النص المفهرس
صفحات 201-220
وسئل رحمه الله عن قوله تعالى: (وَمَن دَخَلَهُ كَانَ ءَامِنًا) [ هل](١) المراد به أمنه عند الموت من الكفر عند عرض الأديان ؟ أم المراد به إذا أحدث حدثاً لا يقتص منه ما دام فى الحرم ؟ . فأجاب : التفسير المعروف فى أن الله جعل الحرم بلداً آمنا قدراً وشرعا ، فكانوا فى الجاهلية يسفك بعضهم دماء بعض خارج الحرم ، فإذا دخلوا الحرم أو لقي الرجل قاتل أبيه لم يهجروا حرمته ففي الإسلام كذلك وأشد . لكن لو أصاب الرجل حداً خارج الحرم ثم لجأ إليه فهل يكون آمنا لا يقام عليه الحد فيه أم لا؟ فيه نزاع. وأكثر السلف على أنه يكون آمنا، كما نقل عن ابن عمر وابن عباس وغيرهما ، وهو مذهب أبي حنيفة والإمام أحمد بن حنبل وغيرهما . وقد استدلوا بهذه الآية وبقول النى صلى الله عليه وسلم ((إن الله (١) أضيفت حسب مفهوم السياق . ٢٠١ حرم مكة يوم خلق الله السموات والأرض، وإنها لم تحل لأحد قبلي ، ولا تحل لأحد بعدي ، وإنما أحلت لي ساعة من نهار ، وقد عادت حرمتها. فإن أحد ترخص بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقولوا: إنما أحلها اللّه لرسوله ولم يحلها لك)). ومعلوم أن الرسول إنما أبيح له فيها دم من كان مباحا فى الحل، وقد بين أن ذلك أبيح له دون غيره . والمراد بقوله ( وَمَن دَخَلَهُ ) الحرم كله . وأما عرض الأديان وقت الموت فيبتلى به بعض الناس دون بعض، ومن لم يحج خيف عليه الموت على غير الإسلام ، كما جاء في الحديث ((من ملك زاداً وراحلة تبلغه إلى بيت الله ثم لم يحج فليمت إن شاء يهوديا أو نصرانيا)) والله أعلم. ٢٠٢ وللشبخر من اللّه ( إِنَّمَا ذَ لِكُمُ الشَّيْطَانُ يُحَوِّفُ أَوْلِيَاءَ هُ،فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ في قوله تعالى : هذا هو الصواب الذي عليه جمهور المفسرين : إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ ) كابن عباس ، وسعيد بن جبير ، وعكرمة ، والنخعى ؛ وأهل اللغة كالفراء ، وابن قتيبة ، والزجاج ، وابن الأنباري ، وعبارة الفراء : بخوفكم بأوليائه ، كما قال : (لِيُنذِرَ بَأْسًاشَدِيدًا مِّن ◌َّدُنْهُ) بيأس شديد. وقوله: (لِيُنْذِرَيَوْمَ النَّلَاقِ) وعبارة الزجاج : يخوفكم من أوليائه . قال ابن الأنباري : والذي تختاره فى الآية يخوفكم أولياءه . تقول العرب: أعطيت الأموال: أي أعطيت القوم الأموال ، فيحذفون المفعول الأول ويقتصرون على ذكر الثاني . وهذا لأن الشيطان يخوف الناس أولياءه تخويفا مطلقا ، ليس له في تخويف ناس بناس ضرورة ، حذف الأول ليس مقصوداً ، وهذا يسمى حذف اختصار ، كما يقال : فلان يعطى الأموال والدرام . وقد قال بعض المفسرين : يخوف أولياءه المنافقين ، ونقل هذا ٢٠٣ عن الحسن والسدى ، وهذا له وجه سنذكره ؛ لكن الأول أظهر ، لأن الآية انما نزلت بسبب تخويفهم من الكفار ، كما قال قبلها : (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا) فهي انما ( فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) الآيات . ثم قال : نزلت فيمن خوف المؤمنين من الناس. وقد قال: (يُخَوِّفُ أَوْلِيَآءَهُ ) ثم قال: ( فَلاَ تَخَافُوهُمْ ) والضمير عائد إلى أولياء الشيطان الذين قال فيهم : ( فَأَخْشَوْهُمْ ) قبلها . وأما ذلك القول فالذي قاله فسرها من جهة المعنى ، وهو أن الشيطان إنما يخوف أولياءه بالمؤمنين ؛ لأن سلطانه على أوليائه بخوف يدخل عليهم المخاوف دائماً ، فالمخاوف منصبة إليهم محيطة بقولهم ، وإن كانوا ذوي هيئات وعدد وعدد فلا تخافوهم . وأما المؤمنون فهم متوكلون على اللّه لا يخوفهم الكفار ، أو أنهم أرادوا المفعول الأول : أي يخوف المنافقين أولياءه ، وإلا فهو يخوف الكفار كما يخوف المنافقين ، ولو أنه أريد أنه يخوف أولياءه: أي يجعلهم خائفين لم يكن للضمير ما يعود عليه ، وهو قوله : ( فَلَا تَخَافُوهُمْ ) . وأيضا فهذا فيه نظر ؛ فإن الشيطان بعد أولياءه ويمنيهم ، كما قال: ٢٠٤ تعالى: (وَإِذْزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّ جَارٌلَكُمْ ) وقال تعالى: (يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَايَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلََّغُرُورًا ). ولكن الكفار يلقي الله في قلوبهم الرعب من المؤمنين والشيطان لا يختار ذلك. قال تعالى: (لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ اَللَّهِ ) وقال: (إِذْ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى الْمَلَئِكَةِ أَنِى مَعَكُمْ فَتَبِّئُواْالَّذِينَ ءَامَنُواْ سَأُلِّقِى فِ قُلُوبٍ (سَنُلِّقِى فِ قُلُوبٍ اُلَّذِينَ وقال : الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ ) كَفَرُواْ الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُواْبِاللَّهِ ). وفي حديث قرطبة أن جبريل قال: (( إني ذاهب إليهم فزلزل بهم الحصن)) فتخويف الكفار والمنافقين وإرعابهم هو من الله نصرة للمؤمنين. ولكن الذين قالوا ذلك من السلف أرادوا أن الشيطان يخوف الذين أظهروا الإسلام ، فهم يوالون العدو ، فصاروا بذلك منافقين ، وإنما يخاف من الكفار المنافقون بتخويف الشيطان لهم كما قال تعالى : (وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَاهُمْ مِّنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ) وقال تعالى (فَإِذَا جَآءَ الْخَوْفُ رَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُمْ كَلَّذِى يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ ) (يَوَدُوْ لَوْأَنَّهُمْ بَادُونَ فِى الْأَعْرَابِ يَسْئَلُونَ : الآيات . إلى قوله فكلا القولين صحيح من حيث المعنى ؛ لكن لفظ عَنْ أَنْبَابِكُمْ ) أوليائه هم الذين يجعلهم الشيطان مخوفين لا خائفين ، كما دل عليه سياق ٢٠٥ الآية ولفظها . والله أعلم . وإذا جعلهم الشيطان مخوفين فإنما يخافهم من خوفه الشيطان منهم فجعله خائفاً . فالآية دلت على أن الشيطان يجعل أولياءه مخوفين ، ويجعل ناساً خائفين منهم . ودلت الآية على أن المؤمن لا يجوز له أن يخاف أولياء الشيطان ، ولا يخاف الناس. كما قال تعالى: (فَلَا تَخْشَواْ النَّاسَ وَأَخْشَوْنِ ) بل يجب عليه أن يخاف الله ، فخوف الله أمر به، وخوف الشيطان وأولياته نهى عنه . وقال تعالى: (لِئَلَا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةُ إِلَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلَا فنهى عن خشية الظالم وأمر بخشيته ، والذين تَّخْشَوْهُمْ وَأَخْشَوْنِ ) يبلغون رسالات الله يخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله. وقال: (وَإِنَّنَىَ فَارْهَبُونِ ) . وبعض الناس يقول : يارب إني أخافك وأخاف من لا يخافك ، وهذا كلام ساقط لا يجوز ؛ بل على العبد أن يخاف الله وحده ، ولا يخاف أحداً لا من يخاف الله ولا من لا يخاف الله؛ فإن من لا يخاف الله أخس وأذل أن يخاف ، فإنه ظالم وهو من أولياء الشيطان ، فالخوف منه قد نهى الله عنه والله أعلم . ٢٠٦ وقال شيخ الإسلام فى الكلام على قوله تعالى: (وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ ◌َميلُواْ مَيْلًا عَظِيمًا) فذكر ما يتعلق بشهوات الآدميين من سار ما تشتهيه أنفسهم حتى النساء والمردان ، وقال : العبد يجب عليه إذا وقع فى شيء من ذلك أن يجاهد نفسه وهواه ، وتكون مجاهدته لله تعالى وحده . ثم قال : وميل النفس إلى النساء عام فى طبع جميع بني آدم ، وقد يبتلي كثير منهم بالميل إلى الذكران كالمردان ، وإن لم يكن يفعل الفاحشة الكبرى كان بما هو دون ذلك من المباشرة ، وإن لم تكن كان بالنظر ، ويحصل للنفس بذلك ما هو معروف عند الناس . وقد ذكر الناس من أخبار العشاق ما يطول وصفه ، فإذا ابتلى المسلم ببعض ذلك كان عليه أن يجاهد نفسه فى طاعة الله تعالى ، وهو مأمور بهذا الجهاد ، وليس هو أمراً حرمه على نفسه فيكون في طاعة نفسه وهواه ؛ بل هو أمر حرمه الله ورسوله ولا حيلة فيه ، فتكون المجاهدة للنفس فى طاعة الله ورسوله . ٢٠٧ وفي حديث أبي يحيى القتات عن مجاهد عن ابن عباس مرفوعا ((من عشق فعف وكتم وصبر ثم مات فهو شهيد)) وأبو يحيى فى حديثه نظر ؛ لكن المعنى الذي ذكر فيه دل عليه الكتاب والسنة ، فإن الله أمره بالتقوى والصبر، فمن التقوى أن يعف عن كل ما حرم الله من نظر بعين ، ومن لفظ بلسان ، ومن حركة بيد ورجل . والصبر أن يصبر عن شكوى به إلى غير الله فان هذا هو الصبر الجميل . وأما الكتمان فيراد به شيئان : ((أحدهما)) أن يكتم بثه وألمه، ولا يشكو إلى غير الله، فمتى شكا إلى غير الله نقص صبره ، وهذا أعلى الكتمانين ؛ لكن هذا لا يصبر عليه كل أحد؛ بل كثير من الناس يشكو ما به ، وهذا على وجهين . فإن شكا ذلك إلى طبيب يعرف طب النفوس ليعالج نفسه بعلاج الإيمان فهو بمنزلة المستفتى ، وهذا حسن ، وإن شكا إلى من يعينه على المحرم فهذا حرام ، وإن شكا إلى غيره لما فى الشكوى من الراحة كما أن المصاب يشتكي مصيبته إلى الناس من غير أن يقصد تعلم ما ينفعه ، ولا الاستعانة على معصية ، فهذا ينقص صبره ؛ لكن لا يأثم مطلقاً إلا إذا اقترن به ما يحرم كالمصاب الذي يتسخط . و ((الثاني)» أن يكتم ذلك فلا يتحدث به مع الناس ؛ لما فى ذلك ٢٠٨ من إظهار السوء والفاحشة ، فإن النفوس إذا سمعت مثل هذا تحركت وتشهت وتمنت وتتيمت ، والإنسان متى رأى أو سمع أو تخيل من يفعل ما يشتهيه كان ذلك داعيا له إلى الفعل ، والنساء متى رأين البهائم تنزو الذكور منها على الإناث ملن إلى الباءة؛ والمجامعة والرجل إذا سمع من يفعل مع المردان والنساء أو رأى ذلك أو تخيله فى نفسه دعاه ذلك إلى الفعل، وإذا ذكر الإنسان طعاما اشتهاه ومال إليه ، وإن وصف له ما يشتهيه من لباس أو امرأة أو مسكن أو غير ذلك مالت نفسه إليه . والغريب عن وطنه متی ذکر بالوطن حن إليه . فكلما كان فى نفس الإنسان محبته إذا تصوره حركت المحبة والطلب ، إلى ذلك المحبوب المطلوب، إما إلى وصفه وإما إلى مشاهدته ، وكلاهما يحصل به نخيل في النفس ، وقد يحصل التخيل بالسماع والرؤية أو التفكر فى بعض الأمور المتعلقة به ؛ فإذا تخيلت النفس تلك الأمور المتعلقة [به](١) انقلبت إلى تخيلة أخرى فتحركت داعية المحبة ، سواء كانت المحبة محمودة أو مذمومة. ولهذا تتحرك النفوس إلى الحج إذا ذكر الحجاز ، وتتحرك بذكر الأبرق والأجرع والعلى ونحو ذلك ؛ لأنه رأى تلك المنازل لما كان ذاهبا إلى المحبوب ، فصار ذكرها يذكر المحبوب . وكذلك إذا ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم تذكر به، وتحركت محبته . (١) أضيفت حسب مفهوم السياق . ٢٠٩ فالمبتلى بالفاحشة والعشق . إذا ذكر ما به لغيره بحركت النفوس إلى جفس ذلك ؛ لأن النفوس مجبولة على حب الصور الجميلة ؛ فإذا تصورت جنس ذلك تحركت إلى المحبوب ؛ ولهذا نهى الله عن إشاعة الفاحشة . ٢١٠ وسئل الشيخ رحمه الله: عن قوله تعالى: (وَالَِّي تَحَافُونَ نُشُوزَهُرَ فَعِظُوهُرَ وَأَهْجُرُ وهُنَّ فِى اُلْمَضَاجِعِ وَأَضْرِبُوهُنَّ)، وقوله تعالى: ( وَإِذَا قِيلَ أَنْشُرُ واْفَانشُزُواْ) إلى قوله تعالى: (وَاَللَّهُبِمَاتَعْمَلُونَ خَبِيرٌ يبين لنا شيخنا هذا ( النشوز من ذاك ؟ فأحاب: الحمد لله رب العالمين ((النشوز)) فى قوله تعالى: ( تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن فى المضاجع ) هو أن تنشز عن زوجها فتنفر عنه ، بحيث لا تطيعه إذا دعاها للفراش ، أو تخرج من منزله بغير إذنه ، ونحو ذلك مما فيه امتناع عما يجب عليها من طاعته . وأما النشوز فى قوله: ( وَإِذَاقِيلَ آنشُرُ واْفَانشُزُواْ ) فهو النهوض والقيام والارتفاع ، وأصل هذه المادة هو الارتفاع والغلظ ، ومنه النشر من الأرض وهو المكان المرتفع الغليظ ، ومنه قوله تعالى : ( وَأَنْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا) أي ترفع بعضها إلى بعض ، ومن قرأ ( ننشرها ) أراد نحييها ، فسمى المرأة العاصية ناشزاً لما فيها من الغلظ والارتفاع من طاعة زوجها ، وسمى النهوض نشوزاً ، لأن القاعد يرتفع عن الأرض . والله أعلم . ٢١١ و قال فصل قوله تعالى : (إِنَّاللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَا لَا فَخُورًا * الَّذِينَ يَبْخَلُونَ فى النساء ، وفى الحديد أنه وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ ) ( لَا يُحِبُّ كُلّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ) قد تؤولت فى البخل بالمال والمنع ، والبخل بالعلم ونحوه ، وهي تعم البخل بكل ما ينفع فى الدين والدنيا من علم ومال وغير ذلك ، كما تأولوا قوله: ( وَجَمَارَزَقْهُمْ يُفِقُونَ ) النفقة من المال، والنفقة من العلم. وقال معاذ فى العلم: تعلمه لمن لا يعلمه صدقة . وقال أبو الدرداء : ما تصدق رجل بصدقة أفضل من موعظة يعظ بها جماعة فيتفرقون وقد نفعهم الله بها . أو كما قال . وفى الأثر نعمة العطية ونعمت الهدية الكلمة من الخبر يسمعها الرجل ثم يهديها إلى أخ له ، أو كما قال: وهذه صدقة الأنبياء وورثتهم العلماء ؛ ولهذا كان الله، وملائكته وحيتان البحر ، وطير الهواء ، يصلون على معلم الناس الخير ، كما أن ٢١٢ كاتم العلم يلعنه الله ويلعنه اللاعنون، وبسط هذا كثير فى فضل بيان العلم ونم ضده . والغرض هنا أن الله يبغض المختال الفخور البخيل به ، فالبخيل به الذي منعه ، والمختال إما أن يختال فلا يطلبه ولا يقبله ، وإما أن يختال على بعض الناس فلا يبذله ، وهذا كثيراً ما يقع عند بعض الناس أنه يبخل بما عنده من العلم، ويختال به ، وأنه يختال عن أن يتعدى من غيره ، وضد ذلك التواضع فى طلبه ، وبذله ، والتكرم بذلك . ٢١٣ وقال شيخ الإسلام رحمه الله فصل قد كتبنا في غير موضع الكلام على جمع الله تعالى بين الخيلاء والفخر وبين البخل، كما فى قوله: ( إِنَّاللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا * الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ ) في النساء والحديد وضد ذلك الإعطاء والتقوى المتضمنة للتواضع، كما قال: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وقال: ( إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ أَنَّقَواْ وَالَّذِينَ هُم ◌ُحْسِنُونَ ) وَأَنَّقَى ) وهذان الأصلان هما جماع الدين العام ، كما يقال التعظيم لأمر الله والرحمة لعباد الله. فالتعظيم لأمر الله يكون بالخشوع والتواضع ، وذلك أصل التقوى والرحمة لعباد الله بالإحسان إليهم ، وهذان هما حقيقة الصلاة والزكاة ، فإن الصلاة متضمنة للخشوع لله والعبودية له ، والتواضع له ، والذل له وذلك كله مضاد للخيلاء والفخر والكبر . والزكاة متضمنة لنفع الخلق والإحسان إليهم ، وذلك مضاد للبخل . ٢١٤ ولهذا وغيره كثر القران بين الصلاة والزكاة في كتاب الله . وقد ذكرنا فيما تقدم أن الصلاة بالمعنى العام تتضمن كل ما كان ذكراً للّه أو دعاء له، كما قال عبد الله بن مسعود: ما دمت تذكر الله فأنت فى صلاة ولو كنت فى السوق، وهذا المعنى - وهو دعاء الله أي قصده والتوجه إليه المتضمن ذكره على وجه الخشوع والخضوع - هو حقيقة الصلاة الموجودة في جميع موارد اسم الصلاة ، كصلاة القائم والقاعد والمضطجع . والقارئ والأمي والناطق والأخرس ، وإن تنوعت حركاتها وألفاظها ، فإن إطلاق لفظ الصلاة على مواردها هو بالتواطؤ المنافى للاشتراك والمجاز ، وهذا مبسوط في غير هذا الموضع . إذ من الناس من ادعى فيها الاشتراك ، ومنهم من ادعى المجاز . بناء على كونها منقولة من المعنى اللغوي ، أو مزيدة ، أو على غير ذلك ، وليس الأمر كذلك ؛ بل اسم الجنس العام المتواطئ المطلق إذا دل على نوع أو عين ، كقولك هذا الإنسان وهذا الحيوان ، أو قولك: هات الحيوان الذي عندك وهى غنم ، فهنا اللفظ قد دل على شيئين : على المعنى المشترك الموجود في جميع الموارد ، وعلى ما يختص به هذا النوع أو العين . فاللفظ المشترك الموجود فى جميع التصاريف على القدر المشترك ، وما قرن باللفظ من لام التعريف مثلا أو غيرها دل على الخصوص والتعيين ، وكما أن المعنى الكلى المطلق لا وجود له فى ٢١٥ الخارج فكذلك لا يوجد في الاستعمال لفظ مطلق مجرد عن جميع الأمور المعينة . فإن الكلام إنما يفيد بعد العقد والتركيب ، وذلك تقييد وتخصيص كقولك أكرم الإنسان ، أو الإنسان خير من الفرس . ومثله قوله : ( أَقِمِ الصَّلَوةَ ) ونحو ذلك ومن هنا غلط كثير من الناس فى المعانى الكلية ، حيث ظنوا وجودها في الخارج مجردة عن القيود ، وفي اللفظ المتواطئى ، حيث ظنوا جرده فى الاستعمال عن القيود . والتحقيق : أنه لا يوجد المعنى الكلي المطلق فى الخارج إلا معيناً مقيداً ، ولا يوجد اللفظ الدال عليه فى الاستعمال إلا مقيداً مخصصاً ، وإذا قدر المعنى مجرداً كان محله الذهن ، وحينئذ يقدر له لفظ مجرد غير موجود فى الاستعمال مجرداً . و ((المقصود هنا)) أن اسم الصلاة فيه عموم وإطلاق ، ولكن لا يستعمل إلا مقروناً بقيد إنما يختص ببعض موارد، كصلواتنا ، وصلاة الملائكة ، والصلاة من اللّه سبحانه وتعالى، وإنما يغلط الناس في مثل هذا حيث بظنون أن صلاة هذا الصنف مثل صلاة هذا ، مع علمهم بأن هذا ليس مثل هذا ، فإذا لم يكن مثله لم يجب أن تكون صلاته مثل صلاته ، وإن كان بينهما قدر متشابه ، كما قد حققنا هذا فى الرد على الاتحادية والجهمية والمتفلسفة وبحوم . ٢١٦ ومن هذا الباب أسماء الله وصفاته التى يسمى ويوصف العباد بما بشبها ، كالحي والعليم والقدير ونحو ذلك. وكذلك اسم الزكاة هو بالمعنى العام ، كما فى الصحيحين عن النبى ، صلى الله عليه وسلم أنه قال: كل معروف صدقة ، ولهذا ثبت فى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال ((على كل مسلم صدقة)) وأما الزكاة المالية المفروضة فإنما يجب على بعض المسلمين فى بعض الأوقات ، والزكاة المقارنة للصلاة تشاركها في أن كل مسلم عليه صدقة كما قال النبى صلى الله عليه وسلم، قالوا: فإن لم يجد؟ قال: ((يعمل بيده فينفع نفسه ويتصدق)) قالوا: فإن لم يستطع؟ قال: (( بعين صانعاً أو يصنع الأخرق)) قالوا فإن لم يستطع ؟ قال: ((يكف نفسه عن الشر)) . وأما قوله في الحديث الصحيح حديث أبي ذر وغيره: ((على كل سلامى من أحدكم صدقة ، فكل تسبيحة صدقة ، وكل تكبيرة صدقة ، وكل تهليلة صدقة ، وأمر بالمعروف صدقة ، ونهى عن المنكر صدقة)) فهذا - إن شاء الله - كتضمن هذه الأعمال نفع الخلائق، فإنه بمثل هذا العمل يحصل الرزق والنصر والهدى ، فيكون ذلك من الصدقة على الخلق . ثم إن هذه الأعمال هي من جنس الصلاة وجنس الصلاة الذي ٢١٧ ينتفع به الغير يتضمن المعنيين الصلاة والصدقة ، ألا ترى أن الصلاة على الميت صلاة وصدقة ؟ وكذلك كل دعاء للغير واستغفار مع أن الدعاء للغير دعاء للنفس أيضاً ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم فى الحديث الصحيح: (( ما من رجل يدعو لأخيه بظهر الغيب بدعوة إلا وكل الله به ملكا، كما دعا له بدعوة قال الملك الموكل به: آمين ولك بمثل ». ٢١٨ وقال ـصل قول الناس : الآدمي جبار ضعيف ، أو فلان جبار ضعيف ؛ فإن ضعفه يعود إلى ضعف قواه ، من قوة العلم والقدرة . وأما تجبره فإنه يعود إلى اعتقاداته وإراداته ، أما اعتقاده فإن يتوم فى نفسه أنه أمر عظيم فوق ما هو ولا يكون ذلك، وهذا هو الاختيال والخيلاء والمخيلة ، وهو أن يتخيل عن نفسه ما لا حقيقة له . ومما يوجب ذلك مدحه بالباطل نظما ونثراً وطلبه للمدح الباطل ، فإنه يورث هذا الاختيال . وأما الإرادة فإرادة أن يتعظم ويعظم، وهو إرادة العلو في الأرض والفخر على الناس ، وهو أن يريد من العلو ما لا يصلح له أن يريده، وهو الرئاسة والسلطان ، حتى يبلغ به الأمر إلى مزاحمة الربوبية كفرعون ، ومزاحمة النبوة ، وهذا موجود فى جنس العلماء والعباد والأمراء وغيرهم . ٢١٩ وكل واحد من الاعتقاد والإرادة يستلزم جنس الآخر ؛ فإن من نخيل أنه عظيم أراد ما يليق بذلك الاختيال ، ومن أراد العلو فى الأرض فلابد أن يتخيل عظمة نفسه وتصغير غيره ، حتى يطلب ذلك، ففي الإرادة يتخيله مقصوداً ، وفي الاعتقاد يتخيله موجوداً ، ويطلب توابعه من الإرادات . وقال وقد قال الله تعالى: (إِنَّاللَّهَلَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ) النبي صلى الله عليه وسلم: ((الكبر بطر الحق وغمط الناس)) فالفخر يشبه غمط الناس ، فإن كلاهما تكبر على الناس . وأما بطر الحق - وهو جحده ودفعه - فيشبه الاختيال الباطل ، فإنه تخيل أن الحق باطل بجحده ودفعه . ثم هنا وجهان : ((أحدهما)) أن يجعل الاختيال وبطر الحق من باب الاعتقادات وهو أن يجعل الحق باطلا والباطل حقاً فيما يتعلق بتعظيم النفس وعلو قدرها ، فيجحد الحق الذي يخالف هواها وعلوها ، ويتخيل الباطل الذي يوافق هواها وعلوها ، ويجعل الفخر وغمط الناس من باب الإرادات، فإن الفاخر يريد أن يرفع نفسه ويضع غيره، وكذلك غامط الناس. يؤيد هذا ما رواه مسلم فى صحيحه عن عياض بن حمار المجاشعي ٢٢٠