النص المفهرس

صفحات 161-180

فلا يزال فى علو مادام كذلك ، فإذا أذنب هبط قلبه إلى أسفل ، فلا
يزال فى هبوط ما دام كذلك ، ووقعت بينه وبين أمثاله عداوة ؛ فإن
أراد الله به خيراً ثاب وعمل فى حال هبوط قلبه إلى أن يستقيم فيصعد
قلبه ، قال تعالى: (لَنْ يَنَالَ اللَّه ◌ُمُهَا وَلَ دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُ النَّقْوَى مِنْكُمْ )
فتقوى القلوب هي التى تنال الله كما قال: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ
فأما الأمور المنفصلة عنا من
وَالْعَمَلُ الصَّلِحُ بَرْفَعُهُ )
اللحوم والدماء فإنها لا تنال الله.
و(( الباطنية)) المنكرون الخلق العالم في ستة أيام، ومعاد الأبدان
الذين يجعلون للقرآن تأويلا يوافق قولهم، عندم ماتم ((جنة)) إلا لذة
مَّا تتصف بها النفس من العلم والأخلاق الحميدة، وما ثم ((نار)) إلا ألم
مّا تتصف به النفس من الجهل والأخلاق الذميمة السيئة ، فنار النفوس
ألمها القائم بها كسراتها لفوات العلم ، أو لفوات الدنيا المحبوبة لها،
وحجبها إنما هي ذنوبها .
وهذا الكلام مما يذكره أبو حامد في (( المظنون به على غير أهله))
لكن قد يقول هذا: ليس هو عذاب القبر المذكور فى الأجسام ؛ بل
ذاك أمر آخر مما بينه أهل السنة . ولا نعيم عنده إلا ما يقوم بالنفس
من هذا ، ولهذا ليس عندهم نعيم منفصل عن النفس ولا عذاب .
١٦١

وهذا القول من أفد الأقوال شرعا وعقلا ؛ فإن الناس فى الدنيا
يثابون ويعاقبون بأمور منفصلة عنهم ، فكيف فى دار الجزاء . ولكن
الذي أثبتوه من هذا وهذا [ منه ] ما هو حق، ولكن الباطل جحدم ما
جحدوه مما أخبر الله به ورسوله ، فهؤلاء عندم أن آدم لم يكن إلا في
جنة العلم، وهبوطه انخفاض درجته في العلم ، وهذا كذب ؛ ولكن ما
أثبتوه من الحق حق ، وقصة آدم تدل عليه بطريق الاعتبار الذي تسميه
الصوفية الإشارة؛ لا أنه هو المراد بالآية ؛ لكن قد دل عليه آيات أخر
تدل على أن من كذب بالحق عوقب بأن يطبع على قلبه فلا يفهم العلم ،
أو لا يفهم المراد منه، وأنه يسلط عليه عدوه ويجد ذلاً، كما قال تعالى عن
اليهود : (
وَضُرِيَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ ) ( ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ
وَكَانُواْ يَعْتَدُونَ ) .
ولا ريب أن لذة العلم أعظم اللذات، و ((اللذة)» التى تبقى بعد
الموت وتنفع فى الآخرة هي لذة العلم بالله والعمل له ، وهو الإيمان
به ، وهم يجعلون ذلك الوجود المطلق .
وأيضا فنفس العلم به إن لم يكن معه حب له وعبادة له بل كان مع حب
لغيره كائنا من كان فإن عذاب هذا قد يكون من أعظم العذاب في الدنيا
والآخرة ، وهم لا يجعلون كمال اللذة إلا في نفس العلم .
١٦٢

و ((أيضاً)) فاقتصارم على اللذة العقلية خطأ، والنصارى زادوا
عليهم السمع والشم، فقالوا : يتمتعون بالأرواح المتعشقة والنغمات المطربة،
ولم يثبتوا هم ولا اليهود الأكل والشرب ولا النكاح - وهي لذة
اللمس - والمسلمون أثبتوا جميع أنواع اللذات: سمعاً، وبصراً، وشماً،
وذوقا ، ولمساً ، للروح والبدن جميعاً وكان هذا هو الكمال ؛ لا ما يثبته
أهل الكتاب ومن هو شر منهم من الفلاسفة الباطنية ، وأعظم الذات
الآخرة لذة النظر إلى الله سبحانه، كما في الحديث الصحيح: ((فما
أعطاهم شيئاً أحب إليهم من النظر إليه )) وهو ثمرة معرفته وعبادته في
الدنيا ، فأطيب مافى الدنيا معرفته ، وأطيب ما في الآخرة النظر إليه
سبحانه؛ ولهذا كان التجلي يوم الجمعة في الآخرة على مقدار صلاة الجمعة
في الدنيا .
وأبو حامد يذكر فى كتبه هو وأمثاله ((الرؤية)) وأنها أفضل
أنواع النعيم ، ويذكر كشف الحجب ، وأنهم يرون وجه الله ، ولكن
هذا كله يريد به ما تقوله الجهمية والفلاسفة؛ فإن ((الرؤية )) عندهم
ليست إلا العلم ؛ لكن كما أن الإنسان قد يرى الشيء بعينيه ، وقد
يمثل له خياله إذا غاب عنه فهكذا العلم ، ففي الدنيا ليس عندهم من
العلم إلا مثال كالخيال فى الحساب ، وفى الآخرة يعلمونه بلا مثال ، وهو
عندهم ((وجود لا داخل العالم ولا خارجه))، و((كشف الحجاب))
١٦٣

عندهم رفع المانع الذي فى الإنسان من الرؤية ، وهو أمر عدمي
فحقيقته جعل العبد عالماً، وهذا كله مما تقول به الفلاسفة والباطنية .
وهؤلاء إنما يأمرون بالزهد فى الدنيا لينقطع تعلق النفس بها
وقت [فراق] النفس ، فلا تبقى النفس مفارقة لشيء يحبه ؛ لكن أبو حامد
لا يبيح محظورات الشرع قط ؛ بل يقول قتل واحد من هؤلاء خير
من قتل عدد كثير من الكفار .
وأما هؤلاء فالواصل عندهم إلى العلم المطلوب قد يبيحون له
محظورات الشرائح حتى الفواحش والخمر وغيرها إذا كانوا ممن يعتقد
تحريم الخمر ، وإلا فغالب هؤلاء لا يوجبون شريعة الإسلام ؛ بل
يجوزون النهود والتنصر ، وكل من كان من هؤلاء واصلا إلى علمهم
فهو سعيد .
وهكذا تقول الاتحادية منهم : كابن سبعين ؛ وابن هود،
والتلمساني ، ونحوهم ، ويدخلون مع النصارى بيعهم ، ويصلون معهم
إلى الشرق ، ويشربون معهم ومع اليهود الخمر ، ويميلون إلى دين
النصارى أكثر من دين المسلمين لما فيه من إباحة المحظورات ؛ ولأنهم
أقرب إلى الاتحاد والحلول ، ولأنهم أجهل فيقبلون ما يقولونه أعظم من
قبولهم لقول المسلمين ، وعلماء النصارى جهال إذا كان فيهم متفلسف
١٦٤

عظموه ، وهؤلاء يتفلسفون .
والواحد من هؤلاء بفرح إذا قيل له لست بمسلم ؛ ويحكي عن
نفسه - كما كان أحمد المارديني وهو من أصحاب ابن عربى يحكى عن
نفسه - أنه دخل إلى بعض ديارات النصارى ليأخذ منهم ما يأكله
هو ورفيقه ، فأخذ بعضهم يتكلم فى المسلمين ، ويقول : يقولون :
كذا وكذا ، فقال له آخر : لا تتكلم في المسلمين فهذا واحد منهم
فقال ذلك المتكلم هذا وجهه وجه مسلم ؟ أي ليس هذا بمسلم .
فصار يحكيها المارديني أن النصراني قال عنه ليس هذا بمسلم ، ويفرح
بقول النصراني ويصدقه فيما يقول ، أي ليس هو بمسلم .
والمتفلسفة بصرحون بهذا . يقولون : قلنا : كذا وكذا ، وقال
المسلمون : كذا وكذا ، وربما قالوا قلنا : كذا وقال المليون : أي أهل
الملل من المسلمين واليهود والنصارى ، وكتبهم مشحونة بهذا ، ولا بد
لأحدهم عند أهل الملل أن يكون على دينهم .
لكن دخولهم في هذا كدخولهم في سياسة الملوك، كما كانوا مع
الترك الكفار، وكانوا مع ((هولاكو)) ملك المغول الكفار، ومع
((القان)) الذي هو أكبر منه خليفة ((جنكزخان)) ببلاد الخطا ،
وانتساب الواحد منهم هناك إلى الإسلام انتساب إلى إسلام يرضاه ذلك
١٦٥

الملك بحسب غرضه، كما كان ((النصير الطوسى)) وأمثاله مع ((هولا كو))
ملك الكفار ، وهو الذي أشار عليهم بقتل الخليفة بغداد لما استولى
عليها ، وأخذ كتب الناس : ملكها ووقفها، وأخذ منها ما يتعلق
بغرضه ، وأفسد الباقى ، وبنى الرصد ووضعها فيه ، وكان يعطى من
وقف المسلمين لعلماء المشركين البخشية والطوينية ، ويعطي فى رصده
الفيلسوف والمنجم والطبيب أضعاف ما يعطي الفقيه ، ويشرب هو
وأصحابه الخمر فى شهر رمضان ، ولا يصلون .
وكذلك كان بالشام ومصر طائفة مع تصوفهم وتألههم وزهدهم
يشرب أحدم الخمر فى نهار رمضان ، وتارة يصلون وتارة لا يصلون .
فإنهم لا يدينون بإيجاب واجبات الإسلام وتحريم محرماته عليهم ؛ بل
يقولون: هذا للعامة والأنبياء ، وأما مثلنا فلا يحتاج إلى الأنبياء .
ويحكون عن بعض الفلاسفة أنه قيل له : قد بعث ني فقال : لو كان
الناس كلهم مثلي ما احتاجوا إلى نبى . ومثل هذه الحكاية يحكيها من
يكون رئيس الأطباء ولا يعرف الزندقة ولا يدري مضمون هذه
الكلمة ما هو لجهله بالنبوات ، وقيل لرئيسهم الأكبر فى زمن موسى
عليه السلام ألا تأتيه فتأخذ عنه ؟ فقال : نحن قوم مهديون فلا نحتاج
إلی من يهدينا .
وأما ما ذكروه من حصول اللذة في القلب والنعيم بالإيمان بالله
١٦٦

والمعرفة به فهو حق ، وهو سبب دخول الجنة ، وقد قال صلى الله
عليه وسلم: (( إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب الجنة ، وغلقت
أبواب النار ، وصفدت الشياطين)) وما ذاك إلا لأنه في شهر رمضان
تنبعث القلوب إلى الخير والأعمال الصالحة التى بها وبسبها تفتح أبواب
الجنة ، ويمتنع من الشرور التى بها تفتح أبواب النار ، وتصفد الشياطين
فلا يتمكنون أن يعملوا ما يعملونه فى الإفطار ، فإن المصفد هو المقيد،
لأنهم إنما يتمكنون من بني آدم بسبب الشهوات ، فإذا كفوا عن
الشهوات صفدت الشياطين .
والجنة والنار التى تفتح وتغلق غير ما فى القلوب ؛ ولكن ما فى القلوب سبب
له ودليل عليه وأثر من آثاره، وقد قال تعالى: (إِنَّالَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ
اَلْيَتَمَى ◌ُظُلْمًا إِنَّمَا يَأْ كُلُونَ فِ بُطُونِهِمْ نَارًا) وقال صلى الله عليه وسلم: ((الذي
يشرب فى آنية الذهب والفضة إنما يجرجر فى بطنه نار جهنم )» فقيل : يأكلون
ويشربون ما سيصير ناراً، وقيل: هو سبب النار . والله سبحانه وتعالى أعلم.
١٦٧

وقال شيخ الإسلام
أبو العباس تقي الدين ابن تيمية قدس الله روحه ونور ضريحه.
فصل
في قوله تعالى (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلََّ هُوَ وَالْمَكَتَبِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِّ
لَآ إِلَهَ إِلَ هُوَ الْعَيِزُ الْحَكِيمُ * إِنَّاُلّيْنَ عِندَ اللَّهِ اَلْإِسْلَمُ):
قد تنوعت عبارات المفسرين فى لفظ ( شهد ) فقالت
طائفة منهم مجاهد والفراء وأبو عبيدة : أي حكم وقضى . وقالت طائفة
منهم ثعلب والزجاج : أي بين . وقالت طائفة: أي أعلم . وكذلك
قالت طائفة معنى شهادة الله الإخبار والإعلام ، ومعنى شهادة الملائكة
والمؤمنين الإقرار ، وعن ابن عباس أنه شهد بنفسه لنفسه قبل أن يخلق
الخلق حين كان ، ولم يكن سماء ولا أرض ، ولا بر ولا بحر ، فقال:
(شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُلَا إِلَهَ إِلََّّهُوَ ).
وكل هذه الأقوال وما في معناها صحيحة ؛ وذلك أن الشهادة
١٦٨

تتضمن كلام الشاهد وقوله وخبره عما شهد به ، وهذا قد يكون مع
أن الشاهد نفسه يتكلم بذلك ويقوله ويذكره ، وإن لم يكن معلماً به
لغيره ، ولا مخبراً به لسواه . فهذه أول مراتب الشهادة .
ثم قد يخبره ويعلمه بذلك ، فتكون الشهادة إعلاماً لغيره وإخباراً
له ، ومن أخبر غيره بشيء فقد شهد به . سواء كان بلفظ الشهادة أو
لم يكن، كما فى قوله تعالى: (وَجَعَلُواْ الْمَلَئِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَدُ الرَّحْمَنِ إِنَنَّا
أَشَهِدُ واْخَلْقَهُمْ سَتُكْنَبُ شَهَدَنُهُمْ وَيُسْئَلُونَ ) وقوله تعالى :
(وَمَا شَهِدْنَآ إِلَّبِمَا عَلِمْنَا ) الآية. ففي كلا الموضعين إنما أخبروا خبراً
مجرداً. وقد قال: (وَأَجْتَنِبُو ◌ْقَوْلَ الزُّورِ * حُنَفَاءَلِلّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ).
وفى الصحيحين عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: ((عدلت شهادة
الزور الإشراك بالله)) قالها مرتين أو ثلاثاً ، ثم تلا هذه الآية:
(وَأَجْتَنِبُواْ قَوْلَ الزُّورِ) وهذا يعم كل قول زور بأي لفظ كان ،
وعلى أى صفة وجد . فلا يقوله العبد ولا يحضره ولا يسمعه
من قول غيره. و ((الزور)) هو الباطل الذي قد ازور عن الحق
والاستقامة أي يحول ، وقد سماه النبى صلى الله عليه وسلم شهادة
الزور، وقد قال فى المظاهرين من نسائهم (وَإِنَّهُمْ لَقُولُونَ مُنكَرًامِنَ
اُلْقَوْلِ وَزُورًا )
١٦٩

وفى الصحيحين عن ابن عباس قال: (( شهد عندي رجال مرضيون
- وأرضام عندى عمر - أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن
الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس ، وبعد العصر حتى تغرب الشمس»
وهؤلاء حدثوه أنه نهى عن ذلك ؛ ولم يقولوا : نشهد عندك ؛ فإن
الصحابة لم يكونوا يلتزمون هذا اللفظ فى التحديث ، وإن كان أحدم
قد ينطق به ، ومنه قولهم في ماعن : فلما شهد على نفسه أربع مرات
رجمه النبى صلى الله عليه وسلم ، ولفظه كان إقراراً ولم يقل : أشهد .
ومنه قوله تعالى: ( كُونُواْ قَوَّمِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ )
وشهادة المرء على نفسه هي إقراره ، وهذا لا يشترط فيه لفظ
الشهادة باتفاق العلماء ، وإنما تنازعوا فى الشهادة عند الحكام هل يشترط
فيها لفظ أشهد ؟ على قولين في مذهب أحمد ، وكلام أحمد يقتضى أنه
لا يعتبر ذلك، وكذلك مذهب مالك، و ((الثاني)» يشترط ذلك كما
يحكى عن مذهب أبي حنيفة والشافعي .
و ((المقصود هنا)) الآية. فالشهادة تضمنت مرتبتين:
((إحداهما)) تكلم الشاهد وقوله وذكره لما شهد فى نفسه به .
و ((الثانى)) إخباره وإعلامه لغيره بما شهد به ؛ فمن قال :
١٧٠

حكم وقضى فهذا من باب اللازم ، فإن الحكم والقضاء هو إلزام وأمر .
ولا ريب أن الله ألزم الخلق التوحيد وأمرم به وقضى به وحكم ،
: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلََّ تَعْبُدُ وَأْإِلَّ إِيَّاهُ) وقال: (أَنْأَنْذِرُوَأْأَنَّهُ لاَ
فقال :
وقال: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ
إِلَهَ إِلَّا أَنَافَاتَّقُونِ )
وقال تعالى: (وَقَالَ اللهُ
أَعْبُدُ واْ اللَّهَ وَاجْتَنِبُواْالطّاغُوتَ ) الآية،
لَا تَتَّخِذُواْ إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَحِدٌ فَإِنََّىَ فَأَرْهَبُونِ) وقال: (وَمَا أُمِرُواْإِلَّا
لِيَعْبُدُوَ أْ إِلَهَا وَحِدًاً لَّا إِلَهَ إِلَّ هُوَ سُبْحَنَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)
(وَمَا أُمِرُوَاْإِلَّا لِيَعْبُدُ واْاللَّهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الّذِينَ حُنَفَآءَ )
وهذا كثير في القرآن يوجب على العباد عبادته وتوحيده ، ويحرم
عليهم عبادة ما سواه ، فقد حكم وقضى: أنه لا إله إلا هو .
ولكن الكلام في دلالة لفظ الشهادة على ذلك ؛ وذلك أنه إذا
شهد أنه لا إله إلا هو فقد أخبر وبين وأعلم أن ما سواه ليس باله فلا
يعبد ، وأنه وحده الإله الذى يستحق العبادة ، وهذا يتضمن الأمر
بعبادته والنهي عن عبادة ما سواه ، فإن النفي والإثبات فى مثل هذا
يتضمن الأمر والنهي ، كما إذا استفتى شخص شخصاً فقال له قائل :
هذا ليس بمفت ، هذا هو المفتى ، ففيه نهي عن استفتاء الأول ، وأمر
وإرشاد إلى استفتاء الثانى .
١٧١

وكذلك إذا تحاكم إلى غير حاكم، أو طلب شيئاً من غير ولي
الأمر ، فقيل له : ليس هذا حاكماً ولا هذا سلطاناً: هذا هو الحاكم
وهذا هو السلطان ، فهذا النفي والإثبات يتضمن الأمر والنهي ، وذلك
أن الطالب إنما يطلب من عنده مراده ومقصوده، فإذا ظنه شخصاً فقيل
له : ليس مرادك عنده وإنما مرادك عند هذا كان أمراً له بطلب مراده
عند هذا دون ذاك .
والعابدون إنما مقصودم أن يعبدوا من هو إله يستحق العبادة،
فإذا قيل لهم كل ما سوى اللّه ليس باله إنما الإله هو الله وحده كان
هذا نهياً لهم عن عبادة ما سواه ، وأمرا بعبادته.
و «أيضاً)) فلو لم يكن هناك طالب للعبادة فلفظ الإله يقتضي
أنه يستحق العبادة ، فإذا أخبر أنه هو المستحق للعبادة دون ما سواه
كان ذلك أمراً بما يستحقه .
وليس المراد هنا ((بالإله)) من عبده عابد بلا استحقاق، فإن
هذه الآلهة كثيرة ؛ ولكن تسميتهم آلهة والخبر عنهم بذلك واتخاذم
معبودين أمر باطل ، كما قال تعالى: (إِنْ هِىَ إِلَّ أَسْمَةٌ سَيْتُهُوهَا أَنْتُمْ وَءَابَا ذَّكُمْ
مَّ أَنْزَلَ اَللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ) وقال: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ
مِن دُونِهِ، هُوَالْبَطِلُ)
١٧٢

فالآ لهة التى جعلها عابدوها آلهة يعبدونها كثيرة ؛ لكن هي لا تستحق
العبادة فليست بآلهة ، كمن جعل غيره شاهداً أو حاكماً أو مفتياً أو
أميراً وهو لا يحسن شيئاً من ذلك .
ولا بد لكل إنسان من إله يألهه ويعبده « تعس عبد الدينار وعبد
الدرهم)) فإن بعض الناس قد أله ذلك محبة وذلا وتعظيما ، كما قد بسط
فى غير هذا الموضع .
فإذا شهد الله أنه لا إله إلا هو فقد حكم وقضى بأن لا يعبد إلا إياه.
و ((أيضاً)) فلفظ الحكم والقضاء يستعمل فى الجمل الخبرية ،
فيقال : للجمل الخبرية قضية . ويقال : قد حكم فيها بثبوت هذا المعنى
وانتفاء هذا المعنى ، وكل شاهد ومخبر هو حاكم بهذا الاعتبار قد حكم
بثبوت ما أثبته ونفي ما نفاه حكما خبريا ، قد يتضمن حكما طلبيا .
فصل
وشهادة الرب وبيانه واعلامه يكون بقوله تارة ، وبفعله ثارة .
فالقول هو ما أرسل به رسله، وأنزل به كتبه ، وأوحاه إلى عباده
١٧٣

كما قال: ( يُنَزِّلُ الْمَلَمِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ، عَلَى مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، أَنْ أَنْذِرُواْ أَنَّهُ لَآ إِلَهَ
إِلَّا أَنَأْفَاتَّقُونِ ) إلى غير ذلك من الآيات .
وقد علم بالتواتر والاضطرار أن جميع الرسل أخبروا عن الله أنه
شهد ويشهد أن لا إله إلا هو بقوله وكلامه : وهذا معلوم من جهة
كل من بلغ عنه كلامه، ولهذا قال تعالى: (أَمِ أَتَّخَذُ واْ مِن دُونِهِ = -َاِهَةً
قُلْ هَاتُواْبُهَنَّكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَن مَّعِىَ وَذِكِرُ مَن قَبْلِى)
وأما شهادته بفعله فهو ما نصبه من الأدلة الدالة على وحدانيته التى
تعلم دلالتها بالعقل ، وإن لم يكن هناك خبر عن الله، وهذا يستعمل
فيه لفظ الشهادة والدلالة والإرشاد ، فإن الدليل [ يبين ] المدلول عليه
ويظهره ، فهو بمنزلة المخبر به الشاهد به ، كما قيل : سل الأرض من
فجر أنهارها ، وغرس أشجارها، وأخرج تمارها، وأحيا نباتها،
وأغطش ليلها، وأوضح نهارها؛ فإن لم تجبك حواراً، أجابتك اعتباراً .
وهو سبحانه شهد بما جعلها دالة عليه ؛ فإن دلالتها إنما هي بخلقه
لها ، فإذا كانت المخلوقات دالة على أنه لا إله إلا هو ، وهو سبحانه
الذي جعلها دالة عليه ؛ فإن دلالتها إنما هي بخلقه ، وبين ذلك ؛ فهو
الشاهد المبين بها أنه لا إله إلا هو ، وهذه الشهادة الفعلية ذكرها
طائفة . قال ابن كيسان: (شَهِدَ اللَّهُ ) بتدبيره العجيب ، وأموره
١٧٤

المحكمة عند خلقه أنه لا إله إلا هو .
فصل
وقوله: (قَبِمَا بِالْقِسْطِ ) هو نصب على الحال ، وفيه وجهان :
قيل : هو حال من (شَهِدَ): أي شهد قائما بالقسط .
وقيل : من ( هُوَ ) أي لا إله إلا هو قائما بالقسط ، كما يقال :
لا إله إلا هو وحده ، وكلا المعنيين صحيح .
وقوله : (قَائِمًا بِالْقِسْطِ ) يجوز أن يعمل فيه كلا العاملين على
مذهب الكوفيين ، في أن المعمول الواحد يعمل فيه عاملان ، كما قالوا
فى قوله: (هَاؤُمُأَقْرَءُ واْكِتَبِيَةِ) (ءَاتُونِيّ أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا) و(عَنِ
ونحو ذلك . وسيبويه وأصحابه يجعلون لكل
الْيَمِينِ وَعَنِالشِّمَالِ فَعِيدٌ )
عامل معمولا ، ويقولون حذف معمول أحدهما لدلالة الآخر عليه ،
وقول الكوفيين أرجح ، كما قد بسطته فى غير هذا الموضع .
وعلى المذهبين فقوله : ( بِالْقِسْطِ ) يخرج على هذا ، إماكونه
يشهد قائما بالقسط ؛ فإن القائم بالقسط هو القائم بالعدل ، كما فى قوله
١٧٥

( كُونُواْ قَوَّمِينَ بِالْقِسْطِ ) فالقيام بالقسط يكون فى القول، وهو القول
العدل . ويكون في الفعل. فإذا قيل: شهد (قَائِمًا بِالْقِسْطِ ) : أي :
متكلما بالعدل مخبراً به آخراً به : كان هذا تحقيقا لكون الشهادة شهادة
عدل وقسط ، وهي أعدل من كل شهادة ، كما أن الشرك أظلم من
كل ظلم ، وهذه الشهادة أعظم الشهادات .
وقد ذكروا في سبب نزول هذه الآية ما يوافق ذلك ، فذكر
ابن السائب : أن حبرين من أحبار الشام قدما على النبى صلى الله عليه
وسلم ، فلما أبصرا المدينة قال أحدهما لصاحبه : ما أشبه هذه المدينة
بصفة مدينة النبي الذي يخرج فى آخر الزمان ! فلما دخلا على النبى
صلى الله عليه وسلم عرفاه بالصفة ، فقالا : أنت محمد ؟ قال : نعم
قالا : وأحمد ؟ قال : نعم . قال : نسألك عن شهادة فإن أخبرتنا بها
آمنا بك . فقال : سلاني. فقالا: أخبرنا عن أعظم شهادة فى كتاب
الله، فنزلت هذه الآية.
ولفظ ((القيام بالقسط)) كما يتناول القول يتناول العمل، فيكون التقدير:
يشهد وهو قائل بالقسط عامل به لا بالظلم؛ فإن هذه الشهادة تضمنت قولا
وعملا، فإنها تضمنت أنه هو الذي يستحق العبادة وحده فيعبد ، وأن غيره
لا يستحق العبادة، وأن الذين عبدوه وحده م المفلحون السعداء، وأن المشركين
به في النار ، فإذا شهد قائما بالعدل المتضمن جزاء المخلصين بالجنة وجزاء
١٧٦

المشركين بالنار كان هذا من تمام تحقيق موجب هذه الشهادة ، وكان
قوله: (قَائِمًا بِالْقِسْطِ ) تنبيها على جزاء المخلصين والمشركين ، كما فى
قوله : (أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسِ بِمَا كَسَبَتْ)
قال طائفة من المفسرين منهم البغوي نظم الآية ( شهد الله قائمًا
بالقسط ) ومعنى قوله: (قَائِمًا بِالْقِسْطِ ) أي بتدبير الخلق ، كما يقال :
فلان قائم بأمر فلان أي يدبره ويتعاهد أسبابه ، وقائم بحق فلان أي
مجاز له ، فالله تعالى مدير رزاق مجاز بالأعمال .
وإذا اعتبر القسط في الإلهية كان المعنى: ((لا إله إلا هو قائما بالقسط))
أي هو وحده الإله قائما بالقسط . فيكون وحده مستحقاً للعبادة مع كونه
قائما بالقسط، كما يقال: أشهد أن لا إله إلا الله إلهاً واحدا أحداً
صمداً ، وهذا الوجه أرجح ؛ فإنه يتضمن أن الملائكة وأولي العلم
يشهدون له ، مع أنه لا إله إلا هو ، وأنه قائم بالقسط .
و ((الوجه الأول)» لا يدل على هذا؛ لأن كونه قائما بالقسط كما
شهد به أبلغ من كونه حال الشاهد ، وقيامه بالقسط يتضمن أنه يقول
الصدق، ويعمل بالعدل، كما قال : (وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا )
وقال هود : (إِنَّرَبِ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ )
فأخبر أن الله على صراط
مستقيم وهو العدل الذي لا عوج فيه .
١٧٧

وقال: (هَلْ يَسْتَوِى هُوَوَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ )
وهو مثل ضربه الله لنفسه ولما يشرك به من الأوثان كما
ذكر ذلك في قوله: (قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَبِكُمَن يَهْدِىّ إِلَى الْحَقّ قُلِ اَللَّهُ يَهْدِى لِلْحَقِ)
الآية. وقال: ( أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَنْ لَّا يَخْلُقُ ) الآيات . إلى قوله :
(وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ)
فأخبر أنه خالق منعم
عالم ، وما يدعون من دونه لا يخلق شيئا ولا تنعم بشيء، ولا تعلم شيئا .
وأخبر أنها ميتة ، فهل يستوى هذا وهذا ؟ فكيف يعبدونها من دون
اللّه مع هذا الفرق الذي لا فرق أعظم منه ؟ ولهذا كان هذا أعظم
الظلم والإفك .
ومن هذا الباب قوله تعالى: (قُلِ اْحَمْدُ لِلّهِوَسَلَمُّ عَلَى عِبَادِهِالَّذِينَ
أَصْطَفَىُّءَاللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ) فقوله تعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَّمْلُوكًا
لَّا يَقْدِرُ عَلَى شَىْءٍ وَمَن زَزَقْنَهُ مِنَّارِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرَّ وَجَهْرًا هَلْ
يَسْتَوُنَّ الْحَمْدُ لِلَّهِّ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا زَّجُلَيْنِ
أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَىْءٍ وَهُوَ كَلُّ عَلَى مَوْلَنُهُ أَيْنَمَا يُوَجِهَةٌ لَا يَأْتِ
◌ِخَيْرٍ هَلْ يَسْنَوِى هُوَوَ مَن بَأمُرُ بِالْعَدْلِّ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)
كلاهما مثل بين اللّه فيه أنه لا يستوي هو
وما يشركون به ، كما ذكر نظير ذلك فى غير موضع ، وإن كان هذا
الفرق معلوما بالضرورة لكل أحد ؛ لكن المشركون مع اعترافهم بأن
١٧٨

آلهتهم مخلوقة مملوكة له يسوون بينه وبينها فى المحبة والدعاء ، والعبادة
ونحو ذلك .
و ((المقصود هنا)) أن الرب سبحانه على صراط مستقيم ، وذلك
بمنزلة قوله : (قَائِمًا بِالْقِسْطِ ) فإن الاستقامة والاعتدال متلازمان ، فمن
كان قوله وعمله بالقسط كان مستقيما، ومن كان قوله وعمله مستقيما
كان قائما بالقسط .
ولهذا أمرنا الله سبحانه أن نسأله أن يهدينا الصراط المستقيم ؛
صراط الذين أنعم عليهم : من النبيين ، والصديقين ، والشهداء
والصالحين ، وصراطهم هو العدل والميزان ؛ ليقوم الناس بالقسط ،
والصراط المستقيم هو العمل بطاعته وترك معاصيه ، فالمعاصي كلها ظلم
مناقض للعدل مخالف للقيام بالقسط والعدل . والله سبحانه أعلم .
فصل
ثم قال تعالى: (لَآ إِلَهَ إِلَّهُوَ الْعَرِزُ الْحَكِيمُ). ذكر عن جعفر
ابن محمد أنه قال : الأولى وصف وتوحيد ، والثانية رسم وتعليم . أي
ء
قوله: (لَ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ). ومعنى هذا أن الأولى هو
١٧٩

ذكر أن الله شهد بها، فقال: (شَهِدَ اللهُأَنَّهُ لَ إِلَهَإِلَّاهُوَ ) والتالي
للقرآن إنما يذكر أن اللّه شهد بها هو والملائكة، وأولوا العلم،
وليس في ذلك شهادة من التالي نفسه بها ، فذكرها الله مجردة ليقولها
التالي ، فيكون التالي قد شهد بها أنه لا إله إلا هو . فالأولى خبر عن
الله بالتوحيد لنفسه بشهادته لنفسه ، وهذه خبر عن الله بالتوحيد .
وختمها بقوله : (الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) والعزة تتضمن القدرة والشدة
والامتناع والغلبة . تقول العرب: عن يعز بفتح العين إذا صلب ، وعن
يعز بكسرها إذا امتنع ، وعن يعز بضمها إذا غلب . فهو سبحانه فى
نفسه قوي متين ، وهو منيع لا ينال ، وهو غالب لا يغلب .
والحكيم يتضمن حكمه وعلمه وحكمته فيما يقوله ويفعله ، فإذا أمر
بأمر كان حسناً ، وإذا أخبر بخبر كان صدقاً ، وإذا أراد خلق شيء
كان صواباً، فهو حكيم فى إراداته وأفعاله وأقواله .
فصل
وقد تضمنت هذه الآية ثلاثة أصول : شهادة أن لا إله إلا الله،
وأنه قائم بالقسط ، وأنه العزيز الحكيم ؛ فتضمنت وحدانيته المنافية
١٨٠