٌ بَلْ طَعَ اللَّهُ عَلَّهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَ يُؤْمِنُونَ إِلَّا فَلِيلًا ) وقال تعالى (قَبُّهِتَ الَّذِى كَفَرٍّ وَاللهُ لَ يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) وقال تعالى (وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْهُمْ كَثْرَتُصِكُمْ فَ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا ثُمَّ أَنْزَلَ وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَ وَلَّيْتُمْ مُدْرِينَ اُللَّهُ سَكِينَتَهُ, عَلَى رَسُولِهِ، وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًّالَّمْتَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ ) وقال تعالى فى النوعين (إِذْ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى الْمَلَئِكَةِ أَنِّى مَعَكُمْ فَتَبِتُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ سَأُلِّقِى فِي قُلُوبِ الَّذِينَ ذَلِكَ * كَفَرُواْالرُّعْبَ فَأَضْرِ بُواْفَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَأَضْرِ بُواْ مِنْهُمْ كُلَّبَنَانِ ٢٤٢ بِأَنَّهُمْ شَآَقُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ) وقال تعالى (سَتُلْقِى فِى قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُواْبِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْبِهِ. سُلْطَنَّا وَمَأْوَنهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ) وقال تعالى (هُوَ الَّذِىَّ أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مِن دِيَرِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِّ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُواْ وَظَنُّواْ أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ خُصُوْتُهُمْ مِّنَ اللَّهِ فَنَّهُمُ اللّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ وَقَذَفَ فِ قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَّ يُخْرِبُونَ بُوَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِى الْمُؤْمِنِينَ فَأَعْتَبِرُ وا يَأُوْلِ الْأَبْصَرِ * وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَلَعَذَّبَهُمْ فِ الدُّنْيَّا وَهُمْ فِ الْآَخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ * ذَلِكَ بِأَنَهُمْ شَآَقُوا اللَّهُ وَرَسُولَهُ، وَمَن يُشَاقِ اللَّهَ فَإِنَّاللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) وقال تعالى (لَنْ يَضُرُوكُمْإِلَّ أَذَىٌّ وَ إِن يُقَتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ ضُرِيَتْ عَلَيْهِمُ الَّذِّلَّةُ أَيْنَ مَا تُقِفُواْ إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَآءُ وبِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَضُرِيَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوْ يَكْفُرُونَ بِشَايَتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَكَانُوَ أْيَعْتَدُونَ ) وقال تعالى (تَرَى كَثِيرًامِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَاقَدَّمَتْ ج وَلَوْ كَانُواْ ◌َهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اَللَّهُ عَلَيَّهِمْ وَفِىِ الْعَذَابِ هُمْ خَلِدُونَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَآ أَنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ) وقال تعالى (وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ قَوَدَّةً لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَرَىُّ ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ) وقال تعالى (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُواْ فِى الْأَرْضِ ٢٤٣ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَىَ أَبْصَرَهُمْ * أَفَلاَ وَتُقَطِّعُواْ أَرْحَامَكُمْ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا * إِنَّالَّذِينَ أَرْتَُّ واْعَلَى أَدْبَرِهِ مِنْ بَعْدِ مَانَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَىْ الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَ لَهُمْ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لِلَّذِينَ كَرَهُواْ مَانَزَّكَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِى بَعْضِ الْأَمْرِّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ) وقال تعالى ( وَمِنْهُم مَّنْ عَهَدَ اُللَّهَ لَبِنْ ءَاتَنْنَا مِن فَضْلِهِ، لَنَصَّدَقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّلِحِينَ * فَلَمَّآءَاتَهُم مِّن فَضْلِهِ، بَخْلُوْبِهِ، وَتَوَلَّواْوَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِ قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمٍ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُواْ اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ) وقال تعالى ( فَإِن رَّجَعَكَ اللَّهُإِلَى طَآئِفَةٍ مِنْهُمْ فَأَسْتَئْذَنُوَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّنْ تَّخْرُجُواْ مَعِىَ أَبَدًّا وَلَن نُقَئِلُواْ مَعِىَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَأَفْعُدُواْ مَعَ الْخَلِفِينَ ) وقال تعالى فى ضد هذا (وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ، وَكَفَّ أَيْدِىَ النَّاسِ عَنكُمْ وَلِتَكُونَ ءَايَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَبَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا * - إلى قوله - وَلَوْ قَتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوَلَّوْاْأَدْبَرَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا سُنَّةَ اللَّهِالَّتِى قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلٌ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِتَبْدِيلًا ). وتوليتهم الأدبار: ليس مما نهوا عنه ، ولكن هو من جزاء أعمالهم. وهذا باب واسع . ٢٤٤ فصل وإذا كانت السيئات التى يعملها الإنسان قد تكون من جزاء سيئات تقدمت - وهي مضرة - جاز أن يقال : هي مما أصابه من السيئات وهي بذنوب تقدمت . وعلى كل تقدير : فالذنوب التى يعملها : هى من نفسه . وإن كانت مقدرة عليه . فإنه إذا كان الجزاء الذي هو مسبب عنها من نفسه فعمله الذي هو ذلك الجزاء : من نفسه بطريق الأولى . وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته ((نعوذ بالله من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا )). وقال له أبو بكر رضي الله عنه: علمني دعاء. فقال ((قل : اللهم فاطر السموات والأرض ، عالم الغيب والشهادة ، رب كل شيء ومليكه . أشهد أن لا إله إلا أنت . أعوذ بك من شر نفسي ، وشر الشيطان وشركه ، وأن أقترف على نفسي سوءاً، أو أجره إلى مسلم. قله إذا أصبحت ، وإذا أمسيت، وإذا أخذت مضجعك)). ٢٤٥ فقد بين أن قوله ( فَمِنَّفْسِكَ ) يتناول العقوبات على الأعمال . ويتناول الأعمال . مع أن الكل بقدر الله. ـصل وليس للقدرية أن يحتجوا بالآية لوجوه : منها : أنهم يقولون: فعل العبد - حسنة كان، أو سيئة - هو منه، لا من الله. بل اللّه قد أعطى كل واحد من الاستطاعة ما يفعل به الحسنات ، والسيئات . لكن هذا عندهم : أحدث إرادة فعل بها الحسنات . وهذا أحدث إرادة فعل بها السيئات . وليس واحد منهما من إحداث الرب عندهم . والقرآن قد فرق بين الحسنات والسيئات . وهم لا يفرقون فى الأعمال بين الحسنات والسيئات ، إلا من جهة الأمر . لا من جهة كون الله خلق فيه الحسنات دون السيئات. بل هو عنده لم يخلق لا هذا ولا هذا . لكن منهم من يقول : بأنه يحدث من الأعمال الحسنة والسيئة : ما يكون جزاء . كما يقوله أهل السنة . ٢٤٦ لكن على هذا : فليست عندهم كل الحسنات من الله. ولا كل السيئات . بل بعض هذا ، وبعض هذا . الثاني: أنه قال (كُلٌّ مِنْ عِندِ اللَّهِ) فجعل الحسنات من عند الله كما جعل السيئات من عند الله. وهم لا يقولون بذلك فى الأعمال . بل في الجزاء. وقوله - بعد هذا - (مَآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ) و (مِن سَيِّئَةٍ ) مثل قوله (وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ) وقوله (وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ). الثالث : أن الآية أريد بها : النعم ، والمصائب . كما تقدم. وليس للقدرية المجبرة أن تحتج بهذه الآية على نفي أعمالهم التى استحقوا بها العقاب. فإن قوله (كُلُّمِّنْ عِندِاللَّهِ ) هو النعم والمصائب. ولأن قوله (مَآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَن ◌َللَّهِوَمَآ أَصَابَكَ مِن سَبِّئَةٍ فَيِن نَّفْسِكَ ) حجة عليهم . وبيان أن الإنسان هو فاعل السيئات . وأنه يستحق عليها العقاب. والله ينعم عليه بالحسنات - عملها وجزائها - فإنه إذا كان ما أصابهم من حسنة فهو من اللّه: فالنعم من الله. سواء كانت ابتداء أو كانت جزاء. وإذا كانت جزاء - وهي من الله - : فالعمل الصالح الذي كان سببها : هو أيضاً من الله . أنعم بها الله على العبد. وإلا فلو كان هو من نفسه - كما كانت السيئات من نفسه - لكان كل ذلك من نفسه . والله تعالى قد فرق بين النوعين فى الكتاب والسنة . كما فى الحديث الصحيح الإلهي: عن اللّه ((يا عبادي، إنما هي أعمالكم ٢٤٧ أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها . فمن وجد خيراً فليحمد الله . ومن وجد غير ذلك ، فلا يلومن إلا نفسه )) وقال تعالى (أَوَلَمَّا أَصَبَتَّكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْأَصَبْتُم مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ ) وقال تعالى ( وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِهِمْ إِذَاهُمْ يَقْنَطُونَ ) وقال تعالى (ظَهَرَ اُلْفَسَادُ فِ الْبَرِّوَاُلْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَبْدِى النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِى عَمِلُواْ لَعَلَّهُمْ بَرْجِعُونَ ) وقال تعالى (وَمَا ظَلَمْنَهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوْ أَنفُسَهُمْ . وقال تعالى (وَمَا ظَلَمْنَهُمْ وَلَكِنْ كَانُواْ هُمُ الظَّالِمِينَ) وقال تعالى وقال تعالى (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ ) للمؤمنين ( وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَنَ وَزَيَّنَهُ فِ قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَكَ هُمُ الرَّشِدُونَ) وقد أمروا أن يقولوا في الصلاة (أُهْدِنَا الصِرَطَ الْمُسْتَفِيمَ * صِرَطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّآلِينَ ). فصل وقد ظن طائفة : أن فى الآية إشكالا ، أو تناقضاً فى الظاهر ، حيث قال ( كُلُّ مِنْ عِندِ اللَّهِ ) ثم فرق بين الحسنات والسيئات. فقال (مَآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَيْنِ نَّفْسِكَ ). ٢٤٨ وهذا من قلة فهمهم ، وعدم تدبرم الآية . وليس في الآية تناقض . لا فى ظاهرها ، ولا فى باطنها . لا في لفظها ولا معناها . فإنه ذكر عن المنافقين ، والذين في قلوبهم مرض ، الناكمين عن الجهاد . ما ذكره بقوله (أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِكِكُمُ الْمَوْتُ وَلَوَّكُمْ فِ بُرُوجِمُشَيِّدَةٍ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ، مِنْ عِندِ اللَّهِ وَ إِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ، مِنْ عِندَِ) هذا يقولونه لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، أي بسبب ما أمرتنا به من دينك ، والرجوع عما كنا عليه : أصابتنا هذه السيئات . لأنك أمرتنا بما أوجبها. فالسيئات : هي المصائب والأعمال التى ظنوا أنها سبب المصائب : هو أمرم بها . وقولهم (( من عندك)) تتناول مصائب الجهاد التى توجب الهزيمة، لأنه أمرهم بالجهاد . وتتناول أيضاً مصائب الرزق على جهة التشاؤم، والتطير . أي هذا عقوبة لنا بسبب دينك . كما كان قوم فرعون يتطيرون بموسى وبمن معه . وكما قال أهل القرية للمرسلين (إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ ) وكما قال الكفار من تمود لصالح، ولقومه: (الطََّّرْنَابِكَ وَيِمَن مَعَكَ ) فكانوا يقولون عما يصيبهم - من الحرب ، والزلزال والجراح والقتل ، وغير ذلك مما يحصل من العدو -: هو منك. لأنك أمرتنا بالأعمال الموجبة لذلك . ويقولون عن هذا ، وعن المصائب السمائية : إنها منك . أي بسبب طاعتنا لك، واتباعنا لدينك: أصابتنا هذه ٢٤٩ المصائب ، كما قال تعالى: ( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ، خَيْرَ أَطْمَأَنَ يِّ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِئْنَةُ أَنْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ، خَسِرَ الذُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ). فهذا يتناول كل من جعل طاعة الرسول ، وفعل ما بعث به : مسبباً لشر أصابه: إما من السماء. وإما من آدمي. وهؤلاء كثيرون. لم يقولوا ((هذه من عندك)) بمعنى: أنك أنت الذي أحدثتها. فإنهم يعلمون أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يحدث شيئاً من ذلك ولم يكن قولهم ((من عندك)) خطاباً من بعضهم لبعض . بل هو خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم . ومن فهم هذا تبين له أن قوله (مَآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍفَنَ اللَّهِوَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَن نَّفْسِكَ ) لا يناقض قوله ((كل من عند الله)) بل هو محقق له. لأنهم - م ومن أشبههم إلى يوم القيامة - يجعلون ما جاء به الرسول ، والعمل به : سبباً لما قد بصييهم من مصائب . وكذلك من أطاعه إلى يوم القيامة . وكانوا تارة يقدحون فيما جاء به ، ويقولون : ليس هذا مما أمر الله به . ولو كان مما أمر الله به: لما جرى على أهله هذا البلاء. ٢٥٠ وتارة لا يقدحون فى الأصل . لكن يقدحون فى القضية المعينة . فيقولون : هذا بسوء تدبير الرسول . كما قال عبد الله بن أبي بن سلول يوم أحد - إذا كان رأيه مع رأي النبى صلى الله عليه وسلم أن لا يخرجوا من المدينة - فسأله صلى الله عليه وسلم ناس ممن كان لهم رغبة فى الجهاد : أن يخرج . فوافقهم ، ودخل بيته ولبس لأمته . فلما لبس لأمته ندموا . وقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم أنت أعلم. فإن شئت أن لا نخرج، فلا نخرج. فقال: ((ما ينبغي لنبى إذا لبس لأمته أن ينزعها، حتى يحكم الله بينه وبين عدوه)» يعنى : أن الجهاد يلزم بالشروع ، كما يلزم الحج . لا يجوز ترك ما شرع فيه منه إلا عند العجز بالإحصار في الحج . فصل والمفسرون ذكروا فى قوله (وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندَِ) هذا وهذا . فعن ابن عباس ، والسدى ، وغيرهما : أنهم يقولون هذا ، تشاؤماً بدينه . وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم . قال : بسوء تدبيرك ــ يعني ٢٥١ كما قاله عبد الله بن أبي وغيره يوم أحد - وهم كالذين «قَالُواْ لِإِخْوَنِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْأَطَاعُونَا مَا قُتِلُواْ)). فبكل حال: قولهم ((من عندك)) هو طعن فيما أمر الله به ورسوله : من الإيمان والجهاد . وجعل ذلك : هو الموجب للمصائب التى تصيب المؤمنين المطيعين ، كما أصابتهم يوم أحد . وتارة نصيب عدوم . فيقول الكافرون : هذا بشؤم هؤلاء ، كما قال أصحاب القرية للمرسلين ((إِنَّاتَطَّْنَائِكُمْ)) وكما قال تعالى عن آل فرعون ((فَإِذَا جَاءَ تْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُواْلَنَاهَذِّهِ، وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَيِّرُ واْ بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَلَّ إِنَّمَا طَبِرُهُمْ عِندَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ)) وقال تعالى ((قَالُواْأَطَّيَّرْنَائِكَ وَبِمَن ◌َّعَكَ قَالَ طَبِرُكُمْ عِندَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عن قوم صالح تُفْتَنُونَ )» ولما قال أهل القرية ((إِنَّا تَطَيِّرْنَابِكُمْ لَيْنِ لَّْ تَنْتَهُوْلَّ جُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمُ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالُواْطَرَّكُم مَّعَكُمْ أَبِنِ ذُكِرْتُ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ)). قال الضحاك: فى قوله ((أَلَآ إِنَّمَا طَيِرُهُمْ عِندَ اللَّهِ)) يقول: الأمر من قبل الله. ما أصابكم من أمر فمن الله، بما كسبت أيديكم. ٢٥٢ وقال ابن أبى طلحة عن ابن عباس: ((معايكم)) وقال قتادة ((عملكم عند الله)). وفى رواية غير على: عملكم عند الله ((بَلْ أَنْتُمْ قَوْمُ تُقْتَنُونَ)) أي تبتلون بطاعة الله ومعصيته. رواهما ابن أبي حاتم وغيره. وعن ابن إسحاق قال: قالت الرسل ((طاركم معكم)) أي أعمالكم . فقد فسروا ((الطائر)) بالأعمال وجزائها ، لأنهم كانوا يقولون : إنما أصابنا ما أصابنا من المصائب بذنوب الرسل وأتباعهم . فبين الله سبحانه: أن طائرم ـ وهو الأعمال وجزاؤها ــ هو عند الله. وهو معهم. فهو معهم لأن أعمالهم وما قدر من جزائها معهم كما قال تعالى (وَكُلَّ إِنْسَنٍ أَلْزَمْنَهُ طَهِرَهُ فِ عُنُقِهِ، ) وهو من الله؛ لأن اللّه تعالى قدر تلك المصائب بأعمالهم . فمن عنده تتنزل عليهم المصائب. جزاء على أعمالهم ، لا بسبب الرسل وأتباعهم . وفى هذا يقال : إنهم إنما يجزون بأعمالهم ، لا بأعمال غيرهم . ولذلك قال فى هذه الآية - لما كان المنافقون والكفار ومن فى قلبه مرض يقول : هذا الذي أصابنا هو بسبب ما جاء به محمد ، عقوبة ٢٥٣ دينية وصل إلينا - بين سبحانه : أن ما أصابهم من المصائب إنما هو بذنوبهم . ففي هذا رد على من أعرض عن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم لئلا قصيبه تلك المصائب. وعلى من انتسب إلى الإيمان بالرسول ، ونسبها إلى فعل ماجاء به الرسول ، وعلى من أصابته مع كفره بالرسول ونسبها إلى ما جاء به الرسول . فصل والمقصود : أن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ليس سبباً لشيء من المصائب . ولا تكون طاعة الله ورسوله قط سبباً لمصيبة ، بل طاعة الله والرسول لا تقتضى إلا جزاء أصحابها بخيري الدنيا والآخرة . ولكن قد تصيب المؤمنين بالله ورسوله مصائب بسبب ذنوبهم . لا بما أطاعوا فيه الله والرسول، كما لحقهم يوم أحد بسبب ذنوبهم . لا بسبب طاعتهم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم . وكذلك ما ابتلوا به فى السراء والضراء والزلزال: ليس هو بسبب نفس إيمانهم وطاعتهم ، لكن امتحنوا به ، ليتخلصوا مما فيهم من الشر ٢٥٤ وفتنوا به كما يفتن الذهب بالنار ، ليتميز طيبه من خبيئه . والنفوس فيها شر. والامتحان يمحص المؤمن من ذلك الشر الذي في نفسه . قال تعالى (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِ لُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اَللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَ يَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَآءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الَّلِينَ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَفِرِينَ) وقال تعالى (وَلِيَبْتَلِىَ اللَّهُ مَا فِ صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِى قُلُوبِكُمْ) ولهذا قال صالح عليه السلام لقومه ((طَبِّكُمْ عِندَ اللَّهِبَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ)). ولهذا كانت المصائب تكفر سيئات المؤمنين ، وبالصبر عليها ترتفع درجاتهم وما أصابهم في الجهاد من مصائب بأيدي العدو ، فإنه يعظم أجرم بالصبر عليها . وفى الصحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم قال (( ما من غازية يغزون فى سبيل الله، فيسلمون ويغنمون إلا تعجلوا ثلثي أجرم. وإن أصيبوا وأخفقوا: تم لهم أجرهم)). وأما ما يلحقهم من الجوع والعطش والتعب : فذاك يكتب لهم به (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأْ وَلَا نَصَبٌّ وَلَا عمل صالح. كما قال تعالى مَخْمَصَةٌ فِ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَُّونَ مَوِْنًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوِّ ثَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِ، عَمَلٌ صَلِحُ إِنَّ اللَّهَ لَ يُضِيعُ أَجْرَالْمُحْسِنِينَ). وشواهد هذا كثيرة . ٢٥٥ فصل والمقصود: أن قوله (وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَ إِن تُصِبُهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ، مِنْ عِندِ ◌َكَ قُلْ كُلٌ مِنْ عِندِ اللّهِ) فإنهم جعلوا ما يصيبهم من المصائب بسبب ما جاءهم به الرسول . وكانوا يقولون : النعمة التى تصيبنا هي من عند الله . والمصيبة من عند محمد . أي بسبب دينه وما أمر به . فقال تعالى : قل هذا وهذا من عند الله. لا من عند محمد. محمد لا يأتي لا بنعمة ولا بمصيبة ولهذا قال قال : (فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا ) بعد هذا السدى وغيره : هو القرآن . فإن القرآن إذا م فقهوا ما فيه : تبين لهم أنه إنما أمرهم بالخير ، والعدل ، والصدق ، والتوحيد . لم يأمرهم بما يكون سبباً للمصائب . فإنهم إذا فهموا ما فى القرآن علموا : أنه لا يكون سبباً للشر مطلقاً . وهذا مما يبين أن ما أمر الله به : يعلم بالأمر به حسنه ونفعه، وأنه مصلحة للعباد . وليس كما يقول من يقول : قد يأمر الله العباد بما لا مصلحة لهم فيه إذا فعلوه . بل فيه مضرة لهم . ٢٥٦ فإنه لو كان كذلك لكان قد بصدقه المتطيرون بالرسل وأتباعهم. ومما يوضح ذلك: أنه لما قال (مَآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَنَ اللَّهِوَمَآ أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَيِن نَّفْسِكَ ) قال بعدها (وَأَرْسَلْتَكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا) فإنه قد شهد له بالرسالة بما أظهره على يديه من الآيات والمعجزات. وإذا شهد الله له كفى به شهيداً. ولم يضره جحد هؤلاء لرسالته بما ذكروه من الشبه التى هي عليهم لا لهم بما أرادوا أن يجعلوا سيئاتهم وعقوباتهم حجة على إبطال رسالته . واللّه تعالى قد شهد له: أنه أرسله للناس رسولا . فكان ختم الكلام بهذا إبطالا لقولهم : إن المصائب من عند الرسول . ولهذا قال ، بعد هذا (مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اَللَّه وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا). فصل وكان فيما ذكره إبطال لقول الجهمية المجبرة ونحوهم ، ممن يقول : إن الله قد يعذب العباد بلا ذنب . وأنه قد يأمر العباد بما لا ينفعهم ، بل بما يضرهم . فإن فعلوا ما أمرهم به حصل لهم الضرر ، وإن لم يفعلوه عاقبهم. ٢٥٧ يقولون هذا ومثله ، ويزعمون أن هذا لأنه يفعل ما يشاء . والقرآن يرد على هؤلاء من وجوه كثيرة، كما يرد على المكذبين بالقدر . فالآية ترد على هؤلاء وهؤلاء ، كما تقدم ، مع احتجاج الفريقين بها . وهي حجة على الفريقين . فإن قال نفاة القدر: إنما قال فى الحسنة ((هى من الله)) وفي السيئة ((هي من نفسك)) لأنه يأمر بهذا، وينهى عن هذا، باتفاق المسلمين . قالوا : ونحن نقول : المشيئة ملازمة للأمر . فما أمر به فقد شاءه وما لم يأمر به لم يشأه. فكانت مشيئته وأمره حاضة على الطاعة دون المعصية . فلهذا كانت هذه منه دون هذه . قيل: أما الآية: فقد تبين أن الذين قالوا ((الحسنة من عند الله، والسيئة من عندك)) أرادوا : من عندك يا محمد ، أي بسبب دينك. فجعلوا رسالة الرسول هي سبب المصائب . وهذا غير مسألة القدر . وإذا كان قد أريد : أن الطاعة والمعصية __ مما قد قيل - كان ٢٥٨ قوله ( كُلٌّمِنْ عِندِ اللَّهِ) حجة عليكم كما تقدم . (مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَيْنَ اللَّهِوَمَآ أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَين وقوله بعد هذا . لا ينافي ذلك. بل ((الحسنة)) أنعم الله بها وبثوابها نَّفْسِكَ ) و ((السيئة)) هي من نفس الإنسان ناشئة، وإن كانت بقضائه وقدره، كما قال تعالى (مِن شَرِّمَا خَلَقَ) فمن المخلوقات ماله شر، وإن كان بقضائه وقدره . وأنتم تقولون : الطاعة والمعصية هما من أحداث الإنسان ، بدون أن يجعل الله هذا فاعلا وهذا فاعلا، وبدون أن يخص الله المؤمن بنعمة ورحمة أطاعه بها وهذا مخالف للقرآن . فصل فإن قيل : إذا كانت الطاعات والمعاصي مقدرة ، والنعم والمصائب مقدرة . فلم فرق بين الحسنات ، التى هي النعم ، والسيئات ، التى هي المصائب ؟ فجعل هذه من اللّه، وهذه من نفس الإنسان؟ . قيل : لفروق بينها : ٢٥٩ ((الفرق الأول)): أن نعم الله وإحسانه إلى عباده يقع ابتداء بلا سبب منهم أصلا . فهو ينعم بالعافية والرزق والنصر ، وغير ذلك على من لم يعمل خيراً قط . وينشئ للجنة خلقاً يسكنهم فضول الجنة . وقد خلقهم في الآخرة لم يعملوا خيراً . ويدخل أطفال المؤمنين ومجانينهم الجنة برحمته بلا عمل . وأما العقاب : فلا يعاقب أحداً إلا بعمله . ((الفرق الثانى)): أن الذي يعمل الحسنات . إذا عملها ، فنفس عمله الحسنات : هو من إحسان الله، وبفضله عليه بالهداية والإيمان، كما قال أهل الجنة (اٌلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى هَدَنَنَا لِهَذَا وَمَاكُنَا لِتَهْتَدِىَ لَوْلَا أَنْ هَدَ نَا اللَّهُ ). وفى الحديث الصحيح (( يا عبادي ، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها . فمن وجد خيراً فليحمد الله . ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه)). فنفس خلق الله لهم أحياء، وجعله لهم السمع والأبصار والأفئدة: هو من نعمته ونفس إرسال الرسول إليهم ، وتبليغه البلاغ المبين الذي اهتدوا به : هو من نعمته . وإلهامهم الإيمان، وهدايتهم إليه ، وتخصيصهم بمزيد نعمة حصل ٢٦٠