النص المفهرس

صفحات 141-160

شيئاً منه إلا قال الله تعالى: قد فعلت ، كما ثبت فى الصحيح عن النبي
صلى الله عليه وسلم ذلك.
فهذه كلمات قصيرة مختصرة فى معرفة مقدار هذه الآيات العظيمة
الشأن ، الجليلة المقدار ، التى خص الله بها رسوله محمداً صلى الله عليه
وسلم وأمته من كنز تحت العرش.
وبعد ففيها من المعارف وحقائق العلوم ما تعجز عقول البشر
عن الإحاطة به . والله المرغوب إليه أن لا يحرمنا الفهم في كتابه أنه
رحيم ودود .
والحمد لله وحده وصلى الله وسلم على من لا نبي بعده وآله
وصحبه أجمعين .
سســـ
١٤١

وقال رحمه الله
فصل
فى الدعاء المذكور فى آخر ( سورة البقرة ) وهو قوله: (رَبَّنَا
لَا تُؤَاخِذْنَآ إِن نَسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا) إلى آخرها .
قد ثبت فى صحيح مسلم: ((أنه قال قد فعلت)) وكذلك في
صحيحه من حديث ابن عباس عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال :
(( أعطيت فاتحة الكتاب ، وخواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش
لم تقرأ بحرف منها الا أعطيته)) وفى صحيحه أيضاً عن ابن مسعود قال :
(( لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى به إلى سدرة المنتهى
وهي فى السماء السابعة إليها ينتهي ما يعرج من الأرض فيقبض منها ،
وإليها ينتهى ما يهبط من فوقها فيقبض منها، قال: ( إِذْيَغْشَى السِّدْرَةَ مَا
يَغْشَى ) قال : فراش من ذهب ، قال : فأعطى رسول الله صلى الله
عليه وسلم ثلاثاً ، أعطى الصلوات الخمس ، وأعطي خواتيم سورة
البقرة ، وغفر لمن مات من أمته لا يشرك بالله شيئاً المقحمات)).
١٤٢

قال بعض الناس إذا كان هذا الدعاء قد أجيب، فطلب ما فيه من
باب تحصيل الحاصل ، وهذا لا فائدة فيه ، فيكون هذا الدعاء عبادة
محضة ليس المقصود به السؤال ، وهذا القول قد قاله طائفة فى جميع
الدعاء أنه إن كان المطلوب مقدرا فلا حاجة إلى سؤاله وطلبه ، وإن كان
غير مقدر لم ينفع الدعاء - دعوت أو لم تدع ـ فجعلوا الدعاء تعبداً
محضاً ، كما قال ذلك طائفة أخرى فى التوكل .
وقد بسطنا الكلام على هؤلاء في غير هذا الموضع ، وذكرنا قول
من جعل ذلك أمارة أو علامة بناء على أنه ليس في الوجود سبب يفعل
به ؛ بل يقترن أحد الحادثين بالآخر ، قاله طائفة من القدرية
النظار ، وأول من عرف عنه ذلك الجهم بن صفوان ومن وافقه ،
وذكرنا أن ((القول الثالث)) هو الصواب، وهو أن الدعاء والتوكل
والعمل الصالح سبب فى حصول المدعو به من خير الدنيا والآخرة
والمعاصي سبب، وأن الحكم المعلق بالسبب قد يحتاج إلى وجود الشرط
وانتفاء الموانع ، فإذا حصل ذلك حصل المسبب بلا ريب .
والمقصود هنا الكلام فى الدعاء الذي قد علم أنه أجيب ، فقال بعض
الناس : هذا تعبد محض لحصول المطلوب بدون دعائنا ، فلا يبقى سبيا
ولا علامة ، وهذا ضعيف .
١٤٣

أما أولاً فإن العمل الذي لا مصلحة للعبد فيه لا يأمر الله به، وهذا
بناء على قول السلف: أن اللّه لم يخلق ولم يأمر إلا لحكمة، كما لم يخلق
ولم يأمر إلا لسبب. والذين ينكرون الأسباب والحكم يقولون بل يأمر
بما لا منفعة فيه للعباد ألبتة، وإن أطاعوه وفعلوا ما أمرهم به، كما بسط
الكلام على ذلك في غير هذا الموضع .
والمقصود ان كل ما أمر الله به أمر به لحكمة، وما نهى عنه نهى
لحكمة ، وهذا مذهب أئمة الفقهاء قاطبة وسلف الأمة وأئمتها وعامتها
فالتعبد المحض بحيث لا يكون فيه حكمة لم يقع . نعم ! قد تكون الحكمة
فى المأمور به ، وقد تكون فى الأمر، وقد تكون فى كليها، فمن المأمور
به ما لو فعله العبد بدون الأمر حصل له منفعة : كالعدل ، والإحسان
إلى الخلق وصلة الرحم ، وغير ذلك . فهذا إذ أمر به صار فيه
((حكمتان)) حكمة في نفسه ، وحكمة فى الأمر ، فيبقى له حسن من جهة
نفسه ومن جهة أمر الشارع، وهذا هو الغالب على الشريعة ، وما أمر
الشرع به بعد أن لم يكن إنما كانت حكمته لما أمر به .
وكذلك ما نسخ زالت حكمته وصارت فى بدله كالقبلة .
وإذا قدر أن الفعل ليست فيه حكمة أصلاً فهل يصير بنفس الأمر
فيه حكمة الطاعة ؟ وهذا حاز عند من يقول بالتعبد المحض وإن لم يقل
١٤٤

بجواز الأمر لكل شيء : لكن يجعل من باب الابتلاء والامتحان ، فإذا
فعل صار العبد به مطيعا ، كنهيهم عن الشرب إلا من اغترف غرفة بيده.
والتحقيق أن الأمر الذي هو ابتلاء وامتحان يحض عليه من غير
منفعة فى الفعل متى اعتقده العبد وعزم على الامتثال حصل المقصود وإن
لم يفعله. كإبراهيم لما أمر بذبح ابنه، وكحديث أفرع وأبرص وأعمى لما طلب
منهم إعطاء ابن السبيل فامتنع الأبرص والأفرع فسلبا النعمة ، وأما
الأعمى فبذل المطلوب ، فقيل له أمسك مالك فإنما ابتليتم فقد رضي عنك
وسخط على صاحبيك ، وهذا هو الحكمة الناشئة من نفس الأمر والنهي
لا من نفس الفعل، فقد يؤمر العبد وينهى وتكون الحكمة طاعته
للأمر وانقياده له وبذله للمطلوب ، كما كان المطلوب من إبراهيم تقديم
حب الله على حبه لابنه حتى تتم خلته به قبل ذبح هذا المحبوب لله، فلما
أقدم عليه وقوى عزمه بإرادته لذلك تحقق بأن الله أحب إليه من الولد
وغيره ، ولم يبق فى قلبه محبوب يزاحم محبة الله.
وكذلك أصحاب طالوت ابتلوا بالامتناع من الشرب ليحصل من
إيمانهم وطاعتهم ما تحصل به الموافقة ، والابتلاء ههنا كان بنهي لا بأمر
وأما رمي الجمار والسعي بين الصفا والمروة فالفعل فى نفسه مقصود
لما تضمنه من ذكر الله .
١٤٥

وقد بين النبى صلى الله عليه وسلم هذا بقوله فى الحديث
الذي فى السنن ((إنما جعل السعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة
ذكر الله)) رواه أبو داود والترمذي وغيرهما. فبين النبى صلى الله عليه وسلم
أن هذا له حكمة ، فكيف يقال لا حكمة ؛ بل هو تعبد وابتلاء محض .
وأما فعل مأمور في الشرع ليس فيه مصلحة ولا منفعة ولا حكمة
إلا مجرد الطاعة ، والمؤمنون يفعلونه فهذا لا أعرفه ، بل ما كان من
هذا القبيل نسخ بعد العزم ، كما نسخ إيجاب الخمسين صلاة إلى خمس،
و ((المعتزلة)) تنكر الحكمة الناشئة من نفس الأمر؛ ولهذا لم يجوزوا
النسخ قبل التمكن ، وقد وافقهم على ذلك طائفة من أصحاب أحمد
وغيرهم، كأبي الحسن التميمي وبنوه على أصلهم، وهو أن الأمر عندم
كاشف عن حسن الفعل الثابت فى نفسه لا مثبت لحسن الفعل ، وأن
الأمر لا يكون إلا بحسن ، وغلطوا في المقدمتين فإن الأمر وإن كان
كاشفا عن حسن الفعل فالفعل بالأمر يصير له حسن آخر غير الحسن
الأول ، وإذا كان مقصود الآمر الامتحان للطاعة فقد يأمر بما ليس بحسن
فى نفسه وينسخه قبل التمكن إذا حصل المقصود من طاعة المأمور وعزمه
وأنقياده ، وهذا موجود فى أمر الله وأمر الناس بعضهم بعضا .
والجهمية تنكر أن يكون فى الفعل حكمة أصلا في نفسه ولا في نفس
١٤٦

الأمر بناء على أصلهم أنه لا يأمر لحكمة ، وعلى أن الأفعال بالنسبة إليه
سواء ليس بعضها حسنا وبعضها قبيحا ، وكلا الأصلين قد وافقتهم عليه
الاشعرية ومن اتبعهم من الفقهاء ، كأصحاب الشافعي ومالك وأحمد وغيرهم.
وهما أصلان مبتدعان؛ فإن مذهب السلف والأئمة أن الله يخلق لحكمة ويأمر
الحكمة، ومذهب السلف والأئمة أن الله يحب الإيمان والعمل الصالح ويرضى
ذلك ، ولا يحب الكفر والفسوق والعصيان ؛ وإن كان قد شاء وجود
ذلك وقد بسط هذا في موضع آخر .
وقد قال تعالى: (وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُواْحِظَةٌ ) فإن نفس
السجود خضوع للّه ولو فعله الإنسان لله مع عدم علمه أنه أمر به
انتفع كالسحرة الذين سجدوا قبل الأمر بالسجود .
وكذلك قول العبد حط عنا خطايانا دعاء الله وخضوع ، وقد قال
تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِى فَإِنِ قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الَّاعِ إِذَا دَعَانِ )
وهذه الأفعال المدعو بها فى آخر البقرة أمور مطلوبة للعباد .
وقد أجيب بجواب آخر وهو أن الله تعالى إذا قدر أمراً فإنه
يقدر أسبابه ، والدعاء من جملة أسبابه ، كما أنه لما قدر النصر يوم بدر
وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم قبل وقوعه أصحابه بالنصر وبمصارع القوم
كان من أسباب ذلك استغاثة النبي صلى الله عليه وسلم ودعاؤه، وكذلك
١٤٧

ما وعده به ربه من الوسيلة ، وقد قضى بها له ، وقد أمر أمته
بطلبها له ، وهو سبحانه قدرها بأسباب منها ما سيكون من الدعاء .
وعلى هذا فالداخل فى السبب هو ما وقع من الدعاء المأمور به
والله أعلم بذلك، فيثيب هذا الداعى على ما فعله من الدعاء بجعله تمام
السبب ، ولا يكون على هذا الدعاء سبباً فى اختصاصه بشيء من ذلك؛
بل فى حصوله لمجموع الأمة ؛ لكن هو يثاب على الدعاء لكونه من جملة
الأسباب ، وهذا لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ما من عبد
يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى
خصال ثلاث: إما أن يعجل له دعوته ، وإما أن يدخر له من الخير
مثلها ، وإما أن يكفر عنه من الذنوب مثلها ، وإما أن يدفع عنه من
البلاء مثلها ، قالوا يا رسول الله ! إذا نكثر، قال: الله أكثر)) فالداعى
بهذا كالداعى بالوسيلة يحصل له من الأجر ما يخصه ، كالداعى للأمة
ولأخيه الغائب ، ودعاؤه من أسباب الخير التى بها رحمة الأمة ، كما يثاب
على سؤاله الوسيلة للنبي صلى الله عليه وسلم بأن تحل عليه الشفاعة
يوم القيامة .
وهنا (( جواب ثالث )) وهو أن كل من دعا بهذا الدعاء حصل له
من المدعو المطلوب مالا يحصل بدون المطلوب من الدعاء ، فيكون
الدعاء به كدعائه بسائر مطالبه من المغفرة والرحمة ، وليس هو كدعاء
١٤٨

الغائب للغائب ؛ فإن الملك يقول هناك : ولك بمثله ، فيدعو له الملك
بمثل ما دعا به للغائب وهنا هو داع لنفسه وللمؤمنين .
وبيان هذا أن الشرع وإن كان قد استقر بموت النبي صلى الله
عليه وسلم ، وقد أخبر أن الله تجاوز لأمته عن الخطأ والنسيان ، وقد
أخبر أن الرسول بضع عن أمته إصرم والأغلال التى كانت عليهم .
وسأل ربه لأمته أن لا يسلط عليهم عدواً من غيرهم فيجناحهم فأعطاه
ذلك ؛ لكن ثبوت هذا الحكم فى حق آحاد الأمة قد لا يحصل إلا
بطاعة الله ورسوله، فإذا عصى اللّه ذلك الشخص العاصي عوقب عن
ذلك بسلب هذه النعمة وإن كانت الشريعة لم تنسخ .
يبين هذا أن فى هذا الدعاء سؤال الله بالعفو والمغفرة والرحمة
والنصر على الكفار ، ومعلوم أن هذا ليس حاصلا لكل واحد من
أفراد الأمة ، بل منهم من يدخل النار ، ومنهم من ينصر عليه الكفار ،
ومنهم من يسلب الرزق لكونهم فرطوا فى طاعة الله ورسوله فيسلبون
ذلك بقدر ما فرطوا أو قصروا، وقول الله: ((قد فعلت)) يقال
فيه شيئان .
( أحدهما ) أنه قد فعل ذلك بالمؤمنين المذكورين فى الآية ،
والإيمان المطلق يتضمن طاعة الله ورسوله . فمن لم يكن كذلك نقص
١٤٩

إيمانه الواجب فيستحق من سلب هذه النعم بقدر النقص ، ويعوق
الله عليه ملاذ ذلك، ولم يستحق من الجزاء ما يستحقه من قام
بالإيمان الواجب .
( الثانى ) أن يقال : هذا الدعاء استجيب له فى جملة الأمة ، ولا
يلزم من ذلك ثبوته لكل فرد، وكلا الأمرين صحيح ؛ فإن ثبوت هذا
المطلوب لجملة الأمة حاصل ، ولولا ذلك لأهلكوا بعذاب الاستئصال
كما أهلكت الأمم قبلهم، وقد قال النى صلى الله عليه وسلم فى
الحديث الصحيح: (( سألت ربي لأمتى ثلاثا فأعطانى اثنتين ، ومنغنى
واحدة ، سألته أن لا يهلك أمتى بسنة عامة فأعطانيها ، وسألته أن لا
يسلط عليهم عدواً من غيرهم فيجتاحهم فأعطانيها ، وسألته أن لا يجعل
بأسهم بينهم فمنعنيها ، وقال : يا محمد ! إنى إذا قضيت قضاء
لم يرد)».
وكذلك فى الصحيحين: ((لما نزل قوله تعالى: (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى
قال النبى صلى الله عليه وسلم
أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِن فَوْقِكُمْ )
أعوذ بوجهك ( أَوْمِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ) قال: أعوذ بوجهك (أَوْيَلْيَكُمْ
قال : هاتان أهون ، وهذا لأنه
شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ)
لابد أن تقع الذنوب من هذه الأمة ، ولابد أن يختلفوا ؛ فإن هذا
من لوازم الطبع البشري ، لا يمكن أن يكون بنو آدم إلا كذلك ،
١٥٠

ولهذا لم يكن ما وقع فيها من الاختلاف والقتال والذنوب دليلا على
نقصها ؛ بل هي أفضل الأمم ، وهذا الواقع بينهم من لوازم البشرية ،
وهو فى غيرها أكثر وأعظم ، وخير غيرها أقل والخير فيها أكثر ،
والشر فيها أقل ، فكل خير فى غيرها فهو فيها أعظم ، وكل شر
فيها فهو فى غيرها أعظم .
وأما حصول المطلوب للآحاد منها فلا يلزم حصوله لكل عاص ؛
لأنه لم يقم بالواجب ، ولكن قد يحصل للعاصي من ذلك بحسب ما معه
من طاعة الله تعالى، أما حصول المغفرة والعفو والرحمة بحسب الإيمان
والطاعة فظاهر ؛ لأن هذا من الأحكام القدرية الخلقية من جنس الوعد
والوعيد ، وهذا يتنوع بتنوع الإيمان والعمل الصالح .
وأما دفع المؤاخذة بالخطأ والنسيان، ودفع الآصار ، فإن هذا قد
يشكل لأنه من باب الأحكام الشرعية أحكام الأمر والنهي .
فيقال : الخطأ والنسيان المرفوع عن الأمة مرفوع عن عصاة الأمة ؛
فان العاصي لا يأثم بالخطأ والنسيان ؛ فإنه إذا أكل ناسياً أتم صومه
سواء كان مطيعاً في غير ذلك أو عاصياً ، فهذا هو الذى يشكل ،
وعنه جوابان .
( أحدهما ) أن الذنوب والمعاصي قد تكون سباً لعدم العلم بالحنيفية
١٥١

السمحة ؛ فإن الإنسان قد يفعل شيئاً ناسياً أو مخطئاً ويكون لتقصيره
فى طاعة الله علماً وعملا، لا يعلم أن ذلك مرفوع عنه؛ إما لجهله،
واما لكونه ليس هناك من يفتيه بالرخصة في الحنيفية السمحة .
والعلماء قد تنازعوا فى كثير من مسائل الخطأ والنسيان ، واعتقد
كثير منهم بطلان العبادات أو بعضها به ، كمن يبطل الصوم بالنسيان ،
وآخرون بالخطأ ، وكذلك الإحرام ، وكذلك الكلام في الصلاة ،
وكذلك إذا فعل المحلوف عليه ناسياً أو مخطئاً ، فإذا كان الله سبحانه
قد نفى المؤاخذة بالخطأ والنسيان ، وخفي ذلك فى مواضع كثيرة على
كثير من علماء المسلمين كان هذا عقوبة لمن لم يجد فى نفسه ثقة إلا
هؤلاء فيفتونه بما يقتضى مؤاخذته بالخطأ والنسيان ، فلا يكون مقتضى
هذا الدعاء حاصلا فى حقه لعدم العلم ، لا لنسخ الشريعة .
والله سبحانه جعل مما يعاقب به الناس على الذنوب سلب الهدى
: ( وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلّفْ بَلْ طَعَاللَّهُ عَلَيْهَا
والعلم النافع ، كقوله
بِكُفْرِهِمْ) وقال: ( وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلَفْ بَل لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ ) وقال:
وَمَا يُشْعِرُ كُمْ أَنَّهَآَ إِذَا جَآءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ * وَتُقَلِّبُ أَفِدَتَهُمْ وَأَبْصَرَهُمْ كَمَا لَمْ
)
فِي قُلُوبِهِم قَرَضُ فَزَادَهُمُ اللهُ
وقال : (
(
يُؤْمِنُواْبِهِ، أَوَّلَ مَرَّةٍ
مَرَضًا ) وقال: ( فَلَمَّا زَاغُواْأَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ
(
١٥٢

وهذا كما أنه حرم على بنى اسرائيل طيبات أحلت لهم لأجل
ظلمهم وبغيهم ، فشريعة محمد لا تفسخ ولا تعاقب أمته كلها بهذا ، ولكن
قد تعاقب ظلمتهم بهذا، بأن يحرموا الطيبات ، أو بتحريم الطيبات: إما
تحريماً كونياً بأن لا يوجد غيثهم، وتهلك تماريم ، ونقطع الميرة عنهم.
أو أنهم لا يجدون لذة مأكل ولا مشرب ولا منكح ولا ملبس
ونحوه كما كانوا يجدونها قبل ذلك ، وتسلط عليهم الغصص وما ينغص
ذلك ويعوقه . ويجرعون غصص المال والولد والأهل ، كما قال تعالى :
(
﴿ فَلَ تُعْجِبْكَ أَمْوَ لُهُمْ وَلَا أَوْلَدُ هُمَّ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُلِيُعَذِّ بَهُم بِهَا فِىِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا
وقال: ( أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُهُرِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * ◌َُارِعُ لَمْ فِ الْخَيْرَتِّ
وقال: ( إِنَّمَا أَمَّوَ لُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَةٌ
بَلَا يَشْعُرُونَ )
(
فيكون هذا كابتلاء أهل السبت بالحيتان .
وإما أن يعاقبوا باعتقاد تحريم ما هو طيب حلال الخفاء تحليل الله
ورسوله عندهم ، كما قد فعل ذلك كثير من الأمة اعتقدوا تحريم أشياء
فروج عليهم بما يقعون فيه من الإيمان والطلاق ، وإن كان الله ورسوله
لم يحرم ذلك ؛ لكن لما ظنوا أنها محرمة عليهم عوقبوا بحرمان العلم
الذي يعلمون به الحل ، فصارت محرمة عليهم تحريماً كونياً ، وتحريماً
شرعياً فى ظاهر الأمر ؛ فإن المجتهد عليه أن يقول ما أدى إليه اجتهاده
فإذا لم يؤد اجتهاده إلا إلى بحريم هذه الطيبات لعجزه عن معرفة
١٥٣

الأدلة الدالة على الحل كان عجزه سبباً للتحريم فى حق المقصرين فى
طاعة الله .
وكذلك اعتقدوا تحريم كثير من المعاملات التى يحتاجون إليها
كضمان البساتين ، والمشاركات وغيرها، وذلك الخفاء أدلة الشرع ،
فثبت التحريم فى حقهم بما ظنوه من الأدلة ، وهذا كما أن الإنسان
يعاقب بأن يخفى عليه من الطعام الطيب والشراب الطيب ما هو موجود
وهو مقدور عليه لو علمه ؛ لكن لا يعرف بذلك عقوبة له ، وإن العبد
ليحرم الرزق بالذنب يصيبه ، وقد قال تعالى: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل
لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْنَسِبُ ) فهو سبحانه إنما ضمن الأشياء
على وجهها واستقامتها للمتقين ، كما ضمن هذا للمتقين .
فتبين أن المقصرين فى طاعته من الأمة قد يؤاخذون بالخطأ
والنسيان، ومن غير نسخ بعد الرسول، لعدم عامهم بما جاء به الرسول
من التيسير ، ولعدم علم من عندهم من العلماء بذلك ؛ ولهذا يوجد
كثير ممن لا يصلي [ فى السفر قصرا] يرى الفطر فى السفر حراما فيصوم في
السفر مع المشقة العظيمة عليه ، وهذا عقوبة له لتقصيره فى الطاعة ؛ لكنه مما
يكفر الله به من خطاياه ما يكفره، كما يكفر خطايا المؤمنين بسائر
مصائب الدنيا .
١٥٤

وكذلك منهم من يعتقد التربيع في السفر واجباً فيربع فيبتلى
بذلك لتقصيره في الطاعة ، ومنهم من يعتقد تحريم أمور كثيرة من
المباحات التى بعضها مباح بالانفاق ، وبعضها متنازع فيه؛ لكن الرسول لم
يحرمه ؛ فهؤلاء الذين اعتقدوا وجوب ما لم يوجبه الله ورسوله ، وتحريم
ما لم يحرمه حمل عليهم إصراً ، ولم توضع عنهم جميع الآصار والأغلال
وإن كان الرسول قد وضعها ، لكنهم لم يعلموها .
وقد يبتلون بمطاع يلزمهم ذلك فيكون آصاراً وأغلالا من جهة
مطاعهم : مثل حاكم، ومفت ، وناظر وقف ، وأمير ينسب ذلك إلى
الشرع ؛ لاعتقاده الفاسد أن ذلك من الشرع ، ويكون عدم علم مطاعيهم
تيسير الله عليهم عقوبة فى حقهم لذنوبهم ، كما لو قدر أنه سار بهم فى
طريق يضرم ، وعدل بهم عن طريق فيه الماء والمرعى لجهله ، لا لتعمده
مضرتهم ، أو أقام بهم في بلد غالي الأسعار مع إمكان المقام
ببلد آخر .
وهذا لأن الناس كما قد يبتلون بمطاع بظلمهم ويقصد ظلمهم يبتلون
أيضا بمطاع يجهل مصلحتهم الشرعية والكونية ، فيكون جهل هذا من
أسباب عقوبتهم ، كما أن ظلم ذلك من أسباب مضرتهم ، فهولاء لم ترفع
عنهم الآصار والأغلال لذنوبهم ومعاصيهم ، وإن كان الرسول ليس فى
شرعه آصار وأغلال ، فلهذا تسلط عليهم حكام الجور والظلام ، وتساق
١٥٥

إليهم الأعداء ، وتقاد بسلاسل القهر والقدر ، وذلك من الآصار والأغلال
التى لم ترفع عنهم، مع عقوبات لا تحصى ؛ وذلك لضعف الطاعة فى قلوبهم
وتمكن المعاصي وحب الشهوات فيها ، فإذا قالوا (رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ
إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ) دخل فيه هذا.
وأما قوله : ( وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَاَطَاقَةَ لَنَابِهِ ) فعلى قولين :
قيل: هو من باب التحميل القدري ، لا من باب التكليف الشرعي
أي : لا تبتلينا بمصائب لا نطيق حملها، كما يبتلى الإنسان بفقر لايطيقه،
أو مرض لا يطيقه ، أو حدث ، أو خوف ، أو حب أو عشق لا
يطيقه ، ويكون سبب ذلك ذنوبه .
وهذا مما يبين أن الذنوب عواقبها مذمومة مطلقاً .
وقوله: ( مَن يَعْمَلْ سُوْءًايُجْزَبِهِ) و(فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا
يَرَهُ, * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرَّيَرَهُ ) قول حق، وقال تعالى فى
قصة قوم لوط: ( وَرَّكَافِيَهَءَايَّةٌ لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ).
فما من أحد يبتلى بجنس عملهم إلا ناله شيء من العذاب الأليم ،
حتى تعمد النظر يورث القلب علاقة يتعذب بها الإنسان ، وإن قويت
حتى صارت غراما وعشقاً زاد العذاب الأليم ، سواء قدر أنه قادر على
١٥٦

المحبوب أو عاجز عنه ؛ فإن كان عاجزاً فهو فى عذاب أليم من الحزن
والهم والغم ، وإن كان قادراً فهو فى عذاب أليم من خوف فراقه ، ومن
السعي في تأليفه وأسباب رضاه ، فإن نزل به الموت أو افتقر تضاعف
عليه العذاب ، وإن صار إلى غيره استبدالاً به أو مشاركة قوى عذابه،
فإن هذا الجنس يحصل فيه من العذاب ما لا يحصل فى عشق البغايا
وما يحصل مثله فى الحلال . وإن حصل فى الحلال نوع عذاب كان
أخف من نظيره وكان ذلك سبب ذنوب أخرى .
فإذا دعى الإنسان بهذا الدعاء يخص نفسه ويعم المسلمين فله من
ذلك أعظم نصيب ، كيف لا وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم :
((الآيتان من آخر سورة البقرة ما قرأ بهما أحد فى ليلة إلا كفتاه))
وكيف لا تكفيانه وما دعا به من ذلك لم يحصل له إلا ما حصل
لسائر المؤمنين الذين لم يقرؤوهما فإن الداعي بهذا الدعاء له منه نصيب
يخصه كسائر الأدعية .
ومما يبين ذلك أن الصحابة إنما استجيب لهم هذا الدعاء لما التزموا
الطاعة لله مطلقاً بقولهم : (سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) ثم أنزل هذا الدعاء فدعوا
به فاستجيب لهم .
ولهذا كانوا في الحنيفية السمحة على عهد رسول الله صلى الله
١٥٧

عليه وسلم ، وكانوا فيها على عهد أبى بكر خيراً مما كانوا فيها على عهد
عمر ، فلما كانوا فى زمن عمر حدث من بعضهم ذنوب أو جبت اجتهاد
الإمام فى نوع من التشديد عليهم ، كمنعهم من متعة الحج ، وكإيقاع
الثلاث إذا قالوها بكلمة ، وكتغليظ العقوبة في الخمر ، وكان أطوعهم الله
وأزهدم مثل أبي عبيدة ينقاد له عمر مالا ينقاد لغيره ، وخفي عليهم
بعض مسائل الفرائض وغيرها ، حتى تنازعوا فيها ، وم مؤتلفون
متحابون ، كل منهم يقر الآخر على اجتهاده .
فلما كان فى آخر خلافة (( عثمان)) زاد التغير والتوسع فى الدنيا ،
وحدثت أنواع من الأعمال لم تكن على عهد عمر ، فحصل بين بعض
القلوب تنافر حتى قتل عثمان ، فصاروا في فتنة عظيمة قد قال تعالى :
( وَأَتَقُواْفِتْنَةٌ لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَضَةً ) أي هذه الفتنة لا نصيب
الظالم فقط؛ بل تصيب الظالم والساكت عن نهيه عن الظلم، كما قال
النبي صلى الله عليه وسلم. (( إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه
أو شك أن يعمهم الله بعقاب منه )).
وصار ذلك سبباً لمنعهم كثيراً من الطيبات ، وصاروا يختصمون فى
متعة الحج ونحوها مما لم تكن فيه خصومة على عهد عمر ، فطائفة تمنع
المتعة مطلقاً كابن الزبير ، وطائفة تمنع الفسخ كبني أمية وأكثر الناس،
وصاروا يعاقبون من تمتع ، وطائفة أخرى توجب المتعة ، وكل منهم لا
١٥٨

يقصد مخالفة الرسول ؛ بل خفي عليهم العلم ، وكان ذلك سببه ماحدث
من الذنوب، كما قال صلى الله عليه وسلم: (( خرجت لأخبركم بليلة
القدر فتلاحى رجلان فرفعت، ولعل ذلك أن يكون خيراً لكم )) أي
قد يكون إخفاؤها خيراً لكم لتجتهدوا فى ليالي العشر كلها ؛ فإنه قد
يكون إخفاء بعض الأمور رحمة لبعض الناس .
والنزاع فى الأحكام قد يكون رحمة إذا لم يفض إلى شر عظيم من
خفاء الحكم؛ ولهذا صنف رجل كتابا سماه (( كتاب الاختلاف )) فقال
أحمد: سمه (( كتاب السعة)) وإن الحق في نفس الأمر واحد ، وقد
يكون من رحمة الله ببعض الناس خفاؤه لما في ظهوره من الشدة عليه،
ويكون من باب قوله تعالى: (لَا تَسْئَلُواْ عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَلَكُمْ
تَسُؤْكُمْ ) .
وهكذا ما يوجد فى الأسواق من الطعام والثياب قد يكون فى
نفس الأمر مغصوبا ، فإذا لم يعلم الإنسان بذلك كان كله له حلالا لا
إثم عليه فيه بحال ؛ بخلاف ما إذا علم ، ففاء العلم بما يوجب الشدة
قد يكون رحمة ، كما أن خفاء العلم بما يوجب الرخصة قد يكون عقوبة ،
كما أن رفع الشك قد يكون رحمة وقد يكون عقوبة. والرخصة رحمة،
وقد يكون مكروه النفس أنفع كما فى الجهاد : (وَعَسَّ
١٥٩

أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًاوَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّواْشَيْئًا وَهُوَشَرِّلَّكُمْ
والمقصود هنا أن من الذنوب ما يكون سبباً لخفاء العلم النافع أو
بعضه ؛ بل يكون سبباً لنسيان ما على ، ولاشتباه الحق بالباطل تقع الفتن
بسبب ذلك .
والله سبحانه كان أسكن آدم وزوجه الجنة وقال لهما: (وَكُلَامِنْهَا
رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا نَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ * فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطُ عَنْهَا
فَأَخْرَجَهُمَا مِمَا كَانَفِيَةٍ وَقُلْنَا أَهِْطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ )
فكل
عداوة كانت في ذريتهما وبلاء ومكروه وتكون إلى قيام الساعة وفى النار
يوم القيامة سبيها الذنوب ومعصية الرب تعالى .
فالإنسان إذا كان مقيما على طاعة الله باطنا وظاهراً كان فى نعيم
الإيمان والعلم وارد عليه من جهاته ، وهو فى جنة الدنيا ، كما فى الحديث :
(( إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا . قيل: وما رياض الجنة ؟ قال :
مجالس الذكر))، وقال: ( ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة )
فإنه كان يكون هنا فى رياض العلم والإيمان .
وكلما كان قلبه في محبة الله وذكره وطاعته كان معلقاً بالمحل الأعلى،
١٦٠